10.
استراحة قصيرة قال مارتيم بضحكة وهم ينطلقون في الدرب جنوباً: "أهل الترحال. جميل أن نراهم هنا. والمحزن أنهم يقصدعون غرباً. رفقاء طيبون على الطريق".
سألته إليز: "أتعرف هؤلاء الناس؟ لم أره قط من قبل".
"ألم تريهم قط؟"
رمقها بنظرة فاحصة وغريبة بعض الشيء.
"سمعت أنهم يزورون كل أرض. يسمون أنفسهم تجاراً، وما حملوا سوى الخردة، وقليلاً ما يحملون شيئاً نافعاً. ولا أظن أنني سمعت يوماً أنهم باعوا أحد خيولهم، رغم ما يزعمون أنها أفضل الدواب. لكن المرء يجد بينهم شيئاً طريفاً بين الحين والآخر".
قالت وهي تحشر عصاها تحت إبطها لتخرج الضفدع السمين: "لقد أهدوني هدية".
اهتم الساحر به كثيراً، وقضيا وقتاً يتناقشان فيما قد يكون عليه السحر الكامن فيه. ورغم كل تخميناتهما، لم يقتربا من معرفة كنهه، سوى أن مارتيم أصرّ على أن التعويذة تؤدي أكثر من غرض. صمتا قليلاً حين اقتربا من أطراف البلدة، حيث تشير جذوع السور المحترقة والمتحطمة إلى الحد بين كروس-أون-جرين والأراضي الزراعية المحيطة بها. بدا صوت عصاها وهي تقرع الحجر كأنه يبرز الصمت بينهما، ولسبب عجزت عن تسميته، أصاب الإزعاج إليز.
سألت الساحر بعد لحظة: "إذن، لماذا اخترت أن ننقل معسكرنا؟"
"بدا لي النوم قرب جدول ماء أفضلى من الحجارة الصلبة، ولم يعجبني نومي البارحة. ولماذا حرصت كل الحرص على ألا يستريح التجار في البلدة؟"
تلك هي طريقته المراوغة في الإفلات من الأسئلة وتحويل مجرى الحديث عما تبغيه. تجيب عن سؤاله، فيلقي عليها سؤالاً آخر، وقبل أن تنتبه يصيران إلى حديث آخر تماماً. ليس هذه المرة.
انبرت قائلة: "رأيتك البارحة يا مارتيم".
ثم قطبت حاجبيها. بدا صوتها أقسى مما قصدت.
"رأيتك... تحوم في الساحة. ماذا كنت تفعل؟"
كانت ترمق الدرب أمامها، وحين صمت التفتت نحوه، لتجده مذهولاً شاحب الوجه، يحدق بيأس في الطريق.
قال أخيرًا حين ظنت أنه لن ينطق بحرف: "كنت أهيم في حلم. هذا ما أظنه فحسب".
احمرّ وجهه وأشاح بنظره عنها.
"لم أرد إزعاجك. ليتك لم تريني".
بدا شائخاً من الخرام، خافت الصوت، منكسر الهيئة، حتى كادت تشعر أن عليها طي الموضوع هناك، لشدة ما بدا كارهًا للخوض فيه.
واصلت الضغط: "لست واثقة أنك كنت تهيم في حلم فحسب".
أخبرته كيف توجهت إلى الشجرة، وحاولت استقراء لغة الشجر منها، وكيف وجدتها ملتتوية على نحو منكر. أصغى مارتيم، في البدء باستفهام - إذ لم يكن يعلم أنها تملك لغة الشجر - ثم استسلم لصمت مطبق كلما تحدثت عما شعرته من ارتياح الشجرة لشيء مظلم في جوف الأرض.
ختمت حديثها: "لا أظن الشجرة كانت... كما يجب أن تكون. أخشى أنها استدرجتك، وما كان الأمر هياماً في حلم قط".
قال الساحر ببطء: "قد يكون ذلك".
كان يعبث بطرف وشاحه الأحمر بين أصبعيه، يقطف خيوط الصوف.
"في مكان شهد كل هذا الذبح، لعل عوالم الأموات اقتربت هنا... ولكن لماذا...؟"
طبق على فكيه واشتد وجهه صرامة.
"حسن إذن أننا نغادر هذا المكان".
حسن حقاً. لم تكن إليز تعلم الكثير عن عوالم الأموات - وتلك معرفة لا يحيط بها إلا القليلون. تذهب الروح إلى عوالم الأموات عند الموت، إلا أن تكون شريرة فتصير إلى الجحيم وعقاب العجوز الشرير. وصف البعض عوالم الأموات بالسلام لتلك الأرواح الوافدة إليها، بينما حكت قصص أخرى أنها غريبة، ومجهولة، وتضج بالأشياء الخطرة. لكل رأيه فيما يكمن وراء الحجاب، وظن كثيرون أنه لا سلام بعد الموت.
لا أحد يعلم ييقين. إلا المشعوذون، ربما. تركت الساحر في صمت لبرهة تغرقها الهواجس، وركّزت على المشي بخفة قدر المستطاع على كاحلها. لم يعد سيئاً كالسابق، وقريباً لن تشغله بالاً البتة. تنفست الصعداء ورمقت السماء. مع خفة الأشجار هنا، رأت الشمس الغاربة برتقالية ساطعة، تهوي نحو الأفق وتصبغ الغيوم بظلال وردية ناعمة. غروب جميل، يبعث فيها أمنية القبض عليه والاحتفاظ به إلى الأبد.
بعد حين، سلك مارتيم درباً ترابياً عبر حقل - حقل مزارع آخر عاد برياً، وما عاد فيه سوى هيكل بيت محترق تكسوه الكروم - وقريباً وصلا إلى ضفة جدول تحوطها الأشجار. إن كان هو الجدول نفسه الذي ادعاه الجني لوب ملكاً له (والأرجح أنه هو) فقد ازداد قوة منذ آخر مرة عبراه فيها، وربما رفدته جداول أخرى فصار أسرع جرياناً وأعمق. الموضع الذي اختاره للمعسكر وقع تحت أغصان الصفصاف الذهبية المنسدلة.
اصطاد الساحر ثلاث حجلانات لوجبتهما، واصطاد سيسيل سنجاباً وأرنباً آخر. سيكون النوم هنا ألطف بكثير، مع خرير الجدول القريب والأرض الناعمة بدل الحجارة. جلست على العشبة وبسطت عصا الجني على ركبتيها، مسرورة بمفارقة قدميها للأرض. اقترب منها سيسيل واستقر في حجرها بضراوة، يخرخر بعمق، مسروراً بعودته إلى جوارها. طفقت تتابع مارتيم وهو يعد نار المخيم، ومسخاة لاثنين من الحجلانات، بعد أن نتفهما وجهزهما للطهي.
وبينما كانا ينضجان، راحت تتمرن على الشفاء، وحاول الساحر مجاراتها، لكن جهوده باءت بالفشل. ولم يكن ذلك غريباً. موسيقى الجسد، وأغنية الدم الحمراء الجارية في العروق، والدم والعظم والعضل والأوتار وهي تتناغم معاً لتصلف سيمفونية كبرى، ليست شيئاً يسهل سماعه. ينبغي للمرء تدريب حواسه عليها. ونادراً ما تكون أول ما يتعلمه الساحر أو الساحرة في رحلتهما مع الفن، بل ولا حتى من مبكراته.
وغالباً، بحسب ما سمعت، حتى أولئك الذين أتقنوا فن الشفاء لا يبلغونه إلا في خريف العمر. إن معرفة بعض حيل الفن الأخرى، وشيئاً من طبيعة السحر، يعين على تعلم فن الشفاء المعقد. الأمر اختلف معها. فقد ملكت موهبة فطرية لسماع الأغنية، رغم أن ذلك استدعى أشهراً من الاستلقاء في ظلام الليل، إنصاتاً وإجهاداً لسماع ما قيل لها إنه موجود هناك. حين سمعتها أول مرة، غمرتها - كان غريباً الإحساس برقصة الدم في عروقك، ومعرفة نفسك باعتبارك هذه الموسيقى الحمراء الرطبة الغريبة، لا سيما في سن مبكرة؛
فبكت لجمالها ورهبتها معا. وحتی بعد سماع الأغنية، استغرقها وقتاً طويلاً لتتعلم كيفية ترقيع ما تكسر منها - أو التعجيل بالتئامه، إذ كانت الأغنية قادرة على إعادة ضبط إيقاعها إلى حد ما. وأحياناً. صارت تسمع أكثر الآن. صار بإمكانها سماع النشاز في الأغنية الذي عرفته مرضاً، والنبرات المظلمة لأمور أخرى خبيثة تحدث في أجساد الناس ولا تملك لها اسماً. وصارت تشعر بالجروح القديمة، حيث تحولت الأغنية وتغيرت لتصلح نفسها، لا كالسابقة، لكنها سليمة.
وحين وضعت يديها على مارتيم، وفعلت ذلك مرة على الأقل كل يوم لترى التئام جروحه - فالجروح في جنبه تلتئم حسناً الآن، والجرح قرب عنقه بدا أفضل حالاً، إذ كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير - حين وضعت يديها عليه، شعرت بالجرح الذي يأبى الحديث عنه، الجرح الذي أحست به لحظة شفطته الأولى حين التقيا. شيء ما مزق الساحر، أهلكه، ترك جرحاً غائراً حتى إنه بدا للعيان، بعد التئامه، كأنه انشاق في الأرض نفسها.
قد تسوق الأمطار والزمن مزيداً من التراب إلى الحفرة، وتنمو النباتات فوقها، لكنه يظل جلياً أن الأرض قد تمزقت. كان هذا الجرح هائلاً فيه حقاً، لدرجة أنها لم تدر في البداية أين أصيب، رغم أنها تظن الآن أنه على طول ظهره. مهما يكن ذلك الشيء فقد نحت عميقاً في داخله. أعمق مما ظنته ممكناً للبقاء حياً. قطع العظام والأعضاء، وبدا وكأنها قد شقته نصفين تقريباً. لقلت إن من يعاني إصابة كهذه لن ينجو أبداً، فلا بد أنه ميت.
وإن لم يموت، لطلب أعظم الشفاة ومعجزة تامة، ومع ذلك لخرج معطوباً. ومع ذلك ها هو مارتيم، سليماً كأي رجل آخر، بلا عرجة تدل على الأمر. رمقها بابتسامة خفيفة ماكرة حين أطلقت سراحه من الشفاء، رغم أنها ظننت أن الابتسامات تبدو هكذا على وجهه. الأوراق الذهبية المتساقطة من الصفصاف تزين شعره الأشعث الطويل، وحين نظرت في عينيه الخضراوين الداكنتين، أيقنت أنه لابد يعلم أنها أدركت أمر جرحه.
لقد كانت الصدمة جلية في وجهها أول مرة استشعرت فيها ذلك. حكتها الرغبة في معرفة قصته، ورغم ذلك منعها شيء ما. ربما جسامة الجرح نفسه. بدا فادحاً لدرجة قبح معها سؤال شخص لتوك التقيته، كأن تسأل غريباً لمَ يبكي. وإن كانت لربما سألته على أي حال، لولا أن الساحر بدا ككائن بري حذر، يلزمها كل حيطة للإمساك به. خيل إليها أنها لا تزال تجهله حقاً. لم تمض سوى أيام معدودة، لكنها كانت أياماً محفوفة بالمخاطر عبر غابة الطريق الواحد.
ومع ذلك عادتها الرغبة مجدداً في سؤاله عن الجرح، وما عادت ظنّت أن عدم الألفة سيمنع السؤال عن شفتيها طويلاً. وعلى ذكر ذلك...
سألت بينما كان مارتيم يرفع إحدى الحجلانات عن النار ليتفقدها: "إذن أين تقع بايكس جرين؟"
إن لم تستطع إرواء فضولها بشأن جرحه الآن، فستنتزع إجابات أخرى من هذا الرجل.
"أمنها أنت من هناك؟"
انتفض الساحر وكاد يسقط الحجلانة.
قطب وجهه وتمتم: "لقد ذكرت ذلك للتجار، أليس كذلك؟ نجل، كانت موطني".
ظنت أنه سيستطرد، لكن الصمت عاد ليسود بينهما وهما يحدقان في الألسنة الملتهبة. اقترب غسق الشفق المتعب والمريح، ومن أغصان الصفصاف فوقهما، صدح فليت بتحيته الأخيرة لشمس النهار. بدا واضحاً أنه ليس من السهل حمله على التفوه بكلمة في هذا الأمر. أخيراً أبعد الطائرين عن النار، وناولها أحدهما، وما زال الدهر يسيل من العصا. رمقته بصمت، منتظرة أن يبرد طائرها. تساءلت أإن كان غريباً كرجل، أم أنهم جميعا هكذا بطريقة ما.
راحت تنهش اللحم بشرود، وتبصق بقايا ريش محترق.
أخبرها بكتف منكمشة وأسف: "آسف. لا أحسن تجهيز الطيور، على ما أظن".
تمتمت إليز: "أظن ذلك أيضاً".
ليس هذا فحسب. كانت أسرع وأنظف من الساحر في سلخ الذبائح.
سألت وهي تنزع بعض اللحم عن العظم وتلقي بقطعة لسيسيل: "ماذا كنت تفعل قبل أن تضرب في الطرقات؟ هل من شيء مفيد على الإطلاق؟"
قطب مارتيم وجهه بتفكير، يمضغ ببطء قبل أن يتحدث: "كان أبي اسكافياً. أعرف القليل عن ذلك".
طقطقت النار وفرقعت، والصوت الآخر الوحيد كان خرخرة سيسيل المجلجلة.
"وماذا عنك يا إليز؟ ماذا كنت تفعلين قبل الترحال، ومن أين أقبلت؟"
انتفضت إليز ولم تجبه فوراً. رأت أنه إن أرادت منه إجابة عن هذه الأسئلة، فمن العدل أن تقدم هي الأخرى بعض الإجابات.
حدقت في النار مطولاً تفكر، قبل أن تنطق: "إلى الجنوب والشرق من هنا، ثمة مستنقع عظيم. مستنقع رو ويست. كانت أمي ساحرة ذلك المستنقع، وكنت في رعايتها. علمتني الفن وكيفية البقاء على قطر العيش".
"أظنني سمعت به من التجار. رو ويست؟ له جرس كالييسي".
يبدو كذلك فعلاً، هكذا ظنت. كاليه إحدى ممالك أوريل القديمة، ويبدو أن المدينة المسماة باسمها لا تزال قائمة، رغم أنها تجهل أتحتفظ بكل أراضيها السابقة، أم أن مستنقعها صار أو كان يوماً جزءاً منها على الخريطة. منحها الساحر تلك الابتسامة ذات النظرة الداهية.
"مع أنني سمعت إشاعة مفادها أن ساحرة ذلك المستنقع آكلة لحوم بشر".
ضحكت إليز. آكلة لحوم بشر؟ لم تعلم أن قصة مستنقعها مما يتناقله التجار. تساءلت عن الأكاذيب الأخرى التي قيلت عنه.
"حسن، لم تكن محبة للزوار. لم تأكل أحداً حسب علمي، رغم أنها... قتلت كل رجل وطأ المستنقع. أما النساء فكن يقصدنها طلباً للمساعدة أحياناً. طلباً لأمور تافهة، كجرعات الحب. وأحياناً لأمور أشد جداً، كالعون على الإنجاب. للأولى، تبيعهن ماء مستنقع في إبريق خزفي وتمضين في حال سبيلهمن. وللثانية، كانت تعينهن حقاً".
"أكانت تقتل كل رجل يدخل المستنقع؟ وماذا عن أبيك؟"
تململت إليز، ومررت إبهامها على الحلقة الداكنة التي تزين يدها الطليقة.
"أنا... لم ألقه قط. الحق يقال، أنت أول رجل أطيل الكلام معه. ومع تشميد الآن أيضاً، على ما أظن. لم أره رجلاً قط إلا من بعيد. لم تكن أمي تدعني أقترب منهم..."
ضحكت، رغم أن الذكريات أشجتها.
"حين كنت صغيرة، كان هناك حطابون يعملون على أطراف مستنقعنا. كنت أرآهم من بعيد. وظننتهم نساء. وظننت أن الرجل هو ما تصير إليه المرأة حين تكبر. شعرت بخيبة أمل حين علمت أنني لن أطول أبداً ولن تصبح لي أكتاف عريضة وذراعان مشعرتان".
تنهدت.
"أو لحية. لوددت لو كانت لي لحية".
أدركت إليز أن الساحر يحدق بها. في الضوء الآفل، بدت الظلال تسبح في عينيه حول نقطتي لهب برتقالي منعوستان. تساءلت أكان ما صرحت به غريباً للغاية. أدركت أنها تربت بأسلوب غير مألوف، لكن تحت نظرات مارتيم تساءلت كم كان شاذاً حقاً.
سأل: "إذن لم تكوني في الطرقات طويلاً. أإلى هذا الحد عزلتك أمك حقاً؟"
أجابت ببطء: "نعم. كانت حياة وحيدة. بلا شك قبل أن ألقى سيسيل".
لفت ذراعيها حول أليفها مستمتعة بخرخرته العميقة ووبر لبدته.
"الناس الوحيدون الذين حدثتهم سوى أمي هم زوارها. وحين بلغت مبلغ القراءة طلبت منهم إتياني بالكتب، ومنها عرفت العالم. وحين كبرت، حدثتني أمي عن الرجال ومدى خطورتهم، لكنهم لم يبدوا بهذه السوء في الكتب".
استبدت بها مزحة داكنة فغمزته.
"بدوا... مثيرين. وأظن أنك أثبتّ صحة الكتب في ذلك".
احمرّ وجه الساحر قليلاً، وبدا لها منظراً محبباً. حقاً، في كثير من القصص التي قرأتها، كان الرجال يخوضون مغامرات كبرى، أو يأتون أفعال بطولة جليلة. أو كانت تقرأ عن فيرالين فالوار، حيث تتخذ الساحرة العشاق وتمضي تصف خصالهم الممتازة، أحياناً بتفاصيل دقيقة ومصدمة تحمل إثارتها الخاصة. طالما سرّت أن أمها كانت غارقة في فنها. لم تظن أن أمها قرأت يوماً القصص التي أهدتها لابنتها.
ولو فعلت، لأدركت أن القصص لا تصور الرجال كقتلة همجيين ومخربين وناهبين كما كانت تكرر لابنتها دوماً.
تنحنح مارتيم، متظاهراً بالاختناق بعظمة حجلان ليعلل احمرار وجنتيه، وقال بجفاف: "مسسر جداً بالمساعدة".
قذف بعظام وجبته إلى اللهب، واستل غليونه.
وسأل وهو يحشوه بالتبغ: "إذن ما الذي دفع بك إلى الطريق؟"
قالت إليز باستهانة: "قبل وقت غير بعيد، مرضت أمي وماتت. قررت أنني لا أريث قضاء عمري في مستنقع، فرحلت".
هزت كتفيها.
"قد يبدو ذلك نهاية محزنة لساحر مثلهما، لكنه المسار الطبيعي للأمور، على ما أظن. فرغم كل براعتها في الفن وكونها معالجة عليمة، لم تستطع مداواة كل شيء. وماذا عنك أنت؟ كيف كان المكان الذي نشأت فيه؟"
ركّز مارتيم على رأس الغليون لبرهة فوهج برتقالياً، مخلفاً خيط دخان رقيقاً. أخذ نَفَساً عميقاً متأملاً، ثم نفث حلقة دخان كثيفة، مؤمئاً برضى وهي تتصاعد لتتشابك في أغصان الصفصاف.
وقال وهو يأخذ نَفَساً آخر: "أه، لا شيء مثير".
ثم صرخ حائراً إذ اصطدمت حصاة بجبهته، وسعل من الدخان، فرمقها بنظرة حارقة. قابلت إليز نظرة الساحر الغاضبة بنظرة مثلها. زادها ارتباكه غضباً. لابد أن هذه هزلية. لم يكن غبياً، أو هكذا ظنت.
صاحت: "لا شيء مثير. هذا لا يصدق. أخبرك بمن أكون فتظن أن ردك يمكن أن يكون ببساطة (لا شيء مثير)".
كان الرجل يستفز سورتها بمراوغته أحياناً، لكنه أتقن ذلك هذه المرة تماماً. ظنت حقاً أنه إن أجاب عن أسئلتها فسيجيب عن أسئلتها بالمثل. أكان يسخر منها؟
انحنت لتبتلع صخرة أخرى من أرض الغابة، أكبر حجماً من الحصاة، وحدقت إليه بوعيد: "أخبرني بالمزيد يا مارتيموس، وإلا ستستقر الحصاة التالية في موضع أشد حساسية بكثير".
لو كان في متناول يدها لضغصته. أو عضته. لبث برهة بملامح عنيدة، وظنت أنه سيطبق فاهه حقاً.
صاح أخيرًا وهو يرفع ذراعه ليرمي: "حسبك، حسبك! حسناً".
رغم ذلك بدا متردداً، ينفث غليونه كأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. ببطء، تلاشى العناد عن ملامحه. وغاصت عيناه وكأنه ينظر إلى شيء بعيد.
قال ببطء بعد حين: "أنا أيضاً أتيت من الشرق، لكن إلى الشمال أكثر. بايكس جرين كانت إحدى القرى هناك، حيث يشق الناس مساحات من الغابة. مزارع كثيرة. يربون الماعز والدجاج. وقيل لي إن عصير التفاح الذي نصنعه معروف جداً في التجارة. وربما مرّ تاجر عابر، أو أهل الترحال أحياناً. مكان يبدو غريباً بحق. أحب أهل بايكس جرين طلاء أبنائهم بألوان ساطعة. نزوة منا، هكذا قيل لي".
ولسبب ما، بدا حزيناً جداً وهو يقول ذلك.
"مكان هادئ".
"وكيف تعلم ابن اسكافيّ الفن في قرية بسيطة كهذه؟"
كان بحجلانها متسع من اللحم، لكنها لم تعد جائعة. ناولتها لسيسيل الذي التهمها بشراهة. توقف مارتيم برهة، والدخان يتصاعد من منخريه. ثم هز كتفيه.
"من كتاب اشترته عائلتي من أهل الترحال. لفت بصري، وصُنع هدية عيد ميلاد".
"ألم يكن لك معلم يهديك إلى طريقك؟"
لم تستطع إليز إخفاء دهشتها. رأت كتباً تتحدث عن الفن قبل أن تدرك شيئاً عن ممارسته، لكنها لم تتخيل إمكانية التعلم من الكتب وحدها.
"...أوه، كان لي. رغم أني لم أكن مستمعاً جيداً".
انتظرت بينما نفث حلقة دخان مجدداً لتسمع المزيد، لكن الساحر اكتفى بالضحك.
"أردت في البدء التعلم لأبهر فتاة فحسب".
نقر برأس غليونه على حافة حذائه. أشرقت عينا إليز بالسرور.
"هاه! إذن، أانبهرت؟"
كان مارتيم يبتسم لنفسه ويهز رأسه بخفة، لكن هنا، بدا أن المرح مات فيه. انحنى، وألقى بصره على الأرض، وبدا متعباً فجأة.
قال بهدوء: "نعم. الكثير من أصدقائي انبهروا، في الحقيقة".
بشبه سهو، استل سيفه، ومسناناً أملس طويلاً من حقيبته، وطفق يسن نصل غمد. راقبته في ذلك طويلاً.
"لا بد أنه كان صعباً تركهم جميعاً وراءك".
رد مارتيم مجدداً، منكباً على سحب سيفه على المسن: "كان كذلك".
لربما زادت إليز ضجراً من تكتمه، لكن شيئاً في هيئته جعلها ألطف. بدا منهكاً فجأة. تساءلت عما تذكره.
"إذن لماذا فعلت؟"
كان الرد الوحيد أزيز نصله على المسن لفترة.
"أردت الترحال فحسب، على ما أظن".
حلّ الصمت بينهما. لاحظت ذلك في الساحر الآن. كان يغرق أحياناً في نوبات كئيبة مفاجئة. لم تحب ذلك. الابتسامات تليق بوجهها، والمزاح والحيل يحسنان على لسانه.
سألت: "يا مارتيم، لأي غرض تقصد سيلفرفيش؟ أخذت على عاتقك سؤال دولمكي. أي نبوءة دعتك للذهاب إلى هناك؟"
تأملها، ولبرهة شعرت بأنها تنجذب إلى عينيه الخضراوين الداكنتين، تزنها.
قال: "أبحث عن شخص ما"، والصمت الطويل الذي أعقب جعله جلياً أنه لن يزيد حرفاً.
أطلقت إليز همهمة خفيفة وقذفت الحصاة نحوه، لكن برفق لتصطدم بحذائه فقط. التفتت حولها. توارى ضوء النهار وحطت الظلال. انزلت عن الصخرة التي تجلس عليها لتستقر في كومة أوراق، مسدلة حافة قبعتها منخفضة على رأسها.
"حسن، إن لم تفصح، فسأذهب للنوم".
نادى مارتيم بشرود: "تصبحين على خير يا إليز".
لكنها لم تنم، ليس فوراً. بل طفقت تراقب من تحت حافة قبعتها مارتيموس وهو يسن سيفه ببطء، وتتطاير شرارات بيضاء عارضة في الظلام من حافة النصل، ولم تغمض عينيها إلا حين أطفأ نار المخيم.