19.
ساحر شديد الغرابة "ما المومض؟"
سألت مينيرفا وهي تلهث، رافعةً أطراف تنّورتها لتمشي بخطى أسرع مع بدء رحلة العودة إلى القرية.
"لم أسمع بهذا من قبل".
"وأنا كذلك"، تمتمت إيليز، وأحسّ مارتيميوس بعينيها عليه، متقدتين بضوء القمر، متسائلتين ومحائرتين.
أمّا ريتر فبقي صامتاً، ينتظر جواباً، ومُحدّقاً بكل بساطة في الساحر. مضى مارتيميوس في طريقه، موسعاً خطاه على الدرب بسرعة، غارقاً في أفكاره. مومض؛ حزقيال مومض. أدرك ذلك لحظة رأى الرجل يمشي مقلوباً على رأسه كما فعل هو، وأدركه حين سمع ذلك الأنين المتنافر الذي حمله الريح إليهما. أخيراً تكلّم.
"المومض هو... شيء يمكن أن يحدث حين يخرج الساحر إلى الخارج، إلى عالم آخر، و...يعود بطريقة خاطئة".
استوعب الثلاثة كلماته لههوة قصيرة، لكنّه عرف من صمتهم أنّه لم يشرح الأمر بما يكفي.
"ممرّ إلى الخارج... ليس مجرد باب، أتفهمان"، تابع.
سحب نصله من غمده حتّى منتصفه، ثمّ أعاده مكاناً بضربة قوية.
"النصل، الغمد بيته. صُنع له، وهناك ينتمي. هكذا الحال مع البشر وعالمهم. حين تعود، يشبه الأمر وضع سيفك في غمده. تخطئ الهدف قليلاً، وسيظلّ سيفك في المكان العام نفسه الذي ينبغي أن يكون فيه... لكنّه مع ذلك خاطئ وضوحاً".
"أتقول إذن إنّه في منتصف الخارج وفي منتصف هنا؟"
سألت إيليز بحذر، مستجلبة نظرات مربكة ومتوتررة من مينيرفا وريتر. لم يعجبهم أن يجهل هذا الأمر حتّى من عرفوا الفن. اكتفى مارتيميوس بهزّ رأسه لها.
"لا. إنه هنا بأكمله. إنه هنا فحسب بطريقة خاطئة".
توقف لبرهة في دربهم ليُحدّق باتجاه الجزيرة. لم يسطع هناك أيّ ضوء الآن، سوى لمسَة القمر لأشجارها الميتة والحجر المسطح للقصر.
"وهذا قد يكون خطيراً للغاية".
سار مجدداً، وعمّ الصمت مطولاً، غارقاً في أفكاره حتّى أُنتشل منها من جديد.
"كيف يكون خطيراً إذن؟"
سألته مينيرفا. أمعن مارتيميوس التفكير في هذا طويلاً حتّى إنّ مينيرفا عادت فسألته السؤال نفسه.
"فكّري في الأمر على هذا النحو"، قال أخيراً، وإنْ بدا غير واثق من كلماته.
"يمكنك عزف أغنيتك المفضلة على الناي. لكنّها ستبدو مختلفة جداً إن عزفتِها على القيثارة أو الكمان. وستختلف أكثر بعد، إن حافظتِ على اللحن وغيرتِ الأوتار".
أثار هذا نظرات خاوية من مينيرفا وريتر، بينما كانت إيليز تومئ بتبرّم.
"بالطريقة ذاتها، حين يعود المومض بطريقة خاطئة، قد يرى العالم متغيراً قليلاً عما هو عليه حقاً. ربما تبدو ألوانه خاطئة، أو قد يرى العالم على نحو مختلف كلياً عما نراه نحن. لدرجة يمشي معها مقلوباً. أو"، أضاف بعد لحظة، "يخطف الأطفال دون أن يدري حتّى ما يفعله".
صمت مجدداً.
"إذن"، قال ريتر، وبدا صوته متعباً، تعب الهزيمة، هزيمة من عرف الحقيقة منذ زمن بعيد لكنّه عجز عن كبح الأمل، ومَن يرى الآن ذلك الأمل يتحطّم.
"إذن. كان حزقيال حقاً هو من يخطف هؤلاء الأطفال، هذا ما تقوله".
لو كنتَ صادقاً، لكنّ تلك الكلمات بقيت حبيسة الحلق. ربما كان مارتيميوس أهدأ طبعاً في زمن آخر، لكنّه أراد الابتعاد عن هذه الأسئلة الآن، وأراد متسعاً ليتفكّر في الأمر بمفرده. تغيّر الكثير بسبب هذا كله.
"أقول إننا لا ندري إن كان يظنّ هذا ما يفعله حتى"، ردّ بحدة.
"لكنّ ذلك سيُفسّر سبب فعله له. ربما ظنّ حزقيال أنه يصطاد أرانب. أو يقاتل قطاع طرق. ربما يظنّ أنه يمشي على شاطئ يجمع أصدافاً جميلة. لكنّه في الواقع يجعل الأطفال يختفون".
"لكنّ هذا فظيع"، التقطت مينيرفا أنفاسها، ضيقة الصدر وهي تحاول مجاراة خطوات مارتيميوس الواسعة.
"أن تفعل أشياء بشعة كهذه ولا تدري حتّى أنك تفعلها".
مدّت إيليز يدها وشدّت كمّ الساحر. رمقها بنظرة خاطفة شائبة بالعبوس، ثمّ نظر إلى العجوزين المتخلفين في الخلف، وأبطأ خطاه.
"إنه أمر فظيع"، أقرّ بعبوس بينما لحقت به مينيرفا.
"لهذا السبب يعدّ المومضون خطرين".
صمت لبرهة ثمّ قال: "رغم أنّ هذا ليس السبب الوحيد لخطورتهم، ولا يمكنني الجزم حقاً بأنّ الأمر يعود إليه وحده. حيثما يوجد مومض، يُمهد الدرب لكائنات أخرى من عوالم أخرى. ربما لم يفعل شيئاً، وكل ما في الأمر أنه جلب شيطاناً إلى هنا اقترف الجريمة".
"أعرف بعض الشياطين ممّن قد يهمهم الأطفال تحديداً"، تمتمت إيليز بصوت خافت.
"لكنّني لم أستشعر وجودهم في هذا المكان".
أومأ لها مارتيميوس. هو الآخر لم يستشعر وجود واحد منهم، بالإحساس الذي يمنحهما إياه الفنّ لوجودهم، إحساس أن شيئاً ما معتلّ ومعوجّ في العالم حين يكون الشيطان جوارياً. ولو كان أحدهم في هذا المكان طوال تلك المدة، خاطفاً الأطفال من أرجاء البلدة، لكان ينبغي أن يتجسّد الإحساس به، وتنبعث رائحته في كل مكان. رغم أنّ الاحتمال يبقى قائماً على الدوام. سيعرف حق المعرفة متى شقّ طريقه فعلاً إلى القصر.
والحق يقال، لم يعتقد مارتيميوس أن الأمر كذلك، لكن إن أراد ريتر اجترار الأمل ببراءة حزقيال، فلمَ لا يمنح الرجل مساراً آخر غير ذاك الذي يضع اللوم عند قدمي أخيه؟ لكن هذا التفكير قاد ريتر إلى خاطر لم يتوقعه مارتيميوس، رغم أنّه كان يجدر به ذلك.
"أيمكن إعادته؟"
سأل ريتر بهدوء. توقف عن المشي فاستدار البقية نحوه. برزت نبرة توق لا تخطئها العين في صوتره.
"ريتر..."
كان صوت مينيرفا رقيقاً.
"تقول إنه حيّ"، تابع صاحب النُزل، وغدا صوته أقوى.
استقرت عيناه القويتان الصافيتان على مارتيميوس، ولم يُبدِ وجه الساحر، المستتر بظلّ غصن، شيئاً.
"إنه حيّ، وربما لم يكن هو من... من فعل كل هذا بالأطفال... أيمكننا إعادته؟"
وأخيراً، رأى مارتيميوس ريتر على حقيقته. ليس بصفته مرتزقاً، ولا عبداً للملكة البيضاء. ليس بوصفه خطراً محتملاً، ولا بمن توجب إدارة معتقداته بحذر لتجنب المتاعب. بل كرجل عجوز بكل بساطة. رجل عجوز متعب ووحيد. أمعن النظر في إجابته وما إذا كان سيتحرى الصدق التام أم لا.
"لا"، قال أخيراً.
"ما إن يرحلوا، فلا عودة. الحل الوحيد هو قتله".
"ولكن ماذا لو لم يكن زيكي هو من أخذ هؤلاء الأطفال؟"
اعترض ريتر.
"سنقتله بلا جريمة. أليس من سبيل يُحتال به؟"
"لا سبيل"، ردّ مارتيميوس بحسم جاف.
"حتى لو لم يكن حزقيال مسؤولاً عن الأطفال مباشرة، فمن المؤكد أن مجرد وجوده هنا هو ما قضى بحتمية مصيرهم، إن كان قد جلب شيطاناً. وكلما مكث هنا، جذب انتباهأ أكبر. قد يستقطب في نهاية المطاف أشياء تفعل ما هو أسوأ بكثير من مجرد سرقة الأطفال. وفكر فيما يتعدى الأطفال؛ فكر في سلامتك أنت أيضاً. المومضون خطرون دوماً. في حالته هذه، قد ينتزع حزقيال رأسك ظاناً أنه يقطف زهرة فحسب. كلا، يجب أن يموت".
عدّل نبرته وتفاجأ بحجم التعاطف الصادق الذي طواها.
"حتى لو ظننتُ أن ذلك ممكن، فلا أعرف إن كنتَ ستودّ مني فعله. أظن أن المرء قد يصاب بالجنون حين يعلم ما فعله دون أن يدري. ما كان مسؤولاً عنه".
بدا ريتر مأخوذاً بهذا، وتأججت في داخله جذوة لبرهة. طبق على قبضته وعضّ على شفتيه كمن يبحث عن شجار، وبدا وجهه قاسياً وخطيراً في ضوء المصباح. لكنْ وإنْ كان الرجل جندياً في ماضيه، فكان مارتيميوس شاباً، طويل القامة عريض المنكبين، وعارفاً بالفن علاوة على ذلك. شبك ذراعيه وأمعن النظر بالمقابل، بلا كلام، في صاحب النزل. تراجع ريتر، ثمّ هجم عليه العجوز بوضوح. تداعت كتفاه، وتلاشى الغضب منه إلى ليل بارد.
"حسناً"، قال بهدوء، بيأس، متكلماً في العتمة، ومخاطباً الجميع ولا أحد في آن واحد.
"أنت على حق. بالطبع. حسناً".
تعذر التبيّن في الظلام، لكن مارتيميوس ظنّ أن الرجل ربما يحمرّ خجلاً، شاعراً بالعار. حسناً، إنه خطؤه لتصرفه بحماقة. ومع ذلك، شفّ قليلاً على الرجل.
"رجال"، سمع مينيرفا تهمس بازدراء لنفسها.
مرّ ما تبقى من مسيرهم نحو القرية في صمت حينئذٍ، وغرق مارتيميوس عميقاً في أفكاره. مومض. يفسر ذلك الكثير، لكنّه شعر بالانزعاج لوجود أحدهم هنا. أكثر مما قد يسببه مجرد معرفة أن كخطير كهذا يتربص بالجوار. مرّت الغابة من أمامه كظلال شائهة وضياء قمر فضي بارد. بالكاد لاحظ عودتهما إلى باحة النُزل إلى أن شدت إيليز ذراعه مجدداً، فهزّ رأسه، محدقاً حوله، متفاجئاً بنصفه لوجدانه يمشون وسط المباني الآن لا الأشجار.
"مم؟ نعم؟"
"سألتُ إن كنتَ تنوي الوقوف هنا طوال الليل، أيها الساحر"، قالت الساحرة، مانحة إياه نظرة حائرة.
لا زالت مينيرفا وريتر تقفان بالجوار أيضاً، راقبتانه بحذر.
"أظن أننا نود جميعاً أن نعرف، أيضاً، ما تنوي فعله الآن".
"أه".
سعال مارتيميوس لبرهة، ثم أخرج غليونه.
"حسناً"، قال وهو يحشو جوفه بقرصة تبغ، "يبدو لي الأمر واضحاً. أخبرتكم أنني سأزور القصر. وإن استطعت قتل حزقيال، فسأفعل".
سرّت مينيرفا لسماع ذلك بالطبع. بدا ذلك جلياً. كانت تشبه بطريقة ما ذلك الكيان المحطم في بئر فاليري تاك على نحو مربك. لم يعجب مارتيميوس أن الدرب الذي سيسلكه سيخدم سلطة قديمة إلى هذا الحد. يكمن خطر في خدمة القوى المظلمة، الشياطين وقوى هذه الأرض سواء، هكذا أخبره معلمه الأخير. حتى في الصدفة. يودون لو يخبرونك حتماً بوجوب فعل ما عزمتَ على فعله أصلاً. يمكنهم استمداد القوة من مجرد فعل الطاعة.
لو كان حزقيال هو من اختطف أطفال السمك الفضي، ولو كان هو من رغبت فاليري تاك في الانتقام منه، فبقتله سيفعل مارتيميوس ذلك تماماً. لكن ريتر كان أقل حماسة حيال الأمر.
"كان زيكي رجل قوة"، أخبره صاحب النزل.
"لا تقليل من شأنك بالطبع، لكنه كان أكبر سناً وأطول باعاً في دراسة الفن. درسه لدرجة وفود الكثيرين لزيارته والتعلم منه. أيمكنك فعله؟"
تجلى الشك في صوتره بوضوح. توهج جوف غليونه بالحياة حين نفث مارتيميوس دخانه.
"أعتقد أن بإمكانى"، أجاب.
"حقيقة كونه مومضاً ستجعل المهمة أسهل. لا يزال الساحر مجرد رجل، والمومض أعمى. إن عجز عن رؤية العالم من حوله لأن عينيه تريان شيئاً آخر، فقد يُقتل المومض ببساطة المشي إليه وغرس سيفك فيه".
قد يعدّ فعل كهذا خدمة لسلطة قديمة، لكنّه رأى ما يكفي. يجب أن يمضي إلى القصر ليعثر على أثر أخيه، ولو أمكنه القضاء على حزقيال وهو هناك، فسيفعل. لن يخلف وراءه مومضاً سيخطف المزيد من الأطفال إن استطاع تفادي ذلك. ليس لأجل الأطفال فحسب، بل لتحرير حزقيال أيضاً. فكّر أن ما من رجل يودّ العيش على تلك النحوة، كوحش، دون حتى أن يدري. هكذا أخبر مارتيميوس نفسه. إلا أنه أدرك تفاهة الأمر برمته.
لكنت غادرت الليلة لو تيقنت من انعدام أي أثر لأخي.
"سأقضي عليه، لكنني أطلب في المقابل حق المطالبة بكل ما قد أجده هناك. ولا استثناءات للعاطفة من طرفك أو طرف أي شخص في القرية، تذكر ذلك. ما أريده من منزله، بلا أسئلة أو احتجاجات".
"لا يحضرني ما قد يرغب الناس بالاحتفاظ به من أغراضه"، أجابت مينيرفا، لكن وجهها بدا صارماً.
"سوى... إن وجدت رفات..."
"لست غولاً. لن أود الاحتفاظ بتلك".
سكت ريتر، ثم لمس سيفه عند خاصرته.
"أود مرافقتك إذن"، قال، وبدت صلابة في صوته.
"إن كان لزيكي أن يموت، فلعلّه من اللائق أن أكون أنا من يقضي عليه".
قد يكون الرجل عجوزاً، فكر مارتيميوس، لكنه جندي سابق، ولم يكن هرماً لدرجة تعجزه عن تلويح سيف. ولكن اصطحابه في ظهره؟
"لا أظن ذلك"، أخبره مارتيميوس، رافعاً يده قبل أن يتمكن العجوز من الاحتراط.
"لمومض كهذا، أظن الأمر بسيطاً. إما أن نباغته في كمين ونقتله، أو سيقتلنا بالفن، ولن يهم حينها عدد أذرع السيوف المرافقة لنا. سيعني الأمر مزيداً من الموت لا أكثر".
رغم أن ذلك لم يكن السبب الوحيد. لقد خفّ احتقاره لصاحب النزل - ولم يستطع حقاً الجزم بكرهه لريتر - لكن مارتيميوس لم يكن يثق بالرجل تماماً بعد. وخاصة ليس للقضاء على ما تبقى من صديقه القديم. قد تعني لحظة تردد الموت لكليهما.
"إن لم أنجُ، فسأقول إن عليك الفرار من القرية مع كل من يوافقك ومغادرتها، وترك البقية. القرب من مومض أمر مميت".
تجهم وجه ريتر أثناء حديثه، وبدا العجوز كمن يستعد لمزيد من الاحتجاج، فأردف مارتيميوس قائلاً: "لقد حالفك الحظ حتى الآن".
تبددت اعتراضات ريتر، مهما كانت، أمام النعيق الاستنكاري الذي أطلقته مينيرفا.
"حظ!"
شتمت العجوز الصيدلانية بصوت خافت.
"حظ في خطف أطفالنا! حظ في ذبح الهاربين!"
"نعم، حظ"، ردّ مارتيميوس بنبرة قاسية بما يكفي لتجعل العجوز تصمت.
"كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ بكثير. توجد شياطين يكون عذابكم لها رحيقاً عذباً، وقوى مظلمة أخرى يا امرأة. ربما استرحمتم الموت طلباً للرحمة منها بدلاً من ذلك. لذا عليكم الرحيل إن لم أعد. وإلا فكم سيستغرق الأمر قبل أن يأتي شخص آخر مثل فينل، جاهلاً باللعنة، ويكون موت طفل آخر في أعناقكم؟"
وقفا في صمت لفترة، في العتمة أمام النزل. ومن خلال النافذة، كانت عينا كينغ، قط النزل الأسود الفضوليتان، تراقبانهما، كنقطتين خضراوين حذرتين في بقعة من الفرو الأسود المصمت. ألقت الشعلة في المصباح الحديدي الأسود الذي حمله ريتر ظلالاً طويلة غريبة على شارع الحصى، وظل مارتيميوس يحدق فيها، متوهجة جمرات غليونه بعنف، وأعمدة الدخان تتصاعد من زوايا فمه.
"متى ستذهب؟"
سأل ريتر أخيراً. عضّ مارتيميوس على ساق غليونه بقوة، لكنّه ابتلع غضبه وقرر تجاهل عدم تأكيده له على ما طلبه. نفخ دخاناً في الهواء، ثمّ سعال.
"غداً"، قال.
"أعتزم الفراغ من شأني غداً".
والانتهاء من هذا المكان. لن أقيم هنا بعد الآن ما إن أجد أثري.
"سأحتاج إلى قارب تجديف خاص بي".
بقيت إيليز هادئة على غير العادة بينما خطط مارتيم مع مينيرفا وريتر، تقطف أحد كمّي رداءيها، مراقبة الحوار بعينين كبيرتين فضوليتين. ودع القرويان في نهاية المطاف، فعادت مينيرفا الآن إلى منزلها ومتجرها، ودخل ريتر النزل، لكن مارتيميوس لم ينضم إليهما. لفّ عباءته حوله وخطا نحو الليل، مطأطئاً رأسه إلى الأرض، بعينين لا تريانها وهي تتبعه، مستغرقاً جداً في أفكاره. سشأ الشوارع المرصوفة بالحصى نحو المرفأ، حيث انعكس ضوء القمر على مياه البحيرة الهادئة، والجليد يتشكل بالكاد على ضفافها، نافخاً غليونه بلا توقف وغارقاً في تفكيره.
وقفت إيليز خلفه قليلاً وهو ينفخ حلقات الدخان في الهواء وتلتقط الضوء الفضلي كحال الضباب، مراقبة إياه وهو يحدق في جزيرة روك، نحو القصر الجاثم فوق التل هناك.
أخيراً قالت: "مارتيميوس".
قفز مارتيم برهة، ثم التفت إليها مباغتاً وكأنه تفاجأ بوجودها. تجهم وهو يرى الجمرات تتناثر من غليونه من المفاجأة، ونفض فتات البرتقال المتوهج بعيداً عن عباءته في زخات شرر صغيرة.
"فاجأتني"، قال، مانحاً إياه نظرة اتهامية وكأنها فعلت شيئاً سوى المشي خلفه بكل بساطة.
"ظننتك في النزل. ما الأمر؟"
شعرت بتهيج يحتدم في دواخلها. ما الأمر؟ لابد وأنه كان يتعمد البلادة.
"كيف لك أن تعرف الكثير عن هؤلاء... المومضين؟"
سألت بهدوء.
"لم أسمع بهم قط. ولم تكن أمي غريبة عن الخارج".
"الأمر ليس مفاجئاً إلى هذا الحد. فهم نادرون".
حافظ الساحر على خفة نبرته لكنه لم يكن ينظر إليها. كان يحدق عبر البحيرة مجدداً.
"حصلت ببساطة على كتاب يتحدث عنهم".
لابد وأنه كان غارقاً في أفكاره حقاً، لأن الكذبة على لسانه بدت جلية. تجاهلت الصوت في رأسها الذي يأمرها بعضّه، وعوضاً عن ذلك مدت يدها وقرصت ذراعه بقوة. صرخ، ثم حدق فيها بغضب.
"أنت تكذب عليّ"، قالت بهدوء، ما إن استدركت انتباهه مجدداً.
"ألم تتعلم قط ألا تكذب على ساحرة؟"
"ألم تتعلمي قط ألا تثيري غضب ساحر؟"
ردّ بنبرة حادة وهو يدلك ذراعه. ضحكت إيليز منه باستهزاء.
"امضِ قدماً إذن، أيها الساحر العظيم. أشعلني أو اجعلني أختفي في هبة دخان. حولني إلى حجارة. أرني غضب الساحر".
بدا لها أحياناً أن مارتيم يكذب أو يخفي الأسرار لمجرد المبدأ العام. وكان ذلك يستثير غيظها الآن أكثر من أي وقت مضى. ومع ذلك، أي سبب لديك للغيظ منه لإخفائه الأسرار عنك، همس صوت صغير في دواخلها. حين تخفين أنت عنه أسراراً بمثل هذه الأهمية؟ انتفضت لتلك الفكرة الشاردة، وكاد الإنجاز يغرق غضبها. لكن مارتيم لم يلحظ تغير تعابيرها. تمتم وتمتم، عاضاً على ساق غليونه، ومحدقاً فيها.
لكن عبوسه تحول أخيراً إلى ابتسامة خجولة. انظر كيف يثق بك، طعن صوت في رأس إيليز. المزيد من الأسرار التي انتزعتها منه، دون أن تبوحي بأي من أسرارك.
"حسناً"، أخبرها.
"فقط لتعلمي، لم أكن أكذب بخصوص الكتاب. لكنني... رأيت مومضاً من قبل".
حاولت إيليز خنق الصوت في رأسها، وحشوه مجددًا في ركن مظلم من عقلها، حيث يمكنه الاختباء حتى وقت لاحق، حتى تحاول النوم، ليخرج بإبره الحادة ويغز به جمجمتها. لم يمانع مارتيم إخبرها! أراد أن يوحى، انظر إلى تلك الابتسامة الجميلة. لمَ قد تضيق ذرعاً بإفشائه الأسرار حين أراد هو البوح بها؟
"متى؟"
تغير شيء ما في ابتسامته، وبدا ناظراً في أعماقه، صامتاً لوهلة طويلة. التفت خلفه باتجاه البحيرة، مراقباً بتفكير بعض التموجات المرتسمة على سطحها المرآتي حيث أزعجها كائن ما على مسافة ما من المرفأ. كان صامتاً بغرابة، وشرعت إيليز تتساءل عما إذا كان سيجيبها حقاً حين استدار نحوها وتكلم ثانية.
"أخي"، قال أخيراً بهدوء، "كانت لديه موهفة التسلل إلى الخارج. وكان يعود أحياناً كـ...كمومض".
حدقت فيه إيليز بلا استيعاب.
"ما تعنيه؟ كيف فعل هذا؟"
لكن مارتيم اكتفى بهز كتفيه، مانحاً إياها ابتسامة اعتذارية حزينة.
"لا أعرف. لم يعلمني السر قط. لكنه استطاع عبور باب، والاختفاء ببساطة، أو أحياناً المشي على درب ما... لا أعرف سوى قوله إنه كان ممكناً طالما لم يراقبهم أحد وهم يفعلون ذلك، رغم أنني لم أستطع إدراك الأسباب التي أبداها وراء ذلك. قال إن مراقبته يربطه بهذا العالم، بطريقة ما".
كان ما يقوله مذهلاً. أكان الساحر يكذب؟ أكان يكذب عليها مجدداً...؟ لكنها لم تظن ذلك. كان يكتفي بمراقبتها، والقمر في عينيه، منتظراً ما ستتفوه به. لكنّ ما قاله كان غريباً حقاً، غريباً للغاية. لابد وأنه رأى التشكيك في وجهها، فأطلق ضحكة ساخرة.
"ها أناذا، أحمق يبوح بأسراره لفتاة جميلة، وهي لا تصدقني حتى".
لكن إيليز استمرت في التحديق وحسب. عاشرت أمها الشياطين، وعرفت استحضارها، وبينما لم تفعل إيليز سوى مساعدة أمها في طقوسها المظلمة، كانت تعلم فعل ما يتطلبه الأمر لجذب شيء من عالم آخر إلى هذا. حيث ينحيل العالم، يمكنك العبور من عالم لآخر، إن عرفت كيف تراه؛ أو لجلب شيطان لهذا العالم، يمكنك تقديم قرابين. التخلي عن شيء من عالمك يستطيع الشيطان فهمه، ليستهلكه في عبوره. لكن هذا تم دوماً بمشقة بالغة وخطر، وليس أبداً كأمر بسيط أو تافه، وليس أبداً بسهولة المشي عبر باب.
"إلى أين ذهب...؟"
سألت.
"أماكن كثيرة".
التفت مارتيم نحو كتفه مرة أخرى، وغاصت يداه في جيبه لإعادة حشو غليونه بالتبغ.
"أماكن كثيرة. تحدث أحياناً عن عوالم كانت انعكاسات قريبة لهذا، بفوارق طفيفة. حظيرة قديمة صمدت في وجه الزمن بعالمنا قد تكون منهارة في عالم آخر. وأخرى..."
تعثر قليلاً بغليونه، متمتماً تحت أنفاسه. بدت يداه خرقاوتان، ولم يستمرحتى أشعله بحكم وإتقان وأخذ ينفخ فيه.
"وأخرى"، قال أخيراً، "أخرى، كما قال، كانت أغرب. مفعمة بشقوم لا تتكلم بأي لغة نعرفها. وبعضها كان فارغاً فحسب".
أغرب فأغرب. سمعت عن عوالم كهذه، في القراءة؛ قرأت رسائل لساحرات وسحرة تحدثوا عن أمور مماثلة. أرض المرايا كان من المفترض أن تكون عالماً آخر كهذا، أرضاً تنظر إليها حين تتأمل انعكاسك، وتشبه إلى حد كبير عالمنا. لكن أمها، كانت تعرف عوالم الشياطين، حيث يسكن الغرباء، ومنها تأتي القوى المظلمة. لا عوالم قريبة جداً من عالمها.
"هل أخذك معه يقط؟"
"لا"، كذب الساحر، لكن بمهارة أكبر بكثير مما كذب به سابقاً.
"كنت أصغر من أن أصحبه قبل رحيله. لم يود تعريضي للخطر. كنت أنتظره في هذا العالم فحسب".
تيقنت أنها كذبة، لكنها غرقت في إثمها فسمحت له بها.
"وتقول إنه عاد كـ...كمومضين هؤلاء...؟"
"فعل، نعم. لكنه لم يعد أبداً... كائناً معوجاً جداً"، أضاف الساحر بسرعة.
"إن استوعبتِ قصدي. ربما يعتمد مدى اعوجاج عودتك على العالم الذي تزوره. إن كان شبيهاً جداً بعالمنا، فلربما لا يمكنك العودة بمعوج جداً بالمطلق".
نظرت إيليز عبر البحيرة، باتجاه القصر، فأضاف، "أبداً... أبدا ليس هكذا. لم يكن معوجاً لدرجة تؤذي أحداً قط. وظنناه أمراً غير ضار، لأنه عرف كيف يصلح الأمر. استطاع جعل نفسه يرى العالم صحيحاً مجددًا".
أعادت تركيزها إلى الساحر وهو يخطو مقترباً منها. كذب إذن على ريتر، وبسهولة. قد يُصلح المومض حقاً. أرادت التفكير في هذا، لكنه أسر ناظريها بعينيه، الداكنتين في الليل والمفعمتين بالقمر، وصار قريباً بما يكفي لتضطر لرفع رأسها لرؤية وجهه. وكان هناك شيء فيه، وفي الليل، وعتمة الغابة المحيطة بهما، شيء بدا مألوفاً، لكنها عجزت عن تبيّن ما هو، على حافة أفكارها..
"وبينما كان مومضاً"، استرسل الساحر، وشعرت وكأنه يهمس في أذنها لا يكلمها، وكأن الليل يلفهما ليتركهما وحدهما، "كان لا يزال يرى العالم على حاله... في الغالب. لم يستطع سوى إخباري بما يراه. قال أحياناً إن العالم كان عامراً بألوان لم يظن أنه رآها قط. ورأى أحياناً الموتى يمشون بين الأحياء، ويتفاعلون مع العالم كأنهم أحياء. عاد مرة فقال إنه يستطيع رؤية مدينة غريبة، في الأفق، بآلاف الأضواء في كل مكان، وأبراج من معدن لامع، شديدة الطول بشكل مستحيل. وعاد مرة وقال إن فليت تحدث بصوتي وتحدثت بصوته".
ضحك مارتيميوس بخفة، غارقاً في الذكريات. لم يدري لِم يبوح بهذا للساحرة. لم يحدث أحداً بهذا قط. لن يفهم العوام، وأي ممارس للفن سيظنّه كاذباً. معلمه الأخير، الساحر الفظ السكير الذي وفد إلى بيكس غرين لتعليمه حين رحل أخوه لحرب الملكة، حتّى هو ظنّ مارتيميوس كاذباً في البداية، ولم يملك مارتيميوس شيئاً ليثبت به صحة كلامه. أخذ أخوه أسراره معه للحرب. لكن جزءاً منه أراد أن يعرف أحدهم، أراد أن يُقال هذا الشيء، هذه المعجزة قد حدثت، وجزء منه يرفرف بالضحك في دمه قال إن هذا سر ينبغي البوح به وتصديقه.
وفكر الآن أن إيليز تصدقه. رفعت نظرها إليه، صامتة في العتمة، وعيناها واسعتان بذهول، والظل الضاحك فيه قال إن هكذا يجب أن يكون.
"لابد وأن أخاك كان ساحراً بالغ الغرابة ليسافر بهذه السهولة ذهاباً وإياباً إلى الخارج"، همست له.
لقد كان. إنه كذلك. لكنه عرف أن هذا لم يكن صائباً، كلا. بغض النظر عن مدى عظمته، حين كان أصغر سناً، ليتعلم من أخيه.
"كان أحمق".
متنهداً، تراجع مارتيميوس عنها، وتوقف الضحك في دمه فجأة. هزت الساحرة رأسها، وكأنها تمسحه. لقد كان عظيماً. المغامرات العظيمة للأطفال الحمقى والجاهلين.
"كلا الاثنين كنا. لم ندرِ المخاطر. الأمر..."
توقف، نافخاً الدخان، وتدحرجت الغيوم بأشكال غريبة في ضوء القمر الشاحب.
"كنا محظوظين. قدم القوم الرحل إلى قريتنا، وحملوا معهم مجموعة كتب. أحدها أطروحة أوريليانية في الفن، وصنعة العبور بين العوالم. نادرة التدوين، أجزم، ومنسية لدى كثر، لكن أخي هو... اشتراها، من باب الفضول. ومن هناك تعلمنا ما هو المومض".
"هل لا زلتم تحتفظون بالكتاب؟"
حدق مارتيميوس فيها طويلاً، ثم أشاح بنظره.
"لا"، قال.
"أحرق. وكان شيئاً هزيلاً للغاية أيضاً. قد لا تكون هناك نسخة أخرى منه. لكنه أدى غرضاً في تصحيح حماقتنا، إذ كانت هناك حكايات عن المومضين هناك لتثلج الدم في عروقك. حتى أقل المومضين شأناً انتهى بمأساة. في إحدى الحكايات، كان هناك رجل عبر حيث كان العالم نحيلاً، وعاد خاطئاً قليلاً فحسب. استطاع...رؤية الشعر، إن جاز التعبير. حين نظر في عيني زوجته، رأى نجوماً. وحين حزن أحدهم، رأى سحباً ماطرة فوق رأسه. ظن الناس الأمر رومانسياً. إلى أن دفن ابنه الرضيع حياً، خارج البلدة".
شعرت مارتيميوس بانطباق فكيه. من المضحك أن الكلمات قد خلفت هذا الأثر فيه، لكن مؤلف النص الأوريلياني (ساحر، ميت منذ قرون، يدعى نيفارد) كان بارعاً جداً في إيصال فكرته، وما زال يتذكر الرعب الذي شعره وهو يقلب الصفحات، أو الشعور بالغثيان في معدته حين بلغ النهاية.
"حين نظر إلى ابنه، كما ترى، رأى أعظم كنز يمكنه تخيله على الإطلاق. ولم يود أن يأخذه أحد منه قط. كانت النهاية الأسعد لمومض في الكتاب بأسره".
حلّ صمت بينهما، ولم يستطع مارتيميوس سوى التحدق فوق خرائب السمك الفضي. المنازل الفارغة، المظلمة كلها في الليل، المكسوة بالأشواك، والشموع تضيء نوافذ قلة مختارة فقط. نُزل لن يمتلئ أبداً مجدداً. وكل الأطفال راحلون، عالقين بين مومض وطموح الملكة البيضاء القاتل. فكرة أنه عبث بحماقة وجهل يوماً بقوى قد تقود لكارثة كهذه كانت كفيلة بإشعاره بوهن ركبتيه. لكنّه انتشل من تأمله، بصوت الساحرة.
"لم تحدثتَ وكأنك ذاهب وحدك لمواجهة المومض؟"
سألت، وبدت نبرتها خفيفة الظل بشكل مثير للريبة.
"ألا تظن أنك قد تحتاج إلى عونتي؟"
على الفور، توقف تفكيره عن التخبط وركز على إيليز. عرف تلك النبرة. كانت غريبة للغاية، لكنه عرفها. وحسب خبرته، تستخدمها النساء حين يغضبن منك، وتنم فوراً عن غضبهن، بينما يرغبن لسبب ما في التظاهر بالعكس. عرف أبوه كيف يتعامل مع تلك النبرة؛ استخدمتها أمه أحياناً، لكن أباه كان يعرف كيف يقول الكلمات المناسبة تماماً لتجعلها تضحك وتبتسم خلال لحظات. لم يكن مارتيميوس قد فكّ لغز هذا بعد قبل مغادرته المنزل، لذا كان أكثر حذراً.
"كما أخبرت ريتر"، قال ببطء، نافضاً غليونه المستنفد ومخزناً إياه في جيبه.
"إما أن أباغت حزقيال قبل أن يعمل الفن، أو سيقتلني ومن معي. غالباً ما يكون أعمى، وأنا واثق من إمكانية فعل ذلك. لكن قدوم مزيد من الناس سيعني فقط مزيداً من الموت إن فشلت".
لكن بدا وكأن إيليز لم تستمع لكلمة واحدة مما قال. وقفت وشبكت ذراعيها، وبدا وجهها عصياً على القراءة، لكنّه استطاع استشعار الغضب فيها على أي حال.
"ألَم أكن مفيدة حتى الآن، أيها الساحر؟"
سألت. كاد يتعثر للخوار وهي تمد يدها، سريعة كأفعى ضاربة، لتمرر بأناقة أطراف أصابعها على حلقه، حيث كاد نصل كوكسون يقتله على مسافة شعرة، وحيث ما زال جرح سطحي مزعج باقياً.
"ألَم أكن رفيقة معينة، وشاليت جراحك؟ أم لعلك تظن أنني أصغر وأضعف لعمل دموي كهذا".
كبح مارتيميوس رغبة مشاكسة في الردّ فوراً بـ"نعم"، فحدقت فيه وكأنها عرفت الوخزة التي أغوته.
كانت الساحرة صغيرة نوعاً ما، بعد كل شيء. لكن ما أقلقه لم يكن هذا. لم يستطع كبح التفكير في ترحالهما معاً حتى الآن. مرتين بلغت الساحرة حافة الموت؛ مرة بعد لقائهما الأول بقليل، حين اضطر لحملها بعيداً عن شياطين رجال النسور المطاردين، ومرة حين كادت فاليري تاك تدفعها في البئر مع الكيان المحطم. صحيح أنه اقترب من الموت أيضاً، وأنها أنقذت حياته، بلا شك. لكنه خاطر بحياته في سبيل أخيه، كانت مهمته، غايته.
والحقيقة هي أنه رغم ظنه أن القضاء على المومض أمر جيد، فقد كان ذلك السبب الحقيقي لزيارته القصر. ربما أغوته فكرة تبديد لعنة السمك الفضي، وربما أغواه ما سيجده في القصر، لكن لو لم يقده أثر أخيه إلى هناك، لشكّ في خوضه المغامرة.
"لست ضعيفة بالتأكيد"، استطاع قولها.
"أخشى تعريضك للخطر فحسب".
رفعت الساحرة حاجبها نحوه.
"يا له من أمر غريب لتقوله. لا تعرضني للخطر أبداً. أظننتَ أنني لا أهتم برؤية القصر الذي بناه أحد عشاق فيريلين فالوير لها؟ أم لرؤية بقايا الفن التي اهتم بها حزقيال في ذلك المكان؟ أم لعلّك تريد الاحتفاظ بما ستجده لنفسك".
افترض أنها قد تملك بالفعل أسبابها لزيارة القصر، رغم اعتقاده بأن مجرد زيارته استناداً إلى شاعة مرور فيريلين هناك كان سبباً أحمق حقاً. لكن فكرة ما سيجده هناك أغوته أيضاً. ليس بما يكفي ليحدث الفارق فحسب. مع ذلك، ألا تستطيع الاستماع إلى العقل؟
"سأتقاسم ما أجده مهما كان"، تمتم بانزعاج.
"فقط لأن هذا عمل يناسب شخصاً واحداً".
"إن كان الأمر كذلك، فلربما يجدر بي الذهاب أنا. وحدي".
ردت إيليز، وبدت نبرتها متوافقة بسخرية.
"لا حاجة لانتظار الغد. لست متعبة، سأذهب الآن. يمكنك البقاء هنا. لا تقلق، سأتقاسم ما أجده".
ألفت شعرها الأسود الطويل بتحدٍّ فوق كتفها نحوه، والأشرطة الخرقاء المعقودة فيه ترفرف، واستدارت كأنها ستغادر. بشتمة مكتومة، مدّ مارتيميوس يده ممسكاً بذراعها، فالتفتت إليه بنظرات خطيرة. لكن بابتسامة خبيثة على وجهها.
"أوه؟ ألم ترغب في ذهابي وحدي؟"
سألت ببراءة.
"حسناً"، تنهد مارتيميوس مطلقاً ذراعها.
"يمكنك المرافقة إن شئت".
لكن ابتسامة الساحرة أخبرته أنها لم تنتهِ منه بعد. وقفت على المرفأ، مشبكة ذراعيها، تنقر بقدمها على الخشب البالي، محدقة فيه. عرفها بما يكفي الآن ليدرك ما ترغب في سماعه. لقد أهانها، والآن لن تقبل بغير ذلك. أخيراً، رمى ذراعيه بيأس.
"حسناً. حسناً. إيليز، أترغبين في مرافققتي من فضلك؟"
أبدت الساحرة استعراضاً كبيراً في التفكير العميق بطلبه.
"لا"، قالت أخيراً، ثم ضحكت ببهجة حين أصدر مارتيم هسيساً.
"مزحة، أيها الساحر! تبدو كذئب. نعم، سنذهب كِلانا غداً. أود رؤية منزل من بلغ تلك القوة كحزقيال كيف يبدو، حتى لو لم يكن القصر تكريماً حقيقياً لفيرين".
تثاءبت فجأة متمطية حتى اهتز جسدها. ذكّره تثاؤبها بكونه هو الآخر متعباً، فكبح تثاؤباً خاصاً به.
"من الأفضل ربما نيل قسط جيد من النوم"، قال.
"لأجل ما يحمله الغد".
"فكرة جيدة، أخيراً"، ردت الساحرة متبوعة بتثاؤب آخر.
"رغم أن يا مارتيم".
ابتشرت بحدة، مبرقة بأسنانها في ضوء القمر.
"إن فكرت بالتسلل وحدك غداً، فسيكون المومض أقل همومك قاطبة".
اتسعت عيناه مارتيميوس، ودفع بعيداً الخطط شبه الجاهزة التي صاغها في رأسه للوصول إلى الجزيرة بدونها. ضحكت إيليز منه، ومع عودتهما إلى نزل الصياد الليلي، استمرت في رمقه بالنظر والضحكة غير القادرة على كبح مرحها. ===***=== لربما كانت الساحرة في مزاج حسن حيال ما سيواجهانه غداً. لكن حين ولج مارتيميوس باحة نزل الصياد الليلي، حين مرّ تحت الشجرة الميتة في وسطها، وشبكة أشواكها، لم يستطع سوى الشعور بنذير شؤم، وإحساس بشيء يمتد نحوه، وفي عتمة الليل، حلم.
محاطاً بجدران من الأشواك السوداء، مرة أخرى، إلا أن الأمر لم يكن متاهة هذه المرة. انحدرت الأرض تحته، حجارة عارية ومغبرة، منحدورة بشدة نحو الأسفل، فانزلق ووقع، متخبطاً بيأس لإيجاد موطئ قدم لكنه أخفق، منزلقاً في أحراش الأشواك. اخترقته، ومهما حاول جرّ نفسه للخارج، ومهما حاول تحرير نفسه، بدت وكأنها تلتف حوله أكثر، غارزة أشواكها في لحمه، حتى احمرت دماً. وبدت بلا نهاية، متكسرة، ليهوي دوماً نحو الأسفل، للأسفل، حيث يسقط دمه، نزولاً إلى العتمة.
لكنه مع ذلك لم يستطع سوى التخبط، فحتى وهو يهوي، عرف ما كان في تلك العتمة التي اختفت فيها الأشواك. ما كان ينبغي أن يكون هناك، ما كان للصوت أن يكون هناك، ولا الوجه، ومع ذلك عرف وجوده، في العتمة، في الأشواك، يراقبه، وسرعان ما شرع يكلمه.
"لقد مرّ وقت طويل، يا مارتيم"، همس إليه من الأعماق، فصرخ محاولاً التسلق، واشقة الأشواك كفيه، لكن لم يكن من مفر وهوى، هوى، ممزقاً لأوصال، وما إن استيقظ صارخاً، غارقاً في العرق، يلتقط أنفاسه في سريره، يلهث في العتمة، حتى ترددت الكلمات الأخيرة التي تلفظ بها على صدى عقله.
"أنا مسرور جداً لأني سأحظى برؤيتك مجدداً".