16. اللعنة كان الأمر على النحو الآتي: كان لمدينة سيلفرفيش ساحرٌ ذات يوم. مضى وقت طويل، ربما عشرون عاماً أو نحو ذلك، حين جاء رجلان إلى سيلفرفيش صعوداً من ممر فارسون. كانت تلك أرض الملكة البيضاء في تلك السنوات، وكان ذلك قبل زمن جنونها. كانت سيلفرفيش قد وقعت ميثاقاً مع جلالتها، إلى جانب كروس أون غرين، قبل بضعة أعوام، متنازلتين لها عن استقلالهما لصالح حكمها. تم ذلك بلا تهديد سلاح، إذ عرضت الحماية وحراسة الطرق بفرسانها لتخليصهم من قطاع الطرق.
وضع ذلك سيلفرفيش على مقربة من الحرب ـ فجيوش الملكة البيضاء مارست زحفها عبر غابة الطريق الواحد إلى مدن ديرن الحرة ـ لكن في تلك الأيام، بدا أنها ستغزو مدن ديرن لا محالة، وبسرعة فائقة. لم تكن تلك المدن قد انتظمت معاً بعد في ميثاق ديرنهولد، وكانت الأيام الأسوأ لم تأتِ بعد. إلى هذه القرية الحدودية جاء ريتر، حين كان لشعره بقية من لون، وصاحبه صديقه المقرب حزقيال الساحر.
وكلاهما فائض بالعملة المعدنية من جراء عملهما مرتزقةً بارعين للغاية، فقد أدركا متى بدأنا يتقدمان في السن قياساً على قسوة الحرب الفعلية. لم يكن ريتر يطيق أن يكون من صنف القادة الذين يلبثون في خيامهم وبعيداً عن الخطر، بينما طالما أضمر حزقيال رغبة في الغوص أعمق في خبايا الفن، لا مجرد خدمة القتال فحسب.
«كانت سيلفرفيش تنمو في تلك السنوات أيضاً»، هكذا أخبرتهما مينيرفا.
كانت الكلمات تتدفق بغزارة منها. أرادت أن تروي هذه الحكاية. بخلاف كل من التقوا به هنا، أرادت أن يعرف الناس. أو على الأقل، أرادت منهم أن يعرفوا.
«نحن ندعى باسم ما أراده الناس منا أكثر من أي شيء آخر، وسواء صدقتم أم لا أيها التجار، فإنهم كانوا يدفعون ثمناً باهظاً لصيادينا. لو استمرت الأمور على حالها، كان هناك ظن بأننا قد نتفوق حتى على كروس أون غرين. بل ظن بعضهم أننا قد ننمو معاً، فنندمج مع البلدة. وربما نصير شيئاً يقارب المدينة».
في تلك الأيام المزدهرة والمفعمة بالحيوية، كان حتى أولئك القرويون المولودون في سيلفرفيش، المعروفون بطبيعتهم المتحفظة، أكثر انفتاحاً على الغرباء. كانت الصنادل النهرية تجوب نوست دريم بالتجارة، ولم يكن الضباب قد استولى على البحيرة بعد، وإن كان فرسان الملكة ينظرون باستعلاء إلى الناس، حسناً، فقد حافظوا على أمان الطرق. سُرَّ الناس بالترحيب بمرتزقين غنيين متقاعدين، وابتهجوا حين استخدم ريتر ثروته لترميم بعض أطلال هاليك وتحويلها إلى نزله.
أما حزقيال، فقد استقر في قصر الأمير هاليك تينليان، العشيق المزعوم لفيرين فالوار، الذي كان قد بنى المسكن على جزيرة روك، وسط بحيرة نوست دريم الكبرى، إكراماً لها وحباً فيها.
«ولماذا القصر إذن؟»
كانت إيليس مأخوذة بما تسمع، تنحني إلى الأمام، معلقة بكل كلمة من كلمات مينيرفا بعينين واسعتين. أما مارتيميوس فكان أهدأ حالاً، متكئاً إلى الوراء في الظل، وساق الغليون في فمه بلا تعبير.
«أكان حقاً غنياً بالقدر الذي يكفي لتنظيف كل ذلك؟ أكان يملك هذا العدد الهائل من الخدم؟»
أطلقت مينيرفا ضحكة خافتة، فرسمت تجاعيد الغراب خطوطاً عند زاوتَي عينيها.
«لا يا بني. العجوز زيكي لم ينظف المكان قط، على هذا النحو. لقد كانا مرتزقين ثريين، ولكنهما ليس من النبلاء. لقد أخذ جزءاً فقط من البيت، جزءاً من الطابق الأول والقبور».
زالت البهجة عن وجهها، وغدا تعبيرها أكثر صرامة، حافراً خطوطاً عميقة من القلق على وجنتيها.
«لقد اختاره لأن تينليان ـ إن كان قد وجد أمير هاليك بهذا الاسم قط، فأحياناً أظن أنه ليس سوى قصة ـ حسناً، لو كان حقيقياً، يقولون إنه بنى القصر فوق موقع طاقة. الفن، كما تفهم. أشياء قديمة، من أزمنة خلت. جزءاً من محاولته لإقناع فيرين بالزواج منه، أو هكذا يقال. لا أعرف إن كان تينليان حقيقياً، لكن زيكي وجد بالتأكيد ما يكفي ليشغل وقته هناك».
نعم، بالطبع. لابد أنه ذلك، أليس كذلك؟ كانت هناك أماكن يمكنك العثور فيها على ما شابه. كان الفن منسوجاً في الحجر والحديد وأشياء أغرب إلى جانب ذلك. لقد ترك الأوريليون أشياء خلفهم بالطبع، ولكن كانت هناك أطلال أقدم وأكثر غرابة أيضاً؛ من ما قبل حكم تاج أوريليك الطويل، وصولاً إلى الزمن الأسطوري حين كان البشر يعيشون تحت الأرض، بل وقبل ذلك، أشياء صُنعت حين كان العالم محكوماً بالوحوش.
بدا الفن غريباً بين شخصين يمارسان الصنعة ذاتها، وبدا اغترابه أشد بكثير بين شعبين يفصلهما آلاف السنين ولغة غريبة. قد يكون العبث بمثل هذه القوى خطيراً، وحدها الجبانة من ترفض الفكرة برمتها. أكان حزقيال، المغامر والمرتزق، يبدو كمن كان جباناً؟ لم يعتقد مارتيميوس ذلك. وفجأة، بشعور غامر بالغرق، شعر وكأنه يعرف بالفعل بقية الحكاية البائسة برمتها. لسنوات عرفت سيلفرفيش السلام وحسن الطالع تحت حكم الملكة.
غالباً ما كان نزل صائد الليل يعج بالزبائن الدافعين لعملة جيدة، وكان رجال ممر فارسون، إن تواجدوا بالقرب، يحرصون على زيارة عمل تجارة ريتر الجديد، وزيارة حزقيال أيضاً. بدا جيداً أن المبنى القديم قد شهد، مرة واحدة على الأقل، نوراً وحباً وموسيقى وضحكاً. وربما، لو استمر الأمر، لكانت مملكة هاليك قد استعادت سيرتها الأولى، حيث يحني أسياد البحيرة في نوست دريم رؤوسهم الآن للملكة البيضاء بدلاً من تاج أوريليك.
حلم فخم، بالتأكيد. ولكنها صنف الأحلام التي يتوق إليها الناس. لم يدُم ذلك، بالطبع. وبالنظر إلى الوراء، كانت هناك دائماً علامات وهمسات وبذور لما سيفوح ليثمر ثماراً مرّة في الأوان المحتوم. لم يكن زحف الملكة ضد مدن ديرن الحرة يسير على ما ترتجيه. لقد دفعوا قواتها على نحو معجزي مرة بعد أخرى، رغم أنها أرسلت عواصفها الثلجية لتتلف محاصيلهم وتجمدها. والآن تداعَت مدن ديرن تحت راية ميثاق ديرنهولد، وهو عهد أقسموا فيه على تنحية خلافاتهم جانباً وطرد الملكة البيضاء من أراضيهم للأبد.
شيئاً فشيئاً، استقر الظلام. كانت الضرائب في البدء. طالبت الملكة البيضاء بالمزيد من الضرائب لدعم فتوحاتها المتعثرة. ثم بالمزيد. ثم بالمزيد بعد. وبدأ فرسانها ـ المولودون في النبلاء من أراضيها الوسطى، رجال الملكة الحقسقيون ـ يلعبون دوراً أثقل في التجارة. كان على الناس بيع حصة معينة من طعامهم المنتج لجيوش الملكة، وعمل ذلك بسعر محدد. وبات بإمكان مريدي الملكة المطالبة بالمأوى والسكن من الناس، ومصادرة منازلهم في حالات الضرورة القصوى.
ثم صدر قانون جديد يقضي بإمكانية استدعاء الرجال ووجوب استجابتهم للتجنيد والانضمام لجيوش الملكة. وحينها استُدعي الرجال. مرّة بعد مرّة، وبعد مرّة أخرى. وفي كل مرة، كان فرسان الملكة يسوقون رجالاً أصغر سناً فأصغر سناً مقارنة بمن أخذوهم في المرة الأولى، وكذا أكبر سناً فأكبر سناً. وبدأ فرسان الملكة، الذين لم يمضِ وقت طويل منذ أن مُدحوا بسبب الأمان الذي جلبه، في رمي الجميع بنظرات الشك والريبة.
بُنيت مشقة في كروس أون غرين، وجيء بالمزيد فالمزيد من الناس لتعليقهم. وكانت التهم هي ذاتها دائماً. الخيانة. العصيان المدني. وصادر فرسان الملكة ممتلكات أولئك الذين أعدموهم. ما بدا قبل سنوات قليلة فحسب كبداية لعهد جديد مزدهر، ذبل وتلاشى. نضبت العملات المعدنية، وكذا التجارة، بذهاب المعظم لخزائن الملكة البيضاء. ساد الشك بين الناس، متسائلين دائماً إن كان الجار سيوشي بهم بالخيانة لمجرد الإفصاح عن مكنون صدورهم، فباتوا يفرون عند رؤية رجل من رجال الملكة.
هكذا كانت الحال على الأقل في كروس أون غرين، حيث رابط جنود الملكة، والتي قد تقع تحت الحصار إن انقلبت حظوظ الحرب حقاً. نجت سيلفرفيش من أسوأ ذلك. لا تزال التجارة تتقلص، وظلت صنادل البحيرة الخاصة بالتجار راسيات بلا حراك بجانب الأرصفة، لتتعرض للغرق تدريجياً أو لتتآكل بفعل الإهمال وتغرق. ولكن قوات الملكة كانت شديدة التركيز على الإمساك بكروس أون غرين لدرجة ندر معها زيارتهم للقرية الأصغر، إلا لأخذ المزيد من الرجال كمجندين.
كان ذلك سيئاً بما يكفي. ومع ذلك، نالت سيلفرفيش نصيبها العادل من الزوار. كان حزقيال يسلّي السحرة الرحل، وما زال أصدقاء المرتزقة القدامى يأتون لزيارة ريتر.
«ظننا أنها الأيام الأداج، حين جاء كوكستون برات لزيارة ريتر وزيكي»، هكذا تأملت مينيرفا.
«لو علمنَا كم ستغدو الأمور أسوأ».
انتفض مارتيميوس.
«كوكستون برات؟ الصياد؟»
لم يكن قد نجح في مقابلة الرجل بعد. ربما فر كوكستون من بيته في الغابة، لكن حتى باستقراره هنا، كان يستيقظ باكراً في الصباح، حين كانت النجوم تتألق بعد، ليكون بين الأشجار، ولا يعود إلا بحلول الظلام. كان رجلاً لا يبدو حقاً أنه يطيق الوجود بين البشر.
«نجل، لكن قبل أن يصير صياداً، كان مرتزقاً، من ممر فارسون، تماماً مثل ريتر وزيكي».
أكان كذلك؟ لم يملك الساحر إلا أن يتساءل كيف كانت ستمضي الأمور إذن، لو أنه التقى الرجل حقاً في قلب الغابة؟ أكان حديثهما ليتحول إلى موضوع الماضي، أم إنه كان سيجد شيئاً، بعض الأثر، الذي يخبره بمن كان كوكستون يخدم؟ بدا ذلك مستبعداً... ومع ذلك، لم يستطع منع رؤية جلية من التشكل في عقله. رؤية يلتقي فيها بالصياد، وحيداً في الغابة، ويكتشف ماضيه، ويقتله. وحينها، حين يأتي إلى سيلفرفيش، ومحاربة طازجة في أفكاره، كان المحطم في البئر سيتمكن من الإمساك به، وجعله عبداً له.
درب لم يُسلك. قد تكون مجرد فكرة عابرة. أو ربما لا. وربما كان رجال النسور، شياطين رغم ما كانوا عليه، قد صنعوا معه صنيع خير. وربما كانت الحظوظ ترعاه حقاً، بطريقتها الضاحكة والملتوية. لم تكن مينيرفا تعرف كوكستون قط، لكنها استطاعت تمييز أن شيئاً ما قد حدث له. لم يكن يبدو كمرتزق ذي حديد في عينيه، مثل ريتر أو زيكي. بدا كرجل محطم. لقد جاء حاملاً أنباء حصار ديرنهولد؛ حاولت الملكة البيضاء الاستيلاء على مدينة ديرن ذاتها التي سُمي ميثاق ديرنهولد تيمناً بها، وبالتالي كسر شوكة رجال ديرن.
استمرت المعركة لأكثر من عام، ووفقاً لكوكستون، كانت كارثة. مهما أوقعوا من دماء في ديرن، فقد تضررت قوات الملكة بشكل أسوأ بكثير. كان كوكستون على يقين من أن الأمر برمته قد انتهى الآن. فقد فقد رجال الملكة صوابهم، على حد قوله. وملكتهم قد أُصيبت بشرخ، وقد خسروا الحرب. لم يبقَ سوى الموت. كان على الملكة أن ترضى بما غنمته سلفاً، لأن فظاعة أخرى كديرنهولد ستجعل أرواح الأموات أنفسهم يأتون من أجلها.
«بعض الأمور التي تلفظ بها»، همست مينيرفا.
حتى الآن، بدا العجوز الصيدلي خائفاً بعض الشيء.
«أعتقد أنه لابد فقد صوابه. كان يهذي ويصرخ... حقول بأسرها مغطاة بالموتى، غابات من رجال بلا رؤوس على الرماح، أناس أُحرقوا أحياء...»
لم يستطع مارتيميوس إلا الحفاظ على صمت مكفهر. لقد كان في ديرنهولد. كان يصدق ذلك. أياً ما قال كوكستون، كان يصدقه. لقد أشعل ظهور كوكستون شجاراً ضخماً بين زيكي وريتر. لم تكن مينيرفا متأكدة مما دار حوله بالتحديد، لكنها ظنت أنها أمسكت بالجوهر: ريتر، وفور رؤيته لكوكستون، تملكه الشفقة وأراد المغامرة للتأكد، على الأقل، من رعاية مرتزقة ممر فارسون ممن هم في خدمة الملكة. اعترض زيكي، وبعنف: شعر وكأن قوات الملكة قد وضعت أيديها عليه مجدداً، وحالما تدرك مقدار طاقته فلن تدعه يذهب أبداً حتى يصير محطماً مثل كوكستون.
الساحر الجيد يمكن أن يكون مفيداً كمئة رجل. وحتى أقل السحرة تعليماً يمكن أن ينفع في حرب. قليل من الدفء، قليل من إصلاح الأحذية بالتعاويذ؛ هذه الأمور يمكن أن تبقي الرجال مسرعين لفترة أطول بكثير مما قد تفعله لولاها. وكان زيكي أبعد ما يكون عن الجهل. كان رجلاً ذا قوة. حين يطغى فيضان نوست دريم، كان يدفع المياه بعيداً ويمنع سيلفرفيش من الجرف؛ وبعد العواصف العاتية، كان يأتي إلى اليابسة في قارب تجديف صغير ليرفع الأشجار عن الأسطح بقوة الفن.
لم تكن هذه حرفة عابرة وتافهة، لكن زيكي فعلها بيسر. ولععل ذلك وعزلته على الجزيرة هما ما منعتا قوات الملكة من تجنيده حتى الآن. كان هناك صراخ، ولعنات، ونعت ريتر زيكي بالجبان في وجهه.
«وكلها كانت تفاهات حمقى»،تمتمت، رامقة مارتيميوس بنظرة جانبية وكأنه على وشك الخوض في حماقة ما في هذه اللحظة بالذات.
«توقف ريتر وزيكي عن التحدث، وانزوى الساحر في قصره، وكل ذلك لأجل ماذا؟ ريتر، حاول إقناع كوكستون بالذهاب معه، لكن كوكستون لم يكن في هيئة تسمح له بالعودة للحرب بنفسه، ولم يلبث طويلاً حتى ذهب للعيش في غابة الطريق الواحد على أي حال. وما كان ريتر ليفعل؟ رجل عجوز واحد، وحيداً تماماً، يتخلى عن نزله، ويحمل سيفه في زمن متأخر جداً، أكان سينقذ أحداً؟ كلا. بل سيقتل نفسه فحسب. لذا فقد مكث على أي حال، ومكث ساخطاً على زيكي تحديداً لأنه أدرك أن الساحر كان على حق».
هزت رأسها.
«حماقة».
عندها حل الظلام الحقيقي. كانت الصغيرة تانا إيفيت أول الراحلين. لم يكن الآخرون واثقين تماماً من ذلك، لكن مينيرفا كانت كذلك.
«لقد كانت طفلة مشمسة، ومبتهجة، ومطيعة»، همست العجوز الصيدلية، ورغم أنها سردت حكايتها المحزنة والدامية حتى الآن بلا أي أثر للكتمان، ظهرت الدموع في عينيها الآن.
«كنا نفقدهم لصالح البحيرة بين الحين والآخر كما ترون. غالباً الحمقى للغاية، أولئك الذين يسبحون بعيداً بما يكفي ليعجزوا عن العودة. ظنوا أن هذا ما حدث لتانا في البداية. لكنني كنت مرتابة منذ البداية تماماً. كانت طفلة ذكية. أذكأ من أن تغرق هكذا، حتى وإن كانت صغيرة جداً. ومع ذلك، بحث الناس عنها، وحين لم يجدوها، أقاموا المآتم. «بدأ الناس يشعرون بالقلق حين اختفى الطفل الثاني بعدها بوقت قصير. ليو بولك».
كان ذلك اللقب ذاته للعزار الذي اشتراهم؛ جيس بولك، الذي ركض إليه مارتيميوس لجلب المساعدة. وأمام نظراتهما المتسائلتان، أومأت مينيرفا.
«كان ليو حفيد جيس»، قالت بحزن.
«لقد كانت له عائلة سعيدة للغاية، ذات يوم. تزوج ابنه من امرأة رحلت إلى هنا من أقصى الغرب؛ كانت غريبة، بلهجة تبدو وكأنها تغني، لكنها كانت تعرف الخيول أفضل من أي شخص آخر هنا، وتجيد التجارة مع أمهرهم. فيريتا، هكذا كانت تدعى. لكن ابنه مات محارباً في حرب الملكة، وفيرينتا... حسنًا...»
فجأة، كانت مينيرفا تجهش بالبكاء، وبدا وكأنها تواجه صعوبة في التقاط أنفاسها. ومع ذلك، اكتفت بالتلويح لهما بالابتعاد حين نهضا لمساعدتها، وبعد لحظات قليلة من تجفيف الدموع من عينيها المحمرتين، واصلت. غير أنها لم تفصح عما حل بفيرينتا.
«بعد اختفاء ليو»، تابعت، «بدأ القوم يشعرون بقلق أكبر قليلاً. ظنوا ربما أن الأطفال وجدوا مكاناً جديداً وخطيراً للقفز في البحيرة، بصخور مخفية؛ أو ربما فتحت تيارات غريبة في نوست دريم، أو حتى أن وحشاً ما يفترسهم. كان بعض القوم واثقين من أن بعض الأطفال لابد وأنهم يعلمون بما حدث؛ وأن طفلين صغيرين لا يمكن أن يختفيا ببساطة بلا رؤية من أصدقائهما. لكن أياً من الأطفال لم يكن يعلم شيئاً، وكانوا يزدادون خوفاً على خوف. أخبرناهما بالابتعاد عن البحيرة. «حين اختفى الطفل الثالث، حل الذعر. فاليتا توك. الابنة الوحيدة لفاليري توك. حسنًا، الوحيدة التي نجت. كان لها أطفال آخرون، لكنهم ماتوا جميعاً صغاراً بسبب المرض أو الإصابة. كانت آدا أخيرة أطفالها، قبل أن تتقدم في السن لتعجز عن الإنجاب مجدداً، أظن. كت الفتاة قوية، وطالما قالت فاليري إن الحظ ابتسم لها أخيرًا ورزقها بطفلة سليمة. والآن ذهبت، هكذا بكل البساطة. كانت في الرابعة عشرة من عمرها، في طريقها للأنوثة؛ ليست صغيرة، مثل البقية. لم يعد أحد يعتقد أن هؤلاء الأطفال يغرقون، بعد الآن. لم يعد أحد ينظر إلى البحيرة. باتوا يظنون الآن أن الأطفال يتعرضون للاختطاف، وصاروا يرمقون بعضهم بعضاً بالشك. من عساه يقدر على خطف طفلة مثل آدا دون أن يلاحظ أحد؟ يقول بعضهم إنها كانت ستبدي مقاومة لو حاول أحد خطفها عنوة، وأطلقت صرخة ما، لذا لابد أنه شخص يعرفونه. ويقول آخرون إنه لابد غريب عن المكان. يخبرون الأطفال بالبقاء معاً، وألا يكونوا بمفردهم أبداً، وألا يثقوا إلا بآبائهم، فحتى الجار قد يشكل خطراً... «ثم يتكرر الأمر. ومرّة أخرى. اثنان في يوم واحد. في غضون ساعات من بعضهما. ثاين لوكيت وإيلينور كرايتون. كلاهما ذهب، هكذا بلمح البصر، والأسوأ أن أحداً لا يبدو عارفاً كيف. رغم مفترضات مراقبة الأطفال، ورغم وجوب بقاء الأطفال متلاصقين. الصغير ثاين، بالكاد كان أكبر من رضيع، وتحت عين والديه اليقظتين في بيتهما، حين غفلا عنه للحظة واحدة فقط، هكذا يقولون، فاختفى. مزقوا بيتهم ـ بل شرعوا في تمزيق الجدران ـ بحثاً عنه، لكن كان الأوان قد فات. لقد ذهب. أما إيلينور، فكان الأمر أسوأ. كانت مع زمرة من أصدقائها، بلا بالغين يراقبونهم، وبسبب اختفائها وجهل أصدقائها بالأمر، بات لديك بعض القوم ممن يقترحون أن بعض الأطفال أنفسهم هم من يفعلون ذلك، وأن بعضهم قتلة صغار».
هزت مينيرفا رأسها ببطء في امتعاض واشمئزاز.
«عرفت ما كان قادماً، حينها. أعتقد أن الجميع استطاعوا، بطريقة ما. بعض الكبار، خافوا، غضبوا، لكيف حافظوا على صواب عقولهم. لكن آخرين، الآباء، أولئك الذين فقدوا أطفالاً مختفين، فقدوا صوابهم وحسب. لم أعد أعرف إن كان يهمهم حقاً على من يلقون باللوم. فقط احتاج شخص ما ليتحمل المسؤولية».
«صار الجميع موضع شبهة. بات لديك جيران يستدعون الغريب المظلم للعن الناس. بل ويدعون الغريب المظلم، علانية في الشارع، قائلين إنهم سيبذلون الغالي والرخيص لاستعادة ابنتهم أو ابنهم. حسنًا، إن سألتموني، لقد زارنا الغريب المظلم حقاً، ولكن ليس على النحو الذي أراده أحد. كان الناس يتشاجرون، ويؤذون بعضهم في الشارع، ويكادون يقتلون بعضهم. يقتحمون بيوت بعضهم، ويضرمون النيران فيها. كاد نزل ريتر يحترق لكونه غريباً، وهو الذي مكث هنا لأعوام وأعوام بحلول تلك النقطة. قام القوم بشنق تاجر بريء، لسبب بسيط هو وجوده في القرية في الوقت الخطأ. دخل متجري أناس عرفتهم طوال حياتي واتهموني بتقطيع الأطفال لصنع الجرعات، وأظن أن السبب الوحيد لنجاتي هو عثورهم على شخص آخر ليصبوا غضبهم عليه. «انظروا، كان زيكي لا يزال منزوياً في القصر، ولمჩ أحدٌ الرجل منذ فترة غير قصيرة. لذا قرر أربعة شبان التجديف نحو بيته والدردشة معه. حماقة بحتة من جانبهم، لأنه إن كان ذاهباً لاتهام زيكي بسرقة الأطفال ويكون هو الفاعل حقاً، فما كان لمجوس بقوته أن يدعهم يغادرون أحياء. لكنهم ذهبوا. ولم يعد سوى واحد فقط. عجز عن قول ما حل بالثلاثة الآخرين، لكنه رأى زيكي بنفسه، وأقسم أنه ميت. وقال إن الساحر صار شبحاً. «ولا يزال الأطفال يختفون طوال الوقت الذي يحدث فيه هذا، والآن تيقن الناس من أن زيكي هو الفاعل، أو أن شيئاً ما قتل زيكي، وأياً ما كان ذلك الشيء، فهو ما يرتكب كل هذا. لذا انطلقت قاربان مملوءان بالآباء، أولئك الذين فقدوا أطفالهم الوحيدين ولم يتبقَ ما يخسرونه، مجدفين نحو الجزيرة».
توقف مينيرفا لتلتقط نفساً عميقاً. كان كل هذا يتدفق كالسيل، وصوتها يزداد سرعة مع عودة هلع تلك الأيام كصدى أو ذكرى.
«أخبرتهم أنه فعل غبي. لكن أحداً لم يستمع، ولم يهتم أحد، وما عساي أقول؟ أيمكنني النظر في عين أب مكلوم فقد كل ما يهمهه وتأمره ألا يجازف بالانتقام؟ عشرة أشخاص، بالمجمل. وأحد عشر منهم لم يعودوا قط. والوحيد الذي عاد؟ «فاليري توك. وجدناها تطفو في قارب تجديف بين شاطئ اليابسة والجزيرة. بعد ثلاثة أيام. هناك فقط في يوم ما، بوجه منحوت ومسلخ لدرجة كادت تجعلني أستبعد أنها حية، وبلا ذاكرة عما حدث. أو هكذا زعمت دائماً، حين استطاعت قول أي شيء على الإطلاق».
أطلقت العجوز الصيدلية تنهيدة طويلة ومجهدة.
«لقد كانت معجزة نجاتها. بعض أعظم شفائي. وربما ما كان عليّ تكبد العناء قط».
تذكر مارتيميوس تلك العيون المتقدة حقاً بالكراهية، حتى حين سُحبت إلى البئر، إلى الظلام، إلى الأبدية مع المحطم. لقد باعت روحها، ولعنت نفسها، من أجل الانتقام. ربما لم تتذكر تماماً ما حدث، لكنه ظن أنها تملك على الأرجح فكرة ما عما أو من كان المسؤول.
«... على أي حال، كانت تلك النهاية. لم يرغب أحد في البناء بقرية يُنتزع أطفالهم فيها في أي لحظة، وربما على يد ساحر مجنون، وربما على يد شيء أسوأ. كل من تبقي له طفل ليخسره، وكل من نوى إنجاب طفل، حزموا أمتعتهم ورحلوا. والوحيدون الذين مكثوا هم من فقدوا كل شيء ولم يعد بوسعهم أمل أطفال بعد، العجوز، والعديمو الأطفال، والمجانين. هكذا ترون إذن، لِمَ لا يُنظر إلى الفن بعين الرضا هنا هذه الأيام».
صمتت مينيرفا. ولكنه كان صمتاً هشاً، صمتاً قد يتحطم كالزجاج لو أن أحدهما بادر بالكلام. لم ترغب العجوز في أن يتكلما. كان ذلك جلياً. لقد روت كل ما أردت حقاً قوله. لكن تلك الأشواك السامة كانت تنغرس في أفكاره مجدداً، وكان مارتيميوس بحاجة لسماع كل شيء. كان بحاجة لسماع ما يعرف سلفاً أنه الحقيقة. كان الأمر جلياً بما يكفي. الحقيقة البشعة والمريعة والكاملة كان لابد أن تُقال بصوت عالٍ.
«لم يكن ذلك كل ما حدث، أليس كذلك».
«كلا»، قالت مينيرفا بصوت أشبه بالهمس الأجش، وعادت الدموع لتملأ عينيها.
«إذن أخبري بما حدث تلاحقاً».
كانت إيليس تنظر إليه بفضول، ثم تعود بنظرتها إلى مينيرفا، عاقدة حاجبيها. لم تكن تفهم. لكن الأمر بدا جلياً جداً، جلياً للغاية بالنسبة له. ربما اعتاد الطبيعة السوداوية لتلك الأيام أكثر مما ينبغي.
«حسنًا»، قالت مينيرفا، وقد أخرجت الآن قماشة لتجفيف الدموع السائلة خطوطاً على وجهها، وتحدثت عبر شهقات متقطع، لكنه كان سيجعلها تنطق بها، اللعنة، كان لابد أن تُقال علانية لا أن تُخفي في الضباب، في الهمسات، في هذيانات المجانين، لابد أن تُقال علانية.
«حسنًا، حين حزم الناس أمتعتهم للرحيل، إلى أين ترونهم ذهبوا؟»
«لا»، شهقت إيليس بصدمة مفاجئة.
لقد فهمت الآن.
«نعم»، أجابت مينيرفا ببؤس.
«كروس أون غرين».
هياكل محترقة لمباني، تلوح فوق شوارع خاوية، لن تعرف الراحة مجدداً أبداً. وأغصان شجرة مثقلة بالجثث.
«وـ و... بعد وقت ليس ببعيد... جـ ـ جاءت أنباء موت الملكة البيضاء، و...»
كان ذلك كل ما استطاعت قوله قبل أن تدفن وجهها بين كفيها. وكان ذلك كل شيء، أليس كذلك. لم يكن هناك خلاص، في النهاية، لهؤلاء القوم الملعونين والمحكومين بالموت. أولئك الذين فروا أملاً في إنقاذ أطفالهم جرى مطاردتهم عوضاً عن ذلك إلى فكي ما هو أسوأ؛ شيطان لا يلين لآلاف العقول المريضة، لآلاف وآلاف من الأخطاء الزاحفة، شيطان يحمل عشرة آلاف نصل ويحرق ويهدم ويذبح ولم يتوقف، وربما عجز عن التوقف، حتى سقط الرأس الوحيد الذي ارتدى التاج ميتاً.
وهكذا احترق أطفال وقوم سيلفرفيش الأحياء، وكل ذلك هباءً، هباءً، هباءً. هكذا كانت الحال مع الملكة البيضاء، في النهاية؛ الموت حتى لأولئك الذين أقسموا بالولاء لها. الموت حتى بعد أن ماتت بالفعل، ولأي شيء؟ ربما ببساطة لأن أولئك الذين خدموها عجزوا عن التفكير فيما يستطيعون فعله س سواها. رفع عينيه المتعبتين ليتأمل أرجاء الغرفة المشتركة لنزل صائد الليل. القط الأسود، كينغ، كان يحدق به من الطرف الآخر للغرفة.
وفي هاتين العينين الصفراوين، شعر وكأن ذلك القط اللعين قد رأى كل ما فعله سيده وكان يهزأ به بمعرفته.
«كيف لم يأتِ أحد لأجله؟»
قال، لنفسه في الغالب، لكن مينيرفا سمعته.
«عليك أن تفهم»، كانت تقول.
«اليوم الذي حدث فيه ذلك... اعتاد ريتر تعليق راية للملكة البيضاء على الجدران، هنا. يوم سمعنا النبأ، أنزلها وأحرقها. و... و... والآخرون...»
فجأة، فهم تماماً. بالطبع، لم يسعَ أحد للانتقام من ريتر. أي انتقام كان ليكون؟ لقد كان جميعهم خدماً للملكة البيضاء، خدم العديد منهم على الأرجح في جيوشها، والآخرون بالتأكيد صوتوا أو أشاروا بالموافقة على التنازل عن السيادة لها. من عساه يلومه دون أن يلوم نفسه؟ ومن بقي جذوة الانتقام متأججة في صدره، بعد تطهير كل أولئك الصغار بمثل هذه الكفاءة؟ وعار الأمر برمته قد عقد ألسنتهم.
من يرغب في إخبار غريب بالأمر الفظيع والدامي الذي ارتكبوه بذنبهم؟ فجأة، بدت فاليري توك جديرة بالإعجاب على نحو عبثي.
«إذن هذا كل شيء إذن؟»
سالت إيليس. بدت الساحرة شاحبة ونحيلة، وكان تعبيرها تعبير من تلقى لضربة غير متوقعة في المعدة. لقد سألت كمن يتوقع الأسوأ في الطريق.
«نعم»، قالت مينيرفا، ثم هزت رأسها، ناكرة لكلماتها.
«باستثناء المسكين فينيل».
«فينيل».
الرجل المنهك والبالغ الهزال الذي يعبد سيدة المياه الهادئة؟ الرجل الذي كان أول المترحيبن بهم في هذه البلدة اللعينة؟ أي جحيم خاص استحق؟ ارتفعت كتفا مينيرفا ثم هبطتا، في تنهيدة عميقة ومتقطعة. اخرجوا بكل شيء.
«فينيل، هو... حين أتى رجال الملكة لتجنيده بالقوة، فرّ فينيل. ظننا يقيناً أنه سيلقى القبض عليه ويُقتل بتهمة الخيانة، أو...»
تراجع صوتها، غير دارية بأي مصائر أخرى قد حلت بالرجل.
«لكنه لم يفعل. غاب لأعوام وأعوام، لكن... منذ وقت غير بعيد، قبل نصف عام، عاد، وحين عاد، كانت معه زوجة. امرأة غريبة، قال إنه التقى بها في أرض عبر البحار... كانت جميلة جداً، كائنة طويلة ورشيقة، بدت كأنها ترقص حتى وهي تمشي فحسب... أه، واللعنة عليه، اللعنة عليه، لقد كان معه ابن...»
«كيف سمحتم له بإحضار طفل إلى هنا؟»
«لم نكن نعلم!»
ناحت مينيرفا، وهنا كانت اللعنة النهائية لهذا المكان البائس بأسره. ربما فر فينيل من منطلق شعور نبيل بالتحدي ضد الملكة أو ربما فر من باب الجبن المحض، لكن الرجل الوحيد الذي أبى خدمة الملكة سينتهي به المطاف لمشاركة المصير ذاته مع بقيتهم، أليس كذلك.
«عاد في الليل، وقبل أن ندرك وجوده هنا، كان الأوان قد فات، الأوان قد فات...»
وماذا تبقى للقول أيضاً؟ زوجة فينيل، المكلومة، أقدمت على شنق نفسها، وفينيل، الذي فقد ابنه والحب الذي طاف العالم بحثاً عنه، تحطم. بدأ يسمع أصواتاً، مقسماً أن سيدة المياه الهادئة تكلمه، وبات بالكاد يأكل شيئاً في هذه الأيام. كان يقضي كل وقته في معبد هاليك القديم على شاطئ نوست دريم، ولعله كان معجزة كبرى أنه لم يشنق نفسه بدوره. كان الأمر مقززاً. شعر مارتيميوس بالاشمئزاز والشفقة البطئية والموجعة، لسماعه لكل ذلك، ومع ذلك شعر أيضاً بأن هذا شيء لابد من سماعه.
استطاع الشعور بتلك الأشواك تخدش باطن جمجمته؛ وشعر لو أنه نظر إلى الخارج لوجدها قد نمت في كل مكان حول النزل.
«والأشواك؟»
سألت إيليس، وكاد يثب من جلسته، مطبقاً بنظراته على الساحرة. أكانت تقرأ عقله؟ لكن لا، كانت تنظر إلى مينيرفا بدلاً من ذلك.
«قلت إنك تعلمين شيئاً عن طب الأعشاب. الأشواك التي اجتاحت هذا المكان، لا يمكن أن تكون طبيعية».
لكن مينيرفا اكتفت بهز كتفيها، بابتسامة معوجة تحت عينين حمراوين من الدموع.
«بصراحة لا أعرف يا طفلتي. ربما ليست كذلك. أسميها دم الجثث، لأن العصارة التي تنزف منها تبدو كدمٍ قديم. بدأت بالنمو هنا بعد وقت قصير من موت الملكة البيضاء. وهناك أتى الضباب أيضاً، ولم أره من قبل، ولا سمعت بأي حكاية بشأنه من أي ممارس لطب الأعشاب غيري. ما عساه يكون؟ ربما يظن الغريب المظلم أننا لم نعانِ ما يكفي، وقرر لعننا أكثر؟ إن كانت الأشواك هي الفصل الثاني، فلا بد لي من القول إنها متابعة ضعيفة للفصل الأول. إن كانت ستجتاحنا جميعاً، فهي بالتأكيد ليست بفظاعة انتزاع أطفالنا وإرسال الكثير منا إلى حتفهم».
وعندها سمع منها ذات الكلام الذي سمعه من معلمها العجوز.
«يقول بعض القوم إن العالم يشرع في التعب فحسب، في النحول، في التقدم بالسن. وربما هذا كل ما في الأمر».
نهض مارتيميوس، فرفعت مينيرفا بصرها نحوه، وشعر بالخجل من الغضب الذي تأجج في داخله حين رأى نظرة الأمل على وجهها. أي أمل؟ أي أمل كان بمقدوره تقديمه لها؟ المؤكد أنها لا تنتظر رؤية الأطفال المفقودين مجدداً أبداً. بدت امرأة عاقلة. عاقلة أكثر من أن تصدق وجود أي أمل لهم. لابد أنهم أموات. ومع ذلك، ألم تكن هناك حكايات؟ حكايات عن أطفال خطفتهم الجنيات، لا ليُقتلوا بل ليُتربوا على أيديهن؟
ربما سيجلب ذلك العزاء للناس، إن علموا أن أطفالهم، رغم سرقتهم، ما زالوا أحياء. وكانت هناك قصص أخرى، أليس كذلك؟ كانت هناك حكايات الأرنب الذكي جاك، وخصمه الماكر الثعلب الأحمر السريع، الذي يحاول صيده بلا انقطاع. قُصد منها أن تكون خرافات للأطفال، ومع ذلك لامس بعضها الواقع أحياناً. وفي إحدى الحكايات، طارد الثعلب الأحمر الأرنب جاك إلى كهف، ليضيع في داخله ويجد أنه، حين خرج أخيراً، قد مرت مائة عام بينما لم يهرم سوى يوم واحد.
إن حدث ذلك في القصص، أفلا يقع في الحقيقة، عبر عمل غريب للفن؟ يمكن أن يحدث، لكن سيكون من الغباء التعلق بأمل إزاء احتمال كهذا. لكنه ظن أنه يعرف ما كانت ترغب في سماعه. ساحر وساحر، ألا يفترض بهما قول شيء، أي شيء، عما حل بهم؟ إن عرفا الفن، فربما عرفا حتى طريقة ما لإلغاء ما ارتُكب. وربما لهذا السبب مكثا هنا، في هذه القرية المحتضرة والمهلكة. ببساطة للمعرفة، وربما لرؤية لعنتهم تُمحى يوماً.
تلك النظرة الأملية لسعت، والحقيقة، رغم ضرورتها لإخراجها، جعلته يشعر بالقذارة. قذارة أشد، على أي حال، مما شعر به سلفاً من وجوده في مزرعة فاليري توك.
«حكاية مقبضة»، قال لها، بألطف ما استطاع.
«يؤسفني سماع ذلك. إنها تفسر بالتأكيد سبب بيع فاليري لنفسها على النحو الذي فعلته».
أبعد نظره عنها؛ لم يطق تلك العينين، ولن يمنحها وعوداً يعجز عن الوفاء بها.
«سأفكر في الأمر، لوقت».
في أي وقت آخر، لربما ابتسم في داخله لحديثه على هذا النحو؛ تماماً كما قد يتوقع المرء من ساحر غامض. لكنه الآن كان في عجلة شديدة للمغادرة، ولم يعد يطيق البقاء هنا ثانية واحدة.
«إن شئتم إعذاري. أعتقد أن عليّ الذهاب لإيجاد مكان للاستحمام وغسل ملابسي».
تمنى لو أنه لم يقل ما قالته. رأت مينيرفا أملاً حتى في وعده بالتفكير في الأمر، حين قصد بذلك مجرد صرفها عنه. بخ بخ، استدار ماشياً بسرعة، وعباءته ذات الفراء ترفرف خلفه، وخرج من الباب حتى بينما صوت الصيدلية يصيح خلفه بأن ريتر يستطيع تسخين الماء للاستحمام إن أراد ذلك. ===***=== كان حمام ساخن ليكون مغرياً، بل أكثر من مغري، في أي وقت آخر. لقد استقر برَد الخريف بجد، ولم يعتقد مارتيميوس بوجود أي أيام معتدلة أخرى.
احتفظ بعباءته السوداء المزودة بالفراء مسحورة ضد البرد حتى خلال النهار، الآن، وحين خلعها، كانت برودة الرياح تخترق أحياناً ملابسه الجلدية لتصل حتى العظم. ظن أن صقيعاً قارساً وثلوجاً مرة تنتظره؛ أقسى مما رأوه منذ انتهاء حرب الملكة. جلبت تلك السنوات شتاءات كئيبة حقاً، وقيل إن ساحرة الغرب كانت المسؤولة. وبدو جلياً أنهم ظفروا بهدنة فور موتها. لكن بغض النظر عن مدى إغراء حمام كهذا، لم يستطع تحمله الآن ببساطة.
في الواقع، لم يستطع احتمال الوجود في سيلفرفيش في هذه اللحظة. بدت الحكاية الدموية القديمة مألوفة أكثر مما ينبغي، وأكثر حقارة من أي وقت مضى. لقد بدأ رحلته في مدن ديرن الحرة، وشهد الموت الذي أذاقته الملكة البيضاء، ولم يسبق له أن نغز قلبه بمثل ما فعل حين رآه في سيلفرفيش وكروس أون غرين. وربما كان ذلك بسبب العبثية العمياء والبحتة هنا، في هذا المكان. لقد مات رجال ديرن، ولكن على الأقل يقال إنهم ماتوا وهم يبصقون التحدي في وجه الملكة، ماتوا من أجل حريتهم، ماتوا بنبالة وهدف.
ولقد انتصروا، مهما كانت الحصيلة مروعة. وهنا؟ كان الأمر مجرد موت، موتاً عبثياً، موتاً أسود لا هادف. وما أثار الغثيان أكثر من القصة ذاتها كان أفكاره الخاصة، إذ لكان كذباً القول إنه لا يوجد جزء منه يظن أنهم يستحقون ذلك. لقد استحقوها لبيعهم أرواحهم على النحو الذي فعلوا. لقد تلقى جزء مظلم منه الحكاية بابتهاج. ولكن بالطبع، كانت هذه تفاهات. فالأطفال أنفسهم لم يكونوا ملامين.
لم تكن لهم كلمة فيمن قرر آباؤهم إعلان الولاء له، ولم يكن أي نوع من العدالة أن يُقتلوا. وحتى الراشدون منهم لم يفعلوا على الأرجح سوى ما ظنوا أنه سيتيح لهم الاستمرار في العيش بسلام. أفكار غير جديرة كهذه قد تطرأ من حين لآخر بالطبع؛ فكل إنسان لديه صوت الشر بداخله. يمكن تجاهله. لكن هذه المرة، وجد مارتيميوس نفسه مصدوماً بمدى إقناع تلك الهمسات الشريرة والصغيرة للأفكار، وكان الخيار يحترق داخله بسببها.
إنها هذه البلدة اللعينة. وأحلامه اللعينة، مع الأشواك، دائماً الأشواك الممتدة للداخل، والصوت الذي ما كان يجب أن يتواجد وهو يهمس له. لم يستطع تفسير سبب عودة الكابوس الذي طارده في شبابه إلى هنا، لكنه كان أسوأ من أي وقت مضى. أيكون الأمر أشبه بالشجرة، في كروس أون غرين؟ أيكون هناك الكثير من الموت البسيط هنا لدرجة أن العالم ينحل وتقترب أرض الأموات لدرجة أن الأرواح تجد طريقها إلى هنا وتجوب عالم الأحياء؟
إذن لِمَ سيجده ذلك الصوت هنا، من بين كل الأماكن؟ لم يجد ذلك الصوت حتفه في أي مكان قريب من هذا المكان. أطلق صفيراً لـفليت، آملاً أن يكون مألوفه قريباً، لكنه لم يكن كذلك. لقد وجد فليت أنثى كاردينال ـ أو ربما أكثر من واحدة ـ وقد استحوذت هذه على اهتمامه. وعادة ما يكون مألوف الساحر أذكى وأكبر حجماً مقارنة بمعظم أبناء جنسه. ولم يكن فليت استثناءً، فقد لفت ريشه القرمزي الفاقع وحيويته أعظار طيور الكاردينال الأنثوية.
وكان (أو هكذا زعم فليت) شرفاً التزاوج مع أولئك الذين يقترن ساحر بهم، أولئك الذين مسهم الفن أو دعاهم. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي ينشغل فيها فليت هكذا. ولم يعلم مارتيميوس عدد البيض والأطفال الذين خلفتهم الكاردينال وراءها، لكنه ظن أنه ليس بالعدد القليل. ولذا هز رأسه، وراح يبتعد بخطى سريعة، رافضاً البقاء قرب نزل صائد الليل بعد الآن، رافضاً الوقوف في ظل الشجرة المكللة بالأشواك القائمة في باحتها.
حاول ألا ينظر إلى المباني التي مر بها، البيوت المهجورة منها وغيرها، وإن تجول أي من القوم في الشارع أو راقبوه، فلم يترأوا له. نزل إلى شواطئ بحيرة نوست دريم الكبرى. ورغم عودة الضباب مع نهاية النهار، فقد تدلى منخفضاً على الأرض والتف حول كاحليه. التقط ضوء الشمس الغاربة الذهبي الغيوم في الأعلى والضباب المعلق على سطح البحيرة، متضاعفين في الماء، ولحظة واحدة لم يملك مارتيميوس فيها سوى التوقف والتأمل.
كان مشهداً جميلاً، وجميلاً حتى الوجع، الضوء والبحيرة والأشجار المظلمة في البعيد الممتزجة جميعاً بالضباب، وبدا الأمر برمته كحلم. وربما لم تكن أرض الأموات هي القريبة من هذا المكان، وربما كانت أرض الأحلام. الحياة ذاتها حلم، أو هكذا تقول الجنيات. كان ذلك الضباب في رأسه أيضاً، جنباً إلى جنب مع الأشواك، ولم يزدد إلا كثافة كلما فقد المزيد من النوم. هام على وجهه على طول حافة نوست دريم لفترة، على طول ضفتها الغربية، وحين فعل شعر وكأنه يذوب في ذلك الضوء.
وكلما ابتعد في مشيه عن سيلفرفيش، شعر بأن علة ما تتسرب منه، وتتبدد في ذلك الضباب المضيء. تراجعت الأشواك عن عقله حتى بينما تراجعت عن الأرض، كذلك؛ الشوك الأسود، دم الجثث كما سمتها مينيرفا، لم ينمُ أي منها هنا، على طول الحواف الأبعد لنوست دريم، سوى القصب والقيقب المحروق الأوراق الخاص بالخريف. وفي نهاية المطاف أفسحت تلك المجال للأخضر المريح لبارينز الصنوبر، وتوقف مارتيميوس.
كان هذا المكان صالحاً كأي مكان آخر. لقد غادره ضغط، وشعر باسترخاء يفوق ما عرفه منذ قدومه الأول إلى سيلفرفيش، لكنه ما زال يشعر بالقذارة. في الجسد والعقل والروح. وما زالت ملابسه تحمل البقايا السوداء لليقطين المتعفن من مزرعة فاليري كبقع، واستطاع شعور اللمس المتبقي من المحطم حين تزحلق بين أفكاره. قوة قديمة أو لا، أياً ما كان، فقد كان حقيراً. تخلع ثيابه، وعند شاطئ البحيرة غسل ملابسه أولاً، وحين فرغ مسحها بلهب الفن، برقة لتتدفأ وتجف وحدها.
وفي بعض الحالات، لم تكن بقايا اليقطين الأسود الملتصقة بها سهلة التنظيف، فقبض قبضات من إبر الصنوبر البنية الميتة لفركها من حذاءيه. وتصاعدت رائحة الصنوبر من الإبر، وكان ذلك مريحاً أيضاً. وحين فرغ، وقف عند حافة الماء وأخذ نفساً عميقاً. كان الماء هادئاً وصافياً، وقاع البحيرة عند الشاطئ رملاً مضغوطاً. بسرعة وبلا تردد، خاض في الماء. كان بارداً كما عرف تماماً من وقت غسله لثيابه.
غمر نفسه بسرعة، محبساً أنفاسه، ومبقياً عينيه مفتوحتين في الظلام، ثم نهض، لاهثاً، مبعداً خصلات شعره الطويلة المبللة عن عينيه. تسلل البرد إلى داخله، إلى أحشائه، إلى لحمه. لكنه لم يكن قبضة الموت الخاصة بجليد الشتاء. بل كان العناق المنعش لبرد يحرك الدم، وينشطه ويجعله يتسابق، ويصفي العقل. سُموم أفكاره التي تركها المحطم كنسها بعيداً، وتصّفى الضباب في رأسه، مع تدفق البرد إلى داخله وزئير دمه حرارة لمقاومته.
شعر بصفاء عقل يفوق ما شعر به منذ قدومه الأول إلى سيلفرفيش. ما زال متعباً، نعم ـ فلن يشفي ذلك سوى النوم ـ لكنه استطاع التفكير بوضوح يفوق ما استطاعه، وبات أشد حدة ووعياً بالعالم. لو لم يكن كذلك، لما سمع غصناً ينكسر خلفه. التفت مارتيميوس بحركة دائرية، لكنه لم يستطع رؤية أحد في ظلال الصنوبر. وذهب بصره مباشرة إلى سيفه وقوسه النشابي، المستلقيين بجانب ملابسه المجففة، وشرع في شق طريقه نحوهما بسرعة.
«من هناك؟»
صرخ، لكن الكلمات ماتت على شفتيه. وأوقف تسلقه المتعثر نحو الشاطئ حين خرجت إيليس من خلف شجرة. للحظة، اكتفى بالتحديق في الساحرة، وشاركت هي التحديق نحوه بلا رفرفة لجفنيها.
«منذ متى وأنت هنا؟»
تمكن من قولها، أخيراً. منحته إيليس نظرة متعمدة للغاية وأكثر قليلاً من المعتبرة لرضاه.
«منذ وقت طويل بما يكفي، أظن».
ولمع في عينيها بريق شقي، عاكساً ضوء الشمس الذهبي الغارب. شعرت مارتيميوس بوجنتيه تحترقان، وابتسمت هي فعلاً لذلك. ذكريات ضوء الشمس وهو يلتقط شعراً ذهبياً تدفقت في عقله، وغاص أكثر في الماء ليخفي نفسه.
«أجئتِ إلى هنا حقاً لتجسسي علي وأنا أستحم؟»
«لم أفعل شيئاً كهذا»، ردت الساحرة مقاطعة إياه، عاقدة ذراعيها.
«لكنك لم تبدُ على ما يرام، أيها الساحر، بعد سماع قصة مينيرفا، لذا أنا... لقد تتبعتك. كنت قلقة عليك».
انتفضت بعد قولها ذلك، ثم تحولت ابتسامتها إلى عبوس شرس ونظرة غاضبة نحوه.
«لماذا لم تقولي شيئاً لي إذن؟»
«كنت بعيداً تماماً عن القرية بالفعل قبل أن ألمحك. لم أكن لأركض خلفك. كنت متعبة».
لاحظ مارتيميوس أن ذلك لم يمنح عذراً أو تفسيراً لسبب تجسسها عليه، إذن. لقد استخدمت السحر لتخفيه عنه كذلك ـ استطاع التعرف على شعوره المتبقي، الآن وقد بحث عنه. كان على وشك قول شيء بهذا الخصوص، لكن أياً ما كانت الكلمات التي يمتلكها لها فقد اختنقت حين انحنت وبدأت في رفع فستانها فوق رأسها. استدار ليواجه البحيرة، لكن اللمحة التي التقطها لساقيها البيضاوين العاريتين خففت بالفعل صفاء العقل الذي وجده.
«ماذا تفعلين؟»
«أستحم»، أجابت من خلفه.
بدت منزعجة، ومسلية بلمسة طفيفة أيضاً.
«أم ظننت أنك الوحيد الراغب في فعل ذلك؟»
استطاع سماع الساحرة وهي تخوض في الماء خلفه.
«ليس مألوفاً عادة أن يستحم الرجال والنساء معاً، كما تعلمين».
«من يعملون بالفن يتخلون عن كل الأعراف»، ردت بخفة، وانكمش حين أصاب الماء البارد ظهره.
لقد رشت عليه ماءً.
«أما الأم فلم تكن تبالي بما أرتدي أو لا أرتدي في مستنقعنا، لكنها جعلتني أرتدي الملابس حين أتى الزوار لرؤيتها، خاصة عندما كبرت. عرفت أن القوم قد يكونون أغراباً حيال ذلك من القصص، لكنه أمر مضحك للمشاهدة. إنه جسد، وليس أفعى. أتحشى أن تُفقأ عيناك لو نظرت؟»
لم يكن هناك أي مؤشر من حديثها على أنها في مياه باردة عميقة. بدت كمن يستحم في جدول نبيعي لطيف. وفي الوقت ذاته، كانت أسنانه تكتك، وبات الاستجابة النارية الأولية لدمه تتلاشى لتصير خَدَراً بسيطاً. ينبغي لي النظر إليها، ومعرفة إن كانت غير آبهة حقاً كما تقول. عوضاً عن ذلك، خاض محاولاً تجنبها بقدر الإمكان، بلا تفكير في اللمحات البيضاء النحيلة في زاوية رؤيته. لقد عرف أن الساحرة غريبة، بالتأكيد، لكن هذه كانت ذروة جديدة للغرابة بالنسبة لها.
كانت محقة في أن العمل بالفن والتجوال في الأرض يعني التخلي عن أعرافك ـ فعلى المتجول الاستعداد لشهد غرابة طرق الشعوب الأخرى. وحين سافر في مدن ديرن الحرة، كانت الأعراف تتغير من بلدة لأخرى، وبدا بعضها غريباً جداً عليه. وصل إلى بلدة تدعى ليرمات حيث كان العرف السائد هو تقبيل بعضهم البعض على الفم لمجرد التحية، وقد أربكه ذلك. غير أنه لم يصادف أي بلدات يستحم فيها الرجال والنساء معاً، وظن من المرجح أن إيليس ستواجه مشاكل لو حاولت ذلك في أي مكان تقريباً.
التقط عباءته ـ ورغم أنها لم تجف بعد، إلا أنها كانت دافئة على الأقل ـ ولفها حول نفسه، ثم شرع في جمع الخشب لبناء نار بينما كانت تستحم. وحين عاد، كانت جالسة متربعة فوق صخرة، مبللة بالكامل وغير آبهة بعريها، وثوبها المغسول ممدوداً بجانبها. ضحكت حين ألقى بعباءته عليها.
«لست باردة، أيها الساحر. ينبغي أن تبقيها إن كنت كذلك».
هكذا قالت، لكنها لفتها بإحكام حول نفسها فوراً ورفعت القلنسوة، محركة كتفيها في الفراء. وربما شعرت ببعض أثر البرد، بعد كل شيء. صارع لارتداء سراويله (لا تزال مبللة، رغم دفئها) ليستر عاره، وهو أمر شاهدته الساحرة باهتمام وبلا خجل. لِمَ عساه يتعب في هذه اللحظة، لم يكن يعدر.
شرع في ارتداء قميص داخلي كتاني أيضاً، ولكن حتى بينما رفع ذراعيه لارتدائه، أطلقت إيليس ببراءة: «من أين تلك الندبة البشعة؟»
وها هي ذا. هناك السؤال الذي طالما وُجه إليه، في نهاية المطاف. كل من يراه يوماً بقميص مخلوع، لبقية حياته، سيسأله عنها. خط سميك من لحم الندب الأرجواني الذي زحف كأفعى على ظهره، طوال الطريق من كتفه الأيسر إلى وركه الأيمن. كانت الساحرة واقفة الآن، وتتقدم نحوه. وكانت عيناها مركزتين للغاية على وجهه، وعجز عن تبين ما يقرأ فيهما. لقد أمسكتا بعينيه بسحب غريب.
«استطعت الشعور بها، كما تعلم. كلما شفيتك، استطعت الشعور بتلك الجرح».
لقد عرف. لقد شُفي بواسطة آخرين من قبل، وكانوا دائماً يعلقون عليها. كان تعبيره حجرياً، وعجز عن إبعاد عينيه عن عينيها. لم يكن مدركاً حتى لمرأى جسدها حين سقطت العباءة مفتوحة ومدت يداً، كأنها لتلمس ظهره. وفي هذه اللحظة، استدار بعيداً عنها وسحب القميص فوق رأسه.
«منحه لي رجل من رجال الملكة»، كان كل ما قاله.
«متى؟»
بامكانه أن يكون مظلماً ومتكتم الذات وبارداً كوجار ذئب مهجور بظهره إليها. لكن حين التفت ليواجه الساحرة، عيناها الزرقاوتان الداكنتان ـ ليستا باردتين، ككثير من العيون الزرقاء، بل مفعمتان بدفء ضاحك ـ كانت هاتان العينان عليه مجدداً، ولان. كان هناك صوت في عقله يلعنه لكونه أحمق، لدعمه فتاة جميلة تتسلل إلى عقله. ربما لهذا السبب تجردت من ملابسها أمامك. أنت تفكر بأجزائك السفلى، وما أتى قرار سليم من هناك قط.
كان هذا الصوت المحذر صاخباً في أفكاره، وصاخباً بدرجة كافية غالباً ليعرف أنه بحاجة لتلطيف كلماته في معظم الأوقات. لكنه كان أهدأ حين تعلق الأمر بإيليس، لصعوبة البقاء مرتاباً حيال شخص عبرت معه خطراً كبيراً، شخص أنقذ حياتك ونُقذت حياتك على يده. ولم يكن لكونها جميلة أي علاقة بالأمر. ومع ذلك، لم يخبرها بكل تفصيل مؤلم.
«خلال حرب الملكة»، قال.
«تمكنت بعض قواتها من المناورة سراً إلى بايكس غرين، التي كانت تمود أعداءها. ضربوا بضع قرى. وفي النهاية دُحروا، لكن ليس قبل أن أحصل على الندبة منهم».
هكذا. لم يكن الأمر سيئاً جداً حين تصوغه هكذا، أليس كذلك؟ بضع كلمات موجزة تصف ما حدث. لم تكن كافية، لكن الكلمات ستظل دائماً غير كافية لوصف ما حدث. رائحة الدخان، اللحم المحترق، الكثيفة في فمك، الزيتية. قمر أصفر كبير معلق في سماء الليل كعين شيطان، يراقه. الصراخ، العنيف لدرجة أنه بالكاد بدا بشرياً، فلن تظن أبداً أن جيرانك ربما أصدروا تلك الأصوات وهم يموتون. أصدقاء أموات وموتى.
وجوه مدمرة ودماء بدت سوداء في ضوء القمر. كانت هذه كلها ذكريات قديمة ومميتة، لكنها كانت كذلك الآن، قديمة. لا تزال تطرأ على عقله كلما تحدث عنها، لكنه استطاع الحديث عنها، والحفاظ على مزاج مستوي أثناء ذلك. على الأقل، صار بمقدوره الآن. في سيلفرفيش لم يستطع، وأزعجه أن الأمر كان كذلك. ما سر ذلك المكان الذي يجعل الذكريات أسوأ بكثير؟ ظن أنها قد تسأل المزيد عما حدث، وخشى ذلك، لكن لمفاجأته لم تفعل.
عوضاً عن ذلك، سألت السؤال الآخر الذي كان لدى المعالجين بشأنه حول ندبته.
«من شفاك؟»
هذا، ما استطاع الإجابة عنه. لقد أثار الكثير من الأسئلة، وجعل الكثير من الألسنة تثرثر. قد يجلب المتاعب لنفسه، أو لمن فعل ذلك.
«ما تسبب في تلك الندبة قطعك بعمق، أيها الساحر»، تابعت إيليس، حين اتضح أنه لن يكسر صمته.
كانت كلماتها مثقلة بالدهشة والرهبة.
«لا أرى كيف لم تقتل. بافتراض المعجزة أنك لست ميتاً، لكان الجرح قد تركك معوقاً ومشوهاً، حتى تحت رعاية أتعلم الأطباء في فن الشفاء. ومع ذلك ها أنت ذا. تقف رغم عدم قدرتك، صحيحاً، نشيطاً».
لم يستطع إجابتها، ولم يرغب في منحها أي أكاذيب. لذا، تحرك من حولها ليبدأ في بناء نار مخيم صغيرة ليتدفئوا بجانبها بينما تجف ملابسهم. ضمن دائرة صغيرة من الحجارة، كوم خيمة من عيدان الصنوبر المجففة على سجادة من الإبر الميتة، ولمسها بلهب الفن. وفي غضون لحظات، تصاعد دخان أبيض نحو الأعلى، وتلاه لهب برتقالي يلعق الخشب. جلست إيليس بجانب النار بينما كان يرعاها، حتى استقرت بما يكفي لتأكل أجزاء من جذع شجرة ساقطة ذهب وأحضره، وعيناها دائماً عليه، مراقبتان واللهب، وجهها ظل في تموجات قلنسوة عباءته.
ولسوء الحظ، لم تضغط عليه. رغم أنه كاد يشعر بفضولها الجائع الآن، وحقاً، لم يمتنع عن لومها. لقد كان جوعاً لمعرفة كيف يُفعل شيء ما بالفن. أراد المعرفة بنفسه. لم يكن متأكداً من أن فضولها هذا سيتوقف في الصمت. لكن كانت هناك أشور أخرى ليتحدثا بشأنها. كانت الشمس أقرب الآن إلى الأفق، رغم أن ذلك جعل غروب الشمس أكثر مجداً. كان قصر تينليان ـ قصر زيكي ـ ظلاً داكناً ضد نور النهار المحتضر، وسط مياه نوست دريم.
رؤية مزعجة، الآن وقد سمع بما حدث هناك.
«حسنًا»، سأل، حين انضم إلى إيليس في الجلوس بجانب النار، «ما رأيك في قصة مينيرفا؟»
«رأيي فيها؟»
بدت الساحرة مندهشة تقريباً بالسؤال.
«أنا... لم أفكّر طويلاً فيها. سوى أنها كانت شنيعة، ما فُعل. أنا...»
نظرت إليه، لفترة طويلة.
«أنا سعيدة جداً بموت هذه الملكة البيضاء»، قالت أخيراً، وكان هناك لطف في صوتها جعل مارتيميوس يشعر بإحراج عظيم وخزي.
تنحنح، وأبعد نظره عنها، عائداً للنار.
«إنها تأمل أن نستطيع رفع اللعنة، كما تعلمين»، قال.
«ماذا؟»
بدت مرتبكة حقاً بذلك. لقد ظن الأمر جلياً، من أسلوب العجوز. وربما نشأت حقاً في مستنقع، بلا أحد تتحدث إليه سوى أمها. لم تبدُ بارعة جداً في قراءة الناس.
«لا أعرف كيف تتوقع ذلك. نحن صغار، وهناك الكثير من الفن الذي لم نتعلمه بعد...»
«عامة الناس لا يفكرون في ذلك. من يمارس الفن، يكون كالحرفي؛ فلدينا نظرة للفن وأعماله، وهم لا يفكرون كذلك. فكر في إسكافي يبدأ صنعته للتو ـ فمن المرجح أن لديه الحس لتمييز حذاء جيد من سيء، والمعرفة لمعرفة واحد تتجاوز صنعته صنعته. ولكن أولئك الذين لا يمارسونها، يواجهون صعوبة أكبر بكثير. هكذا الحال مع معظم الناس والفن. هناك الكثير مما لا يمتلكون حسه، ليعرفوا ما قد يتعامل معه الساحر، وما هو شيء صنعه رجل ذو قوة».
اكتفت إيليس بالعبوس حيال ذلك.
«أعتقد أن بإمكاني تمييز حذاء جيد من سيء».
أطلق نخريراً، كاتماً إياه حين رمقته الساحرة بنظرة حادة، وكاد يمنع نفسه بصعوبة من إطلاق قهقهة مدوية. أيمكن للسااحرة تمييز حذاء جيد من سيء؟ كانت أحذيتها أشياء محزنة ومشوهة، جلود مدبوغة ممسكة ببعضها برباط من جلد الحيوانات. لم يعرف كيف تطيق المشي فيها. قد تكون صالحة، وبالتأكيد أفضل من لف قدميك بخرق على الأقل، وقد رأى ما هو أسوأ، لكنه ظن أنها لا تدير أمرها إلا بسنوات طويلة من اعتياد قدميها عليها.
«ينبغي أن تحصلي على أحذية ملائمة، ذات يوم»، أخبرها.
«حينها، أعتقد، على الأقل بارتدائك لها قد تعرفين الفارق».
«أحذيتي أحذية ملائمة»، تمتمت.
لكنها التفتت خلفها، لتنظر إلى حذائيها، ثم لتنظر إلى حذاءيه الأكبر حجماً والأفضل صنعاً، وحين التفتت مجدداً إلى اللهب بدت متبحرة في التفكير.
«حسنًا. ما لم تقم بمعرفة شيء لا أعرفه، فلا شيء نستطيع فعله للمساعدة في لعنتهم».
«لا أعرف»، أجاب.
«لو استطعت، لفعلت، من أجل الأطفال إن لم يكن لأجل أحد آخر، لكني لا أعرف ما يكفي لأكون متأكداً مما قد حدث».
نظر عبر البحيرة مجدداً، إلى ظل القصر.
«حتى بلا اللعنة، لربما رغبت في زيارته، لمعرفة ما عُثر عليه هناك من آثار الفن».
«وأخوك؟ أتركت تظن أنه ربما ذهب إلى هناك، حين كان هنا؟»
وحين لم يجب مارتيميوس عن ذلك، بعد لحظة، تابعت.
«ماذا كان أخوك يفعل هنا؟»
كان ذلك سؤالاً طاف في عقله مراراً وتكراراً، كذلك.
«هو... بعد الهجوم على بايكس غرين، انطلق مع بعض الأصدقاء لمحاربة الساحرة في الغرب»، بدأ.
وماذا بعد؟ في مدن ديرن الحرة، لم يكن سهلاً تعقب أثر أخيه. الكثير من الرجال القتلى، الكثير من المفقودين، والأرض متاهة لندوب المعارك والقبور بلا شواهد. لقد ظن، لفترة طويلة، أنه لن يجد أي دليل على ما حدث. وأنه سيعود للوطن بأسئلة بلا إجابات. لكن ترحاله قاده في النهاية إلى ديرنهولد، أو ما تبقى منها، الأطلال المحطمة لما كان مدينة يومآذ، حيث بدا أن المباني المحترقة والمدمرة تفوق عدد البشر الذين عاشوا فيها فعلاً.
هناك، لم تكن المشكلة أن أحداً لا يعرف أخاه. هناك، كانت المشكلة أن الجميع زعموا معرفته، ما إن حزروا أن أخاه حارب هناك، بلا طريقة لفرز الصادقين عمن أرادوا سلبه عملته المعدنية فقط. لكن أخيراً، بناءً على كلمات سكران مجنون، اتجه جنوباً من ديرنهولد، وصولاً إلى قرية كونغار في النهاية. ولم تملك كونغار أي إجابات له، لكنها امتلكت الأم بريس، وحكاية شيطان يمكنه توجيه السؤال إليه، حكاية قادته إلى غابة الطريق الواحد.
لقد تساءل دائماً، طوال الوقت، عما إذا كان لديه أثر حقاً، أم إنه كان يطارد شائعات وأشباحاً. ولهذا ذهب إلى الدولميك، في النهاية، على أمل في إجابات. وكان اكتشاف أنه كان على أثر أخيه حقاً مصدر ارتياح. لكن حتى الآن لا يزال جزء منه يتساءل عما إذا كان الشيطان قد وجد طريقة ما للكذب. فلأي شيء كان أخوه يفعل هنا؟ ماذا كان يفعل رجل حارب الملكة البيضاء برحلة إلى أراضي وهو لا تزال الحرب مستعرة؟
ماذا ستظن في أي رجل آخر، مرّ للتو من فكي مذبحة، والآن يركض نحو العدو بأذرع مفتوحة؟ لكن ذلك لم يكن شيئاً يستطيع مارتيميوس تقبله. لم يستطع رؤية أخيه يتحول إلى خائن. لم يستطع رؤية ذلك حتى يطرق عقله. لكن لِمَ إذن أتى أخوه إلى هنا...؟ أأتى إلى هنا؟ لم تكن هناك أي إشارة، أي دليل على أنه أتى أصلاً. كل هذا ما زال مستنداً على كلمة شيطان.
«مارتيم؟»
انتفض مارتيميوس خارج سهوه. كانت إيليس تحدق به من عبر اللهب، بادية مرتبكة.
«عذراً»، أخبرها.
«ضعت في أفكاري، أظن. لربما أغواه زيارة القصر، ربما، لكن ليس، على ما أعتقد، إن علم من كان هناك. لا أعرف ما كان يفعله هنا، لكني أظن أن غايته في هذه الأراضي كانت البقاء مخفياً قدر الإمكان».
كان مزعجاً عدم رؤية القصر، مزعجاً عدم النظر تحت كل حجر، لكن مواصلة البحث في المزارع، في الواقع، قد تكون الأفضل. قال الدولميك إنه أتى إلى سيلفرفيش، لكن من يدري كيف يفكر شيطان في المساكن البشرية؟ ربما لم يأتِ أخوه إلى القرية قط بالشكل الصحيح. ربما لجأ إلى مزارع متعاطف، أو أخفى نفسه في مزرعة مهجورة.
أمل ألا تكون هذه هي الحال، مع كثرة ما بدا منها مغطى تماماً بكرمات الشوك الأسود "دم الجثث".
أسيصل به الأمر لاضطراره للعمل بنفسه على حرقها، لمجرد رؤية حظيرة قد تحتوي أو لا تحتوي على أثر لأخيه؟ لم يكن يستسيغ الفكرة. هذا، على الأقل، ما فكر به في الجزء من عقله الذي يزن، ويحذر، ويسعى وراء الدرب الأكثر ترجيحاً. لكنه عجز عن منع تذكر كلمات المحطم في البئر، في مزرعة فاليري، بأنه سيكون أداة لانتقامه. وصوت ضاحك في مؤخرة عقله يهمس له بأن القصر يدعو، ولن يغادر هذا المكان قبل زيارته.
لكن في هذه اللحظة، دفن هذه اللحظات؛ لم تكن لديه رغبة في اعتبار نفسه الخادم غير الواعي لبعض القوة القديمة، ولم يكن هنا للمجازفة بحياته من أجل خلاص سيلفرفيش. أدرك أنه ظل صامتاً لفترة غير قصيرة مجدداً، ضائعاً في أفكاره مرة أخرى. عبر اللهب، كانت الساحرة تحدق به مرة أخرى، لكن تعبيرها كان عصياً على القراءة هذه المرة.
«ينتابني انطباع بأنك تخفي أسراراً عني، أيها الساحر»، قالت، بصوت بالكاد يعلو الهمس.
«يجب أن تدعيني أحتفظ ببعض أسراري»، أخبرها.
«ما الساحر بلا أسرار؟ وبصرف النظر عن ذلك، أنا متأكد أن لديك أسرارك الخاصة».
لقد قال ذلك من باب المزاح، وظن أنها قد تتفاعل بغضب. عوضاً عن ذلك، احمرت وجنتاها وبدت خجولة، رامية بعينيها نحو الأرض.
«سأريك سرا»، قالت بعد لحظة، وتحركت لتركع بجانب ملابسه المجففة