القصة الجانبية: حكايات من روسيا (11)
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
بعد خضوعي لفحص بسيط وبعض التجارب، غادرت المختبر لأبحث عن [تومي].
وجدت [تومي] في المهاجع مع [أليوشا] و[إلينا]، وكانا يواسيانه. وعندما دخلت وأنا أفرك عنقي، التفتت إليهم ثلاثة أزواج من العيون دفعة واحدة. تحدث [تومي]، وكانت نبرته باردة:
"ما الذي أتى بك إلى هنا؟"
"تومي، هل يمكنني الحديث معك لدقيقة؟"
"اذهب وتحدث إلى [جاك]. معهد روسيا الآن صار بيده."
"عفوًا؟ ماذا تعني؟ أنت لا تزال هنا، يا [تومي]."
"ألا تعرف ما الذي فعلته؟ في اللحظة التي وقفت فيها إلى جانب [جاك]، استولى الباحثون الكنديون على كل صلاحيات هذا المعهد."
في تلك اللحظة، تذكرت فجأة ما قاله [أليوشا] و[إلينا] في وقت سابق:
"آسف يا جماعة، لكن [تومي] هو مدير معهد روسيا. أرجو أن تتبعوا رأيه."
"إنه محق، يا [جاك]. سأكون ممتنة إن اتبعتَ رأي [تومي] في الوقت الحالي."
هذا ما كانا يشيران إليه. بدا أن التسلسل الهرمي لديهم يتحدد بحسب من يملك حق إجراء الأبحاث. وحين أدركت ذلك، فهمت أيضًا أن الباحثين الروس لن يرحّبوا بي كما كانوا في السابق، لأنني جرّدتهم من سلطتهم ومنحتها للقادمين الجدد. الآن فهمت لماذا عبس [تومي] بتلك الحدة ورفع صوته حين وقفت في صف [جاك].
لكن في زمن كهذا، كانت السلطة تعني القوة. حتى وإن امتلك الباحثون الكنديون السلطة، كان بإمكاني طردهم في أي وقت إن لزم الأمر. يبدو أن الباحثين الروس اعتادوا على جانبي البشري. كنت على أتم الاستعداد لطردهم إن حاولوا شيئًا مشبوهًا. ومع ذلك، كنت أعلم أن أفضل ما يمكنني فعله لتجاوز الموقف هو تقديم اعتذار.
قطّبت حاجبيّ، ثم نظرت إليهم مباشرة.
"لا أعلم كيف تُدار الأمور فيما يتعلق بالأبحاث… لكن يبدو أنني تجاوزت حدودي."
أجاب [تومي]:
"الأمر وقع بالفعل. وليس لدينا وسيلة لحله الآن."
تنهد [تومي] ولعق شفتيه. كان يحاول جاهدًا ألا ينظر في عيني. تساءلت إن كان يشعر بخيبة أمل تجاهي. مع ذلك، كنت أعلم أنه لا طائل من المراوغة. كان عليّ أن أكون واضحًا في نواياي.
مررت يدي بشعري إلى الوراء وقلت:
"تقدّمت للعملية طواعيةً لأنني أردت أن أكتشف نواياهم الحقيقية."
"تكتشف ماذا…؟"
رفع [تومي] حاجبيه بدهشة. أومأت له وتابعت:
"منذ أن وصلوا، وهم لا يتحدثون سوى عن التليّف، وكأن العلاج أمر ثانوي. كانت خطتي أن أذهب معهم إلى المختبر لأعرف ما الذي يخططون له فعلًا."
قال [تومي] مندهشًا:
"أوه… وهل اكتشفت شيئًا؟"
"طلبوا مني أن أسمح بتخديري."
"تخدير؟"
عقد [تومي] حاجبيه وأمال رأسه. كان يعرف أنني لا أحتاج إلى تخدير، ولا يمكنني النوم أصلًا. لكن الباحثين الكنديين لم يكونوا يعرفون ذلك. جلس [أليوشا] و[إلينا] إلى جانبه وبدآ بالإنصات باهتمام.
تابعت كلامي بينما أحكّ صدغَي:
"لقد مرّ قرابة خمس سنوات منذ بدأ كل هذا. وحقيقة أن من يُفترض أنهم أجروا أبحاثًا لعلاج المرض لا يعرفون شيئًا عن الزومبي ذوي العيون الحمراء… أليس من حقي أن أشك؟"
قال [تومي] بصوت منخفض:
"لا، أنا أتفهمك. وماذا حدث بعد ذلك؟"
تحوّل تعبير [تومي] من الخيبة إلى الجديّة. بدا أنه اقتنع أخيرًا بأن يستمع إليّ مجددًا.
هززت كتفي وأجبت:
"تظاهرت بالنوم. أردت أن أتنصّت على حديثهم، مهما كان."
"وهل سمعت شيئًا مهمًا؟"
قلت:
"إنهم يخفون شيئًا عنكم. يزعمون أنه لأغراض بحثية… لكنني متأكد تقريبًا مما يبحثون عنه فعلًا."
راح [تومي] يفرك ذقنه بصمت، وبدت على وجهه علامات التفكير العميق. بدا وكأنه اكتشف فجأة أمرًا مهمًا. لكنه لم يلبث أن التفت إلى [إلينا] وسألها:
"إلينا، ما نوع الأبحاث التي كانت تجريها فرقة [جاك] سابقًا؟"
أجابت:
"كانوا يجرون أبحاثًا متعلقة بالدماغ. كانوا يدرسون تغيّرات جهاز المناعة البشري حين يُستخدم الدماغ بكامل طاقته."
سألها:
"متى كانت آخر مرة تواصلتِ معهم؟"
"دعني أرى… قبل ثماني سنوات تقريبًا. كنت أُجري أبحاثًا تتعلق باضطرابات النوم الناتجة عن الموجات الدماغية. آنذاك، كانت فرقة [جاك] تعمل بجوار فريقي مباشرة."
قال [تومي]:
"بما أن فيروس الزومبي بدأ بالانتشار منذ خمس سنوات، فلا بد أنه من الصعب عليكِ معرفة ما كانوا يعملون عليه في السنوات الثلاث السابقة، أليس كذلك؟"
"بلى، هذا صحيح. لقد جئت إلى روسيا قبل ثماني سنوات. وانتشر الفيروس بعد ثلاث سنوات من قدومي."
اتسعت عينا [تومي] وفتح فمه وكأنه أدرك شيئًا مفاجئًا.
سألته:
"ما الأمر؟"
قال ببطء:
"تغيّر جهاز المناعة تبعًا لوظائف الدماغ… ألا يبدو ذلك مألوفًا؟"
قطّبت حاجبيّ، محاولًا إعادة صياغة ما كان يحاول الإشارة إليه.
"هل تقصد أنهم… طوروا فيروس الزومبي؟"
أجاب:
"لا شيء مؤكد بعد، لكنني أعتقد أنها احتمال وارد. فكّر في الأمر. كل المختبرات الأخرى حول العالم دمّرتها هجمات الزومبي. لكن المختبر الكندي بقي سالمًا طيلة خمس سنوات."
“…”
"كيف فاتني هذا؟ كنت ساذجًا جدًا. كان عليّ أن أشعر أن هناك أمرًا مريبًا…"
راح [تومي] يقضم أظافره، وتعقّدت ملامح وجهه. ضممت ذراعيّ بهدوء وقلت:
"اهدأ. لا يمكنك أن تنفعل بهذا الشكل بشأن أمرٍ لا نملك دليلًا عليه بعد."
"لكن فقط فكّر في الأمر. كل شيء يبدو متّسقًا. الفيروس انتشر بسبب طفرة خلوية حدثت أثناء بحثهم في التغيّرات المناعية المرتبطة بوظائف الدماغ. لا يمكنني تخيّل سيناريو آخر."
“…”
"ليس غريبًا أنهم أرادوا التحقق من مدى تليّف رئتيك بمجرد وصولهم إلى روسيا. ربما أرادوا رؤية الفيروس أثناء نشاطه، لكن هدفهم الرئيسي كان فحص الجهاز المناعي لشخص مُصاب بالفعل."
كان لديه وجهة نظر، لكن لم يكن هناك ما يثبتها فعليًّا. والطريقة الوحيدة للحصول على دليل، كانت بالعثور على المواد البحثية التي أخفاها ذلك الباحث ذو الشعر البني.
وبينما كنت أجلس أفرك ذقني بصمت، غارقًا في أفكاري، قفز [تومي] من مقعده وقال:
"لنذهب. لقد قلت إن لديهم بيانات يخفونها عنا. عليّ أن أعرف ما الذي يخفونه بالضبط."
"لا تتصرف بتهور، يا [تومي]."
"ما الذي يمنعنا؟ لنذهب الآن و—"
"تومي، اجلس."
حدّقت في [تومي] بنظرة جادة. وحين رأى وجهي، ابتلع ريقه وجلس، وقد بدت عليه الحيرة.
"ممَّ تخاف تحديدًا؟" سألني بوجه مقطب. "حتى وإن لم يكن لدينا دليل قاطع، ألا ترى أن كل شيء يشير إلى صحة شكوكنا؟"
قلت بنبرة حازمة:
"تومي، إن قلت لك لا تتسرع، فلا تتسرع. أأنت نسيت ما حدث حين تجاهلتني وذهبت إلى معهد أبحاث الدماغ في كوريا؟"
عضّ [تومي] شفته السفلى، ونقر لسانه بعصبية، ثم صرف نظره. كنت أعلم أنه يتصرف بدافع العاطفة. لكن في مثل هذه الأوقات، من الضروري أن نُفكّر ونتصرّف بعقلانية. حينها، سألتني [إلينا]، التي كانت جالسة إلى جانبه وقد شبكت أصابعها:
"سيد [لي هيون-دوك]، هل لديك خطة؟
قالت [إلينا]، وقد تنهدت بعد أن شرحتُ وجهة نظري بهدوء:
"إذن، ما الذي تودّ فعله؟"
أجبتها:
"سنتمكن من فهم طبيعة هؤلاء الباحثين الكنديين من خلال مراقبة الناجين الذين سيأتون في طائرتَي الشحن الثانية والثالثة. سنراقب كيف يتعاملون معهم."
سألتني:
"وماذا لو دعم الناجون الباحثين الكنديين؟"
"سنعرف عندها إن كان دعمهم حقيقيًا، أم أنهم قد خُدعوا مع مرور الوقت. إلى جانب ذلك، عليّ أيضًا أن أستعيد أعضائي المفقودة. يؤسفني قول هذا، لكن أرجو منكم أن تتبعوا تعليماتهم في الوقت الحالي."
بدت [إلينا] متفهمة لطلبي. نظرت نحو [تومي] و[أليوشا]. قال [تومي] شيئًا بالروسية لـ[أليوشا]، ثم تنهد وقال:
"إذًا، يا [لي هيون-دوك]… هل تقول إن كل شيء سيكون على ما يرام، وأن علينا الانتظار حتى نحصل على كل الأدلة قبل أن نتحرّك؟"
"نعم. بغض النظر عمّا فعلوه، ما زلنا بحاجة إلى تطوير العلاج. والواقع أن جهودهم الحالية تتركز على مساعدتي في استعادة أعضائي المفقودة."
“…”
"وإن كانوا مذنبين فعلًا، فسيتحمّلون العقاب لاحقًا. أمّا الآن، فالتصرّف الحكيم هو انتظار نتائج الدراسة، والتركيز على طائرتَي الشحن القادمتين من كندا."
سألني:
"هل قالوا إنهم سيجلبون مئتين وعشرين ناجيًا، ومئة وخمسين جنديًا؟"
"نعم."
عقد [تومي] ذراعيه وحدّق في السقف بنظرة شاردة. ومن تعابير وجهه المسترخية، بدا وكأنه بدأ أخيرًا يستوعب الصورة الكاملة التي رسمتها.
ثم نظر إليّ مباشرة وسأل:
"وماذا لو لم يكن هناك ناجون في الطائرتين؟"
"علينا حينها أن نأخذ نواياهم بعين الاعتبار أيضًا. فحتى لو أخبرونا بأن جميع الناجين في كندا قد قُضِي عليهم على يد الزومبي، لا سبيل لنا لمعرفة إن كانوا يقولون الحقيقة أم لا."
"إذًا، إن لم يكن هناك ناجون، هل ستقتل جميع الباحثين الكنديين؟ حتى إن كان ما يقولونه صحيحًا؟"
"لا وقت لديّ ولا طاقة لأغوص في كل تفصيل صغير. لكن علينا أن نُبقي أحد الباحثين على قيد الحياة."
"هل ستُبقي [جاك] حيًّا؟"
"لا. سأقتل الجميع، ما عدا ذلك الباحث ذو الشعر البني، الذي أخفى البيانات البحثية."
حين أجبته دون تردد، بلل [تومي] شفتيه اليابستين وسألني بتردد:
"هل ستكون بخير؟ أعني… في النهاية، أنت تقتل بشرًا…"
"كم عدد الأشخاص الذين تظن أنني قتلتهم حتى الآن؟"
“…”
"وإن كانت استنتاجاتنا صحيحة، فالإبقاء على [جاك] حيًّا سيكون من باب الرحمة. تمزيقه إربًا لن يكون كافيًا لِما اقترفه."
أشرق وجه [تومي] بعد أن سمع إجابتي الصريحة.
قال مبتسمًا:
"أنا آسف… ظننت أن نواياك مختلفة."
"نوايا مختلفة؟"
"اعتقدت… أنك تخلّيت عنا، بما أن الباحثين الكنديين أقرب إلى إيجاد العلاج منّا."
ضحكت بخفة وقلت:
"لا ينبغي أن تثق بالآخرين بسهولة، ولا أن تُفرّط بالثقة التي بنيتها مع الناس بهذه البساطة. "
أجابني [تومي] بابتسامة خفيفة:
"سأبذل جهدي كي لا أُخيّب ظنّك أو ظنّ أي أحد آخر."
"لكن لا تتصرّف على عجل. بصراحة… أردت أن أعتذر، لأني شعرت أنني وضعت عليك ضغطًا كبيرًا."
"بالعكس تمامًا. حين أفكّر في كل ما فعلته من أجلنا… نحن مَن ينبغي عليه أن يُقدّم نتائج ملموسة. نتائج حقيقية."
"لقد طوّرتم لقاحًا، ودواءً يكبح غريزة الزومبي. وقد منحتموني بالفعل نتائج حقيقية. كل ما أطلبه هو ألّا تُحمّلوا أنفسكم أكثر مما تحتمل."
أومأ [تومي] بصمت، وشفاهه مطبقة بإحكام. كنت أعلم أنه قد صرخ في وجه الباحثين الكنديين في وقت سابق، وكان يتفاعل بحساسية مع كل هذا الغموض لأنه متوتر. ربما شعر بضغط داخلي كبير، فقد مرّت أربع سنوات منذ مغادرتنا كوريا. وهذا الضغط تراكم حتى جعله قلقًا ومتوترًا تجاه كل شيء.
وكنت مذنبًا أيضًا، لأنني لم أُقدّم لهم كلمات طمأنة، رغم علمي بأنهم يبذلون أقصى ما بوسعهم، وأنه لا مجال لأن يقدّموا أكثر مما قدّموا. شعرت بالأسى تجاههم. وأدركت كم كنت قليل التفهّم لهم منذ وصولنا إلى روسيا.
ربّتُ على كتف [تومي] وقلت له:
"خذ وقتك. الباحثون الكنديون هم من يشعرون بالتوتر حاليًّا."
"حسنًا."
"في الوقت الراهن، توقف عن الحذر الزائد من الباحثين الكنديين، وحاول التعاون معهم حتى لا يشعروا بشكوكنا. آخر ما نريده هو أن يبدأوا بالريبة تجاهنا."
أومأ [تومي] ببطء وقال:
"إذًا، في هذه الأثناء، سأحاول مواكبة ما يخططون له."
"نعم. وسنتحدث مجددًا عندما تصل طائرة الشحن التالية."
"وماذا إن وصلت مجموعة من الجنود؟ ماذا لو حاولوا السيطرة على المختبر بقوّتهم العددية؟"
أجبت بابتسامة سريعة وعينَين زرقاوَين تلتمعان:
"أتظن أن ذلك ممكن؟"
شدّ [تومي] شفتيه وأومأ برأسه. الجنود والمدنيون سواءٌ عندي. كلاهما بشر، ولا يُشكلان خطرًا عليّ. بالنسبة لي، لا يوجد سوى نوعين من البشر في هذا العالم: من يعيشون لأجل الآخرين، ومن يسعون لإيذاء الآخرين.
تنفّس [تومي] بعمق، ثم وقف من مكانه.
"فلنذهب إذًا. إن واصلنا التواجد معًا، فقد يظن الباحثون الكنديون أننا نُدبّر أمرًا ما."
"أنت محق. انطلق أنت أولًا. سأقوم بدورية في المكان، ثم أعود لاحقًا."
أومأ [تومي] برأسه وغادر المهاجع. وبعد لحظات، خرجت [إلينا] و[أليوشا] أيضًا، بابتسامات دافئة على وجهيهما. أما أنا، فقد فتحت النافذة وقفزت منها بدلًا من استخدام الباب.
كي أُكوِّن لنفسي ذريعة، بدأت جولة تفتيشية على الجدران الخارجية التي تحيط بالمختبر.
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
ترجمة:
Arisu-san