رحلة الغرب، في الظل الفصل 22 — وميض البريق

اقرأ رحلة الغرب، في الظل الفصل 22 — وميض البريق باللغة العربية على مانجا تايم.

٢٢. البارق ألم حاد في وجه مارتيموس. قريب جدا من عينه في الواقع. بعث ذلك الواقع المزعج بهزات من الذعر الخافت لتعبر فيه. لا يرغب في فقدان عينه. وهناك ألم أسوأ في كاحله ينبض كأن أحدهم يغرس إبرا ساخنة في اللحم هناك. حاول التركيز على هذا الألم وعلى واقع جسده لكن عقله امتلأ بالألوان ألوان ملحة ألوان تطلب انتباهه. ولم تكن ألوانا فقط بل أفكار ومشاعر وشيئا مهما أو هكذا ظن لكنه ظل يفلت منه أكثر فأكثر بينما شكل الألم إلهاء مستمرا.

عليه حقا فعل شيء حيال ذلك الألم. مهما كانت الألوان مهمة فهي تستطيع الانتظار. دفع الألوان جانبا في عقله وبدا الأمر كمن يشق طريقه خارج أعمق حلم حلمه كمن يسبح صعودا عبر عسل كثيف وطوال الوقت أصرت الألوان على وجوب رؤيتها وأصرت على الاستحواذ على أفكاره. إلى أن اخترق السطح أخيرا واندفع الواقع كشهقة نفس يائس. رفرفت عيناه مفتوحتين على عتمة خافتة الإضاءة وضياء برتقالي منخفض ضعيف كان سبيله الوحيد للرؤية.

هزت ألم أخرى كيانه حين وخز أحدهم صدغه.

صاح: "اللعنة!"

وصفع يده هناك ليقابلها زقزقة غاضبة ورفرفة أجنحة رقيقة تفادت ضربته بصعوبة بالغة. تلك الزقزقة... لقد فهمتها. أجل أنا أتكلم لغة الطيور أليس كذلك. في هذه الحياة. هز رأسه. أي حياة أخرى قد تكون له؟ العشرات والمئات. سسبح طوفان من الصور خلف عينيه. غشاه الدوار حينها وبدا العالم دائرا من حوله. الذكريات الكثير جدا من الذكريات ومضت في عقله. ذكريات لحيوات لا تحصى حاول التشبث بها بيأس لكن الأمر أشبه بمحاولة الإمساك بالماء وهو يتدفق في بالوعة.

تشبث بفتات وقصاصات منها دون أن يدري ما تعنيه. ذكرى له وهو يكر على صهوة جواد مساحقا مخلوقا يشبه ضفدعا عملاقا بعين واحدة ذكرى الوقوف أمام برج زجاجي وسط صحراء شاهق لدرجة أنه بدا لامسا للسماء ذكرى ثلج ملطخ بالدماء وحزن مؤلم كأنه يمزق قلبه نصفين لكنه لم يستطع تذكر سبب الحزن. بقيت ومضة واعية لشيء ضخم حيوات كثيرة تركت مخلفاتها في أفكاره. لكن ككابوس أو حلم بقي طعم العشعشة الشعوري شعور فارغ وثقيل بينما تداعى ما سببه كالدخان.

لقد زال وعاد العالم -علمه وحياته ترددت الفكرة في داخله-. كان أليفه فليت طائر العصفور ينقر جانب وجهه وحين نظر إلى أسفل رأى أن سيسيل يعض كاحله هو الآخر.

صاح جافا: "ابتعد أيها اللعين!"

وشد كاحله مبتعدا بينما غرس الهر الكبير أنيابا طويلة بشكل مرعب في لحمه حتى وهو يراقب. لعن ملاحظا أن حافة بنطاله باتت مبللة بالدم وحدق في المخلوق. لا تقسُ عليهما كثيرا تسللت الفكرة عبر عقله. كانا يحاولان إيقاظك. إيقاظه؟ إيقاظه من ماذا؟ كان فليت مستقرا على كتفه مجددا ومزقزقا بهستيريا في أذنه وحين استمع مارتيموس إلى كلام الطيور انهار كل شيء عليه دفعة واحدة. حيث وقف في عرين البارق والشيء الأخير الذي فعله وهو ينظر إلى بركة الماء التي تملأ الحوض أمام الشعاع الغريب الذي يتناغم مع الفن القديم.

الخطر الذي حفّ بهم. نظر حوله بيأس. الشموع التي وضعوها في حوامل الجدار احترقت لتصير لهبا منخفضا بالكاد شكل هالة زرقاء وصفراء حول أطرافها. مد يده بلهب الفن لتأجيجها فوثبت النيرات مجددا دافعة الظلام بعيدا. كم أمضوا من الوقت هنا حتى احترقت الشموع لتبلغ هذا الانخفاض الشديد؟ أنارت النيران المتجددة الغرفة بالكامل مرة أخرى وكشفت عن إيليس التي ما زالت واقفة تحدق بعينين زجاجيتين فارغتين في الماء الموجود في الحوض الذي يسبق الشعاع.

لم يعد رماديا وغائما بل راح يدوّم بألوان مضيئة نابضة تشد عينيه. التفت مارتيموس رافضا النظر إليه وأمسك الساحرة من كتفيها يهزها.

همس لها بغضب: "إيليس!"

لكنها لم تستجب حتى استدار بها جسديا مبتعدا عن توهج الماء الفاتن. حتى في تلك اللحظة استغرق الأمر لحظات قليلة لتعود النور والوعي إلى عينيها. لدهشته ما إن فعلت ما إن بزغ التعرف على وجهها حتى ألفت بذراعيها حوله.

صاحت وهي تكتم الكلمات في صدره: "مارتيم، أنت حي! ظننت أن... أنك... لقد كان..."

دفعتها للخور وحدقت به بارتباك.

"كان الأمر مرعبا جدا... لماذا لا أستطيع التذكر...؟"

تعاطف معها فالصدى وعظمة ما رآه ظلا عالقين في عقله أيضا. لقد تلصصا على عوالم أخرى لكن تفاصيل كل منها باتت أشباحا بالنسبة إليه الآن. لم يكن يرغب في شيء قدر رغبته في محاولة الإمساك ببعضها ومحاولة إعادة الذكريات صلبة لكن لم يعد لديهما سوى القليل من الوقت لتستعيد الساحرة توازنها.

قال لها ممسكا بكتفيها وعيناه تشخصان في عينيها: "تذكري. تذكري أين نحن حقا. البارق يقترب."

تلك كانت التحذيرات التي صرخ بها فليت نحوه بلغة الطيور ولم يتبق لهما سوى القليل من الوقت الآن لإعداد كمينهما. ارتعش مفكرا فيما كان سيحدث لهما لولا أليفهما. كان إزيكيل سيباغتهما. ماذا كان ليرى بعينيه الغائمتين؟ أكان ليرאהما أصلا؟ أكان ليجوعا حتى الموت هيمين بالنظر إلى رؤى عوالم أخرى وحيوات أخرى؟ أم كانت عظامهما لتنضم إلى عظام الأطفال في المياه المظلمة بالأسفل؟ كانت ذكرى هذا هي ما صلب عزيمته.

مهما حدث لهما ومهما يمكن أن يحدث كان هذا الشر صارخا ومطلبا بالتحرك. ترك الساحرة لتستعيد صوابها لحظة تهز رأسها وتتمتم لنفسها. خطف شمعة من الجدار وغادر الغرفة عائدا إلى الكهف الطويل الذي شكل ممرا متشعبا. ممرا من حيوات خلت. جعلته الفكرة يتقلب في جوفه. عرف جزء منه أنه رأى الممر قبل ساعات على الأكثر لكنه شعر بأن الكثير انقضى في الحلم والكثير من الوقت. أكانت البركة ورؤاها فخا لهما؟

لم يعتقد مارتيموس ذلك. مهما كان ما رآه إزيكيل ومهما أدرك فلو كان ما زال ينصب الأفخاخ لاعتق مارتيموس أنهما كانا ليصادفانها قبل هذا بكثير. كلا اعتقد أن البركة هي ما أغوى الرجل. لقد فتح سبيلا لرؤية تلك العوالم الأخرى وسعى للسفر إليها. ليعيش حياة جديدة حتى. مع ذلك عملت كفخ تماما. أراد مارتيموس وقتا لتخطيط كمين بأقصى يقين. الآن ترك الاثنان يتخبطان في الظلام وجعله ذلك متوترا.

ماذا عن الشياطين التي استشعراها كليهما؟ لربما امتلك وقتا لوضع الرموز— لا يهم. أبعد هذا جانبا ملقيا نظرة على الغرف وتشكلت خطة الكمين في رأسه. بسيطة أخبر نفسه. بسهولة قتل أعمى. حين عاد إلى ممر الكهف مجددا وجد الساحرة هناك تمسك بشمعتها وبجانبها سيسيل. قبل أن يسألها إن كانت جاهزة أسكتته.

قالت بصوت بالكاد يتجاوز الهمس: "استمع أيها الساحر".

توقف للحظة في الظلام فقط. أول الأمر لم يسمع سوى نفير ضوء شمعتهما وصوت قطرات الماء المتساقطة متقطعة من سقف الكهوف. لكنه أتاه حينئذ خافتا خافتا من بعيد. همهمة مهوسة مطربة وأجراس متنافرة. صوت البارق يقترب. لم يمتلكا وقتا الآن فاستعدا سريعا. أعطى مارتيموس قوسه المركب للساحرة. أخذته وما زالت تهز رأسها بينما تلاشت الذكريات الباهتة في أفكارها وتخذت وضعية القرفصاء في نهاية الممر في الغرفة التي تركت فيها عظام الأطفال مبعثرة على الدرجات الغارقة.

امتلئ مارتيموس بسيفه وبقي متخفيا في الكهف الذي استخدم كغرفة نوم لإزيكيل. كان متأكدا تماما من أن البارق سينزل إلى هنا إلى هذه النهاية من الممر حيث غرفة النوم حيث جرب الفن حين كان بشرا بعد. كانت كل الغرف الأخرى المتفرعة عن الممر فارغة. سيسيل وفليت تمنى لو أتيح له الوقت لتركهما يهربان لكن إن شقا طريقهما الآن فقد تتقاطع مساراهما مباشرة مع مسار البارق. على الرغم من عروض فليت القتالية أقنعهما بالبقاء متخفيين في غرفة النوم أيضا.

مخالب سيسيل وأيامه قد تكون مميتة وما زال كاحله ينبض ألما لكن ليس بقدر النبال والنصل. الشيء الأخير الذي فعله هو إطفاء شمعتهما بالفن. من يدري إن كان إزيكيل قادرا على رؤيتهما لكن لم تكن هناك فائدة من المجازفة. لم يخنق اللهب تماما بل تركه متوهجا بجمرات حمراء خافتة. غلفهما الظلام الظلام التام لكهف لم تلمسه الشمس أبدا. قبض مارتيموس على مقبض نصله بقوة محاولا جعل أنفاسه صامتة قدر الإمكان.

سينتهي الأمر قريبا. تماما مثل قتل أعمى. سينتهي الأمر وسيكونان آمنين قريبا جدا. انتظر. لم يضطر للانتظار طويلا. تلك الهمهمة الطويلة الخافتة وتلك الأجراس المطربة علت وعلت مترددة عن جدران الكهف. ثم من الطرف الآخر للكهف أتى وهج أزرق خافت لكنه واضح في الظلام التام. نما أقوى وأقوى دافعا الظلام بعيدا ضوء أزرق لم يكن دفء ضوء الشموع المريح بل ضوء أزرق بارد بشكل ما بارد وخاطئ ضوء غثياني شرير.

مثل ضوء أكسوس الميت همست الفكرة في مؤخرة عقله لكنه دفعها بعيدا. نظر مارتيموس إلى إيليس. توفر ما يكفي من الضوء لرؤية الساحرة الآن وهي تقرفص في الغرفة في نهاية الممر عن يمينه. جلست وظهرها إلى الجدار قابضة على قوسه المركب لصدره مستعدة للتحرك بإشارته. التقت عيناها الواسعتان عينيه للحظة لكن سوى ذلك كانت ساكنة تماما تنتظر تنتظر بينما علت الهمهمة وسطع الوهج الأزرق. كانت الأجراس المتنافرة ضجيجا الآن عارما بما يكفي لدفع الأفكار بعيداً.

لا بد أن البارق قريب جدا. غامر مارتيموس بإلقاء نظرة خاطفة حول الزاوية إلى ممر الكهف الرئيسي. وهناك كان. ها هو ذا إزيكيل طويل ونحيل في منتصف الممر ومتجه نحوهما يضيء بضوء أزرق يلقي هالة ناعمة على الجدران الرطبة الملساء بالماء. من هذه القرب استطاع رؤية دقة ملابسه تصاميم الأزهار الملتفة في رداء إزيكيل والأزرار على بلوزته وبنطاله المجعدين وحتى الخاتم الذي ارتداه في اصبعه بتفاصيل دقيقة حتى بينما تلاشى شكله دخولا وخروجا أولا واضحا ثم مبكرا أولا صلبا كاد يكون ثم شفافا.

الشيء الوحيد الذي لم يكن واضحا قط هو وجهه فقد كان دائما ضبابا نابضا يدوّم سحابة باهتة تتنفس وتتحرك كنبضات قلب. ما زال يمشي مقلوبا وبزاوية وبدا قدماه كأنهما تمشيان على الزاوية العليا للممر بينما تدلى رأسه قرب الأرض. ليس إزيكيل ذكر مارتيموس نفسه. لم يعد إزيكيل بعد الآن. إنه بارق الآن. شعر بقلبه يتخطى نبضة حين تجمد البارق وللحظة ظن أنه قد رُصد وأنه على وشك الموت وكاد يثب خارج مخبأه للاندفاع نحو المخلوق ليقضي مقاتلا على الأقل.

لكن بدلا من ذلك استدار نحو إحدى الغرف الفارغة بعيدا في الممر. ثم تحدث. أو على الأقل بدا الأمر كذلك. أتى الصوت من بعيد كأنه من نفق طويل طويل. ولم يكن كلاما حقا. بدا كأنه قد يكون له معنى بدا تقريبا كلغة منطوقة جيدا لكنه لم يكن سوى هذيان ممزق ضوضاء. هكذا بدا له على الأقل. كان إزيكيل -البارق البارق- يضع ذراعيه متقاطعتين وينظر إلى كهف جانبي فارغ كأن أحدا أو شيئا كان هناك حقا وكان يخوض محادثة معه.

ماذا رأى بعينيه اللتين غيمتهما عوالم أخرى؟ ماذا ظن أنه هناك ولم يكن؟ أو لربما كان هناك شيء ما حقا فقط شيء لا يستطيعان رؤيته لكن البارق يستطيع. لم يكن مارتيموس متأكدا إن كان يريد معرفة ذلك. أخيرا استدار وعاد أدراجه في الكهف نحوهما مجددا. تراجع مارتيموس مرة أخرى وتصلب وشعر بكل عقلة في جسده كأنها زنبرك ملفوف. علت تلك الهمهمة لدرجة بدت وكأنها تثقب رأسيهما وتحتها تمكنا من سماع طنين متأوه كطنين ذبابة دم.

أعمى. أعمى وأصم. سينتهي كل شيء قريبا. ثم أخيرا مر البارق أمام الكهف الذي كان يرقد منتظرا فيه قريبا جدا لدرجة أنه استطاع مد يده ولمسه. ومن هذه القرب استطاع رؤية محيط متطاير خافت حول حواف المخلوق كأن الهواء ذاته منزعج من حضوره كأنما عرف أن شيئا هنا خطأ. سهل. سيموت وسنكون آمنين. ليمنحنا الحظ ذلك.

صاح: "الآن".

لحظة نطق بدأ البارق في الالتفات نحوه فورا. إذن بوسعه السماع على الأقل. من نهاية الممر اندفعت إيليس من حول الزاوية وأطلقت السهم من القوس المركب. لم ينتظر مارتيموس ليرى أين استقر. لحظة سماع الطنين انقض نصل أولا وغرس سيفه في صدر البارق حتى المقبض. لم ير أين استقر سهم إيليس ليعلم إن كانت ضربة قاتلة لكنه تأكد من غرس سيفه حيث يجب أن يكون القلب. لكن البارق لم يمت. كلا بل صرخ صرخة طويلة مترددة أتت كأنها من مسافة بعيدة عبر أنفاق لا تحصى ثم تلفظ بكلمة هزت مارتيموس حتى عظامه.

ثم شعرت كأنه يتعرض للتهشيم. بدا رأسه ثقيلا جدا لدرجة كادت تكسر عنقه وبدا عباءته وكأنها تزن صخرة وبدتا ذراعاه أثقل من أن ترفعا حتى أن أصابعه بدت كأنها صنعت من الرصاص. تعثر للأمام مترنحا كتمثال مخمشا البارق ليمنع نفسه من الانهيار على الأرض حيث أيقن أن عظامه ستتهشم تحت الثقل. إلى جانبه وتحت الطنين المتأوه استطاع سماع إيليس تكافح للتنفس وسمع خلفه زقزقات فليت الواهنة وهييسات وبصاقات سيسيل المجهدة.

شعراً بالكاد بقادره على جذب النفس إلى رئتيه بنفسه. حاول بيأس رفع ذراع للامساك بسيفه المغروس في صدر البارق لليّه والقضاء عليه لكنه لم يستطع رفعه لذلك الحد. كل ما استطاع فعله هو التمشيط بأصابع بالكاد امتلكت القوة للاستجابة في الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه وجه البارق لربما الخمش بلسانه لمنعه من التكلم مجددا. كان ينزلق للأسفل وملأت الهمهمة رأسه وبدا الضلع الأزرق للبارق وكأنه يقطع جمجمته.

متمسكا بعباءة البارق بيأس شديد بالقدر الذي استطاعه فقد موطئ قدمه. دار العالم بعنف من حوله. وثب قلبه إلى حلقه حين لاح الأرض أمام رؤيته وأيقن بهذا الثقل المريب الضاغط للأسفل أنه سيتحطم ضده. أجبر مارتيموس أصابعه المخدرة الثقيلة على الخمش والتمزيق في عباءة البارق باحثا بيأس عن مسكة حتى بطأ سقوطه وتوقف. لكان قد انتحب بارتياح لو امتلك النفس لفعل ذلك. كان متمسكا متعلقا بالبارق وهو يكافح ضده.

بدا وكأنه يهتز ويهمه تحت لمسته بينما تمسك به وتحت الهمهمة الغارقة للمخلوق استطاع سماع صرخة ألم طويلة مترددة واستطاع شعور الدم الساخن وهو ينزف منه ليتدفق على جلوده الخاصة. ليمت هذا الشيء ليمت! تمزق شيء في عباءة البارق وانزلق للحظة طويلة مرعبة قبل أن يشبك نفسه أكثر بالمخلوق بقوة يائسة منقلبا. كان يحدق في سقف الكهف الآن وهو يكافح للحفاظ على مسكته حيث التقت حذاء البارق بالهوابط الخشنة بالأعلى.

تغيمت رؤيته وهو يصارع للبقاء واعيا ورئتيه المضغوطتان تفشلان في جذب أي هواء وشعر بعظامه تصطك تحت الشهد. وحين تمسك مارتيموس لاحظ أن البارق كان ينغرس ببطء مبتعدا عن السقف ومسحوبا للأسفل بوزنه. وحين ركزت عيناه رأى شيئا أسود وأفعوانيا ملفوفا حول أحد حذاء البارق. شيئا حيا يتلوى كذيل مسحوبا معه. شيئا طويلا يتلوى مغطى بريش أسود ممزقا من الهواء ذاته كأنه مسحوب من جدار الكهف نفسه.

فجأة تمزقت عباءة البارق مجددا وانغرس مارتيموس للأسفل أكثر. جاقطاً أسنانه وآنا من الشهد استدعى كل قوة استطاع حشدها مادا يده بيأس لمقبض سيفه المغروس في صدر البارق. صرخت عضلاته وهو يمد يده صاعدا مصارعا الثقل غير المرى الضاغط عليه واهتزت ذراعه واهتزت. قبيل مظلمة رؤيته شعرت أطراف أصابعه تلامس المقبض. وبكل قوته قبض عليه ولوى نصله. توقفت صرخة الألم الطويلة المترددة فجأة.

وفجأة لم يعد مهشما تحت ثقله الضخم. انهار على الأرض مع جثة البارق إذ توقف دفعة واحدة عن كونه مدعوما بقوته الخاصة لاهثا بحثا عن الهواء. تلاشت الهمهمة متلاشية آخر أصداؤها في الظلام ومعها ذهب الضوء الأزرق الغريب للبارق. في تلك اللحظة الأخيرة قبل الظلام قبيل تلاشي ضوء البارق رأى مضاء المخلوق الملتصق بقدمه. بدا كحية طويلة سميكة من الريش الأسود الفحمي. وحين راقب استدار ليواجهه كاشفا عن منقار أسود كبير وحاد بطول قدم على الأقل مثل منقار الغراب.

فتح هذا وحدثت جلبة مدوية لأجراس رنانة ثقيلة تتطرق صدى عن جدران الكهف. غمره شعور بالخطأ العميق وعلم حينها أن هذا هو الشيطان الذي استشعراه كليهما. سمع إيليس تصرخ برعب. ثم انغمسا في الظلام. حاول مارتيموس التحرك لكنه تشابك مع جثة البارق. علت تلك الأجراس لتصبح مزعجة وشعر بألم حاد ووخز في كتفه حين ضربه الشيطان بمنقاره مخترقا جلوده مباشرة. عوى بألم حين شعر بمنقاره يقرقع ويمزق لحمه وحاول أعمى الإمساك بما كان عليه في السواد الدامس لكن يديه مرتا خلاله تماما.

بدا كأن جسده لم يتكون سوى من ريش. للحظة مؤلمة طويلة لم يستطع مارتيموس سوى الصراخ وهو يحفر في لحمه بقوة غاضبة. فجأة عاد النوء مجددا. التقطت إيليس شمعتها ووقفت مكانا ما فوقه محاولة ضرب الشيطان بها وحين فعلت أعادت حركات التلويح حياة لهب صغير عليها مانحة إياهما بعض الضوء للرؤية على الأقل. سمع نداء المخلوق للأجراس المطرقة مرة أخرى وشعر بمنقاره يغادر كتفه مرشحا وجهه بدمه الخاص.

فور تحرره تدحرج مبتعدا دافعا جثة البارق عنه ومادا يده بالفن. وثب اللهب الصغير على شمعة إيليس حين أجج الجمر الموهج بجوع صامت نحو لهب مكشوف. أزهر الضوء في الظلام واستطاع الرؤية. كان الشيطان يستدار متلويا في الهواء متموجا كعلى ريح خفية موجها ذلك المنقار الحاد الملطخ بالدماء نحو إيليس التي لوحت بالشمعة نحوه مجددا. كان بطول رجل طفل أفعى من الريش الأسود تطفو في الهواء سميكة ومستدقة في النهاية وريشها ينفش وهو يرتفع عاليا.

لوحت الساحرة بالشمعة نحوه بصرخة غير واضحة لكنه مر عبر المخلوق مباشرة كأنه لم يصنعه اتصالا قط مخلفا بعض الريش المدخن المشتعل. فتح ثعبان الريش منقاره على الساحرة وغرق زئير الأجراس المطرقة العالم. صرخت بهستيريا مترجعة للوراء وكادت تسقط الشمعة وهو ينساب في الهواء نحوها. صرخ شيء في مارتيموس خوفا. كان منقار المخلوق حادا كالخنجر. نبض كتفه بألم من لدغته وتناثر دمه على الأرض.

بدا الوقت كأنه يبطئ واستطاع رؤية ذلك المنقار الشرير الملطخ بالدماء منسابا نحو إيليس بدقة قاتلة والساحرة عاجزة وأيقن أنه سيأخذها في عينها ليخترق دماغها وستموت ستموت لأنها أتت معه. وفي خوفه من هذه الفكرة في مقته لهذه الفكرة مد يده بالفن لملامسة لهب شمعة إيليس ودفعته حاجته اليائسة لارتفاعات أعلى من جوع صرخ لم يسبق له أن جلبها من قبل وكان جوعه هو أيضا جوعه حاجة لإنقاذ الساحرة.

تدفقت ورقة من اللهب الهادر من الشمعة محيطة بالشيطان ومشعلا ريشه الأسود فورا فصرخ. صرخ كأجراس ضخمة تتصدع وتتحطم وارتطم بجدار متسلقا إياه كأنه يحاول إطفاء النار لكن مارتيموس لم يسمح لهذا الشيء بالعيش. كان جوعه جوع اللهب ولم يرتو. سيلتهمه. نما الضبيب أقوى وحرارة واهبة تحرقه نيران ساطعة وبلا رحمة. بدأ المخلوق يدور في الهواء محاولا بإياس إطفاء النيران مطلقا ريشا منتنا محترقا في كل مكان دافعا إيليس ومارتيموس للوراء لئلا يحرقا.

علت صرخته لتصبح حادة ونحيلة بينما صغر شكله وصغر تماما حتى تفكك نهائيا وسقط منقاره ولسان أسود محترق على الأرض بصوت دك بينما ذر آخر ريشه رمادا. لم يبق شيء صلب سواه. حينها فقط مات الججو الذي شعره وعاد وعي مارتيموس إليه. لم يشعر قط بقربه من اللهب هكذا من قبل. لم تكن حاجته وجوعه شبيهة بما أججه بالفن. تهاوى متكئا على الجدار يلتقط أنفاسه لاهثا. استغرق كل ذلك لحظات معدودة تيقن منها منذ لحظة كمينهما الأول لإزيكيل لكنه شعر وكأنه ركض بأقصى ما أمكنه لنصف يوم.

نظر إلى الساحرة وساد صمت للحظة بينهما وعيناهما تلمعان في ضوء الشمعة البرتقالي بينما تنفسا ببساطة. أخيرا أقسم مارتيموس.

سأل بصوت خشن مرغما نفسه على الوقوف على قدميه: "أي نوع من الشياطين كان ذلك؟"

أصدر أحيانا صفيرا ضاغطا يده لكتفه أثناء فعله. كان الألم هناك عميقا ينبض.

"هو... انتظر."

كانت إيليس على وشك الإجابة لكنها حين اقتربت لاحظت الدم المتدفق على ذراعه.

سألت بعينين واسعتين منغمسة بشمعتها لرؤية كتفه: "ألدغك؟"

تمتم مارتيميموس ردا: "لا شيء مهم"، غير ملاحظ للذعر في صوتها.

لكن قبل أن يدرك كانت ترفع الشمعة لتنير وجهه وعيناها السوداوان الواسعتان تملآن رؤيته. بدا أنها لم تحب ما رأت فأطلقت شهقة صغيرة ولعنة وفي اللحظة التالية كانت يدها على جانب وجهه دافئة باستثناء الخاتم الذي ارتدته عليه شديد البرودة.

قالت ملحة: "مارتيموس، يجب أن نذهب. يجب أن نعيدك حالا".

عرف فورا من نبرة صوتها أن شيئا فظيعا حدث.

بدأ قائلا: "أما كان يجدر بنا على الأقل—"

لكنها قاطعته فورا.

أخبرته: "أنت مسموم أيها الساحر".

شعر بوخزة تنتشر من حيث استقرت يدها على وجهه وهزت رأسها وحين تحدثت مجددا ارتعش صوتها.

"أنت مسموم ولا أستطيع إيقافه. قد تستطيع مينيرفا علاجك لكن يجب أن نعيدك حالا".

عضت شفتها ناظرة إليه وما أرعب مارتيموس أكثر هو بداية الدموع التي رآها في عينيها. تذكر مجددا ما قاله ذلك الصوت له في حلمه البارحة. أنا مسرور جدا لأني سأحظى برؤيتك مجددا. أخبرته الساحرة بالجلوس والصمت بينما ذهبت لجلب سيفه وبدا ضوء شمعتها يحدد صورتها الظلية وهي تمشي في الممر نحو جثة البارق.

صرخت فيه حين نادى بسؤال: "إنه ميت قطعا. أتريد مني أخذ رأسه كدليل؟ ألم أقل لك أن تحمس لسانك؟ اللعنة يجب أن نحافظ على هدوء دمك بقدر ما نستطيع!"

حين عادت إليه مدت سيفه ممسوحة نظيفة قدر الإمكان على فستانها. مشى سيسيل بجانبها أيضا وعلى ظهره ركب فليت وريش الطيران على أحد جناحيه ملتوا وممسكا به بشكل غريب. زقزق العصفور بفخر بشأن جرحه القتالي وبدا وكأنه يعتبر الهر مطيته النبيلة.

أخبرته الساحرة: "أظن أن فليت قد أصيب أحد جناحيه".

امتنى مارتيموس لأن جناء مصابا هو كل ما لدى فليت. تذكر ذلك الثقل الساحق الذي حاته إزيكيل وتساءل عن نوع الفن الذي كان عليه. ليس إزيكيل. البارق البارق وميت الآن.

"نأمل ألا يكون مكسورا. لكنه لا يبدو قادرا على الطيران في الوقت الحالي".

ركعت إيليس بجانبه ووضعت يدها على وجهه مجددا.

"سيتعين عليك السمش بنفسك وصولا إلى القارب على الأقل. أتعتقد أنك قادر؟"

أخبرها مارتيموس: "بالتأكيد. في الحقيقة لا أشعر بالسم أبدا. ربما كنت محظوظا وتجنبت اللسعة. ربما لدغني فحسب".

أعطت إيليس نظرة جعلته يظن أن الساحرة على وشك توبيخه لكن صوتها حين تحدثت كان ناعما.

"أنت مسموم أيها الساحر. قد لا أستطيع فعل شيء بشأنه لكنني أستطيع استشعاره في دمك".

انزلت يدها إلى عنقه بطريقة لطيفة بشكل غريب.

"اشعر بيدي يا مارتيموس. أنا مرساتك لعالم الأحياء. لا تنزلق. دعنا نذهب".

جرته لقفزته ومعا تبعا المسار الذي سلكاه صعودا وخارج العتمة وأليفهما يتبعان خلفهما. لم يشعر مارتيموس بالسم حقا وأمل أول الأمر أن مخاوف الساحرة مبالغ فيها. لكن بحلول الوقت الذي صعدا فيه الدرجات من الكهوف ثم الدرجات من قبو الخمر عودة إلى أراضي القصر أدرك أن شيئا ما خطأ. تفصد عرقا باردا وكان مجرد صعود درج يجعله يتعثر في التنفس. قل الألم في كتفه لأنه كان ينخدر. توقفت إيليس مناولة إياه الشمعة ووضعت يديها الاثنين على جانبي وجهه محدقة به بغضب.

زمجرت: "تبا لك".

ضحك مارتيموس بخفوت.

أخبرها مستندا للخوار على جدار شارعا بالدوار: "آسف. لم أكن أقصد التسمم".

رمشت إيليس مباغتة ثم لان تعبيرها.

أخبرته مهدئة: "أنا لست غاضبة منك. السم نفسه هو ما أغضبني".

لم يجرؤ على إخبارها أن هذه الطريقة اللطيفة تخيفه أكثر بكثير من غضبها. خلعت قفازيه وبيد واحدة شبكت أصابعها بأصابعه بقوة.

أخبرته: "إن شعرت بنفسك تنزلق ركز على دفء يدي واستمع إلى صوتي. طالما استطعت شعوري وسماعي أيها الساحر فأنت حي".

قادته عبر القصر بخطى ثابتة لا بسرعة مفرطة لكن ما إن أصبحا في الخارج حتى لعنت ولعن مارتيموس معها. لم يدري كم قضيا في القصر لكن في الوقت المنقضي غابت الشمس وسقط الظلام عليهما. وجاء ضباب البحيرة كثيفا كعادته محيطا بهما ببياض جعل بالكاد نرى أبعد من ثلاث خطوات. لاحت جذوع أشجار الفناء المظلمة عبر الضباب والأشواك الملتفة حولها كروم الشوك الأسود... قرقع الشوك في الريح ونادياه.

أنا مسرور جدا لأني سأحظى برؤيتك مجددا.

تمتم بدوره: "وأنا مسرور أيضا".

سألته إيليس فور فاحصة وجهه: "ما هذا؟"

شاحب اللون منها حين فعلت.

أخبرته وهناك أكثر من لمحة يأس في ذلك الترجي: "مارتيموس أرجوك يجب أن تبقي معي. أرجوك إنها مجرد مشية صغيرة وصولا إلى القارب ثم تستطيع الاسترخاء وسأجدف بنا إلى الشاطئ. من الجيد أننا طلبنا منارة في هذا الضباب أليس كذلك؟"

جرته عبر الفناء متجاوزة حديقة الجماجم عند مدخلها وصولا إلى الدرب الذي صعدا منه للقصر. لكن حتى قبل اختفاء جدرانه خلفهما شعر مارتيموس بكسله وظلام أركان رؤيته. وكان باردا باردا لدرجة أن يد إيليس في يده بدت كأنها غير مريحة بدفئها. نعب الغربان فوقهما مطيرة بعيداً مع مرورهما. ومن شجيرات الشوك الأسود همس الصوت إليه. حاول تجاهله. حاول التركيز على دفء إيليس كما أمرته محاولا التركيز على صوتها.

بدت الساحرة متحدثة فقط لأجل الكلام. وكانت كلماتها لطيفة لطيفة أكثر من اللازم.

سألت وهي تقوده في الدرب ثم هزت رأسها: "ما الذي تعتقد أن إزيكيل فعله بنا؟ لا لا تتكلم. شعرت كأنني محطمة تماما. ظننت أن أضلعي قد تكسر. يجب أن تكون قويا جدا أيها الساحر لتستطيع التحرك والتمسك خلال ذلك. شجاع أود القول. فكر في كل الأشياء التي قد نتعلمها بمجرد عودتنا لأخذ ملاحظات إزيكيل. وقد وجدت أدلة على أخيك أليس كذلك؟ ستعود إلى أثره في أي وقت. فكر في ذلك".

التفتت للخور ناظرة إليه ثم لعنت مسرعة خطوتها.

"فكر في كل الفتيات الجميلات اللائي سيعجبن بمعرفتك للفن. فكر في قبلاتهن يا مارتيموس ألا يدفئ ذلك دمك؟ ربما أمنحك واحدة أيضا. تذكر ما يعنيه العيش أيها الساحر..."

لم يدري لماذا تحدثت هكذا لكن بحلول وصولهما للشاطئ تلاشى كل ذلك إلى ضباب باهت. لم تعد يد إيليس في يده مجرد شعور غير مريح بل بدت كأن أصابعها قضبان حديد ساخنة تحرقه. أدرك بوهن تعثره في الرمل وإيليس بجانبه تتوسل إليه للنهوض. ثم كان القارب أمامه وكان يسقط فيه غير شاعر بألم السقطة قط شديد التخدر شديد البرودة. التفت للخور ليرى إيليس تكافح بقوة لدفع القارب للماء. حاول الجلوس لمساعدتها والشيء الأخير الذي تذكره هو صراخها عليه بالاستلقاء أيها الأحمق قبل أن ينزلق يسقط في الظلام الظلام والشوك الأسود الحاد.

===***=== عجزت إيليس تماما عن دفع القارب في الماء. لم يكن الأمر حتى ثبتت نفسها ضد حجر قريب دافعة إياه بركليها لينزلق ويحتك خارج الأعشاب التي أخفاه مارتيموس فيها وصولا إلى الحجار المبللة والرمل الصلب المضغوط للشاطئ. حتى حينها بدا مع كل هجمة لظهر القارب أنه يتحرك عرض إصبع لا أكثر. وعلت أنها لا تمتلك الوقت قط. مع كل لحظة منقضية غاص السم أعمق في دم مارتيم. لم تجرؤ على النظر إليه حيث رقد في قعر القارب.

خشيت أن تجده ميتا بالفعل. لا فائدة أيها الساحرة. تعلمين أنه لا يمكن إنقاذه. لقد أتى ليكون معي الآن. خدش هذا الصوت مؤخرة عقلها بوشاية الريح الباردة لكن إيليس تجاهلته غير ملاحظة أنه ليس صوتها الواقعي. صرخت بإحباط دافعة نفسها لظهر القارب دافعة بكل قوتها.

فكرت وشفتاها منفرجتان بزمجرة والعرق يتسقط من جبينها بينما تجهد وشعرت عضلاتها تكاد تنفجر: "لن أستسلم وأتركه يموت. ليس الآن. ليس مجددا!"

لم تستطع تذكر كل تفاصيل ما رأته حين سحرتها بركة الألوان في عرين البارق. ذكريات الحيوات الأخرى والعوالم الأخرى انزلق منها كآخر شهقة حلم. لكنها عرفت أنها رأت مارتيم يموت في تلك الحيوات الأخرى شاهدته يموت مراراً وتكراراً ولن تسمح بحدوث ذلك هنا. ماذا لو كانت هذه مجرد رؤية أخرى وموتا آخر لا تستطيع فعل شيء حياله؟ هزت رأسها معارضة الفكرة. هذا حقيقي هذا حقيقي وسيعيش مارتيم تبا له.

أخيرا غطس مقدم القارب في الماء وأطلقت صرخة ارتياح وهو ينزلق فوق سطح البحيرة المغطى بالضباب. رشقت وتسلقت جانب القارب جاثية فورا فوق الساحر. كان شاحبا وباردا باردا جدا وبدت شفتاه تكتسبان لونا أرجوانيا مرعبا لكنه ظل يتنفس. استقر فليت في تشابك شعرها زاقزقا لها بيأس. أغلقة عينيها مستندة بيدها لعنقه مستمعة لأغنية حمراء إيقاع جسد مارتيم. كان متناقرا وغير مضبوط وكل السم في دمه ظلام ظلام بدا متسربا ومنصبأ في الندبة الشريرة على ظهره.

يمكن مقاومة سم كهذا لوقت إن أبقى المرء عقله على مجد وشهوات الحياة لكن الساحر تجاوز ذلك الآن. لن يعيش أيها الساحرة. لقد ذهب.

تمتمت لنفسها: "كلا. كلا سيعيش تبا له".

أنقذ مارتيم حياتها. شعرت بما فعله بالأسفل حين استدعى لها لتغمر الشيطان. نادى اللهب بقوة أكبر بكثير مما اعتاد عليه وفعل ذلك لإنقاذها. لماذا لم تستطع فعل المثل له بالشفاء؟ ألم تخف عليه ألم تكن حاجتها ملحة؟ ومع ذلك لم تدر ما تفعله سوى عمل فنها بالأغنية الحمراء ولم تستطع إبعاد السم عنه. هزءت بها ببرودها البارد تجاه صنعتها.

حدثت نفسها: "ستستطيع مينيرفا فعل شيء".

بالطبع ستستطيع العشابة العجوز معرفة طب الأعشاب جيداً. يجب أن تكون قادرة على فعل شيء. تناولت إيليس المجاديف للتجديف. وحينها لاحظت أن المنارة على الجانب الآخر من الشاطئ لم تكن مرئية. التفتت حولها وكل ما رأت رماديا لا نهائيا مضيئا بفضة القمر لقد جرفتا بعيداً الآن لدرجة أن الجزيرة وقصرها تلاشيا خلفهما. كل ما رأت ماء مظلما حولها ورماديا كله رمادي.

لعنت: "أيها الحمقى عديمو الفائدة!"

خاطر مارتيم بحياته وخاطرت بحياتها ولم يستطع هؤلاء القرويون الجهلة إظهار أدنى لياقة لبناء نيران كبيرة تكفي للرؤية؟ رأوا الضباب أليس كذلك؟ ألم يدري بوجوب بناء إهاب كبير يكفي للإشراق خلاله؟ ما زالت تلعن تحت خطوتها شفتها وبدأت تجدف بالاتجاه الذي ظنت أن الشاطئ فيه. لم تستطع تحريكه بسرعة مارتيم وشعرت بوعي أشد من أي وقت مضى بمدى صغرها مقارنة به فقد جدف عبر البحيرة وجر القارب بر الشاطئ بسهولة بينما هي لم تجدف طويلا حتى تنفست بصعوبة وصرخت ذراعاها.

لكن خوفها عليه دفعها للأمام والقارب يتحرك بسلاسة فوق سطح البحيرة باحثة دائما عن الضوء الذي أملت رصده اللهب المفترض لإرشادهما عودة. جدفت حتى ظننت بلا شك أنها أصابت الشاطئ الآن وأنه حتى إن عجزت عن رؤية اللهب كان يجدر بها رؤية الأشجار على الضفة عبر الضباب. ومع ذلك ما زال لا شيء سوى الضباب والماء الأسود. وشيء ما في الماء. ظنت إيليس أول الأمر أنها تخيلته فتجاهلته الطريقة التي انتفخ بها الماء قريبا الطريقة التي دوّم بها الضباب حيث لا ينبغي.

لكن حين باتت أشد يأسا لم تستطع إنكار وجود شيء يتبعها. التقطت ومضات لحم شاحب تحت السطح قبل تلاشت في الأعماق وعرفت أنه ليس سمكة. ما رأته كان كبيرا جدا. غير طبيعي جدا. استمرت بالتجديف لاهثة جارة المجاديف بأقصى ما أمكنها ذراعاها وكتفاها تحترقان. صرخت حين احتك شيء فجأة بأسفل القارب بقوة كافية لجعله يتأرجح وأطلق سيسيل عواء وهسيسا وبصاقا بينما تنسكب المياه فوق الجانب متجمعة حول الساحر الذي لم يتفاعل مطلقا مع برودتها.

هربت فكرة الأرض من عقلها حينها ولم تفكر سوى في الابتعاد الابتعاد بأقصى ما يمكن. غرقت المجاديف بعمق. وذلك الذي أمسكته في يدها اليمنى علق. أدركت وهي تتفرس عبر جانب القارب: كلا ليس عالقا. ممسوك. ممسوك تحت الماء بواسطة مخلوق هناك شاحب تحت الدكنة مخلوق لحم أبيض قذر جذع مشوه مغطى بأصابع متلوبة وفي ذلك اللحم وجه وجه بشري وجه تجهم بألم وأوه بينما سحب الجذع جارا المدافع وشارفا على جر إيليس في الماء معه.

وجه بعيون غائمة مهشمة وأسنان مكسورة مهشمة وجه يهمس باسمها— سقطت إيليس للخلف بصراخة لكنها لم تستطع التخلي عن مجاديفها لم تستطع إن فعلت هلكت. لذا متململة في القارب بحثا عن سلاح وجدت أولا عصا الجنية التي أحضرتها والتي أعطاها لها مارتيم أول الأمر كعصا مشي لكنها تخيلتها دائما هراوة. أخذتها وراحت تضرب الشيء الشاحب تحت الماء محطمة ذلك الوجه صارخة طوال الوقت صارخة بغضب ورعب وتطاير دم أسود من أنفه المهشم حين حطمته.

حتى حين فعلت انفتح شق تحت الجلد انفتح واسعاً كاشفا عن فم بصفوف وصفوف من الأسنان الحادة وأمسكت تلك الأصابع القابضة سلاحها موجهة إياه نحو تلك الأسنان ومهما كابحت لم تستطع مقاومتها. حتى انطبق عليه بقرمشة وأعثرت إيليس للخلف ممسكة بشظايا فقط الآن من هراوتها والقارب يميل بخطورة قرب الانقلاب. رأت هذا الشيء من قبل كانت متأكدة. رأته في رؤاها للعوالم الأخرى. وعرفت الآن لماذا لم تستطع رؤية ضوء المنارة الذي أشعله القرويون.

أخطار الضباب الضياع فيه؛ الضياع والعبور إلى عوالم أخرى. حكايات بحاري الأطواف الذين خافوا البحيرة ليلا وفي الضباب. لقد ضاعت. جرفت بعيداً إلى عالم آخر عبر الضباب أو كانت بين عوالم ضائعة بلا هوادة أسوأ من الهيم عبر غابات الجنية. كابحت لتصل لركبتيها ناظرة عبر الماء مجددا. اختفى الشيء الآن لكنه أخذ أحد مجاديفها معه وانزلق مجددافها الآخر إلى الماء خلال شجارهما. حتى بينما رأته تلاشت مبتعدا مختفيا في الضباب زال وبقيت عالقة بلا سبيل لتحريك القارب.

وعرفت ذلك الشيء شيطانا أو مسخا أو أيا كان سيعود. لن يتركها وشأنها. سيلتهمها. لقد عرف اسمها. لوت الخاتم الأسود على اصبعها وكان باردا شديد البرودة.

همست: "أبي؟ أبت أسمعني؟"

لكنه لم يكن هنالك جواب مهما عدد المرات التي نادت فيها. نظرت لأسفل إلى الساحر وجهه شاحب ونفسه نحيل ونحيل ومسحت دموعا حارة عن عينيها. لقد أخفقت. سيموت مارتيم وستموت هي. استقر خدر بارد فيها عند هذا الإدراك شيء خنق خوفها غضبها وبرد دمها الحار حتى اهتزت هي الأخرى. ستموت. أجل. لا شيء يمكن فعله. لم يكن ليُنقَد أبدا. لا تلومي نفسك. لا نموت جميعا بالطريقة التي نودها.

"آسف يا مارتيم"

أخبرت الساحرة جالسة بجانبه. مدت يدها لملامسة عنقه. كان باردا متجمداً الآن ونبض قلبه ضعيفا. لم تظن أن وقتها معه سينتهي هكذا. لكن ربما كانت هذه طريقة العالم الآن. أخبرتها أمها يوما أن الكثير فقد من الفن وصعب استعادته لأن الرغبة في التوالد التي يربيها تدفع الكثير من الساحرات والساحرين للموت مجهولين في براري عالم خطير. لذا ربما كان عليها توقع مصيرهما. ومع ذلك بدا مرا. طريقة مرة للموت بعد انتصارهما على البارق.

لم يكن ليأخذها ضدك. احتك شيء بأسفل القارب مجددا وحدث رش رش كبير في الضباب عن يمينها. لاح ظل رمادي مبهم في الضباب فوقهما بحجم شجرة كبيرة قبل أن يتلوى مجددا تحت الماء. تساءلت إيليس إن كان الأفضل ببساطة أخذ سيف مارتيم ومنحهما الرحمة بدلا من انتظار الالتهام. وحين كانت تفكر في ذلك سمعته. أحدهم كان يغني. امرأة صوتها ناعم ونقي.

"رحل حبيبي، رحل، عبر المياه، الحالكة والصافية، ليأتي لي بكنز، هكذا قال، ليأتي لي بذهب، غالٍ جداً، غالٍ جداً."

كان صوتها جميلاً ومؤلماً إلى حدّ يعتصر القلب، وقريباً، قريباً جداً.

صرخت أليس: "من هناك؟!"

وانحنت فوق حافة القارب، متطلّعة نحو الجهة التي أتى منها الصوت.

"من هناك؟ أرجوكم! أهناك أحد؟"

المرأة، ورغم أنه لا بدّ أنها سمعت النداء، لم تبدِ أيّ إشارة. واصلت الغناء فحسب.

"أين حبيبي؟ أخشى، أخشى، فقد أطال في الترحال، تحت المياه، الحالكة والصافية، وجد موطنه الأخير."

ومع ذلك، وجدت أليس بصيص أمل في الأمر. لا بدّ أنها قريبة من الشاطئ، أو قريبة من قارب آخر، قريبة ممّن قد يمدّ لها يد العون. لا تستطيع الاستسلام هكذا وتقبّل مصيرها في هذا المكان. انتزع جمال الأغنية وشرارة ذلك الأمل الخدر البارد من جسدها، وأدركت أنه قد تزال أمامها سيلة لتحريك القارب. مدّت يدها إلى جيبي فستانها الواسعين، وأخرجت مزمار الضفدع الصغير. وضعته على شفتيها، وبدأت تعزف، وشرعت في مدّ يدها بفنّها أيضاً لتأخذ الماء وترقص معه.

كان بإمكانها استشعار الماء، في الأعماق تحتها، وهو يدوّم ويرقص بجنون مع شيء ما، شيء ضخم، يتلوى تحت قاربها، وكادت تفقد إيقاع الرقصة من شدّة رعبها. لكنها استمرت، رغم كل شيء، تتوخّى النفخ في المزمار، فانتفخ الماء حول القارب وبدأ يدفع. كان توجيه تيارات الماء لدفع القارب أبعد بكثير عمّا فعلته من قبل. لكن لعل خوفها واحتياجها فعلا لها مع الماء ما لم تستطع فعله مع الشفاء.

إذ سلّمت نفسها للرقص، وضاعت في تفاصيله، وانطلق القارب للتوّ إلى الأمام، ببطء في البداية، ثم بوتيرة أسرع وأثبت، إلى أن صار أخيراً ينزلق على صفحة البحيرة أسرع ممّا استطاعت تجديفه، أسرع حتّى ممّا استطاع مارتيم تجديفه. تتبعت صدى صوت المرأة، صدى الأغنية، رغم أنه لم يبدو مقترباً قط.

"حبيبي، حبيبي، لماذا ذهبت؟ لتضحك وتطرق باب الموت، أنا الآن ملعونة بلوعة الأرملة، لأبكي عظامك إلى الأبد."

رَقَصَت مع الأغنية، وتحتھا، استطاعت استشعار الكائن وهو يرقص مع الماء أيضاً، يرقص في دوامات واضطرابات هائلة بينما يحرك كتله المروعة والمدنسة ليتبعها. لكنها قلبت ضخامته ضده، إذ رقصت مع الماء حين قذفه الكائن أيضاً، فرقصت معه ووجهت حركاته نحو قاربها، دافعة إياه أسرع فأسرع. وإلى أن شعرت، في نهاية المطاف وبانتصار في قلبها، بأن الكائن يتخلف عنها ويتركها، بينما تلاشت رقصاته مع الماء.

كان صوت الغناء قد تلاشى الآن هو الآخر، لكن هذا لم يعد يهمّ. فها هي، وهي تخرج من الضباب، ترى شاطئ اليابسة. لم يكن مكان اللقاء الذي توقعته، ذلك الذي رتبوه مع مينيرفا ورين، بل كان الشاطئ المتاخم لسلْفيفِش نفسه. كانت تنزلق محاذية للمعبد المغمور نصفه لسيدة المياه الهادئة. من كان يغني؟ لم تستطِع رؤية أحد على الشاطئ. لكنها طردت هذا الفكر من ذهنها. كانت لداتها مخاوف ملحّة أكثر.

صرخت: "المساعدة!"

حين استقر القارب محتكّاً بالقصب. كان الوقت ليلاً، لكنها ما زالت قادرة على رؤية ألسنة اللهب ترقص في بعض النوافذ. قفزت خارج القارب، وشرعت تجرّ مارتيم، لكن لم تكن هناك أيّ طريقة تمكنها من تحريكه وحدها.

"المساعدة، اللعنة عليكم! ساعدونا!"

خرج فينيل مهرولاً من المعبد، وتسمّر الرجل النحيل في مكانه متوسّع العينين حين رآها، وإن كان ذلك لوهلة.

سأل بينما كان يخوض في الماء إلى جانبها: "ماذا - ماذا حدث؟ كنت أظن أن... الخطة..."

حاول رفع مارتيم بنفسه، لكنه بالكاد استطاع حمله؛ كان الساحر جثة هامدة.

قالت أليس باقتضاب: "إنه يموت. علينا أخذه إلى مينيرفا - اذهب، أيقظ الآخرين! اذهب، أيها الرجل، ولتذهب الخطة إلى الجحيم! إنه مسموم، وسيموت إن لم نحضر له المساعدة سريعاً!"

ابتلع فينيل ريقه وأومأ برأسه.

قال: "سأذهب لجلب ريتر"، ثم جرى نحو الضباب، وتوارى صوت وقع أقدامه سريعاً في جوف الليل.

سيعود ومعه المساعدة، عما قريب، قريب جداً، هكذا حدثت أليس نفسها. وفي ماء بارد يبلغ منتصف ساقيها، وضعت يديها مجدداً على عنق مارتيم، حيث كان يرقد نصفه داخل القارب ونصفه خارجه. بالكاد استطاعت الإحساس بنبض قلبه، وبدت أغنيته الحمراء واهية وخافتة للغاية. سيكفي ذلك. لا بدّ أن يكفي. سيعيش. تطلعت أليس مجدداً إلى الشوارع المجللة بالضباب التي اختفى فيها فينيل. من أنشد لها الدخول؟

لم تستطع رؤية أحد، ولم يعد أحد يغني. كان الصوت الوحيد الذي تسمعه الآن هو طرطشة خفيفة، في مكان ما وراء الضباب.