23. باب الموت وصلت الأصوات عبر الضباب. أوقظ صراخ إيلين أكثر من شخص في القرية، وأقبلوا نحوها، يحمل بعضهم المشاعل. وجوه عجوز حائرة، أناس توقفوا وحدّقوا ما إن رأوها ومارتيم بين القصب. تشكّلق حلّقة حولها، يراقبونها من الشاطئ، ولم يقترب أحد منهم. واصلوا التحديق فحسب. تراقص ضوء المشاعل على صفحة ماير البحيرة.
صاحت إيلين بهم: "المساعدة!".
لكنهم بقوا بلا حراك. ضربت صفحة البحيرة بقبضتها، وتفرقع الماء حيث بدأ الجليد يتعلق بالقصب، غير أنهم لم يتفاعلوا.
هتفت: "إنه يحتضر، يجب إحضاره إلى العطار لديكم، فهو بحاجة للأعشاب والشفاء!".
ظلّوا بلا حراك، وأخيراً فقدت إيلين صبرها.
صرخت: "أيها الحمقى! لقد كسرنا لعينتكم للتو، هو وأنا. أستتركونه هنا ليموت؟!".
سرت غمغمة بين الحاضرين عند ذكر اللعنة، ونظرات مصدومة، ثم صمت مطبق.
سألت عجوز حادة الأنف أخيراً، بشعرها الفضي الناعم ووجهها الذابل من العمر: "كيف عرفتِ بشأن ذلك؟".
وأردفت: "وماذا تقصدين بأنكم كسرتموها؟".
قالت إيلين، مغادرة جانب مارتيم وناهضة على قدميها، محدقة في الحشد المتجمهر: "أعني أنها أُبطلت!".
وتابعت: "أيتها البخاسات الفاسدات، انقلوه! أأضطر للرجاء؟!".
لكن العجوز التي تكلّمت قبل قليل كانت تهز رأسها، وعيناها تلمعان غضباً.
بصقت قائلة: "أنتما… كلاكما، عرفت أنكما لستما طبيعيين. تظهران هنا، وما هي إلا لحظة حتى نجد فاليري وميرسي ميتتين، ومفترض أن نصدق أن إحداهما قتلت الأخرى. أي شخص عرف هاتين الفتاة لم يكن ليفعل ذلك أبداً! والآن ذهبتما إلى الجزيرة، تثيران المشاكل…".
نظرت العجوز من تجاوزها إلى داخل القارب، واتسعت عيناها عند رؤية سيسيل وفليت؛ القطة المتكومة بجوار ذراع الساحر، والحسون المتخذ من شعره عُشّاً. نظرت إلى إيلين مجدداً وبدا الإدراك الفجائي واضحاً على وجهها.
هتفت: "أنتِ…".
دوى صوت آمر وسط الحشد: "ما الذي يجري هنا بحق الجحيم؟"، وكاد القرويون المجمتعورن يفارقون الحياة من الفزع.
تراجعوا ليتركوا ريتر يمر، ومعه فينل بجانبه. كان صاحب النزل قد شدّ سيفه إلى حزامه، ومشى باستقامة وثقة، وعيناه الزرقاوان الصافيتان أشد حدة من أي وقت مضى.
صاح: "حسناً؟"، فانتفض الجميع مجدداً، وكادت إيلين تنتفض معهم.
تابع بحدة: "ما الذي تظنونه أيها الحمقى أنكم فاعلون؟ لمَ تقفون هكذا وحسب؟ خذوا الفتى إلى دكان مينيرفا. أنتما الاثنان. حالاً! والباقون، تفرّقوا!".
أشار ريتر إلى رجلين، وإن بدأ الشيب يسري في شعريهما، إلا أنهما كانا عريضي المنكبين واسعي الذراعين من حياة جرّ الأسماك. خطا الرجلان اللذان أشار إليهما ريتر خطوة للأمام فعلاً قبل أن تصرخ العجوز مجدداً.
بدأت تقول: "مهلاً لحظة يا جاك ريتر…".
زأر ريتر: "اصمتي أيها الكلب!"، وكانت نظرة الغضب التي رماها بها شرسة لدرجة أنها لاهثت وتعثرت إلى الوراء، وكادت تسقط.
أردف بحزم: "ليس لدينا وقت لنمهل لحظة! رجل يحتضر وقد يُنقذ، وكل ما عدا ذلك ينتظر! تحركا الآن أيها الأوغاد اللئام، تحركا، وإلا سلخت الجلد عن ظهورهما!".
لم يعد هناك مجال للاستجواب بعد هذا. تحدث ريتر بسلطة مطلقة طاغية لدرجة أن القرويين المذهولين أطاعوا بلا نقاش. خاض الرجلان المفتولان العضلات في الماء لسحب القارب إلى الشاطئ وحملا مارتيم بينهما بسهولة بالغة. قفز سيسيل من القارب ما إن اقترب من اليابسة، وانطلق راكضاً نحو الأشجار؛ وحملت إيلين فليت الرقيق للغاية على كتفها. كان الطائر يغرد بحزن، ولم تحول عيناه عن ساحره. وبينما تم ذلك، ظل ريتر يطلق الأوامر.
"جايس! نعم يا رجل، أنت! خذ حصانك وذهب لإحضار مينيرفا، وعد بها بأقصى سرعة. أترى النار عبر البحيرة؟ هناك حيث تكون. وأنت يا فينل، تعال أيضاً. ساعد في حمل عتادهم. لن أسمح بسلبهما".
وما راعها إلا أن صاحب النزل صار إلى جانبها، وكاد يرفعها من بين القصب عندما أخذها من ذراعها.
سأل بصوت ناعم بدَا نقيضاً صارخاً لنبرته القاسية المختصرة التي استخدمها قبل لحظات: "أأنت مصابة أيضاً؟".
وعندما هزّت رأسها، أطلق تنهيدة ارتياح.
"ما الذي حصل؟".
قالت له فيما كانا يمشيان: "كان هناك شيطان".
وهي الأخرى لم تحول عيناها عن مارتيم. بدا مبعث ارتياح، على الأقل، رؤية أنه سيلقى علاجاً.
"عضّه، وسمّمه".
تنهد ريتر مجدداً، وهزّ رأسه بوجه عبوس.
"وهذا… هل انتهى الأمر إذن؟".
"نعم. الشيطان ميت".
وبعد هنيهة، أضافت: "وإيزيكيال أيضاً".
تصلّب، وفاتته خطوة عند ذلك، لكن وجهه لم يظهر أي مشاعر.
قال باقتضب: "هذا جيد. هذا جيد".
كان دكان مينيرفا أكبر من معظم بيوت البلدة، لكنه ظل يبدو ضيقاً لامتلاءه الشديد. وقفت الطاولات قرب كل نافذة حاملة نباتات في أوانٍ، واحتلت رفوف ضخمة جداراً كاملاً مصطفّة بها هاونات ومقاصف بأحجام متزايدة، وقدور ومقاه، وحزم من الأعشاب المقطوعة والمجففة، وحتى بعض الأواني الزجاجية الثمينة الضبابية، إلى جانب ما بدا أنه جمجمتا خروف. وتدلت قرعيات مجففة من السقف، وغدا المكان مشبعاً بعطر الأعشاب الزكي.
أحضر قرويو البلدة مارتيم إلى الخلف، حيث تحتفظ مينيرفا بغرفة مرضى. كانت خاوية مجرّدة، لا شيء فيها سوى كرسي، وسرير صُنع بإتقان، ودلو في الزاوية. وضع القرويون الساحر على السرير بخشونة مفرطة لم تعجب إيلين.
قال لهم ريتر: "حسناً. الآن، اذهبا لجلب بعض الماء، وأشعلا ناراً في الموقد. لا أعرف الكثير عن الأعشاب، لكني أعرف أنهن يطلبن دائماً ماءً مغلياً".
بدا الرجلان مستعدين للإطاعة، لكن أحدهما توقف والتفت إلى إيلين.
"أه… أهذا حقيقي فعلاً؟ ما قلتِه؟ أنه قد زال؟".
أجابته بإعياء: "لقد زال".
تبادلا نظرات الدهشة، وأومآ لها، قبل أن يتحركا لتنفيذ أوامر ريتر. في الحقيقة، بالكاد لاحظت سؤالهما، فضلاً عن رد فعلها. كانت عيناها مسمرتين على مارتيم المُمدّد على السرير. تحركت بلا كلام لفحص كتفه المضرجة بالدماء، وساعدها ريتر في نزع عباءته وملابسه الجلدية حتى جُرّد حتى خصره. كان جسد الساحر مرعباً. جرح كتفه كان عميقاً، عميقاً جداً، وبدا الدم الطازج ينزّ منه مع كل نبضة قلب.
وحيث كان باقي جسده شاحباً بارداً، كان ذلك الجرح حارقاً. لكن ما أرّقها حقاً كان تلك المحاليق السوداء التي تنسج طريقها خارجة من الجرح، متتبعة خطوطها عبر لحمه. قفز فليت فوق صدر ساحره، ناقراً هذه المحاليق، ومغردك بغضب عندما لم يستطع التاطها كالديدان. أنصتت إيلين لأغنيته الحمراء، فكانت واهنة، واهنة جداً، غارقها قرع الأجراس. دست يدها في يده مرة أخرى. كانت تعرف هذا السم، وتعرك أن اللمسة البسيطة، وتذكير دفء الحياة، قد يساعدان في إبقاء المرء متعلقاً بعالم الأحياء.
قال ريتر بهدوء: "أنا آسف".
التفتت إليه بعنف، محدقة به.
"ممّ أنت آسف؟ أين مينيرفا؟ ألا تعرف معنى العجلة؟".
إلا أنها، بالطبع، كانت تعرف جيداً ممَ هو آسف. كان آسفاً لأنه يعلم أنه لا شيء يمكن فعله. لن تنقذ أي أعشاب شخصاً وصل إلى هذا الحد. غبي آخر، فكرت إيلين بشراسة. فني وأعشابي كلاهما قد يشفيانه. مارتيم قوي. لم يمض وقت طويل حتى وصلت مينيرفا، يعلن عن قدومها صوت حوافر العدو، وإن بدا الانتظار مؤلماً. وما إن رأت العجوز البدينة مارتيم، حتى شرعت تطلق الأوامر بسلطة تكاد تعادل سلطة ريتر حين طرد الحشد.
بدا كل ذلك كزوبعة بعد ذلك. أمرت مينيرفا بتجريد مارتيم تماماً، ووُلف بمنافش كتان منقوعة في ماء ساخن لأجل لحمه البارد، وكمادة من ماء بارد كالثلج لجرحه الحارق. وحين سمعت أن شيطاناً عقرَه، لعنت، وسألت عمّا إذا كانت إيلين تمتلك أياً من لحم المخلوق. وحين أجابت بالنفي، لعنت مينيرفا مجدداً. سحقت العطارة أوراقاً جافة إلى مسحوق ونفخته في الجرح؛ وهرست عجينة من التوت والأوراق في هاونها ومقصفها، ولطخت بها اللحم التالف؛
وخلطت مرقاً ترابياً من الفطر والأعشاب وأطعمته للساحر في رشفات لطيفة، ممضدة حلقه حتى ابتلع. بقيت إيلين إلى جانب مارتيم طوال تنفيذ ذلك، جالسة على كرسي، ممسكة بيده لتثبيته في عالم الأحياء، منصتة لأغنيته الحمراء. بدا أن هذا كله خلّف أثراً ما عليه. استعاد بعضاً من لونه، وبدا أن المحاليق السوداء تراجعت قليلاً. وفي غمرة أغنية جسده، بدا أن الأجراس هدأت، وفعلت ما ظنت أنها تستطيع فعله للمساعدة بالفن، لكنها في الواقع لم تدرِ أكان له أي أثر على الإطلاق.
وفي النهاية، رقد الساحر في السرير، ملفوفاً بالملاءات، وكتفه مضمّدة بإحكام، لكنه ظل فاقداً للوعي. كانت مينيرفا قد صرفت ريتر وبقية الرجال منذ زمن، ووقفت عند طرف السرير، وشعرها المشدود مرتبكاً.
قالت برفق: "حسناً. هذا كل ما في الأمر إذن. أنا آسفة".
رمشت إيلين، ثم رفعت عينيها إلى المرأة. لم يعجبها مظهر الشفقة الذي رأته هناك.
"ماذا تقصدين، هذا كل ما في الأمر؟ إنه…إنه يتحسن، إنه يستعيد قوته…"
أخبرتها مينيرفا بلطف، وهي تمسح يديها بمئزرها: "أعني أنني فعلت كل ما بوسعي. وهذا أقصى ما سيبلغه من حال".
عضّت على شفتها، ورأت إيلين الدموع في عيني نظرة شفقة كرهتها.
"أنا آسفة يا فتاة. أنا آسفة حقاً. كلاكما يستحق ما هو أفضل، لكنت أعطيت يدي إن ظننت أنها ستشفيه. لكنه لن يتحسن أكثر من هذا".
نهضت إيلين، وتألقتا عيناها.
انتقدت قائلة: "كيف يمكنك قول ذلك؟"، لكنها كانت تعرف جيداً كيف يمكن قوله.
إن كانت هذه هي أفضل صحة يمكن جلب مارتيم إليها، حسناً، فإنه لا يزال على حافة الموت.
"لا بد أن هناك شيئاً آخر… للعينتك، لقد أنقذناك، ألا يمكنك إنقاذه؟! لقد أنقذنا هذه القرية الملعونة برمتها، أليس هناك ما يمكنك فعله؟!".
إن كانت مينيرفا قد غضبت من نوبتها، فلم تظهر أي علامة على ذلك. هزت العجوز رأسها بحزن فحسب، مستنشقة نفساً طويلاً مرتعشاً.
"يمكننا تركه لينام طوال الليل. احصلي على بعض الراحة. لكن ذلك لن يفعل الكثير. و…"
مدّت يدها إلى حقيبتها، باسطة كفّها. استقرّت فيها ثلاث حبّات توت شديدة السواد.
قالت: "عشبة الغورم. إن عانى، فهذه ستمنحه رحيلاً هادئاً".
حدقت إيلين في حبات التوت السوداء، شاعرة بأنها ضائعة، كأن جسدها ليس لها. التفتت بنظراتها إلى الساحر. كان شاحباً، تنفُّسه مجهداً، وفليت منكمش في ثنية عنقه. حدقت عيناها السوداوان من الحسون بها، قبل أن يغلقهما ببطء، ويخلد إلى النوم. كل ما فعلته لإعادته. كل ما فعلته للعثور عليه. وكل ذلك بلا جدوى. لا. لن أترك الأمر هكذا. في ذلك الصمت، أدركا الاثنان أصوات هتافات آتية من خارج الدكان.
سألت إيلين، وهي تضع حبّات الغورم في جيبها: "ما هذا؟".
زمجرت مينيرفا ومضت متبخترة: "حماقة بلهاء لا قيمة لها".
رمقت إيلين مارتيم نظرة مترددة، ثم تبعتها إلى الغرفة الرئيسية للدكان، ناظرة كيف اختارت العجوز بعناية وعاء حديدياً متيناً بمقبض خشبي طويل.
"خذي نصيحتي، ولا تقمري بقرش نحاسي على عقل القرويين السليم. ابقي هناك مع ساحرك يا فتاة، ولا تشغلي بالك بذلك".
لكن إيلين لم تفعل؛ بقيت خلف العطارة، متطلعتاً من فوق كتفها بينما فتحت المرأة البدينة باب الدكان، واقفة على أطراف أصابعها لترى ما يحدث في الخارج. في مقدمة الدكان، وقف ريتر يحرس الباب، وحوله نحو اثني عشر قروياً، يكاد شعرهم جميعاً يغلب عليه الشياب، وملابسهم متسخة ومقطّبة الجبين، وبعضهم يحمل المشاعل. كان وجه ريتر محتدماً بالحمرة، ووضع يده على مقبض سيفه، مع أنه لم يسله بعد.
كان في خضم القول: "أخبرتكم أيها القوم أن تعودوا إلى منازلكم الملعونة…"، لكن صوته غرق وسط الصيحات والهتافات عندما فتحت مينيرفا الباب.
"مينيرفا! ماذا يحدث؟ ماذا فعل الغرباء؟"
"لمَ تحبسينهم داخل دكانك؟"
"أهم… أهناك ساحرة حقاً؟"
صاحت العطارة لتسكتهم، ضاربة بوعائها الحديدي على كفّها: "ما يحدث هو أن دكاني مغلق، وإن لم تغادروا عتبتي فسأضربكم حتى تدموا! لا تنظروا إلى ريتر، انظروا إليّ! ستتمنون لو أن ريتر هو من تعامل معكم حين أنتهي! لدي رجل جريح بالداخل، وهو بحاجة لراحته. لن أسمح لكم أيها الحمقى بإحداث جلبة على عتبتي بينما يحاول النوم!".
"إنهما ساحرة! وساحر! لقد رأيت مألوفيهما!"
وكانت تلك هي العجوز ذاتها ذات الشعر الفضي والأنف المعقوف التي سببت كل تلك المشاكل عند الشاطئ. تقدمت بخطى نحو الأمام أمام الحشد، ملوّحة بإصبعها.
"وكنتِ تعلمين، أليس كذلك؟ كنتِ تخفينهما عنا!".
"تمهّلي يا نوس".
جاء هذا الصوت منخفضاً ومجلجلاً من أحد الرجال عريضي المنكبين ممن ساعدوا في حمل مارتيم. رمق العجوز نظرة مستهجنة، لكنها ردت التحديق باحتقار مطبق. هز رأسه، ثم التفت مجدداً إلى الدكان.
"انظر يا ريتر، نريد بعض الإجابات فقط. الفتاة بالداخل أخبرت الجميع…"
وتلاشى صوته، وهدأت الحشود فجأة، صامتة غير راغبة في الحديث عن اللعنة حتى بعد أن تكون قد زالت.
"…أذهبا إلى الجزيرة حقاً؟ أ…أحقاً قد أُنجز الأمر؟".
بصقت نوس: "هراء"، وبدا وجهها الذابل قناعاً من الغضب.
"إنها نقمة، نقمة، الفن كله نقمة! كيف ندرك أنهما لم يكونا من قتل ميرسي وفاليري؟".
سرت غمغمة بين القوم المتجمهرين هناك، لكن مينيرفا قطعتها بضربة من وعائها على الجدار الحجري للدكان.
صرخت بصوت أعلى مما ظنت إيلين أن المرأة قادرة عليه: "أخسسا ألسنتكم الشريرة! لن أستمع إلى هذا الافتراء! احتجزتني فاليري رهينة، وهي من قتلت ميرسي - فقد أخبرتني بذلك - وكانت تخطط لقتلي أيضاً! وكل ذلك خدمة لقوة مظلمة وعدتها بالانتقام لعائلتها. لقد أنقذاني!".
بصقت نوس باحتقار: "طبعاً ستتقولين ذلك. إن كانا قد سحراكِ. أنا أعرف كيف تعمل أمور كهذه. ستكونين عبدة لهما الآن، و…"
فجأة، رأت العجوز ما خلف مينيرفا، والتقت عينا إيلين.
صاحت متشفية: "ها هي ذا! ها هي الساحرة الآن!".
تمتم حشد القوم فيما بينهم. لم يبدُ أي منهم مقتنعاً تماماً كنوس، لكن كانت هناك تمتمات غاضبة، وكلمات ساخنة متبادلة بين من وافقوا ومن لم يوافقوا. كان ريتر يصيح بالمجادلين ليعودوا إلى منازلهم، وكانت مينيرفا ونوس تُهين إحداهما الأخرى. وأخيراً، ضجرت إيلين من كلماتهم، وتخلق غضب مظلم في دواخلها. هؤلاء الخنازير اللئام الجاحدون. لم يكن لديها وقت لهذا الهراء.
شقّت طريقها مرفقة بالمرفقين خارجة من الدكان وصرخت: "حسبُكم!".
حدقت في الحشد بحِدّة وغضب، وعلى الرغم من أنها كانت أقصر برأس كامل من أصغرهم، إلا أنهم صمتوا.
وبدت الكراهية واضحة في نبرتها وهي تقول لهم: "أنتم على حق، أنا ساحرة. والرجل المرافق لي، هو ساحر".
قاطعتهانوس، شاهرة إصبعها نحوها: "عرفت ذلك. هؤلاء الغرباء، جاؤوا إلى هنا، وهم…".
استدارت إيلين نحو العجوز وناجت الظلال بالفن، فصار الظلام حول نوس حالكاً كالقطران، وارتسم ظلها الكبير محيطاً بها. صرخت، وفعَل آخرون مثلها، قبل أن تدع إيلين ظلها يعود لطبيعته.
صاحت بصوت يعلو فوق التتمات المحتضرة والصدمة الخرساء للقوم الخائفين: "لم يكن لي ول مارتيم أي اهتمام بقر يتكم السخيفة الصغيرة. ولكن من فرط طيبة قلوبنا، حين علمنا أنكم ملعونون، أزلناها عنكم. نعم، لقد انتهى الأمر، ولا، لن أتحدث عن ذلك الآن! تأخذون الفن عليّ، ومع ذلك احتججتم إلى الفن ليزول. لن أتسامح مع هذا الجحود! لقد تركتم اللعنة تتعفن وتتفاقم، ولم يفعل الساحر وأنا شيئاً سوى المخاطرة بحياتنا لشفائكم".
وتحت نظراتهم الخائفة، أشارت بإصبعها نحو الدكان.
"ها هو يرقد جريحاً ومثقلاً، كل ذلك في خدمة لكم! وتجرؤون، تجرؤون على مواجهتي بالاتهامات الآن؟!".
قالت الأخيرة وهي تحدق مباشرة في نوس، فارتجفت ساقا العجوز.
وما زالت تجد الشجاعة لفتح فمها، لكن نبرتها صارت تصالحية أكثر بكثير الآن: "ما زلنا بحاجة لنعرف - بحاجة لمعرفة كل ما جرى، ونحتاج إلى دليل على زوالها، ونحتاج إلى معرفة الحقيقة الكاملة لما جرى مع فاليري وميرسي…".
قاطعتها إيلين: "انتظروا حتى الغد"، فأطبقت العجوز فمها بإحكام.
"بما أن عطارتكم المتخلفة لا تستطيع شفاءه، فيجب أن أفعل ذلك بنفسي الليلة. غداً سنخبركم بكل ما ترغبون في سماعه. لكن احذروا تحذيري! إن قاطعتُ في حرفتي - إن سمعت همهمة فأر الليلة - إن تجرّأ أحدكم على دخول ذلك الدكان - فسأجعلكم تندمون على اليوم الذي وُلدتم فيه! سأعطيكم تعويذة حتى تصبح دماملكم ذات دمامل! سأذبل محاصيلكم وأسمم بحيرتكم! سأطارد كوابيسكم! وحين يصحو، سيحرق قريتكم البائسة برمتها إلى رماد! لن يترك حجراً فوق حجر! ستتوسلون لاستعادة لعنتكم…!".
وبينما كانت تتكلم، تقدمت بخطى، شاهرة إصبعها نحو الحشد؛ وعلى الرغم من أنها كانت أصغر بكثير من أي منهم، وعلى الرغم من أنهم كثر وهي وحدها، إلا أنهم تراجعوا عنها. وجوه عجوز، وجوه متعبة، شعرها رمادي وبليد، وعيون مهشمة تحدق بها، لكنها لم تتبنَّ أي شفقة تجاههم.
هجست: "حسناً؟ أسيُترك لي السلام هذه الليلة؟".
حدقت إيلين في نوس أثناء قولها ذلك، وانفتح فم العجوز وانغلق عدة مرات. ألقت نظرة على الحشد، ولم يبدُ أحد متحمساً للوقوف في صفها الآن. نظرت خلف إيلين، نحو الدكان، حيث وقف ريتر ومينيرفا، لكن لم تكن لديهما سوى نظرات باردة لها هي الأخرى.
تمتمت على مرقض: "حسناً. سيُمنح لك ولرجلك وقت للتعافي، لهذه الليلة. لكن يجب أن تعطونا إجابات بعدها".
أجابت إيلين: "حسناً. الآن ارحلوا".
وحين ظل القوم يحومون ويتأخرون، ضربت بقدمها وزمجرت: "قلت ارحلوا!".
تمددت الظلال وعلت؛ واكتسبت قروناً ومخالب تمتد كما لو كانت لتلتقي بالقرويين، ومع صرخات وهتافات وصيحات هربوا، وأسقط بعضهم مشاعلهم وهم يجرون عودين إلى الضباب. لم تكلف إيلين نفسها عناء مراقبتهم وهم يرحلون. استدارت وسارت مباشرة نحو الدكان. بدا أن مينيرفا وريتر يريدان التحدث إليها، لكنها تجاهلتهما.
صاحت بحدة بينما أخبرها ريتر بشيء عن وضع حارس على الباب: "لا أهتم أبداً بما تفعلونه. اتركاني بسلام ودعاني أقوم بعملي!".
أغلقت الباب خلفها بقوة، ومشت عائدة إلى غرفة المرضى. كانت غاضبة؛ غاضبة من عجز القرويين، الذين عاشوا في ظل هذا الشر طويلاً، والآن يبدو أنهم يكادون ينقمون عليها لإنهاء الأمر؛ وغاضبة من عجز مينيرفا عن شفاء مارتيم، وغاضبة من عجزها هي نفسها عن فعل أي شيء. حين فتحت الباب وأمعنت النظر في وجه الساحر المنير بنور الشموع، هوى قلبها. بدا أن اللون الذي أعادته علاجات مينيرفا إليه قد بدأ يتلاشى، وبدا كجثة تقريبا، مع أنه كان لا يزال يتنفس بوضوح.
سحبت الملاءات للوراء ورأت، حقاً، أن المحاليق السوداء قد بدأت تنتشر من كتفه مجدداً، متسللة عبر صدره وصعوداً نحو عنقه. أمسكت بيده، الباردة جداً الآن، وعلت قبل أن تنصت أن أغنيته الحمراء كانت تغرق في صخب من الأجراس. ليس هناك سوى شيء واحد يمكنني فعله. أيها الرحمة أرجوك، اتركيني أحصل على إجابة. نظرت إلى فليت، الحسون الصغير المنكمش نائماً بجانب رأس سيده، وممدت يدها لالتقاطه.
ولمفاجأتها، استيقظ الطائر، وغرد بذعر عند رؤية يديها تمتدان إليه، ورفرف هارباً إلى حافة النافذة لتفاديها. كان ذلك جيداً، على الأقل. ربما لم يكن جناحه مصاباً بسوء بالغ إن استطاع القيام برحلات قصيرة كهذه.
أخبرته: "أرجوك أيها الصغير. ساحرك يحتضر، ولا أحد هنا يستطيع مساعدته. سأبذل قصارى جهدي لشفائه، لكن يجب أن أحظى بأقصى درجات التركيز لإنقاذه. أيمكنك تركه وشأنه معي؟ لفترة قصيرة فقط؟ قد يعني ذلك حياته".
حدق فليت بها بشك بعين سوداء براقة، مرتجفة عرفه صعوداً ونزولاً، ومطلقاً تغريدات قصيرة متمتمة. أغضبها أنها لا تتحدث لغة الطيور ولا تستطيع معرفة ما يقوله. عليك أن تطلب من مارتيم تعليمك، متى ما أفاق. وسوف يفاق. سيعيش. سيفعل. أخيراً، نقر الحسون حجر عتبة النافذة. لم تكن تدري إن كان ذلك يعني موافقته أم لا، لكنه لم ينكمش حين اقتربت، وسمح لها بحمله. فكرت، وهي تدفع الستارة وتمتد لتضع فليت على غصن شجرة قريب، كم كانت الطيور خفيفة ورقيقة.
غرد المألوف لها بشيء ما، سلسلة طويلة معقدة من التغريدات، وظنت أنه لابد يقول شيئاً مهماً، لكنها لم تستطع سوى التحديق إليه بلا فهم. وأخيراً، رفرف بعيداً نحو غصن أعلى، واختفى عن الأنظار. التفتت إيلين إلى مارتيم، جالسة على الكرسي بجانب سريره. تمنت بشدة أن تكون هناك طريقة أخرى، لكنها لم ترَ خياراً آخر. مسحت على الخاتم الداكن المستقر على إصبعها، وما زال بارداً وميتاً.
تمتمت: "أبي. يا أبي، إن كنت تسمعني، فأجب أرجوك. إنه يحتضر، ولا أعر كيف أنقذه. أرجوك".
في البداية، لم تحصل على إجابة، ووقعت في يأس قاحط. كان هذا كل شيء، خيارها الوحيد، ولن يجدي نفعاً. لكن خاتمها بدأ بعدئذ يدفئ على إصبعها، وفي كل زوايا الغرفة، امتدت الظلال. وداخلها، التوى شيء، وتفكك، وغزل. ===***=== امتد حقل طويل ومتموج من الزهور أمام مارتيميوس، على مدى البصر. كانت السماء سوداء وميتة، بلا نجوم، لكن الزهور ذاتها توهجت بضوئها الفضي الخاص، شفافة كالأشباح.
كيف أتى إلى هنا؟ همست الذكريات له، لكنها كانت تشبه محاولة الإمساك بالرياح. ببطء، ببطء، تسرّبت عائدة، فقط حين كفّ عن محاولة إمساكها. تذكر البراق، قتاله له، وقتله، والشيطان الذي أتى بعده. لكن حينها الساحرة… إيلين، نعم، كان ذلك اسمها… أخبرته بأنه قد سُمّم. وبدت خائفة جداً أيضاً. وحينها…
قال بصوت عالٍ، لا لأحد بعينه: "أظن… أنني قد أكون ميتاً".
لم يشعر بأي شيء إزاء هذه الفكرة. شعر بدهشة لعدم شعوره بأي شيء أكثر مما شعر بدهشة، أو حزن، أو غضب لفكرة الموت. وفي تلك اللحظة إذن، بدا الأمر منطقياً بالنسبة له. لم يكن يحب أن يكون ميتاً، لكن في النهاية، يحدث ذلك للجميع. لن تعرف أبداً ما جرى لأخيك. كان ذلك مزعجاً أكثر بقليل، ومع ذلك، طالما اعتقد أنه كان احتمالاً بعيداً في كل الأحوال أن يحصل على إجابات قاطعة حول ذلك.
ولم يكن صحيحاً، علاوة على ذلك. على الأرجح، كان أخوه عظاماً. ربما سيلتقي به هنا في أراضي الأموات. لن ترى فيفيان مجدداً. ألسع ذلك. لقد تاق إلى الأيام التي قد يعود فيها إلى فيفيان الحلوة ذات الشعر الذهبي، إلى حبها. ومع ذلك كان هناك جزء ضئيل منه طالما عرف أن الأمور لن تعود كما هي ما إن يعود. كان العالم مليئاً بالحب الذي تحول منذ زمن إلى غبار. قد تموت إيلين محاولة إنقاذك.
عصف به الشعور بالذنب عند تلك. لم يطلب من الساحرة أن تأتي معه، لعينتها. إن عادت بسلام، فتساءل عما ستفعله بجثته. أستعتني بفليت؟ لكن كل هذه كانت أفكاراً للأحياء، ومع الوقت، تلاشت، وتُرك مع فراغ هادئ وبارد، وهدوء نهائي. لقد كان ميتاً، ولم يعد أي شيء يهم كثيراً بالنسبة له. لم يعد ينتمي إلى عالم الأحياء، ولا يملك أي قوة لتغيير الأمور هناك بأي شكل. لم يبقَ سوى أراضي الأموات الآن، وأياً كانت الألغاز التي تكمن خلف الحجاب.
الزهور التي بدت منسوجة من ضوء القمر امتدت بلا نهاية أمامه، بحراً من الفضة، ومن راحة باردة صامتة، ومن النهاية. إلا أنه، بعيداً في الأفق، استطاع رؤية عقدة من الظلام تنمو في ذلك البحر الفضي المتموج. وفجأة، تحطم فراغه المكتشف حديثاً. عرف ما كان يكمن هناك، بطريقة ما. في تلك البقعة السوداء، تلك اللطخة المعقدة على المشهد، كفرتُ ممزق في الضوء الفضي، ثقب إلى الظلام الحالك.
عرف من كان يرقد هناك. لقد سمع صوته في أحلامه. حاول إنكاره، حاول إقناع نفسه بأنه لم يكن سوى كابوس، وأنه اقتصر ببساطة على أحلامه؛ لقد تجاهله بحماقة، غير راغب في التفكير فيه، حتى حين غطى أفكاره بالمزيد والمزيد من الظلمة، والآن لم يكن مستعداً لما كان يكمن هناك. عرف، وعرف، وعرف أنه حقيقي، وعرف الرعب أيضاً، والهلع الخفيف. لم يستطع مواجهة ذلك، لم يستطع، لم يستطع، لم يستطع…
الوجه المحطم، العين المحدقة… أنا مسرور جداً لأني سأراك مجدداً. لرعبه، تحركت قدماه رغماً عنه، دافعتين به إلى الأمام، وداس حذاؤه الزهور الأشباح، إلى الأمام، إلى الأمام نحو تلك العقدة من الظلام في الأفق.
أنين: "لا، لا، أرجوك، رحمة، أرجوك!".
لكنها تقدمت، حتمية، وتدحرجت الزهور أمامه. وفي مكان الموت السرمدي هذا، لم تعنِ المسافة شيئاً. كان على خطوة واحدة، كان على ألف خطوة، كان بعيداً كنجم خافت ومضئ. لم يتطلب الأمر سوى لحظة، وتطلب عمراً، لكنه كان هناك، مهما صارع، كان هناك. وبات بمقدوره رؤية ما كانت عليه تلك الآفة السوداء في حقول الأموات. كانت تشابكاً من كروم الشوك الأسود. ضخمة، وكبيرة بشكل لا يصدق، كبيرة لدرجة بدا معها أنها تخمش سقف العالم ذاته.
كانت هناك كروم بكل سمك، بعضها نحيل ودقيق كما رأى في الحياة، وأخرى بسمك منزل، بل أسمك، بسمك قريته بأكملها، وأشواكها بحجم قلاع، أرض كاملة من الشوك تنمو كورم بين الزهور، كجدف، ونمو بينها عدد لا يحصى من الزهور الحمراء الشريرة، كالقروح النازحة. وبعيداً في الأعلى، ناظرين حيث امتدت تلك الأشواك إلى السماء الخالية من النجوم، طارت شياطين لا تحصى كالبعوض بين الأشواك. شيطان الثعبان ذو الريش الأسود الذي واجهه مع البراق، فقط بعدد لا نهائي منهما، متموجاً على نسيم لم يستطع إحساسه وفتحوا مناقيرهم لتنطلق صرخة من أجراس قرع لا تنتهي، إلى الأبد في ذلك السواد، في الظلام.
بدت عقدة الظلام تلك تتنفس، لا، تنبض، كقلب. كانت قذرة، كانت مريضة، كانت خاطئة. وفوحت برائحة التعفن والموت، نتانة القبر. هذا الشر، هذا الشذوذ الضخم، ما كان له أن يوجد - وما كان للملوك أنفسهم أن يسمحوا بحدوثه، كيف سُمح به؟ تصاعد اشمئزاز في قلب مارتيميوس وتلاحم مع الرعب هناك، ولم يكن هذا الأسوأ، كان يعلم، كان يعلم الآن أن الأسوأ يكمن في الداخل. لكن لم يكن بوسعه مقاومة النداء أكثر مما استطاع إرادة قلبه أن يتوقف عن الننبض بينما كان لا يزال حياً.
ولذا تبع مساراً في متاهة الكروم التي لا تنتهي، المتاهة التي رآها من قبل في أحلامه، مسار الغبار. وفي بداية المسار، متشابكاً في جدار الكروم، ومخترقاً بألف شوكة، كان هناك رجل طويل ونحيل. نزف الدم من جروحه، ولوّن رداءه الجميل المزخرف بالزهور، وبلّل بلوزته المكسوة بالكشكشة، وتغلغل في الأرض العطشى تحته. وتصلّب على وجهه، الذي كان وسيماً، بل ملكياً في يوم ما، لكنه بات ممزقاً وبالياً، وحدقت عيناه من خراب من جنون محطم.
عرف مارتيميوس هذا الرجل، ورآه من قبل. عرفه من ملابسه، لكنه ظن أنه كان سيعرفه حتى لو كان عارياً. كان إيزيكيال، البراق.
توسل إيزيكيال، والدم يتطاير من تمزقات شفتيه: "أ… أرجوك. عليك أن تخبره".
توقف مارتيميوس، للحظة واحدة فقط، ليسمع التماس هذه الروح الملعونة الأخير.
تابع الرجل، والدم يسيل من جروحه بينما كان يقاوم الأشواك: "أرجوك، أرجوك، أوه أرجوك، لم أكن أعلم، لم أكن أعلم، أنا… ظننت أنني أتعهد بستاناً… يجب قطف البراعم الجديدة للسماح… أرجوك! أرجوك، يجب أن تخبره، لم أكن أعلم! اغفر لي أرجوك! رحمة، أرجوك، رحمة!".
كان هذا عويله الأخير المؤلم. ومن أعماق الأشواك أتى… زئير ما، لوحش غير مرئي، شاسع وجائع وممتلئ بالغضب، وحش أضخم من أن يُفهم. هدير بدا وكأن الأرض نفسها تتشقّق مفتوحة، بعيداً في الأفق. صوت مستحيل. وتوترت الكروم، وانقبضت، وشدّت، ومُزق إيزيكيال صارخاً أعمق في أعماقها، ولم تتوقف الصرخات حتى باتت بعيدة جداً عن السماع. لم يترك خلفه سوى دمه في الغبار. أفضل ألا يكون قد علم أبداً.
أرحم أن تكون روحه قد دمرت على أن يعلم الحقيقة الرهيبة. لكن لم يكن هناك سوى القسوة واللعنة في هذا المكان. جُرّ مارتيميوس إلى الأمام. كان المسار لا ينتهي، ومتعرجاً، ونحو الأسفل، دائماً نحو الأسفل. مشى في عالم من الأشواك، مشى عُمرين منها، وعلم حين فعل أنه يقترب من القلب المتعفن لهذا المكان. أي ضوء وجد في هذا المكان مات، حتى صار مصدر الضوء الوحيد هو نفسه، ضوء أبيض يحترق من داخله لكن الظلام ضغط عليه أكثر فأكثر، وعلم أن ابتلع هذا السواد العميق المستحيل ذلك الضوء فإن روحه ستُطفأ معه.
لكنه ظل يُجرّ إلى الأمام. حتى، أخيراً، انفتحت قاعات الأشواك لتصير غرفة تتلاشى فيها الجدران في الأفق، حيث تعذر رؤية السقف، نصباً من الظلام، وبعيداً في الأفق، في وسط كل ذلك، كانت هناك نقطة ضوء صغيرة. لا، لا، لا، لا لا لا لا لا لا- لكن لم يكن هناك إنكار لذلك. لم يستطع حتى الصراخ. انقبض حلقه، ومضى مجروراً إلى الأمام، إلى الأمام نحو ذلك الضوء، أقرب فأقرب، وفي الوسط جلس شخصية صغيرة، طفل، بمنكبين منحنيين، وحافي القدمين، بملابس كتان فضفاضة بسيطة مصبوغة باللونين الأزرق والأخضر الساطعين.
انبعث الضوء من الطفل، تماماً كما بدا الضوء منبعثاً من مارتيميوس نفسه، لكن هذا الضوء كان ملطخاً وأصفر، ضعيفاً، يرتجف.
قال الطفل بهدوء: "مرحباً يا مارتيم".
كان هو. ذلك الصوت. الصوت الذي سمعه منذ قدومه إلى سيلفيفيش؛ لا، بل قبل ذلك حتى. منذ مجيئه إلى ما كان يوماً أراضي الملكة البيضاء. كيف يمكن أن يكون صوته؟ ماذا كان يفعل هنا؟ لكن كل تلك الأسئلة بدت بعيدة جداً عن مارتيميوس الآن. لم يعد الأمر يهم. لم يعد أي شيء يهم. لقد مات. لقد مات، وعاد مع صديقه.
همس: "مرحباً يا ديفيد".
التفت الطفل، واختنق مارتيميوس بصرخة. لقد كان مستعداً جداً، مستعداً لرؤية ذلك الوجه، الوجه الأخير الدامي والمحطم الذي رآه لصديقه، اليوم الذي جاء فيه قتلة الملكة البيضاء إلى بايكس غرين وشقوه، وحطّموه بالرغم من أن ديفيد كان طفلاً فحسب، طفلاً ملعوناً فحسب، فقد ذبحوه وتركوه يموتاً، وتركوه ينزف في العشب ليجده مارتيميوس. الوجه الذي طارده في الكوابيس لسنوات بعد ذلك، الوجه الذي كان يكلمه في أحلام توقظه على عرق بارد ورعب صاخب.
الوجه الذي هرب منه مارتيميوس، في ذلك اليوم المظلم، حتى بينما حاول ديفيد التحدث إليه عبر فم محطم; هرب من الكلمات الأخيرة لموت صديقه، لأن مارتيميوس عرف في قرارة نفسه أنه كان جباناً، حثالة بلا قيمة لم تستطع حتى تقديم العزاء لأعز أصدقائه وهو يموت. أعز أصدقائه الذي مات وحيداً، وخائفاً، وغارقاً في دمائه. لكن لم يكن هذا الوجه ما قابله. بدا ديفيد هذا مشابهاً لما كان عليه قبل مقتله.
الابتسامة الهادئة، تلك التي كان يرتديها دائماً كلما نصح مارتيميوس بعدم الابتلاء بالشر والمشاكل التي طالما أوقع الساحر نفسه فيها وهو طفل. شعر قصير ومشعت، لم يمسه مشط قط، وأذنان كبيرتان بدا وكأنهما تبرزان جانبياً. الشيء الوحيد الذي بدا مختلفاً هما عيناه؛ كانت عيوناً عجوزاً متعبة الآن، أكبر من أن تكون عيون طفل.
"ظننت أنك نسيتني".
قال مارتيميوس: "أبداً"، وبدا الكذب مراً في فمه.
ولم يكن كل ذلك سدى، لأن ديفيد كان يعلم أيضاً.
"أنت تكذب. أردت أن تنساني. لقد نسيتني".
احتج مارتيميوس: "لم أكن هكذا أبداً"، ولم يفعل، ليس تماماً، لكنه لو استطاع لَفعل.
سنوات الكوابيس التي عاشها، الكآبة التي بدت كحفرة مظلمة لا نهاية لها لا يستطيع الخروج منها؛ لم يرغب في أن يعيش حياته هكذا، ولذا…
"كنت تكرهني".
دفن مارتيميوس وجهه بين يديه، ولم يحاول الإنكار هذه المرة. لقد كان كذلك. لقد بات يكره صديقه، ذكرى صديقه، صديقه الذي تخلى عنه ليموت وحيداً. عاره من ذلك آلمه، وأحرقه حتى الجوهر. حتى لو كانت أحلاماً بسيطة، ذكريات بسيطة، فقد حاول دفن ذكرى صديقه، من مجرد الجبانة.
همس: "أنا آسف"، لكنه عرف أن الاعتذارات لن تكفي أبداً لما فعله.
عرف أنه ملعون.
"لقد حجبتني عنك، وكنت هنا، وحدي، لوقت طويل جداً. استطعت رؤيتك، لكنك بنيت جداراً بيننا".
كان الغضب في صوت ديفيد، ولم يكن غضب طفل. كان غضب شيء ضخم لم يُقصد لطفل أن يكونه؛ التوى وجهه بطرق لم تكن لتحدث أبداً في الحياة، التوى بطرق لن يتواجد بها أي وجه أبداً، وارتجف مارتيميوس أمامه. لكنه ثم لان، وصار وجه طفل عادياً مجدداً، وجه ديفيد مجدداً، بتلك الابتسامة الهادئة.
"لكن يمكنني رؤيتك مجدداً، الآن. وأنا مسرور جداً لوجودك هنا".
ما حدث بعد ذلك كان حلماً هادئاً. تلاشى الظلام، وتلاشى مارتيميوس معه. انزلقت ذكرياته عن العالم عنه، كدخان بالٍ تحمله الرياح. وأراد ذلك. فبينما هربت، تلك الذكريات عن عالم أظلمته الخوف، وحطّمته الحرب، تغيّر هو نفسه. انكمشت روحه، وكذلك عقله، حتى وقف بجانب ديفيد كطفل بنفسه. وكل ما حولهما كان غابة، ناعمة ولطيفة، مرقطة بالشمس ودافئة، كالغابات التي نشأ فيها. كالغابات التي قضى فيها ديفيد ومارتيميوس وقتاً طويلاً، يستكشفانها، حين كانا شابين.
ما الذي أقصده، حين كنت صغيراً؟ لقد كنت صغيراً دائماً. لا شيء آخر.
قال له ديفيد: "تعال يا مارتيم".
بابتسامته الهادئة، وعينيه الداكنتين الكبيرتين جداً.
"وجدت صخرة غريبة أريد أن أريك إياها".
وهكذا انطلقا لاستكشاف الغابة. تراشقا عبر الجداول والأودية، وترددت ضحكاتهما في الغابة الفارغة. لم يمض وقت طويل حتى أخذ مارتيميوس الزمام، متوغلأً في أعماق أبعد؛ هكذا كانت الأمور عندما كانا صغيرين أيضاً. لم يكن ديفيد جباناً، لكنه كان دائماً صوت الحذر، بينما كان مارتيميوس يدفعهما دائماً إلى أبعد، وربما، نحو المزيد من الخطر. لكن ديفيد، الآن، بدا راضياً بفعل أي ما اقترحه مارتيميوس.
وهكذا خاض الاثنان مغامرة، متسلقين الصخور المغطاة بالطحالب لمحاولة الإمساك بالثعابين التي عاشت في شقوقها؛ متسلقين الأشجار المغطاة بالأشنة، ومتدلين من أغصانها؛ غاطسين من أعلى شلال صغير إلى بركة من الماء البارد المظلم، ضاحكين وممسكين بالضفادع التي قفزت بعيداً عنهما بهلع. بدا الوقت متلاشياً، بينما قضيا وقتهما هناك، وشعر مارتيميوس بفرح ظن أنه لن يشعر به مرة أخرى. ومع ذلك لم يكن ليبرزه، فبكل ذكرياته عن الأهوال والظلام التي سرقت منه ذلك الفرح وقد ذهبت.
كان يمكن أن يكون ساعات، أو أياماً، أو سنوات في تلك الغابة. كان حلماً، حلماً جميلا من الخضرة والمغامرة الطفولية التي لا تنتهي، وصديقه، صديقه الحبيب، ديفيد. وإن بدت ظلال الغابة أظلم مما ينبغي، فلم يلاحظ مارتيميوس. على الأقل، في البداية. إذ في مرحلة ما - يوم؟ عام؟ أبدية؟ - في مرحلة ما في هذا الحلم الأخضر الضبابي، أدرك مارتيميوس أنهما لم يكونا وحدها فعلياً في الغابة. في تلك الظلال، تلك الظلال شديدة الظلمة، راقبهما شخص ما.
من زاوية عينه، رآهم مارتيميوس. بدوا في البداية كأطفال آخرين، يختبئون دائماً بعيداً عن الأنظار، ويركضون بسرعة عندما كان يدير رأسه إليهم.
لكن حين أخبر ديفيد عنهما، ابتسم صديقه ببساطة بتلك الطريقة الهادئة وقال: "يا مارتيم، لا شيء هناك. أنت تعرف كيف تكون الظلال. والآن تعال، أراهن أنني أستطيع هزيمتك للوصول إلى تلك الصفصاف الكبيرة، هناك".
ومع ذلك، انطلق ديفيد راكضاً، وانطلق مارتيميوس خلفه، للحاق بصديقه بسرعة - فقد كان دائماً العدّاء الأفضل. سقطا فوق بعضهما، ضاحكين ولاهثين. ولبعض الوقت، هربت فكرة هؤلاء الأطفال الآخرين عن عقله. لا أهتم بهم. لا، لم يكن ذلك صحيحاً؛ لم يكونوا هناك. قال ديفيد ذلك. استعاد الضباب الأخضر المشمس والدفء عقله مجدداً. لكن حان الوقت حين مشيا بين ظلال الأشجار، وبدا أن ديفيد قد فُقد عنه.
في لحظة، بين ظل وآخر، وجد مارتيميوس نفسه منتقلاً من خضرة ربيع دافئ إلى برودة الخريف، وقد تحولت أوراق الأشجار بأكملها إلى قرمزي ساطع. استدار فزعاً، لكن لم يكن هناك شيء خلفه؛ المسار الذي مشى فيه لم يعد موجوداً، وكذلك ديفيد. لا! لا يمكنني فقدانه مجدداً! فقدانه؟ متى فُقد قط؟
"لماذا تضيّع وقتك على هذه الحماقة أيها الساحر؟"
استدار مارتيميوس مجدداً، وهناك، حيث لم يكن سوى سجادة من الأوراق الحمراء على جذور القيقب السوداء المتعرجة، وقف رجل صغير في رداء قرمزي، وجهه قبيح، معقود وملتوي كالجذور التي يقف عليها، وأسنانه نقاط حادة، وبريق شرير في عينيه البراقتين.
فح فحيح العفريت الصغير: "لقد عقد لوب صفقة معك ليجد له منزلاً جديداً. أسيخترق الساحر وعداً آخر؟ أحمق، أحمق، أن يوقع نفسه في فخ هنا، أليس كذلك؟ في هذا… الحلم".
جعد الخيالي أنفه باشمئزاز، ملقياً نظرة حوله، ثم ضحك بفظاظة: "ربما يستطيع لوب مساعدتك. بثمن".
شيء نغز مؤخرة عقل مارتيميوس. ساحر؟ أنا ساحر، أليس كذلك. أعرف الفن. وأعرف هذا الخيالي. لكنها كانت همسات واهنة ويائسة في أعماق عقله، وسرعان ما تلاشت. هز مارتيميوس رأسه لتصفيته، فتساقطت الأوراق العالقة بشعره الأشعث وهو يفعل ذلك. لم يكن يعرف هذا الرجل الصغير، لكنه عرف خيالياً حين رآه.
بدأ بالقول: "ابقَ بعيداً، فليس لدي نزاع معك أيها العفريت"، لكن كلماته قُطعت.
دوى صرخ كابوسية في أرجاء الغابة، عويل مجنون لم يستطع أي حيوان أو رجل إصداره، هدير عميق رهيب، وبدا الغضب فيه. ازداد ظلام الغابة عتمة، متداخلة معاً بينما تلاشت أصداؤها. لعن العفريت، وفي لحظة ظهر نصل قاس ومنحني وصدئ في يديه.
تحركت عيناه الحادتان كالوخزات حول الغابة، ثم استقرتا على مارتيميوس مجدداً: "أتهتم بالحقيقة، أليس كذلك؟ شيء خادع، يمكن أن تكون الحقيقة. شيء صعب".
صرخ هدير آخر عبر الغابة، وكان فيه من الكراهية ما جمّد الروح. لعن لوب وبصق.
هجست: "انظر إلى الظلال أيها الولد الأحمق"، ثم قفز في الهواء ولم يهبط أبداً، مختفياً.
ومع ذلك ظل صوته يتردد عبر الغابة، متلاشياً، ضاحكاً، مستهزئاً.
"الحقيقة في الظلال".
تخبط مارتيميوس للوراء، واستدار هارباً من ذلك الهدير الرهيب - أياً يكن، فقد علم أنه يستطيع التهامها، يستطيع أكله كله - وما هي إلا لحظة حتى تشتت الغابة حوله بين خطوات ظل مرة أخرى، وحين خرج منها كانت الغابة خضراء مجدداً، دافئة وخضراء، وقد زالت لدغة الخريف وقرمزيها المتقد، وعاد ديفيد إلى جانبه مجدداً. كان يرتدي عبوساً عميقاً ومكفهراً الآن، بدا غير معتاد البتة على وجهه.
ومع ذلك، تلاشى، متحولاً إلى ابتسامته الهادئة الباردة المعتادة ما إن لاحظ مارتيميوس بجانبه مجدداً.
"يا مارتيم! أين ذهبت؟ كنت هنا لحظة، وذهبت في الأخرى".
أجابه مارتيميوس، لاهثاً، وهو يمسك بيد صديقه ويبدأ بالشد: "كان هناك… خيالي…".
ظل ديفيد مسماراً في مكانه، ومع ذلك، محدقاً بفضول إليه.
انتقد في وجهه: "كان هناك - ألم تسمع ذلك الهدير؟"، محاولاً مجدداً جرّ صديقه للحركة.
"لا أعرف ما كان ذلك، لكن يجب أن نركض…".
"هدير؟"
اكتفى ديفيد بهز رأسه. بدت عيناه غريبتين. وبدت ابتسامته تلك تحمل مسحة من السخرية المتعالية التي لم يلاحظها مارتيميوس فيها من قبل.
"يا مارتيم، لم أسمع شيئاً. التقيْت بخيالي؟ ربما كان يلعب خدعة معك".
مرنت يداه، وذكرتا مارتيميوس بشكل غريب بمخالب.
"يمكننا تعليم الخيالي أن هذه غابتنا. ألا نستطيع؟".
قالها كدعابة، لكن كان هناك جوع غريب في كلماته. بدت ضحكته متوترة.
"تعال إذن. أنا متأكد أنها مجرد مزحة من أحدهم".
هكذا قال ديفيد، لكن بينما انطلقا مجدداً وسط الغابة، لم يستطع مارتيميوس إخراج كلمات العفريت من رأسه. أكان ساحراً؟ لم يستطع تذكر كونه واحداً، لكن الفكرة بدت صحيحة بالنسبة له. كشفت له الفكرة عن فراغ في الداخا لم يكن يعلم بوجوده؛ جوع، شعور بالخطأ، إحساس بأن الفن كان حقه، لو أنه عرف فقط كيف. واستطاع تذكر كلمات الرجل الصغير الأخرى أيضاً. انظر في الظلال. وهكذا فعل، لأنه كان دائماً وسيبقى إلى الأبد جزءاً منه لا يستطيع إلا أن يرغب في معرفة الحقيقة.
كانت الظلال أظلم مما كانت عليه من قبل. مظلمة بالدرجة التي تجعل الغابة المباركة بالربيع تبدو باردة. مظلمة بالدرجة التي جعلت التحديق فيها يثير قلق مارتيميوس. كلما طال نظره فيها، وكلما تعمق في الظلام، كلما ازداد يقينه من وجود شيء ما هناك، شيء رهيب، شيء مخفي ومشين في ذلك الظلام…
صرخ مارتيميوس، ممدداً يداً ليشير: "هناك! يا ديفيد، انظر! هناك - هناك واحد، الآن، شخص آخر، هناك…".
أخبره ديفيد: "إنهم لا يهمون".
كان صوته سميكاً، وعيناه متعبتين. كان وجهه نصف مخفي في ظل الأوراق، وبدا غريباً ومشرخاً ومحطماً.
"إنهم لا يهمون يا مارتيم. تعال".
"لا".
حلّ الصمت بينهما. كان الظلام ينمو الآن، وبدا أنه يبتلع الغابة، رغم أن الشمس كانت لا تزال ساطعة. لم يرد ديفيد. اكتفى بالتحديق عائداً إلى مارتيميوس، بلا كلام، وتعبيره مستعصياً على الفهم. قال قبل قليل إنهما لم يكونا هناك. والآن يقول إنهما لا يهمون.
"ماذا تقصد بأنهم لا يهمون؟ ماذا تقصد بذلك؟"
انتظر مارتيميوس إجابة، لكن ديفيد استمر في التحديق، ثم بدأ يمشي مجدداً، خطوات قليلة أمامه الآن، متجاهلاً إياه. همست الريح عبر الأوراق، وبدا أنها تحمل لغة فيها، كلمات على حافة السمع تماماً.
صاح مارتيميوس خلفه: "حسناً، لا أهتم بما تقول. كان هناك شخص ما هناك، وسأكتشف من هو".
عندها توقف ديفيد. لم يستدر. ظل واقفاً في وسط الغابة، ويداه على جانبيه، وظهره لمارتيميوس. لم ينطق بكلمة. أخيراً إذن، استدار مارتيميوس بعيداً عن ديفيد، استدار ونظر إلى الظلال الممتدة. كان عليه أن يعرف ما كان هناك. خطى في الظلام، وغمره برد مميت.
قال ديفيد برفقة، من مكان ما خلفه: "أكان سيكون سيئاً لهذه الدرجة؟".
بدا صوته كهمسة من مكان بعيد جداً. تجاهل مارتيميوس هذا. كان الظلام أعمق مما ينبغي للظل أن يكون. ارتفع حوله كجدران، آكلاً الغابة، لكنه لم يهتم. كان هناك شيء ما هنا، شخص ما هنا، منكمشاً وحده في الظلام. شخصية صغيرة، صغيرة جداً، وتنتحب بهدوء. طفل، مخفي، يختبئ. وصله صوت ديفيد مجدداً. فقط هذه المرة لم يبدو كصوت ديفيد. أو صوت أي طفل. مد مارتيميوس يده إلى الشخصية الصغيرة. اللحظة التي وضع فيها يديه عليها، بدا ضوء ضعيف ينبض منها، واستطاع رؤية وجه الطفل المخفي.
وفي اللحظة التي رأى فيها ذلك، انتهى الحلم، محطماً من حوله. الغابة، ودفئها الأخضر، زالتا كأنهما لم تكونا، واندفعت واقعية الموت الباردة. إذ لم يكن مارتيميوس طفلاً، تذكر الآن. كان ساحراً، ساحراً ميتاً، وكانت روحه في الحفر السوداء والباردة للأشواك المقدسة، هنا حيث لا يستطيع أي ضوء الوصول. لم يكونا ديفيد وهو في مغامرة، يستكشفان في غابات صباه. كانت روحهما هنا في هذا الظلام الواسع الفارغ.
وهنا معهما آخر. روح الطفل المخفي، الذي جثم في ظلال الحلم، فتاة صغيرة بشعر ذي ذيلين مبعثر، ترتدي فساتيناً بسيطاً متسخاً، وكانت متشابكة في أشواك سوداء كالليل، أشواك أبقتها هناك في الظلام. ولم يكن وجهها وجه طفل. ليس بعد الآن. ليس بعد ما ارتكب بحقه. شعر مارتيميوس بالغثيان لرؤيته، لرؤية ما آلت إليه هذه الشفقة، هذا الشيء الباكي، وهي ترفع نظرها إليه، مثيرة للشفقة ومقيتة.
همس في تلك الليلة التي لا تنتهي: "ما هذا؟"، فأجابه صوت ديفيد.
"حاولت أن… حاولت أن أكون لطيفاً معهم. أن أريهم الغابة".
وقفة بدت وكأنها تستمر إلى الأبد. تسللت نبرة ترجٍّ إلى صوت ديفيد، كأنه يعلم أن شيئاً ما كان خطأ.
"فعلت يا مارتيم. فعلت حقاً. لكن… أنا… لقد… لقد صمتوا جميعاً الآن".
استدار مارتيميوس، وهناك وقف ديفيد، بضوء متسخ يمر عبره. ديفيد ذو الأذنين الكبيرتين جداً، ديفيد ذو الابتسامة الهادئة الودودة.
سأل: "هم؟".
لوّح ديفيد بيده نحو الظلام الضخم، وبعدها استطاع مارتيميوس رؤية أضواء صغيرة وخافتة تنقطها، كالنجوم. وفي كل بركة ضعيفة من الضوء كان هناك طفل. أو ما ربما كان طفلاً في يوم ما. كانت وجوههم وعيونهم مجوفة، وبعضهم، التوت ملامحهم، كأنهم كانوا يُهرسون كالطين إلى شيء جديد. كان لدى بعضهم جلد أملس حيث ينبغي أن تكون أفواههم. وكل واحد وواحدة منهم كان محبوساً، متشابكاً في أشواك، لكنهم كانوا قد تخلوا منذ زمن عن نضالهم.
تدلوا برخاوة، كالخرق المعصورة، وصارعوا لرفع رؤوسهم للنظر إليه. اعتقد مارتيميوس أن الضوضاء التي أحدثوها قد تصيبه بالجنون. لم يستطع تحمل نظراتهم. كان هناك الكثير من الألم في تلك الحفر المجوفة، أكثر مما يتحمله طفل.
همس: "يا ديفيد، من هم؟".
أجاب صديقه القديم: "أما كان ينبغي أن تعرف ذلك؟"، ومجدداً لم يكن تعبيره ما ينبغي أن يكون لطفل، وتحدث صوت طفله كأنه ملفوف حول لسان أقدم بكثير.
"هؤلاء هم أطفال سيلفيفيش".
لم تكن الابتسامة على وجه ديفيد الآن هي التي تذكرها مارتيميوس. كان هناك قسوة فيها الآن، جوع، وهو يتطلع إلى العذاب.
"أرواح قُدمت لي كجزية".
ألم يكن يكفي أن هؤلاء الأطفال قد قُتلوا؟ كان يجب أن تعذب أرواحهم أيضاً؟ حدق مارتيميوس في صديقه. كيف له أن يفعل هذا؟ جزية من الأرواح؟
سأل ببطء: "ما أنت؟".
اختفت الابتسامة عن وجه ديفيد، وفجأة، بدا كطفل بالفعل، طفل خائف.
همس بأسى: "لا أعرف".
كان هذا ديفيد. عرف مارتيميوس، بطريقة ما، بما لا يدع مجالاً للشك. ربما لأن الأرواح كانت كل ما بقي لهما في هذا المكان، فلم يعد بالإمكان إخفاء طبيعة المرء الحقيقية. ربما لأنه شعر برابط غريب مع هذا… هذا الشيء، ربما ببساطة لأنهما كانا صديقين حميمين للغاية. عرف في عظامه، في قلبه، في روحه، أن هذا كان ديفيد. ومع ذلك كان هذا أكثر من ديفيد، بطريقة ما. شيء هائل. شيء رهيب. أكثر من مجرد روح طفل بسيط.
"عليك أن تطلق سراحهم".
لم يدرِ مارتيميوس أين وجد الشجاعة لقول هذا، في قاع هذه الحفرة، لكنه عرفه حقيقة، واشتعل ضوءه بسطع أكثر قليلاً وهو يقوله.
"هذا… هذا حقير يا ديفيد".
لم تكن الحقارة كلمة تليق بذلك. لم تكن هناك كلمات لهذا. كل ما استطاعه كان النضال من أجل اعتراض صبياني متذمر.
"هذا ليس عادلاً".
حدق ديفيد به، بتلك الابتسامة البسيطة واللطيفة، للحظة هادئة طويلة. ثم تحول وجهه إلى قناع من الغضب البشع لدرجة ظن مارتيميوس، للحظة، أن روحه ذاتها قد تتفكك.
انتقد بحدة: "ما غير العادل في ذلك؟"، وصوته البريء الصافي استقر فوق شيء عميق ومبحوح.
"ما الذي فُعل به، ولم يفعله والداه بي؟ أكان عادلاً حين متُّ؟ أكان عادلاً أن يُقطع عمري قصيراً؟".
أغمض مارتيميوس عينيه.
همس: "لا. لم يكن كذلك".
"أردت أن أعيش يا مارتيم".
كان هناك غضب غليان، صارخ، هناك في الظلام. نصب من الكراهية رقد تحت كلماته، منطوقة بصوت لم يستطع أي طفل امتلاكه أبداً، وقطرات من السم، ضغينة كثيفة كالقطران.
"أردت أن أعيش!".
وحين قال هذه الأخيرة، كان صوت ديفيد في آن واحد صوت طفل وشيء ضخم بشكل مستحيل، هدير ملك بهيمي. انبعث ضوء مريض منه، مضيئاً لفترة وجيزة الظلام، وعرف مارتيميوس، أخيراً، ما كان يملأ هذه القاعة. إذ إن الوجه الذي خشيه، الوجه الذي خافه، الذي لم يستطع أبداً النظر إليه، ذلك الوجه المحطم والمشقوق برز من الظلام، بارتفاع عشر طبقات، جثة عملاق، ذلك الفك المعقوج الدامي، تلك العين المحطمة المحدقة، وسمع مارتيميوس نفسه يصرخ، دفن وجهه بين يديه وهوى على ركبتيه.
هبت ريح بنتانة القبر عبره، وقد رأى، في تلك اللحظة القصيرة من الضوء المروع الكاشف، رأى كروم الشوك الأسود التي نمت من جروح صديقه، متلوي من خلالها كالديدان. وكانت هناك كراهية، هناك، الكثير من الكراهية، لدرجة أنها أثارته بالغثيان أيضاً، كراهية أكثر مما تحتمله روح طفل. واهتز، بهلع محموم، أن هذا سيكون مصيره. أن تبقى روحه محبوسة للأبد في غرفة الموت هذه، في حجرة الدفن هذه التي ستصيبه بالجنون، وحدها مع ذلك الوجه للأبد وتمنى في تلك اللحظة أن تُدمر روحه عوضاً عن ذلك.
مات الهدير، وكذلك ذلك الضوء، لكن تلك النتانة الباردة، رائحة التعفن والأرض، بقيت. تجرأ مارتيميوس على رفع رأسه، ليجد ديفيد جالساً وظهره إليه مجدداً، قريباً بما يكفي ليمتد ويله.
قال صديقه، وبدا أن هناك حزناً حقيقياً في صوته: "أنا آسف. أنا آسف. أعرف أنك تكره النظر إليّ الآن".
اهتزت منكباته، وكانت هناك دموع واضحة في صوته. مجدداً، لم يحاول مارتيميوس الإنكار. هذا الديفيد، أياً يكن الآن، استطاع تذوق الكذب. وسيكون كذباً القول إنه لم يفعل. لعينته، لكنه سيكون كذلك.
أجهش: "يا ديفيد، أنت… يجب أن ترحل أنت أيضاً. بعيداً عن هذا المكان. سأبقى… سأبقى معك. للأبد، الآن. ليس لدي مكان آخر أذهب إليه. دعنا نرحل عن هذا المكان، أرجوك".
استطاع قبول ذلك. هو وصديقه، معاً في الآخرة مجدداً، للأبد بين الزهور الفضية، أو أياً ما تقدمه أراضي الأموات. فقط ليس هنا. ليس هذا. أبداً هذا. لم يستدر ديفيد.
"لا. لا أستطيع الرحيل. ولا يمكنك البقاء".
كان صوته متعباً جداً.
"ظننت أنك قد تفعل. لكنك لن تفعل".
نهض مارتيميوس على قدميه، محاولاً تجاهل طعم الموت في الهواء وهو يتنفس. قد لا يبقى هنا، لكن ذلك لم يعني أنه كان سيترك ديفيد في هذه الحفرة الملعونة. سيجر روح صديقه إلى الخارج بالقوة، إن لزم الأمر. بغض النظر عما كان عليه. لكن حتى وهو يخطو للأمام، توقف. شيء ما قبض على ذراعه. لا، ليس شيئاً. شخصاً ما. استدار مارتيميوس، ومع أنه لم يكن سوى الظلام خلفه، فقد رأى على الفور ما كان عليه.
من كان. ثقباً على شكل رجل في الظلام، أشد سواداً من السواد. سواد ابتسم، سواد عرفه، سواد امتد وقبض عليه بيد بدت منحوتة من منتصف الليل المتجمد. ثقب في العالم ضحك وضحك وضحك. الغريب المظلم. ربما كان عليه أن يصرخ. اعتقد مارتيميوس أن هذا ما كان سيفعله معظم الناس في مكانه. لكنه لم يفعل؛ لم يستطع. لم يشعر بأي رعب. بدلاً من ذلك، ابتسم. من يدري لماذا ضحك الغريب المظلم؟ وكما تقول المقولة، لم يفعل أحد، ولم يكن أحد يتحدث، لكن مارتيميوس لم يستطع إلا أن يشعر أن شيئاً مضحكاً للغاية كان يحدث هنا.
كانت هناك نكتة، لو استطاع رؤيتها فحسب. لم يقل الغريب المظلم شيئاً له، ولم ينطق بكلمة، لكن مارتيميوس عرف، في رأسه، في قلبه، في روحه، في عظامه، ما أراده الرجل الفارغ منه أن يعرفه. ليس بعد. وحينها، بدأ الغريب المظلم يرتفع، يرتفع في الظلام، وارتفع مارتيميوس معه.
قال ديفيد بهدوء، حتى بينما جُر مارتيميوس حتى تدلت قدماه فوق الأرض: "سأطلق سراح أرواحهم يا مارتيم. طالما قطعت لي وعداً".
بدا ذلك مستحيلاً، لكن في تلك اللحظة، نسي مارتيميوس من كان مُمسكاً به. جالت ألف تحذيرات في رأسه حول عقد العهود والوعود للارواح، لكنه لم يهتم. كان ديفيد على مسافة خطوة تحته الآن، وكان عذاباً، عذاباً مجدداً فقدانه، مهما حدث، عرف مارتيميوس بيقين أن هذه حقاً كانت روح صديقه، الضائعة في هذا القبر المظلم الذي لا ينتهي، الضائعة في قلب سجن الأشواك هذا.
صرخ: "أي شيء، أي شيء!".
رفع ديفيد نظره إليه حينها، ولم يعد وجه طفل، وجه صديقه في الحياة ما رأاه. كان وجه الجثة، الوجه المحطم والممزق، الوجه الذي طارد كوابيسه، شاحباً ومعقوجاً، دامياً وخاطئاً. وحينها عرف مارتيميوس ما كانت كلمات ديفيد الأخيرة له، ما كارع صديقه جاهداً لقوله في لحظاته الأخيرة، قبل أن يتركه مارتيميوس ليموت وحيداً تماماً.
ناداه ذلك الوجه من الكابوس، بهمسة تفوق الموت: "ساعدني".
أجبر مارتيميوس نفسه على النظر إلى ذلك الوجه، حتى بينما تراجع في الظلام وهو يُرفع إلى الأعلى، إلى الأعلى. أجبر نفسه على النظر إليه حتى بينما شعر أن عقله بدأ يتصدع ويجهد تحت وطأة الهلع والرعب المطلقين اللذين ملأه بهما. قد يكون جباناً، لكنه استطاع النظر إلى وجه صديقه لعقد عهد بسيط. استطاع فعل ذلك القدر.
نادى، أجش، وصوته يرتجف: "أعدك. سأفعل".
تلاشى ديفيد في الظلام، وارتفع مارتيميوس، ارتفع بين يدي الغريب المظلم، مرتفعاً خارج أراضي الموت.