رحلة الغرب، في الظل الفصل 11 — نهاية الطريق

اقرأ رحلة الغرب، في الظل الفصل 11 — نهاية الطريق باللغة العربية على مانجا تايم.

الجزء الثاني: القرية الملعونة ١١.

نهاية الطريق أنهيا مدة إقامتهما في مخيمهما تحت شجرة الصفصاف على أطراف الأراضي الزراعية المجاورة لقرية «كروس-أون-غرين»

لمدّة يومين إضافيين، لكي يلتئم كاحل «إليز»، وتتعافى جروح «مارتيميوس»

أيضاً.

راودته أحياناً فكرة التوجه مباشرة نحو «سيلفرفيش».

لم تكن بعيدة الآن، أو هذا ما أخبره به «فليت».

استطاع مألوفه رؤية البحيرة الكبيرة «نُست دريم»

من الجو، بل ورأى المباني المتجمعة على ضفتها وظنّها القرية التي يبحثان عنها. لكن المسافة كانت أبعد من أن يحمل فيها الساحرة على ظهرة إن عاودت إصابة كاحلها. كلا، الشفاء أولى من السفر المبكر. وكانت هناك اللعنة أيضاً.

تحدث «الدولميك»

عن لعنة، مع أن الشيطان لم يلمح قط إلى طبيعتها.

لكن مجرد التفكير فيها جعل «مارتيميوس»

يرى أن المكوث هنا بجوار المياه الهادئة وفي بهاء ألوان الخريف ليس سيئاً البداية. كانت الطرائد وفيرة هنا، ولم يبيتا قط بلا لحم ليطوياه في الليل، وكانت النعمة تحل بالريف في هدوء تام.

بعد الرحلة الموحشة عبر غابة الطريق الواحد، كان من الجيد أخذ القسط الوافي من الوقت في مكان يعمّه السالام، قبل أن ينطلقا حتماً نحو حيث يعلم «مارتيميوس»

تماماً يكمن الظلام.

لم يخبر «إليز»

بأمر اللعنة، وما زال يفضل كتمان الأمر. كانت الساحرة شديدة الفضول، وستود معرفة سبب إصراره على دخول قرية ملعونة، وهو لا يزال يرفض إخبارها. لقد كانت نعمة حين عثر عليها صدفة في غابة الطريق الواحد. نعمة قائمة بالفعل، فمهارتها في التطبيب جعلت الجروح التي كادت تتقيح نظيفة، والتئامها تسارع حتى صار ما يستغرق أسابيع يتم في أيام.

مع ذلك، ظل «مارتيميوس»

يظن أنه بمجرد أن يعثر في القرية على ما يحتاجه، فإنه قد يتركها خلفه. لم يكن متلهفاً لذلك، بل إن طريقه طويل، ومن المحتم أن تفترق دربهما في مرحلة ما.

مع فجر يومهما الثالث هناك، لم يبقَ من جروحه سوى قشور، وبدت «إليز»

نشيطة أتم نشاط. انطلقا مع تباشير الفجر الأولى، متجهين جنوباً مرة أخرى على طول طريق الحجارة القديم. بدت الساحرة في مزاج رائع، تضج بالضحكات والابتسامات، وربما شجعها كونها قادرة على المشي مجدداً بلا صعوبة. مع ذلك، احتفظت بالعصا التي أعطاها إياها لِتتّكئ عليها عصاً من غابات الجن. قالت إنها تذكار، رغم أنه ظن أن من أراد تذكاراً من عالم الجن لكان بمقدوره إيجاد ما هو أفضل بكثير من مجرد عصا.

أما «مارتيميوس»، فبقي صامتاً يراقبها.

ما زال لا يدري إن كان يصدق ما أخبرَتْه به، من أنها نشأت معزولة داخل مستنقع على يد ساحرة ذات سمعة مظلمة، وظلت على تلك العزلة، وخاصة عن الرجال. رغم أنه افترض أن الأمر ليس مستبعداً تماماً. كانت شخصية غريبة، وقد يفسر ذلك شيئاً من غرابتها. انتابته ومضة خافتة من القلق عليها إن كانت صادقة. فإن كانت بهذه السذاجة في التعامل مع البشر، فقد يجر عليها ذلك المتاعب.

وقد يجر عليه المتاعب هو الآخر إن ظل رفيقها في «سيلفرفيش».

كانت الأراضي التي تمر أمامهما تشبه تلك الواقعة خارج «كروس-أون-غرين»، أراضٍ زراعية مهجورة وطالها الإهمال، مع أن المزارع في مرحلة ما لم تعد محروقة بل ظلت قائمة.

تساءل عما إذا كان ذلك يمثل الحدود الرسمية بين «كروس-أون-غرين»

و«سيلفرفيش».

حين جاء قتلة الملكة البيضاء لإحراق المزارع، كيف قرروا أين يتوقفون عن القتل؟ كانت الأراضي الزراعية تتداخل بسلاسة بلا فاصل يذكر. ورغم أن هذه البيوت الريفية ما زالت قائمة، كانت حقولها مهملة تماماً. ومما زاد الأمر غرابةً هو انعدام أي تفسير لهجرها.

انحرف «مارتيميوس»

عن الطريق ليرى ما يمكنه العثور عليه في أحد تلك البيوت، وهو منزل ريفي صغير من الآدم الأبيض والبني ذو سقف من القش، وتتبعته «إليز»

عن كثب. كان السقف ينهار وبحاجة ماسة للإصلاح، لكن المنزل بدا سليماً بشكل مدهش بخلاف ذلك. قد يشكل هذا بيتاً صالحاً للعيش إن تطوع من يأخذه ببذل القليل من الجهد، ومع ذلك كان مهجوراً كلياً ومنذ فترة، وتصاعدت سحب كثيفة من الغبار بمجرد أن دفع الباب.

قالت الساحرة وهي تسعل وتلوح بقبعتها عريضة الحواف أمام وجهها لتبديد الغبار: "من الغريب رؤيته فارغاً هكذا، أليس كذلك؟"

كان سؤالاً صادقاً.

فأجابها: "بلى".

لم يكن داخل المنزل سوى طاولة خشبية بالية ومخدوشة تُركت مهملة على الأرض. أغلق الباب وهو يهز رأسه.

"قد لا يكون غريباً رؤية مزرعة أو مزرتين مهملتين في بعض الأماكن، ولكن ليس بهذا العدد الذي رأيناه اليوم".

فكر في نفسه: ملعونة، ومتروكة، ومقفرة، لكنه آثر الصمت.

وتساءل فجأة عما إذا كانوا سيجدون أحداً يعيش في «سيلفرفيش»

من الأساس.

لعلها مهجورة تماماً مثل «كروس-أون-غرين».

أمل ألا يكون الأمر كذلك. كان عليه جلب المؤونة.

بدا أن منظر المنزل الخالي قد أطفأ بهجة «إليز»، فسافرا بعدها في صمت.

لقد ألقى منظر الحقول الفارغة والبيوت الخالية المقبض ظلالاً كئيبة على رحلتهما وملأ نفوسهما بالقلق. وتفاقم الأمر مع بدء تغير طبيعة الأرض. إذ لم تعد الحقول تبدو بعد قليل مجرد أراضٍ مهجورة تغطيها الأعشاب وتحولت إلى مروج.

كلا، بل كانت تختنق، تختنق بنبتة الشوك الأسود المتعرجة التي خنقت شجرة البلوط في ساحة «كروس-أون-غرين»، تلك الكروم المظلمة الغريبة المجهولة ذات الأزهار الحمراء القانية.

بدت في البداية حين لمحاها وكأنها أثخن بقليل مما تنبت في أماكن أخرى. لكنهما ما لثيا أن شاهدا غابات من الأشواك، وتشابكات من الكروم بحجم منزل، ثم وجداها تزحف فوق الجدران الحجرية الواطئة، وتقتلع طوب البيوت المهجورة وتتسلل عبر النوافذ. ثم مرّا بحقل كامل ابتلعته بالكامل، بلا أثر لأي مبنى كان قائماً هناك، سوى كروم شوكية تتمايل في ريح عاتية ونوح، وقد نمت حتى تجاوزت قامتهما.

كان كل من «مارتيميوس»

و«إليز»

قد هاما خارج الدروب في الغابات من قبل، وكانا يعلمان كم يمكن لشجيرات الشوك أن تنمو بكثافة حيث لا يمش البشر، لكن هذا تجاوز كل ما رأيناه قط.

كانت الكروم تقتلع الأشجار، وتلوح فوق الجدران الحجرية والأسوار المتهالكة التي تفصل الأراضي الزراعية عن الطرق، وأخيراً نمت عبر الطريق نفسه، متدلية نحو بعضها البعض فوق الحجارة المرصفة، متشابكة ومعقودة بكثافة اضطرت «مارتيميوس»

في النهاية إلى إخراج سيفه ليشق لهما طريقاً وسطها. وحين فعل، نزفت الكروم المقطوعة صمغاً أسود، بغزارة صنعت بركاً على الأرض، وفوحت منها رائحة الموت.

زمجر قائلاً: "تباً!"، وهو يشد عباءته بينما حاولت الأشواك الإمساك بها.

بدا الأمر وكأنها تنمو وتلتحم خلفهما فور عبورهما. لم يطق فكرة ملامستها له، ولم يكن السبب مجرد أشواكها. ولم يكن وحده من يفعل ذلك؛

إذ رفض «سيسل»

حتى السير وسطها، منتظراً حتى يُشق له ثقب ليجمع نفسه ويقفز من فوقها قفزة جبارة.

ورفض «فليت»

الهبوط عليها ولو للحظة واحدة.

وبدت «إليز»

الوحيدة غير منزعجة، فاكتفت بالعبوس وهي تنخس السائل الذي تركته بعصاها، ثم انحنت لتتحسسه بأصابعها وسط ذهوله. لم يدر كيف تحتمل لمسه.

سألت بصوت خافت وعيناها الزرقاوان المظلمتان تستقران عليه في قلق: "لماذا لا يرسلون من يزيل هذا عن الطرق؟ منذ متى والأمر هكذا؟"

كانت الفكرة ذاتها التي تدور في خهنه. من الواضح أن أحداً لم يكلف نفسه عناء السفر في هذا الاتجاه منذ فترة.

ألا يوجد في «سيلفرفيش»

أحد يرتادها للتجارة؟ حتى أتفه القرى تشهد عابر سبيل من حين لآخر. إلا إذا كانت مهجورة كلياً.

ولعل هذه الكروم الخانقة للأرض هي اللعنة التي تحدث عنها «الدولميك».

أجابها: "لا أعلم".

واصلا المشي. ازداد الجو برودة، وبدأ ضباب يلف الأرض، كأن السماء الرمادية الباهتة قد هبطت لتحضن التراب. كانت الأشجار هنا أقل أوراقاً. وفي حين كانت أشجار غابة الطريق الواحد في أوج لهب الخريف، بدت هنا سوداء وهيكلية، بينما تنتزع الريح آخر الأوراق الميتة البنية من أغصانها. بدأ ضوء النهار يخبو حين صادفا أول أثر للحياة. منزل ريفي لم يكن حقلة مفعماً بالشوك، بل كان محروثاً بنشاط، ومملوءاً بتلال من اليقطين والقرع.

امرأة ترتدي فستاناً صوفياً أسود طويلاً، وقد لوثها العمل، منحية فوق بئر قديمة في الركن البعيد للحقل، نحيلة كالقضيب ومحدبة.

توقفا لمراقبتها من الطريق بعض الوقت قبل أن يهتف «مارتيميوس».

صاح قائلاً: "أيتها المرأة!"

ثم أردف: "كم تبعد «سيلفرفيش» الآن؟"

لكن عندما نهضت المرأة، كان رأسها مغطى بكيس خشن من الخيش، وقد قطعت منه بضع ثقوب للعينين والفم. لم تجبهما. بل وقفت ساكنة لا تتحرك بينما كانا يمران بجانبها. وحين لوحا لها، لم ترد التلويحة. وما إن أدارا وجهيهما عنها حتى دوى صوت إغلاق باب بقوة، وحين التفتا للخور لم تعد واقفة في حقلها، وتمايلت الستائر عند أحد نوافذ المنزل الريفي.

سألت «إليز»

بصوت بالكاد يجاوز الهمس، كأن المرأة قد تسمعهما: "ما عساه يكون علتها في وجهها؟ ألهذا السبب رفضت التحدث إلينا؟"

لم يكن «مارتيميوس»

يدري، ولم يكن واثقاً من أنه يرغب في معرفة ذلك. لقد نخر الخوف الهادئ معدته حين رأى تلك المرأة، وسرّه أن ابتعدا عن المزرعة. ثمة شيء فيها أثار اضطرابه، ولم يستطع تسميته. لقد تفاجأ قليلاً لرؤية أي شخص يعيش هنا أساساً، لكن الفكرة خطرت له. معظم البشر في هذه الأراضي لا يخافون الفن. هناك من يرتابون منه، لكن الأغلبية لا تكرهه. غير أن هناك قرى، منعزلة عن بقية العالم، يتأصل فيها بغض حقيقي للفن، وللسحرة والساحرات، مما يجعل أهلها يتخلون عن أفكار اللياقة والتحضر.

استاب له هو التنكر بزي مسافر عادي، و«فليت»

كان غير لافت للانتباه بما يكفي.

أما «إليز»، بقبعتها و«سيسل»

وهو يمشي بجانبها بطريقة لا تفعلها أي قطة عادية، فكانت تمارس الفن جهاراً نهاراً، وقد أخبرها بذلك.

"لعل الأفضل أن ترفعي قبعتك، وأن يسير «سيسل» بعيداً عنك، حتى نعرف توجهات هؤلاء القوم على الأقل".

أطلقت «إليز»

تنهيدة ساخطة، وبدا «سيسل»

ناظراً إليه بعينين صفراوين مسطحتين، كأن القط يزن أمر الوثوق به وتركه وحده مع ساحرته، لكن صاحبته أدركت حكمة الأمر. تخللت أصابعها شعرها الطويل المتشابك فنزعت قبعتها بلطف ودستها داخل رداءها، مسقطة منها الأغصان والأوراق العالقة. لم يكن من حيلة لثوبها الغريب الممزق – وإن كان الناس يضمرون حقداً حقيقياً للفن فسيرون في أي شذوذ علامة على السحر الأسود – لكن هويتها على الأقل لم تكن فاضحة بوضوح أعمى الآن.

وأخيراً، حين شرعت الشمس في رحلتها نحو الأفق، بلغا القرية ذاتها.

مثلت ضفاف بحيرة «نُست دريم»

الصافية واللطيفة أمامهما، وزحف الضباب من فوق المياه الراكدة.

استقبلهما لافتة أثناء تقدمهما نحو تجمع المباني على ضفاف البحيرة، متأرجحة بلطف في النسيم، ومحدثة صريراً: كُتب عليها ببساطة «سيلفرفيش»، مع رسم لسمكة بدينة غريبة أسفلها، ببطن أبيض وشاربين وظهر فضي يلمع.

على الأقل، بدا وكأن السمكة كانت فضية يوماً ما. وما زالت تلمع في بعض البقع، لكن الطلاء الباهت تقشر أو اضمحل في معظم الأماكن. وتسلق الشوك الأسود العمود الذي يحملها. كانت المباني هنا مبنية من نفس الطوب البني الفاتح والأبيض الذي شوهد في مزارع الريف، لكن الأسقف كانت من شرائح خشبية تبدو وكأنها طليت ببراعة بالأخضر والأزرق يوماً ما، رغم أنها بدت باهتة ومتهالكة كالكل هنا.

وحين مرا عبر القرية، لم يسعهما إلا ملاحظة أن أغلب المباني حتى هنا تبدو وكأنها هُجرت منذ سنوات – منازل ومتاجر على السواء. غير أن هناك رصيفاً بحرياً يمتد داخل البحيرة، بل وبضعة قوارب تجديف صغيرة مربوطة هناك. لم يكن هناك صبي في الشوارع، رغم بقاء وميض من ضوء النهار. والأثر الوحيد للحياة كان دخاناً أزرق يتصاعد من مداخن بضع منازل. وقد زحف الشوك الأسود حتى أطراف القرية ذاتها، ليبلع حتى بضع منازل قائمة غير بعيدة عن بقية البيوت.

بدا الأمر كله محاطاً ومحاصراً، كأن المباني نفسها تتراص ببعضها البعض اتقاءً لما يلتهمها ببطء. بدا غريباً دخول قلب قرية بلا أن يرحب بهما أحد. من الواضح أن القليلين باتوا يعيشون هنا مقارنة بمن كانوا فيها قديماً.

لكن هذه لم تكن «كروس-أون-غرين»، المحروقة والمدمرة؛

فالناس ما زالوا يعيشون هنا حقاً، ومع ذلك لم ينطق أحدهم بكلمة للغريبين اللذين دخلا وسطهم. تساءل عما إذا كانا مراقبين. أقسم أنه رأى حركة خاطفة بطرف عينه، واتجهت يده إلى سيفه.

لكن «إليز»

نظرت إليه باستفهام، وحين نظر لم يجد شيئاً. كان طريق الحجارة يخترق مركز القرية وينحني ليمضي ملتفاً حول حافة البحيرة.

وحين اقتربا من الضفاف المليئة بالقصب الذهبي الطويل، تراءى لهما أن جزيرة ترتفع على مسافة ما داخل مياه «نُست دريم»، وليست بعيدة جداً.

كانت تعلو فوق ضباب سطح البحيرة، وقائم عليها بناء حجري قديم، غليظ ومظلم. لم تكن طرازا أوريلياً – فمباني أولئك كانت دائماً فخمة، متطاولة نحو السماء، رقيقة ومهيبة في آن، بدعائم محلقة وأقواس عظيمة، وأعمال حجرية دقيقة التعقيد. كان هذا أبسط، بحجارة غير منقوشة وعواميد غليظة، تعلوها أبراج قصيرة مقوسة، لكنه ظل مؤثراً بطريقته الخاصة. بدا وكأنه نوع من القصور المهيمنة على تل الجزيرة، بل قل قلعة.

لا بد أنه قديم. فلا أحد هذه الأيام يبني مثله. وكان ما يمتد داخل البحيرة نحو الجزيرة بقايا مكسورة لما لا بد أنه جسر كان يربطها باليابسة. قوس هنا، وعمود حجري مكسور لزج بطين البحيرة هناك. عابرا القرية بأكملها في نهاية المطاف، متبعين الطريق حتى التوى متوغلاً في البرية مرة أخرى. وهناك، تماماً عند حافة ما ظنا أن القرية تنتهي عندها، ظهر بناء عجيب آخر. من نفس العمارة الغليظة والحجر الجيري الكثيف للقصر الذي رأيناه على الجزيرة، لكنه كان أصغر بكثير، بحجم منزل، وبُنِي بطريقة غريبة فنصفه في البحيرة ونصفه الآخر على اليابسة، رغم أن ذلك بدا متعمداً تماماً – فلم يغرق في البحيرة على مر السنين بمحض الصدفة.

كانت عواميد غليظة تغطس في الماء لدعمه. وكان خالياً من الشوك الأسود الذي كان يزدحم حول كل المباني الأخرى هنا على الأطراف، إذ لم ينمُ أي منها ضمن مسافة عشر خطوات منه. ولم يكن له مدخل أيضاً، بل مدخل واسع الأقواس تحت شرفة عظيمة، وبدا داخله وكأنه كهف واسع، رغم صغر حجمه. النصف الخلفي منه الغاطس في البحيرة كان مكشوفاً أيضاً، بحيث يتدفق ماء البحيرة إلى حوض متبطن بالبلاط في الداخل، وبدا الأمر أشبه بمغارة صغيرة.

وسط الحوض، نصب مذبح حجري صغير وبسيط يعلو فوق الماء، وعليه تقبع أيقونة، تمثال فضي لامرأة جميلة بذيل سمكة من الخصر صاعداً، تبتسم بسكينة وطمأنينة للمياه حولها. وهناك رجل.

لم يكد «مارتيميوس»

يلاحظ الرفيق إلا بعد أن دخل البناء، لشدة هدوء الرجل الذي انزوى جانباً في الظلال. كان راكعاً ويداه على ركبتيه، وملابسه البسيطة المتمثلة في قميص صوفي وسروال فضفاضين أكثر مما ينبغي، وكان نحيلاً للغاية. كان الرجل يحدق في التمثال الفضي على المذبح بسكون وهدوء، لكنه التفت حين سمع وقع خطوات تقترب.

قال بصوت مرتجف بعض الشيء: "أهلاً. أهلاً. لا أظن أنني التقيت بكما من قبل".

أجاب «مارتيميوس»

ببطء: "ولا أنا أظن ذلك".

كان في أمر الرجل ريبة. وارتسمت على وجهه تعابير حيرة لطيفة. لم يكن عجوزاً، لكنه يوحي بأنه كذلك، كشخص فقد صوابه وصار يرى الحياة عبر غشاوة. حتى شعره كان أخف بكثير مما ينبغي لسنه.

رف جفنا «مارتيميوس»

بدهشة حين تقدمت «إليز»

بخطوات جريئة متخطية إياه، غير آبهة بالرجل ودون انتظار لدعوة. لكن الرجل لم يبدُ منزعجاً، بل اكتفى بالنظر إلى الساحرة ببلادة بينما كانت تلقي نظرة حولها، مستحسنة فيما يبدو ما تراه.

تتبعها «مارتيميوس».

كان الجو دافئاً بشكل مدهش داخل هذا البناء المفتوح. كانت جمرتان متقدتان بفحم حار تقفان في الزاوية، والحجر الكثيف يحتفظ بحرارته بحيث عجز الريح عن إدخال برودة الخريف إلى العمق.

قال للرجل: "نحن زائران لقرية «سيلفرفيش»، غير أنه يبدو أن القليلين يعيشون هنا الآن. لقد مشينا طول قريتكم وأنت أول روح نراها".

أجاب الرجل كأنه لا يستوعب حقاً: "أه".

ونهض متثاقلاً على قدميه. كان وجهه طويلاً وأحمر، كأنه محروق بالشمس، وبدت عيناه الداكنتان مبللتين دائماً، كأنه على وشك البكاء طوال الوقت. كان شعره بلون الرماد، وقصيراً، وتظهر فروة رأسه عبره في بقع.

وعندما نهض، اتضح أنه كان أنحف حتى مما ظنه «مارتيميوس»

في البداية.

نحيل لدرجة جعلته هو و«إليز»

يتبادلان نظرات قلقة. أكانت المجاعة هي ما قضى على هذه القرية؟ كانت ضلوع الرجل تبرز بوضوح عبر قميصه. لكن خلفه، على الأرض، وُضع طبق من الفخار وعليه قطعة خبز وحتى بعض لحم السمك، وكأس من الماء. وكانا موضوعين بلا مساس.

قدم «مارتيميوس»

نفسه و«إليز»، وكاد يقفز للأمام حين تمايل الرجل.

لكن الرفيق بدا وكأنه جمع شتات نفسه قليلاً في النهاية. استعاد توازنه، وثبتت عيناه عليهما كأنه يراهما للمرة الأولى.

قال باعتذار: "أرحب بكما... عذراً لأني أول من يلتقي بكما".

التفت حوله، ورفرفت أكمامه الفضفاضة حين سقطت ذراعاه بجانبيه في حركة آسفة: "«سيلفرفيش» ليست... كما كانت من قبل".

أرخى «مارتيميوس»

كتفيه وأطلق نفساً محبوساً. لقد سرّه أن الرفيق يستطيع نطق كلام معقول. بدأ يتساءل عما إذا كان مجنوناً، والمجانين قد ينفجرون في عنف مفاجئ، مهما بدوا رثين.

سألت «إليز»

فجأة: "ما هذا المكان؟ يا له من بناء صغير غريب ومفتوح هكذا".

أجاب «فيلين»

وقد سرت على وجهه ابتسامة أوسع من أن تُريح: "هذا... معبد، على ما أظن".

ولوح بيده نحو تمثال نصف السمكة ونصف المرأة الراقد على المذبح: "لسيدة المياه الهادئة".

نظرت «إليز»

إلى «مارتيميوس»

مجدداً، فهز كتفيه من غير أن يراه «فيلين».

لم يسبق له أن سمع بسيدة المياه الهادئة، رغم وجود أماكن كثيرة لها ملوكها الصغيرة الخاصة بها. رغم أن وجود معبد يعد أمراً غير مألوف في قرية بهذا الصغر، بحسب حسابه على الأقل. هو نفسه لم يرى قط بناية مخصصة للعبادة إلا حين زار بلدة أكبر.

كان «فيلين»

يحدق في التمثال بشغف مرة أخرى.

تنحنح «مارتيميوس»

وقال: "كنت أتساؤل عما إن كان هناك نزل في القرية، أو إن لم يكن، فمن يستضيفنا؟"

لم يسبق له أن رأى قرية تخلو من نزل صغير يضم غرفتين على الأقل. وبالمثل، لم يسبق له أن كان في قرية مهجورة كهذه. فكر ببساطة في الاستقرار في أحد المنازل المهجورة، لكن أي صاحب نزل قد يغتاظ من حرمانه من الزبائن، وكان يرغب في نيل رضا أهالي القرية إن أمكنه ذلك. فقد يحتاجهم للعثور عما يبحث عنه، وصاحب النزل قد يكون أكثرهم مساعدة.

أومأ الرجل النحيل برأسه، وبدا حريصاً على المساعدة لدرجة جعلت «مارتيميوس»

يشعر بالذنب لسوء ظنه به قبل قليل.

أخبر الرفيق أنهما بحاجة إلى الاتجاهات فحسب، لكن «فيلين»

أصر على مرافقتهما إلى هناك.

أعادهما من حيث أتيا، وأثناء الطريق راحت «إليز»

تمطره بالأسئلة عن الشوك: "كيف صار بهذا السوء؟ هل ينمو بهذه السرعة؟"

رمش «فيلين»

بوجهه: "أنا... لا أظن أنني انتبهت".

التفت حوله عابساً نحو الكروم الشوكية الزاحفة عبر الحدائق والساحات.

أجابت الساحرة بعدم تصديق: "إنه يقتلع مزارعكم وبيوتكم يا رجل! كيف لم تلاحظ ذلك؟"

"أنا... كنت صائداً، لست مزارعاً".

إن كان «فيلين»

قد استاء من نبرة «إليز»، فلم يظهر أي علامة على ذلك.

كان هادئاً كالبحيرة.

"ظننت أن الأمور تتكاثر وتنمو، ولكن..."

ابتسم، لكن الألم بدا جلياً في ابتسامته: "هذه هي حال الأمور هنا. تماماً كما يجب أن تكون".