رحلة الغرب، في الظل الفصل 18 — ضوء غريب عبر البحيرة

اقرأ رحلة الغرب، في الظل الفصل 18 — ضوء غريب عبر البحيرة باللغة العربية على مانجا تايم.

الجزء الثالث: نحو السواد 18. ضوء غريب، عبر البحيرة ابتلع الظلام القاتم ليل غرفة جلوس نزل الصياد الليليّ، ولم يقطعه سوى وهج شاحب لشمعة تكاد عاجزة عن درء العتمة، وجمرات برتقالية متوهجة لغليون مارتيم، تشتعل كلما أخذ الساحر نَفَساً، وتخبو حين ينفث دخاناً في سحابة عظيمة. لم يعبأ بحيله الآن، ولا يكترث إن صنع الدخان حلقات أو لا. صمت الساحر، وطال صمته طويلاً. وصمتت إليز أيضاً جالسةً أمامه، تقرأ على ضوء الشمعة.

صمتت، رغم أن في نفسها الكثير لتسأله إياه، لكن الساحر كان غارقاً في أفكاره أشد الغرق، وهي ذاتها لم تدرِ كيف تصوغ الأسئلة. غير أنها شعرات بخيط علق بقلبه الآن، بحبل أوقعه في شركه وجذبه خفيةً. أو لعل الأمر ببساطة أن الخوف والصدمة من هجوم كوكستون هذا الصباح تركاها مضطربة، حتى الآن. حدث كل شيء أسرع من أن تدرك، ولولا تقلبات الحظ الطفيفة لرأت حلق مارتيم يُمزق أمام عينَيها مباشرةً.

لكن ما صدمها أكثر أنها لم تبصر أي خطر في كوكستون قط. افتُتِنت بكلماته الجميلة، وبطريقته الرائعة في رواية القصة، رغم أنها رأت الجنون فيه. نظرت عبر الطاولة إلى مارتيم، إلى الخط الأحمر الرفيع على عنقه — كان جرحاً سطحياً، هذا مؤكد، لكن حتى أفضل شفاء أمكنها صنعه لم يستطع إغلاقه بعد — ثم احمرّ وجهها. كادت تقود الساحر إلى حتفه باستهتارها، وأكل الندم قلبها. لم ينطق الساحر بكلمة عن الأمر، وظنت أنه سيضحك منها لو أثارت الفكرة، لكن الإثم راح يعتصر قلبها على أي حال.

لكنها طرحت ترددها جانباً في النهاية، ووضعت كتابها — حكايات الأيام الأولى لإمبراطورية أوريليا، والنوعد، التي بحثت عنها بين مقتنيات ريتر بعد سماع قصة كوكستون — وكسرت الصمت الذي طال بينهما منذ الغسق. لابد أنها تعرف شيئاً واحداً على الأقل.

قالت: "إذن.. أخوك كان ساحراً هو الآخر؟"

أدار مارتيميوس رأسه ببطء ليحدق بها. لم تستطع رؤية الكثير من الساحرة في ضوء الشمعة سوى وجهها ويدَيها.

قال ببساطة: "نعم"، لكنه عبس في باطنه.

لم يكن الأمر بسبب الساحرة — فما كان ليُبالي إن عرفت، على ما ظن — بل لأن كثيرين غيرها باتوا يعرفون ذلك الآن، الكثيرون ممن قد ترفرف ألسنتهم أو تزيغ أفكارهم. بعد أن هاجمه كوكستون — ما زال مارتيميوس يرتجف من ذلك، لقد كان على شعرة من الموت، وما أنقذه إلا أن مجنوناً أفاق لعقله في اللحظة المناسبة — جلب الصخب كلاً من مينيرفا ورين خارج غرفتيهما. قيّدا الصياد، وكمّماه ليوقفا ثرثرته، لكن ليس قبل أن يعلما مكان ريتر.

ووفاءً بكلمة كوكستون، وجدا صاحب النزل مقيداً في الاسطبل، وفي رأسه شجّ مقيت. عملت مينيرفا وإليز بشفاء الأعشاب والفن على جمجمة ريتر المرضوضة وعلى جرحه هو الآخر. كان الجرح عبر رنقته، رغم وقوعه في موضع حساس وقربه المميت من القاتل، سطحياً، رغم أن الساحرة أصرت على شفائه له، ومنحته مينيرفا مرهماً ليبقيه نظيفاً أيضاً. أما ريتر، فكان في حال أسوأ. استعاد صاحب النزل وعيه حين ذهبا لجلبه من الاسطبل، لكن مؤخرة رأسه غارقة في الدماء، وكان متبلداً وغير مركز، فدفعتْه مينيرفا بحزم ليجلس على كرسي وأمرته بالبقاء.

جلبا ماءً ليغلي من أجل الضمادات، منقوعاً بروئح ثخينة ومسكرة لأوراق شتى أضافتها مينيرفا، وبعد لفّ رأسه بها وعمل إليز ما استطاعته من الفن، أعطت العطارة صاحب النزل شاياً، وفحصت مقلتَي عينيه، وأعلنت أنه سيمسي بخير. وهناك حوّلا اهتمامهما إلى كوكستون، المقيد والأبكم والباكي، وهناك طرحا عليه الأسئلة، وتمنى مارتيميوس لو لم يفعلا. لقد سرّ وقوع الاستجواب، لكنه تمنى لو استجوب الرجل وحده.

فما إن نزعا الكمام عن الرجل وثرثر باعتذاراته، وما إن هدأت كلماته المحمومة وشبه المخبولة وتباطأت، حتى وُجد الحق في كلمات كوكستون، حق مفيد أيضاً، لكن الطريقة التي لوّن بها الحق وشوّهه لم تعجب مارتيميوس قط. لقد استمعا إلى حكاية كوكستون الباكية، وتفسيره لسبب قدومه إليهما وبقلبه نية القتل، وفيها كانت الإجابات التي بحث عنها مارتيميوس. فقد كان كوكستون في دورنهولد أثناء الحصار الدموي، ورأى أخاه هناك، ثم رأى أخاه لاحقاً يأتي إلى سيلفرفيش — وهكذا صدق الدولمكي، فقد أتى أخوه إلى هنا في سنوات مضت، حين كانت حرب الملكة لا تزال تستعر.

وأتى إلى هنا ليزور حزقيال. بالنسبة إلى مارتيميوس، كان هذا كل ما يهم، الشيء الوحيد المفيد الذي قاله الرجل، وبقدر ما يعنيه الأمر كان بإمكانهم إعادة حشو الكمام في فمه وسجن الرجل لمحاولته قتله. أو شنقه، لكان ذلك حسناً أيضاً. لكن كوكستون لم يستطع سرد حكايته دون أن يهذي بهراء أيضاً، هراء جعل دم مارتيميوس يشتعل، هراء أعاد الأشواك لتزحف إلى رأسه.

تابعت الساحرة: "أكان ماهراً بالفن قدر ما صورّه كوكستون؟"

إلا أنه، بطبيعة الحال، لم يكن ذلك ما تسأله عنه. كان أخوه ذكياً جداً وماهراً للغاية في الفن. وكان أخوه من عرّفه بالفن أول مرة. لكن مهماً تكن مهارة أخيه وقدرته، لم يكن ذلك ما تسأله عنه حقاً.

قطب غاضباً، وما استطاع منع الغضب من صوته: "إن كنتِ تسألين عما إن كان قد جعل الموتى يمشون في دورنهولد حقاً، فإن كان مشعوذاً، فلم يخبرني قط. ولا أظنه كان من لعن سيلفرفيش، ولا من أحرق كروس-أن-غرين".

ندم على الغضب في صوته، لكنه قال القدر نفسه لمينيرفا، وريتر، ورين. كان ههناء، هذيان مجنون محطم، وتمنى أن يروه على حقيقته. لم يشك في أن أخاه لربما أذاق كوكستون ورفاقه العبيد للملكة عذاباً في دورنهولد، بل إنه استشعر قدراً من الفخر في ذلك. ولم يشك في أن الموتى مشوا هناك أيضاً. لقد زار دورنهولد، وحتى يومنا هذا كانت عظام الأرض ذاتها هناك مسكونة؛ ففي مكان يعج بكل هذا الموت، لم يكن غريباً أن يغدو العالم رقيقاً، وأن تطلع الأشباح والأرواح كلما اقتربت أراضي الموت.

لكن الرجل، بوضوح، غادر الحفرة التي آلت إليها المدينة مخبل العقل. لقد عرفوا سلفاً أن رجال الملكة مسؤولون عن إحراق كروس-أن-غرين يقيناً، وأن ادعاء كونه أخاه كذب. وكان لديهم سلفاً غرابة رصد شباح حزقيال حين اختفى الأطفال. لكنه كان نوعاً خطيراً من الكذب، النوع الذي قد يوقعهم في حبل المشنقة. ظن أن مينيرفا صدقته، ورين، حسناً، فاللص لم يكن حتى من سيلفرفيش، وشك في إن كان الفتى يبالي كثيراً سوى ذلك.

ربما شكل ريتر مشكلة. لكن الرجل حدّق في كوكستون طويلاً، طويلاً جداً، بينما قدم مارتيميوس تفسيره. في النهاية، قال صاحب النزل بهدوء إنه يظن مارتيميوس على حق. وللحق، أجب مارتيميوس باحساس مرغم العجوز المرتزق على ذلك. أراد ريتر أن يصدق غير ذلك؛ استشف مارتيميوس من عيني الرجل أنه أراد تصديق شيء يعفي صديقه من مسؤولية اللعنة، شيئاً يتعلق به. ومع ذلك امتلك الرجل الشجاعة ليعترف لنفسه بالحقيقة المرة.

لعل السنوات الطويلة ساعدته في الاعتراف. على أي حال، لن يلقي ريتر اعتقاده وراء كلام مجنون (وكوكستون، في ثرثرته ونشيجه، كان مجنوناً بوضوح)، مهما أراد ذلك، ومهما لم يبال بمارتيميوس شخصياً. لربما كان عبد الملكة البيضاء في الماضي، لكنه امتلك بعض الفطنة والشرف. مع ذلك، ما استطاع مارتيميوس إلا أن يتساءل عن الشكوك التي يضمرها الرجل. سيؤول أمرهم إلى سوء عظيم، ظن، إن بدأ ريتر يأخذ كلام كوكستون على محمله، مهما بلغ من جنون.

هزت إليز رأسها رداً على جواب مارتيم. لم يكن ذلك ما قصدته قط. لكنها استطاعت تفهم غضب الساحر، أو ظنت أنها تستطيع. عُذب كوكستون في دورنهولد على يد أخي مارتيم، هذا جليّ، لكنها لم تدرِ إن كان لديها الكثير من الشفقة لنشييج الرجل نفسه. ألم تكن تلك هي الحرب حقاً، وكيف توقع أقل من ذلك، حين بدا جلياً أن الملكة البيضاء دفعت الناس للجوع والتجمد حين يناسبها؟ مهما حدث في دورنهولد، فقد لوّثه، وما استطاع إبعاد عقله عنه، ليرى أصداءه في كل مكان.

لكن بعض ما وصفه بدا أفعال عظيم الشأن في الفن حقاً — لهيباً ينبض بالحياة، يحرق اللحم سريعاً، ويجتاح مبانٍ حجرية بأسرها محولاً إياها لأفران؛ أو ظلالاً يمشي فيها الناس فلا يعودون، ليالٍ يصرخ فيها الجارين ويختفي، ممزقاً بفعل مجهول. ثمة حكايات عن أعمال عظيمة للفن، بالطبع، في أيام أوريليا القديمة، أو في قصص أخرى، لكن غالباً ما بدا أن هذه لابد تباهٍ من الكاتب أو راوي القصة أياً يكن، ودائماً ما تُروى عن أيام ولت منذ أمد بعيد.

لكن مارتيم لم يناقض أياً مما قاله كوكستون، وجعلها تتساءل.

أخبرته: "أصّدقك في ذلك، أيها الساحر. لكن أهو من طَبَبَك؟"

انتفض مارتيميوس عند سؤال الساحرة، وأدرك فوراً أن هذا أيضاً أفشى شيئاً لها، ومنحها إجابة. حدّق في إليز مطولاً مرة أخرى. عجز عن تبين ما تحتويه سريرتها. رقص ضوء الشمعة في عينَيها.

أجابت أخيراً: "أنقذ حياتي. لم يفعل ذلك وحده، لكنني أظن لولاه لما تم الأمر برمته قط".

أيها الساحر الأحمق، تفشي أسرارك لفتاة جميلة. مدت يدها بغتة، وأمسكت بيده الطليقة، فبدت بشرة يدَيها دافئة للغاية ضد يده، وهي ذاتها دافئة تماماً، كعادتها دائماً. شعر بوخز الفن المألوف حين أغمضت عينَيها، وأدرك حينها أنها تستمع إلى الأغنية الحمراء، أغنية الحياة في عروقه، ما عجز هو عن سماعه بعد. تشعر، كما علم، على طول الجرح في ظهره، متتبعة أثر الندبة الملتوية. فتحت عينات مجدداً وحدقت به بإمعان شديد.

تمتمت: "لابد أنه كان قوياً جداً حقاً. لقد صنع عجيبة فيك، على ما أظن".

"حسناً، لعل الأمر ليس بمثل هذه العجيبة التي تظنينها. فأنتِ، بعد كل شيء، لديك الكثير لتعلميه في الشفاء".

حدقت به الساحرة نظرة صريحة للغاية، ثم ضحكت حقاً، وكانت ضحكتها بحيث عجز عن منع شفتيه من الارتجاف لتتسما بابتسامة أيضاً.

قالت له: "لو كنت بناء طوب بسيطاً، لربما جهلتُ كيف أبنيه وحده، لكنني أظنني سأعرف البناء عجيبة إن وقف بارتفاع مشي عشرة أيام. هكذا هو الحال هنا".

توقفت برهة، ثم زالت الضغكة، وبدت أشد جدية.

"أتريد الذهاب حقاً؟"

لم تترك يده. علم ما تقصده. أيريد الذهاب إلى القصر حقاً. التجديف عبر مياه نُست دريم العكرة وزيارة منزل حزقيال، حيث يقيم ساحر أعظم علماً منهما — أو، على الأقل، ما تبقّى منه. أدرك خطر ذلك، لكنه لم يتبين أي سبيل لتجنبه. فهناك سيجد إجابات حول وجهة أخيه. تيقن من ذلك.

أخبرها: "لنَرَ ما وعدنا به ريتر، وحينها قد أعرف دربي بصورة أفضل".

أومأت، لكنه ظن أنها لابد تعرف أيضاً أنه ما عاد أمامهم سوى درب واحد للمضي قدماً. كاد يشعر به، همس به الفن له، وظن أيضاً أنها لابد تشعر به هي الأخرى. سمى البعض الحظ ملكاً للفن إلى جانب الصدفة والنصيب، ولعل هذا صحيح، فما شعر به في الفن كان توفيقاً قاده إلى هنا. لو لم يفر كوكستون من منزله، لربما قتله الرجل في الغابات، ولكانت تلك نهاية الدرب. ما لعنه سوء حظ كان الحظ يبتسم له بسببه.

لم يكن رجلاً متدناً، لكن الغباء ازدراء حب ملك، مهما بلغ الحظ من غرابة كملك. ===***=== ما وعدهم به ريتر هو لمسحة من شبح زيكي، ليعرفوا كنهه، وليروا بعينَي ساحر أو ساحرة ما قد تعجز العوام عن رؤيته. في اليوم التالي لاستماعهم لحكاية كوكستون الملتوية (وبعد حبس الرجل في قبو ريتر، الذي ضم غرفة صغيرة كزنزانة، لأجل القليل من السجناء الذين قد يتعامل معهم القرية أيام كانت سيلفرفيش تحيا وتتفسس)، أعلن مارتيميوس رغبته في زيارة القصر.

لم تخفِ مينيرفا سرورها بهذه الفكرة، فأومأت وابتسمت، وبدا جلياً أن العطارة العجوز ظنت أن ساحراً وساحرة في الجزيرة قد يحسنان صنيعاً للقرية. لكن ريتر حضّ على الحذر. بدا صاحب النزل، بعد تعافيه نسبياً من شجّ كوكستون لرأسه، مسلماً أمره بيأس لفكرة معرفتهما لكل شيء، الآن. بل وجد مارتيميوس نفسه يشعر ببعض الشفق على الرجل. إن كان بقرب حزقيال قدر ما قالت مينيرفا وكوكستون.. إنه لأمر عسير، علم مارتيميوس، أن تفقد صديقاً، ولابد أنه أعسر حين تراه يُلام على مثل هذه الجرائم الشنيعة، وتجبر نفسك رغم ذلك على الاعتراف بالحقيقة حين يعرض عليك أحدهم عذراً.

وكان عسيراً كبح الازدحام لرجل بدا مهتماً حقاً بإن كنت ستحيا أو تموت، رغم أن مارتيميوس علم أن اهتمام صاحب النزل بإليز على الأرجح أكبر من اهتمامه به.

صاح صاحب النزل في وجه غمغمات مينيرفا الموافقة: "أتريدون قتلهم؟"

تذكروا ما حدث لفاليلي، وكل أولئك الحمقى الذين جدفوا إلى هناك معها؟ تذكر مارتيميوس بالطبع — صورة وجه فاليلي المندمل والمنقوش بالفن، الشبيه بالموتى أكثر من الأحياء، شاخصة في ذهنه، ونهايتها القاتلة والمتحطمة والنازفة. لم تكن لديه رغبة في أن ينتهي به المطاف هكذا.

ردت مينيرفا فوراً، ويداه على خصرها: "لا تحاول النباح عليّ، ريتر. لست واحدة من جنودك القدامى. ألا تظن أنه بمعرفتهما للفن كما هما عليه، قد يستطيعان فعل شيء؟"

اكتفى ريتر بقلب عينيه والنفخ.

"هما أصغر من ذلك، أيتها المرأة. الساحرون والساحرات لا يولدون والفن في دمائهم. ولا أريد مزيداً من الموت!"

خرجت الأخيرة كصيحة مخنوقة، وأمش صاحب النزل بدهشة، كأنه لم يقصد تعلية صوت هكذا.

ثم ردد بهدوء: "لا أريد مزيداً من الموت".

ومع ذلك، رغم كل الخطر، كان مارتيميوس مهتماً. بدا أن آخرين تقبلوا أن حزقيال هو من لابد كان مسؤولاً عن اختفاء الأطفال، وبدا الأمر مرجحاً له أيضاً. ومع ذلك ما الذي أصاب الرجل؟ بالنسبة إلى مارتيميوس، راهن على أن الأمر يتعلق بآثار الفن المفترض أنها تقع تحت القصر. حكاية رؤية شبحه، والاختفاء، والموت، وندوب فاليلي..

"أثمة شيء آخر معروف عن الرجل؟ عن حزقيال؟ عما أصابه، أو أي شيء حقاً؟ حتى أبسط تفصيل قد يكون مهماً".

وأخبره ريتر، مكرهاً. زيكي، قال، يمكن رؤيته بعض اللالئ، من شاطئ نُست دريم هذا. ظهر روح الساحر بانتظام على أحد شواطئ جزيرة روك التي يقوم عليها القصر.

أخبره ريتر: "ليس خطيراً. أو، على الأقل.. لقد خرجت إلى هناك لأراقبه، من حين لآخر، حين لا يكون الضباب كثيفاً ليحجب الجزيرة بأسرها..."

فقضيا أياما خاملة في الانتظار، انتظار الوقت الذي قال ريتر إن زيكي قد يظهر فيه. عرض فليت أن يطير إلى الجزيرة ويرى ما هناك بنفسه، لكن مارتيميوس منعه من ذلك قبلها، وسرّ لفعل ذلك. تمثل قلقه سابقاً في الضباب الكثيف الراقد على البحيرة والمندفع للقرية، والحكايات التي سمعها من الملاحين الذين ما زالوا يخدمون لجلب التجارة هناك من قرى أخرى على شواطئ أبعد للبحيرة؛ وبدت الحكايات والتحذيرات التي أطلقوها جسيمة.

سفن تضيع في الضباب، وتغرق، ورجال يغرقون إن سبحوا أبعد من اللازم، وتساءل الآن أإن كان العالم يغدو رقيقاً، أم شيئاً لربما يفعله حزقيال بنفسه. لم يدع مألوفه يطير إلا ليتمكن من رؤية الشاطئين معاً، ودون أن يغيب أحدهما عن ناظريه، وبهذا استطاع طائر النّحْر ألا ينقل سوى القليل فوق ما يستطيع مارتيميوس رؤيته بعينيه؛ كانت هناك عائلة من الغربان تعيش في الجزيرة، على ما يبدو، وموقع تعشيش بط على الجانب الآخر بدا مهجوراً منذ أمد.

سرّ لحذره الآن، مدركاً أنه ليس الضباب وحده ما ينبغي أن يقلقا بشأنه، بل ساحر ذو بأس أيضاً، أو ما تبقّى منه على أي حال. لو اقترب فليت من الجزيرة، ولو رصده حزقيال، لعرفه كساحر فوراً مألوفاً. قضيا وإليز وقتهما في ممارسة الفن. عانت الساحرة لتعلم الرموز، وعانى هو لمعرفة ما تخطئ فيه. بدأها بتعلم الرموز التي تعلمها هو أول مرة — تلك التي ينقشها حول نفسه أثناء التخييم، والتي تنبهه إن اقترب أحدهم ناهياً إلحاق الأذى به.

سمى معلمه القديم هذه أحد "رموز القصد".

وكانت كتابتها صحيحة حسبما أمكنه تبينه، ومع ذلك بدا أنه لا قوة فيها. حين تعلم كتابتها أول مرة، كان ذلك كل ما تطلبه الأمر — بمجرد نقشها، وكتابتها بالترتيب الصحيح، ملأها الفن وتوهج في داخلها، كأن الرموز هي الفن. ومع ذلك كانت رموزها عديمة القوة. لابد أن الأمر يكمن في طريقة رسمها — يجب صياغة الرمز بدقيق الهيئة، ولا يكفي مجرد حمل الرمز ذاته، بل يجب صنعه بالطريقة ذاتها — ومع ذلك عجز عن تبين الخطأ فيما كانت تفعله.

لم تكن الوحيدة التي تعاني الإحباط، فمهما حاول عجز عن سماع الأغنية التي تمثل الخطوة الأولى للشفاء بالفن، الأغنية الحمراء التي تحدثت عنها. عجز عن سماعها في جسدها، وعجز عن سماعها في جسده؛ وعجز عن سماعها في جسد سيسيل أو فليت حين حاول معهما. وبدا بعض ما تحدثت عنه غريباً عليه، أنه حين تسمع الأغنية في نفسها تشعر بما هو أبعد بكثير عما إن لم تسمعها — أبسط هبوب للهواء تستشعر على بشرتها، أو أدق تحرك للملابس.

لكن مارتيميوس لم يدر إن كان ليهدئ عقله كفاية ليستشعر أموراً كهذه. وُجد الجسد ليتجاهل أموراً كهذه، أو هكذا بدا له — فقط حين يعطب شيء حقاً ينبغي للجسد مقاطعة العقل، كما في الإصابة أو المرض. وهكذا هذا الوعي والحساسية الغريبين اللذين تحدثت عنهما الساحرة، عجز عن إدراكهما، رغم أنه لن يقلع عن المحاولة؛ فالشفاء بالفن مهارة نافعة للغاية حقاً. وتساءل أكان أخاه يفكر بالأمر هكذا.

في السحر والوله واللهب أحرزا تقدماً أكبر، رغم عدم توافقهما حول كنهها. ظنت إليز السحر رقصاً ونسجاً للظلال، بينما بدا له خداعاً للعقل، ومع ذلك وجد ممارسته معها تصقل قدراته فيه. استطاع جعل غراب يظهر، لوقت قصير، لِيَخدع فليت، وبدا أسهل سحر نفسه بحيث تعبر عيون الناس دونه. وأبلت الساحرة بلاءً حسناً مع اللهب أيضاً، لكنها قالت إنها تراه لهباً ودخاناً يرقصان، واستطاعت جعل ورقة تدخن وتسودّ بعملها، وإشعال سراج ليتوهج أعلى للحظة وجيزة.

بدت كأنها تفكر بالكثير من الفن بمعزل الأغنية والرقص، وثمة آخرون، علم، يفكرون بالطريقة ذاتها — سحرة أو ساحرات يغنون الفن ليعمل، وبعض هذه الطوعية تتنكر كهواة. ولهذا بدا مسلياً له أن الساحرة لم تبدُ ذات موهبة في أمور كهذه. عجزت عن العزف الجيد على الناي، وغناؤها متنافر، وحين سألها إن كانت تحب الرقص، أخبرته في الواقع أنها بنشأتها في مستنقعها لم تتعلم فعل ذلك قط. ثم، لدهشته، حين سألها إن كانت ترغب بذلك، احمرّ وجهها بأشد ما رأى منها قط ورفضت، ثم ذهبت لغرفتها بعد قليل.

كيف تشعر بكل هذا الخرج من الرقص، حين تعرت أمامه بكل عفوية؟ لم يقصد سوى إظهار خطوات رقصة الحظيرة لها. لم يكن الأمر كأنهما لا يرقصان معاً من قبل، فهذا ما بدا عليه الأمر حين عملا بالفن مع الماء. رقصا معاً بالفن والماء، رقصة رشيقة بطيئة حتى الآن، لكنه تبين سلفاً أنهما قد يدفعانها أسرع، بقوة. كان العمل غريباً، مع ذلك. جلبا دلواً من ماء لغرفته، وجالسان على حافة سريره حاولا العمل به عبر الناي، لكنه بالكاد استجاب متجاوزاً ألطف تموج على سطحه.

كانت الرقصة في داخله صغيرة، واستشعر أنهما ينبغي أن يكونا صغيرين بنفسيهما ليرقصا معه، أو عملهما بالفن يجب أن يكون ضئيلاً ودقيقاً للغاية، ومع ذلك جهلا كيف يفعلان ذلك. كان أبسط بكثير عوضاً عن ذلك الرقص مع مسطحات مائية أكبر، فابتعدا عن سيلفرفيش وإلى شواطئ البحيرة ليرقصا معاً بها مرة أخرى، وكان الأمر مبهجاً لدرجة قضاء يوم كامل تقريباً في فعل ذلك دون ملاحظة تداعي الساعات حتى حلّت عتمة الغسق.

حين لم يكن يعمل بالفن، كان يلعب لعبة الثعالب والدجاجات مع رين، ورغم أن اللص بدا صغيراً، فقد كان أجود باللعبة مما ظن مارتيميوس، وقادراً غالباً على حصر الثعلب حين يلعب بالدجاجات، أو أسر أكثر من نصف الدجاجات حين يلعب كالثعلب. كان أذكى مما بدا للوهلة الأولى عموماً، فكر مارتيميوس وهو يطمل الفتى الأشقر الشبيه بالأطفال يحرك حجراً أبيض أملس ليأسر دجاجة أخرى، مما جعل الأمر أشوق لعدم فراره بعد.

أخبر إليز برغبته في رفقة يرحل بها إلى بلدة توين لامب القريبة، ولعل صدق في ذلك، وكان يأمل ببساطة أن تراه دربهما هناك بأمان. أو لعل لديه أفكاراً أخرى. رأى مارتيميوس كيف كانت عينا إليز تتبعان إليز عبر الغرفة، كلما عبرت، مراقبتين ومتأملتين. كانت الساحرة، على نحو أثار استياء مارتيميوس، عادة زيارة كوكستون في غرفة زنزانته الصغيرة في القبو.

أخبرته حين سألها، بينما كانت صاعدة من القبو ذات ليلة: "أنت محق في أنه بائس. ومع ذلك يملك لساناً للقصص، ويرويها جيداً".

تنهدت، ورفعت الشمعة التي تحملها، ل تلقي ضوءاً إلى عتمة القبو، وقطبت نحوها.

تمتمت بحزن بعد برهة: "إنه لأمر مؤسف".

نفخ مستهزئاً: "ما هو؟ أكونه مسجوناً؟ لست مقتنعاً بأنه لو أُطلق سراحه فلن يحاول قتلي من جديد فحسب".

رمقته إليز بنظرة كأنه يتصرف بحماقة شديدة.

أجابت: "لا. بل هو.."

عانت برهة، كأنها جهلت صياغة ما تحاول قوله بكلمات.

وختمت بوهن: "أنه لأمر مؤسف، هذا كل ما في الأمر. أظن أنه كان ليكون راوياً جيداً، وسعيداً. الآن، حين أكلمه، أحياناً يريد رواية القصص، وأحياناً يبكي وحسب ويقول إن لسانه يجب أن يُقتلع".

التفتت إليه، وأضافت بهدوء: "أظن أنه لأمر مؤسف ما فعلته حرب الملكة هذه بالناس".

كان الأمر مؤسفاً، وكانت مصيبة بشأنه. مصيبة سوداء غاصت في قلب الأرض ذاته. استطاع مارتيميوس استشعار ما فعلته الملكة بشعبها؛ ما زال العار في داخله حين قسّي قلبه وتخدر عن الرحمة لهم. لكن مثل كوكستون، عجز عن ذلك. استطاع تفكر الأمر، يقيناً. استطاع إبقاء فكرة معاناة كوكستون في رأسه، العذاب الذي أذيق له، لكنه عجز عن جعل نفسه يشعر بأنه أمر مؤسف. استحق أطفال سيلفرفيش الرحمة.

حتى آباؤهم، رغم قطعهم عهداً أحمق لسيد شرير، استحقوا قدراً من الرحمة. فينل، الذي هفر من خدمة الملكة وفقد طفلاً حين عاد، استحق رحمة. أما أمثال كوكستون، مع ذلك، رجل أقسم على خدمة الملكة البيضاء مقابل قطة، رأى دمويتها، ورأى قسوتها ووقف متفرجاً ودون فعل شيء، فقد استحق ما ناله. استحق أن يُحطْم. عادت الأحلام تداعبه الآن أيضاً. لم تكن بسوء ما كانت عليه من قبل، ليس للدرجة التي تعيقه عن النوم، لكنها كانت هناك، بانتظاره، حين يضع رأسه على الوسادة.

لا ظلال الآن، لا ضحك بعيد، لا صوت لا ينبغي وجوده يهمس له. حلم بمهش الأشواك السوداء، وأرض صخر الشيل المهشم، وسماء الليل الخالية من النجوم والقمر البدين الثقيل الأصفر، لكن الكل بات صامتاً الآن بينما يتحرك بين الأشواك. مع ذلك، شعر أن شيئاً ما هناك، بينما يمشي في المتاهة الممتدة، شيئاً يراقبه، شيئاً ينتظر. هدأ الأمر فقط لأنه اقترب، ويزداد اقتراباً. وبينه يمشي بين تشابكات الأشواك، ما استطاع إلا أن يشعر كأنه يمشي في مكان مألوف، يمشي إلى البيت.

===***=== حان الوقت الذي أخبرهم فيه ريتر أنهم قد يرون حزقيال ذات ليلة.

أخبرهم، رافعاً سراجاً عبارة عن قفص حديدي صغير لهب برتقالي، بينما تجمعوا خارج الباب الأمامي للنزل: "حسناً، قد يكون هذا".

رقصت ظلال اللهب على مشهد أسر تشور لسيرافينا، وجعلت أمير حرب النوعد يبدو أشرس بكثير مما نحته النحات. ما زال رأس صاحب النزل ملفوفاً بضمادات، لكن العينين الزرقاوتين الباردتين حادتان من جديد، ورمق الليل حيث ينجرف الضباب في الشوارع مضاءً بضوء قمر لطيف. بدا أشبه بالجندي الذي كانه يوماً.

"الضباب ليس سيئاً للغاية، لكن مضى وقت منذ أن خرجت لأراه بنفسي. لكن في هذا الوقت، سيخرج لبضع ليال متوالية".

التفت ريتر للورق، ثم قطب.

"سيكون هذا مشياً قليلاً. سنعود متأخرين".

كان يخاطب مينيرفا، وعلمت إليز. ظنت في البداية أنه سيكون هي ومارتيم فقط الخارجين ليشهدا ما سيظهره ريتر لهما. لكن مينيرفا قالت إنها تريد المجيء أيضاً، ووقفت قرب اليافعين تماماً في ثوبها المصنوع من الصوف البني الثقيل، متكتفة ورافعة حاجبها لتعليق ريتر.

ردّت حادة: "أنا على الأرجح أمشي في يوم لجمع أعشابي أو الذهاب للقرى لمعالجة مرضى الناس أكثر مما تمضيه في عام وأنت جالس على مؤخرتك العظمية في نزلك، يا جاك ريتر. سأمشي جيداً، لا تقلق".

أطلقت إليز ضحكة حادة، وجهدت لكبحها خلف ابتسامة بينما أدار ريتر رأسه بقوة ليحدق بها. لقد طلب هدوءاً. لم يرد أن يجذب موكبهم هذا الأنظار وهم يغادرون القرية.

تمتم: "قد يكون الأمر كذلك. لكن حتى مشياً قليلاً ليلاً.. حسناً، تعرفون ما يقولون. الأرض غريبة هذه الأيام.."

مرر يداً عبر شعره الفضي المقصوص، ورمى عينيه حوله.

"غابة الطريق الواحد ليست بعيدة جداً، وثمة شياطين هناك. وما أخبرتني به عن.. الشيء، في مزرعة فاليلي.. عسى أن ترقد في حب كارليل".

ردت مينيرفا بهدوء: "ونعمة ديميسك. أعلم. أعلم أنك تريد الحفاظ على سلامتنا".

انتفض ريتر عند ذلك، وتمتم، لامساً السيف الذي شدّه لخصره.

"لكن لدينا شابين مفتولين لذلك أيضاً، وأحدهما ساحر سوى ذلك، وسارحة-"

"اصمتي أيتها المرأة! إن سمع أحد-"

أخبرته مينيرفا بحزم: "لن يسمع أحد. بالكاد يعيش هنا بضع دزينات من الناس الآن، وكلهم نيام الآن لأن معظم من بقي عجائز. وإن سمع أحد، وأثار جلبة، فلن يتطلب الأمر سوى بعض الكلمات القاسية مني ومنك ليصطفوا".

رفع ريتر سراجعه عالياً، ليتفحص المرأة، التي حدقته بلا جفن بدورها.

قال لها: "كان يمكن أن تكوني رقيبة، مينيرفا. حسناً، لنذهب".

لربما كان معظم الناس نياماً، أو مغلقين في بيوتهم، في ليلة الخريف الباردة هذه — استطاعوا رؤية أضواء النيران البرتقالية تومض عبر عدد من النوافذ، حيث يشعل الناس المداخن — لكن ريتر أخرجهم من القرية وبعيداً قدر الإمكان بأسرع ما يمكن، عوضاً عن المشي خلالها؛ إلى الغابات والمروج المتفرقة، حيث خطوا عالياً فوق العشب الطويل والأشواك، ووصلوا في النهاية في قوس واسع إلى شواطئ نُست دريم، التي تتبعوها.

كان الدرب ذاته الذي سلكه مارتيم حين أتى إلى هنا، وبالفعل لم يمر وقت طويل حتى مرّوا بآقايا النار التي صنعها حين استحما معاً. منحت إليز الساحر ابتسامة شرسة، وحتى في ضوء القمر استطاعت معرفة أن ذكرى ذلك أحرجته، وهو ما لم يكن مصدراً طفيفاً للبهجة.

سأل الساحر، كاسراً الصمت، رافضاً النظر إليها: "أتعرفين شيئاً عما فعله حزقيال في القصر؟ أَتحدث يوماً عن الفن الذي مارسه هناك، أو أرايتِ منه شيئاً غير معتاد قط؟ ما صنائع الفن التي برع فيها؟"

"هه.. حسناً.."

همهم ريتر قليلاً، محكاً رأسه، مجعداً جبينه بتركيز في التفكير.

"لست خبيراً، تريان. أعرف قليلاً عما تكون الشعوذة، لكنني رأيت غالباً زيكي يمارس ما أسماه شعوذة الجنود — صنع النار، وتضميد الجروح، وإصلاح الأحذية وما شابه. جلب الماء حيث لا يوجد، أو تنظيف الماء القذر. دزينة من التعاويذ الصغيرة التي تبقي الرجال سائرين وسعداء، حيث كانوا ليسقطوا مرضى أو يعتريهم البؤس لولاها. عرفته يفعل أشياء أخرى أحياناً. رأيته يجعل الرجال ينهارون، عاجزين عن النهوض، رغم أنني لا أدرك كيف فعل ذلك — لم يكن ثمة أثر لما فعله. واستطاع تحريك مد نُست دريم حين غمرت البحيرة".

"ألم يتحدث يوماً عن عمله في القصر؟"

أقر ريتر: "فعل. لكنني لم أعرف أبداً ما أظنه بشأنه".

رغم ظلمة المكان وظهره إليهما بينما كان يقود الدرب، بدا جلياً ودفعة واحدة تردده في الكلام، مالتفتاً إليهما بتردد.

"هو.. آه، حسناً، تعرفان ما يقولونه عن أولئك الذين يعملون بالفن، حين يتقدم بهم العمر..."

رد الساحر: "بالتأكيد"، في نفس الوقت الذي قالت فيه إليز "أعرف الكثير من الهراء الذي يتفوه به العوام".

التفت ريتر إليهما، وقد أضيء وجهه بضوء السراج، هادئاً ومتفحصاً، بينما التوى فم مينيرفا بابتسامة. أما مارتيم، من جهته، فقطب جبينه ببساطة، ثم هز رأسه. كلاهما عرف ما تحدث عنه ريتر. كان من يعملون بالفن يُرَوْن عادة غرباء، غير مألوفين، لكن كيف لغير أولئك الذين يهيمون في الأراضي وهم غرباء في كل مكان أن يُرَوْا؟ لكن الأمر تجاوز مجرد الغرابة وحب الهيام الذي يصيبك مع سنوات طوال من العمل بالفن، إنه الجنون.

هكذا تقول الأسطورة. تعددت الآراء عما يكونه هذا الجنون حقاً. قرأت إليز لمن زعموا أن الجنون ليس سوى جهل العوام بالفن، وأنه كلما توغلت في أعماق أسراره استصعب على الجاهلين به فهم ما تتحدث عنه، وبدا ذلك كجنون. وكانت هناك قصص الملك-الساحر المجنون، ألاين الدوومر.

تابع ريتر: "ظننت.. أن.. لعل، ربما، الجنون هو ما أصابه.. وهو السبب..."

منحه مارتيم نظرة تحذيرية أخرى قبل المتابعة. الساحر بارع جداً بحق في إخفاء أفكاره عن الآخرين. علمت أنه ظن كل هذا ههناء.

رد بحذر: "ربما، رغم أنني لا أظن ذلك بنفسي. الغرابة التي تصيب الساحر في سني شيبهم ليست من النوع الذي يحيله قاتلاً حيث لم يكن كذلك من قبل. والتحول إلى روح يعد خطوة أبعد قليلاً من مجرد كسب بعض الشعر الرمادي، أزعم. لكن حتى إن لم تفهم، أتستطيع إخباري بما قال؟"

تنهد ريتر، ومرر يداً عبر شعره، ورفع السراج أعلى ليحدق في الظلال، كأنما خاف أن يستمع أحدهم. لم يكن هناك سوى الضباب الملتف حول الصنوبر، ووهج القمر المضيء المشوش بلطف على مرآة البحيرة.

"لا أتذكر كل شيء. لكنني فكرت في الأمر، كثيراً. الأشياء التي قالها. بعد..."

صمت، وحين تحدث مجدداً، كان صوته أخفض، بالكاد فوق الهمس.

أجاب صاحب النزل أخيراً، متحدثاً ببطء، مجرجاً كل كلمة من صدره: "هو.. حدثني عن الخارج. قال إن ثمة.. أماكن أخرى. عوالم أخرى. يستطيع رؤيتها. يريد الوصول إليها".

صمت مارتيميوس عند سماع هذا، وتبادل نظرة معبرة مع إليز. عوالم سوى هذا. حتى في هذه الأيام، حين يغدو العالم رقيقاً، وفي بعض الأماكن تتفكك الحدود نحو الخارج، جهل الكثير من الناس هذا. أتت الشياطين من الخارج، من هذه العوالم الأخرى، وقال البعض إن المشي أبعد في غابات الجان هو شق طريقك إلى عالم آخر أيضاً، عالم من الغابات الغريبة اللامتناهية. لكن حتى أولئك الذين مارسوا الفن جهلوا، يقيناً، طبيعة هذه الأمور، وجلّ الناس جهلوا التمييز بينها؛

مثلما جهلوا القوى القديمة عن الشياطين، كانت تلك خصوصية لصنعة الفن. والعبث بمثل هذه الأمور قد يكون شديد الخطر. لا تستطيع فتح باب نحو الخارج دون جذب انتباه ما يعيش في العوالم الأخرى. أو ما يعيش بينها.

تابع ريتر: "طالما تحدث عن هذا. لكن ليس قبل أن.. يفسد كل شيء، بدا لي أن لديه فكرة جديدة عنه. تحدث عن.. الضبط. لا أعرف ما قصد بذلك، لكنه قال إنه يجب أن يُضبط، بطريقة ما، مع العوالم الأخرى. استمر في الثرثرة عن العقل، والجسد، والروح، والروحانية.. عند تلك النقطة، مع ذلك، جهلتُ ما يقوله. بدا متحمساً، مع ذلك. لكن حينها.."

تنهد مجدداً، وحمل التنهد ثقل سنينه كلها.

"لا أعرف. لم أكلمه لوقت طويل قبل أن يبدأ الأطفال في الاختفاء. لم أستطع معرفة ما دار في عقله حينها".

قال مارتيميوس بهدوء: "أرى"، ولم يقل شيئاً آخر.

وهكذا تواصلا في صمت. كانت غابات شواطئ بحيرة نُست دريم تتمتع بجمال خاص بها، حتى حين جرد الخريف الأوراق من أغلب الأشجار ووعدت الريح بأن لدغة الشتاء ليست ببعيدة. تماماً كما التقط الضباب ضوء الغروب الذهبي وغمر البحيرة والغابة ذهباً، حمل الآن ضوء القمر الفضي، وبدا جمالاً مخيفاً وأبرد، لكنه جمال على أي حال. حلّق فليت فوقهم، على مسافة، خيال طائر في السماء يندفع من شجرة لأخرى، حين أمكن رؤيته في الظلام، واجتاز سيسيل جذوع الأشجار برشاقة، مراقباً ساحرته، وتمعن عيناه الضوء لتبدوان متوهجتين في العتمة.

تقرمش النمو السفلي الجاف والهش تحت بساتيرهم حين لم يكونوا عابرين في رقع صنوبر تخنقه تحت بطانية من الإبر. تتبعوا بقايا درب ترابي مرصوص طال إهماله والذي، في الربيع، لربما اختفى تحت الأخضر.

قالت مينيرفا بحزن، حين سألت إليز عمن استخدامه، ومن نحتت أقدامه التراب صلبأ: "إنه الدرب ذاته الذي اعتاد أطفال هنا سلوكه. إلى هنا أتوا للعب".

كاد مارتيميوس يتمنى لو جهل الإجابة. بدا هدوء الغابة ثقيلاً، بمعرفة أنه قُطع يوماً بضحكات أطفال ذهبوا الآن، ولن يعيشوا أبداً ليعرفوا الرشد. مالت الأرض نحو الأعلى، بعد حين، وصعدا التل، إلى قمة جرف صخري يهبط نحو مياه نُست دريم في الأسفل. لم يكن الجرف بعيداً، مع ذلك، ليس للدرجة التي تعجز الشباب المغامر عن تحدي بعضهم للقفز منه، وظن مارتيميوس أن ذلك تماماً ما فعله أطفال سيلفرفيش.

فقد كانت ثمة علامات، هنا، على أن هذا كان يوماً بقعة مفضلة لديهم. رقدت دائرة من الحجارة في مركزها، مغطاة الآن نصفها بالتراب والأوراق، وشجرة بلوط مجاورة محفورة بسنوات من النقوش.

بعضها إعلانات حب يافعة، وأخرى ببساطة اسم، أو أحرف أولى، تعلن «كنت هنا».

قالت مينيرفا برقة وهي تتحرك نحو الشجرة، مرررة يدَيها فوق جزء من القشرة حيث باهتة وقديمة الأسماء: "ها أنا ذا".

حملت تعبير حنين، وتلألأت عيناها برهة، كأن دموعاً ناعمة حبست فيهما، لكنها لم تبكِ.

سألت إليز، متفحصة النقوش فوق كتف مينيرفا: "من كان «نيستور»؟"

ضحكت العطارة العجوز بحنو، وغدا التلألؤ في عينَيها أشد حدة.

"حبي الأول. وزوجي الأول أيضاً، على ما أظن. كان رجلاً طيباً، لكنه لم يدم معي طويلاً، أخشى. لم يفقد حبه لسباقات الخيول يوماً، وذات يوم وطأت حصانه حفرة جرذ في المنتصف. انكسرت ساقه، والمسكين نيستور، كسر رقبته".

قالت إليز، مأخوذة نوعاً ما بطريقة العجوز العفوية في الحديث: "أه.. ألم تحبيه كثيراً؟"

قطبت الساحرة في وجهه بينما سعال مارتيميوس بصاخب في عباءته، لكن مينيرفا اكتفيت بالضحك لسؤالها.

"أحببته جيداً، يا ابنتي. مضت سنوات عديدة فحسب. وتتعلمين أخيراً أن الموت هو ما يفعله الرجال ببساطة. إنهم مغرمون بالموت".

عقّب ريتر بجفاف: "كلمات حكيمة جداً. ومن واحدة تعرف حقاً ما يدور في رأس الرجل، وأفضل من أي رجل نفسه، بلا شك".

نفخ مارتيميوس باستهزاء، وعلّق صاحب النزل فانوسه من غصن بلوط. جعلت دائرة ضوئه الصغيرة الظلال ترقص بينما تدلى وتأرجح، وأشار حينها نحو البحيرة. لم يكن شاطئ جزيرة روك، الذي يقع عليه القصر، بعيداً عن هذه البقعة، وكان ضوء القمر بحيث بدا الكثير من الجزيرة مرئياً. كانت الجزيرة ذاتها تلاً، يعلو القصر قمتها، وانحدر المنحدر المواجه لهم ببلوط عارٍ من الأوراق وقيقب ورقع من الصنوبر الأخضر، نزولاً نحو شاطئ صخري.

مع ذلك، كانت مظلمة، ومنح مارتيم الرجل نظرة تشكيك.

"أتقول إنه سيكون هناك؟ وعلينا رؤيته من هنا؟"

أجاب صاحب النزل: "ستستطيع رؤيته، أيها الساحر. ستستطيع رؤيته. إن أتى، الليلة. الآن علينا الانتظار".

كم مدة الانتظار، لم يدرِ ريتر. عرف فقط أنه إن لم يظهر صديقه القديم بحلول الوقت الذي يحول فيه ضوء النهار المقبل السماء إلى رمادي، فلن يظهر. كان البرد قارساً، بخاصة على الكبار، الذين عجزوا عن إخفاء الارتجاف الآن بعدما لم يعد المشي يحافظ على دفء دمهم، لذا بنوا ناراً صغيرة في دائرة الحجارة، لكنهم أبقوا ظهورهم لها ليحافظوا على عيون الليل، وانتظروا. لم ينتظروا طويلاً.

لم يكن سوى ضوء في الغابة، في البداية، ضوء أزرق لشيء يتحرك بين الأشجار هناك على الجزيرة، بادياً تقريباً كضوء القمر نفسه. رصده ريتر فوراً.

وشمّس بغضب في الصمت المظلم الذي انتظروه فيه: "ها هو ذا. ها هو ذا. انظر، تفرج!"

ظن مارتيميوس في البداية أنه ربما شعاع ويل أو اويسب، أو نوع آخر من نور الجان، بينما رقبها تتحرك في درب متعرج نزولاً للمنحدر، محققاً لمحات أياً يكن النور بين أغصان الأشجار. لكن في النهاية، تحرك النور خارج غطاء الغابة، وتحرك حتى حافة شاطئ الجزيرة، وأدرك فوراً ما أصاب حزقيال وما أصاب سيلفرفيش. كان رجلاً. ورغم أن الجزيرة كانت على مسافة ما، فقد استطاعوا رؤيته بوضوح في الليل، فقد توهج كالقمر.

رسم قداً طويلاً ونحيلاً، رغم أنهم لم يستطيعوا رؤية المزيد منه من هذه المسافة، وبدا ماشياً برشاقة معينة وكرامة حركة. بدا أحياناً ضبابياً وباهتاً، كأنه قد يتبدد في الضباب المحيط به. حدق مارتيميوس مضيقاً عينيه في الشكل. ثمة شيء غريب بشأنه. عسر التبين، من هذه المسافة، لكن.. بغتة، رمش.

قال مارتيميوس: "إنه مقلوب".

مقلوب، ومعوج. علق رأسه فوق الصخور على الشاطئ، وتدلت قدماه في الهواء، تئطان على سطح خفي يركض بزاوية مع الأرض الفعلية. حين هبت الريح نحوهم من الجزيرة، حملت معها النوتات البعيدة لههمة غريبة متنافرة. أومأ ريتر، وتحدث بهمس كاد يموت تحت الريح.

"عيون حادة، أيها الساحر. عجزت عن التبين، من هذه المسافة. لقد.. حسناً، حاولت التجديف للخارج، لأقترب. لأناديه".

صاحت مينيرفا: "رجل أحمق!"

تجاهلها صاحب النزل.

"لم يستجب قط. كأنه عجز عن سماعي بتاتاً".

بينما رقبوا، سار الرجل فوق الشاطئ، حتى بدا كأنه يطفو فوق الماء ذاته. أشار إلى شيء، عودة إلى التل، رغم أن ما أشار إليه كان خفياً عنهم، ثم تراجع، وبدا صاعداً مجموعة دراج لم يستطع أي منهم رؤيتها. طوال وقت مجهول، أسرهم مرأى الروح، إذ بدا متفاعلاً مع أغراض خفية، وبدا أحياناً متحدثاً، ملوحاً بذراعيه، وطوال الوقت فوق الريح همهمة رنين ناعمة وغريبة، لا تشبه أي آلة عرفاها، حملت إليهم عبر المياه.

وحينها، تماماً مثلما أتى، اختفى حزقيال؛ عاد بين الأشجار، ليخفت ضوؤه الأزرق المطارد ويخفت أكثر. ئنت الريح.

كرر ريتر: "هذا هو"، وبدا صوته أجشاً الآن، ومسح عينيه ليخفي دموعه.

"هذا هو. اقتربت كفاية لأتبين سابقاً، إنه هو. لا أعرف لم هو مقلوب. أظن أن للأمر صلة بطريقة موته".

قال مارتيميوس بهدوء: "أعرف السبب".

التفت الآخرون لينظروا إليه، لكنه بالكاد شعر بثقل عيونهم.

سأل ريتر بعد برهة: "حسناً، لم إذن؟"

هز مارتيميوس رأسه، وبدا تعبيره قاتماً، وأدار ظهره للجزيرة.

أجاب: "ليس شبحاً. ليس ميتاً حتى. إنه متألق".