القصة الجانبية: حكايات من روسيا (2)
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
في زاوية المشتل، خلف شجرة غريبة الشكل، رأيت امرأة تحمل أنبوبًا حديديًا.
وما إن وقع نظرها عليّ، حتى اتسعت عيناها، ولوّحت بالأنبوب الحديدي على الفور.
خطف!
أمسكتُ بالأنبوب الحديدي الذي اندفع نحو صدغَي بيدي اليمنى، ثم قبضت على ياقة المرأة وطرحتها أرضًا.
"توقف!" صرخ [تومي] على عجل وهو يركض نحونا. التفتُّ نحوه محاولًا تهدئة نفسي، وعادت عيناي إلى طبيعتهما.
"إل… [إلينا]؟" تلعثم [تومي]، والدهشة بادية على وجهه.
وشاركتْه [إلينا] تلك الدهشة. "[تومي]؟"
تمعنت النظر فيها، ولاحظت أن هذه المرأة المسماة [إلينا] كانت ترتدي معطفًا. رغم أن ثوبها كان ملوثًا ببقع دمٍ نحاسية من الزومبي، إلا أنه كان واضحًا أنها باحثة. وقد أدركت ذلك لأن [تومي] و[أليوشا] كانا يرتديان المعاطف نفسها حين التقيتهما أول مرة.
اقترب [تومي] مني بحذر.
"اهدأ،" قال. "هي ليست عدوة."
"ذلك أمر أُقرّره أنا."
"كلا، دعني أنا أُقيّم الموقف. أرجوك، دعها."
"…؟"
قطبت حاجبي ونظرت إليه، فابتلع ريقه بقلق.
"علينا أن نمنحها فرصة لتشرح على الأقل،" قال. "أرجوك، فقط اتركها الآن. أرجوك."
لم أجب، بل حدّقت في وجه المرأة. كانت متوترة، تلهث بأنفاس متقطعة. ومع ذلك، لسببٍ ما، بدا لحمها البشري ذا رائحة حلوة بالنسبة لي. ربما كان ذلك بسبب نبض قلبها العنيف.
قطبت حاجبي وأفلتُّ [إلينا]. زحفت على الأرض مثل صرصور حتى بلغت زاوية المشتل، ثم راحت تنظر بحذرٍ متناوب بيني وبين [تومي].
اقترب [تومي] منها ببطء رافعًا ذراعيه، يشير لها بأن تهدأ أيضًا. بدا أن [إلينا] ذات خلفية إنجليزية، إذ بدأ الاثنان التحدث باللغة الإنجليزية. وعلى عكسي، فأنا وإن كنت أجهل الروسية تمامًا، إلا أنني أستطيع قول بضع كلمات بالإنجليزية.
غير أنها بدأت تثرثر بشكل هستيري من شدة الخوف، مما صعّب عليّ فهم ما كانت تقوله. الكلمات الوحيدة التي التقطتها بوضوح كانت كلها شتائم. تقدّم [تومي] نحوها بطريقة غير تهديدية، وتحدث بصوت ناعمٍ هادئ، كما لو كان يُهدئ طفلة تبكي.
فجأة، اتسعت عينا [إلينا] وبدأت تلوّح بالأنبوب الحديدي بعشوائية. كانت تصرخ بألفاظ نابية وكأن عروق عنقها على وشك الانفجار. بدت كأنها حيوان محاصر يطلق صرخته الأخيرة، محاولًا المقاومة.
حين هممت بالتدخل، صرخ [تومي] وأوقفني عن الاقتراب.
تحدث إليها بنبرة هادئة ومنخفضة: "اهدئي، [إلينا]… أنا هنا. يمكنكِ أن تهدئي الآن."
"ما هذا الزومبي خلفك؟ كيف تكون برفقة زومبي؟ هل نجح بحثك؟ ماذا عن اللقاح؟ وماذا عن العلاج؟ ما الذي يحدث في الخارج؟"
"اهدئي. سأشرح لكِ كل شيء. فقط ضعي الأنبوب جانبًا واستمعي لي."
"لا. تخلّص من الزومبي خلفك."
عض [تومي] شفته السفلى، ثم التفت إليّ بنظرة متوترة.
"[السيد لي هيون-دوك]، هل يمكنك أن تخرج قليلًا؟"
"لا. لا أعلم ما الذي قد تفعله، لذا لا أظن أن ذلك ممكن."
"إنها فقط في حالة صدمة. لقد ظلت عالقة هنا لشهرين كاملين… وحدها."
“…”
لم أكن مرتاحًا لفكرة ترك [تومي] بمفرده معها. لم يكن لدي أي فكرة عمّا قد تفعله تلك المجنونة. ومع ذلك، حين نظرت إلى [تومي]… لم أستطع مهاجمة المرأة. كان ينظر إليها بعينين مفعمتين بالشفقة. ربما كان السبب هو الزمالة التي نشأت بينهما في سبيل تطوير اللقاح، أو ربما كانت هناك رابطة لم أُدركها.
تنهدت وقلت:
"سأنتظرك عند المدخل. وإن حاولت إثارة أي مشكلة… فأخبرها أنني سأقتلها دون تردد. تأكد أنها تفهم ذلك جيدًا."
"شكرًا لك…"
أومأ [تومي] برأسه قليلًا، وبدأ الحديث مع [إلينا]. اتجهتُ إلى المدخل، وأنا أتنصّت على حديثهما. بدأا يتحدثان عني. وبعد أن شرح لها كل شيء، سمعت بكاءها. بدا أنها اعتادت البكاء بصمت، وكان صوت بكائها يُثير في نفسي الحزن والمرارة.
لم أكن أعلم إن كانت تبكي من فرحة نجاتها، أم من شدة اشتياقها للتواصل البشري.
وظلت تبكي لفترة طويلة، حتى بعد أن انتهى الحوار بينهما.
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
بعد بضع ساعات، اقتربت مني [إلينا] وهي تمسح دموعها.
"أعتذر عمّا حدث سابقًا."
"لا بأس."
"إذًا… أنت بشر، أليس كذلك؟"
"زومبي يشبه البشر."
لم يكن من السهل عليّ التحدث بالإنجليزية بعد مضي وقت طويل، لكنني شعرت بشيء من الفخر لأنني أستطيع التحدث بلغة أجنبية.
ترددت [إلينا] لحظة، ثم أخذت نفسًا عميقًا وتابعت:
"سمعت ما حدث… قلت إنك أنقذت [تومي] و[أليوشا]؟"
"والآن… حان دورهم في إنقاذي."
"ربما لقاؤنا لم يكن محض صدفة."
أملت رأسي متسائلًا عن معنى كلماتها الغامضة، فتدخل [تومي] وقال:
"[إلينا] كانت ضمن الفريق المسؤول عن تطوير العلاج."
"أليس هذا هو اللقاح؟"
"كلا، العلاج واللقاح مختلفان تمامًا. اللقاح يُستخدم للوقاية، بينما العلاج يعني شفاء من أُصيب بالفعل."
"إذًا… ببساطة، اللقاح مثل لقاح الإنفلونزا؟"
"ذلك مثال مناسب. تأخذ لقاح الإنفلونزا لتتجنب الإصابة، أليس كذلك؟ أما العلاج، فهو الدواء لمن أُصيب بالفعل بالإنفلونزا."
وأثناء شرح [تومي] لي، بدا أن ملامح [إلينا] قد تغيّرت. وكأنها، كما قالت، كانت تنتظر هذا الإنقاذ من السماء. لأتمكن من رؤية [سو-يون] كإنسان مرة أخرى. لم تكن لدينا نتائج بعد، لكنني لم أستطع كبح الحماس الذي بدأ يتغلغل في صدري.
نظر [تومي] إليّ بعناية، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة قسرية.
"لا يزال من المبكر الاحتفال. العلاج لم يخضع بعد للتجارب السريرية."
"كم سيستغرق من الوقت؟"
"حتى لو كان لدينا كل المعدات والكوادر جاهزة، فإن أقل تقدير هو عامان. لكن في ظل الوضع الحالي… لا أستطيع إعطاءك جوابًا حاسمًا."
"لكن، أليس تطوير اللقاح قد تم بنجاح؟ ألا يجعل هذا فرص نجاح العلاج أكبر؟"
"حسنًا، لم يكتمل تطوير اللقاح رسميًا أيضًا. صحيح أن الفيروس بدا أضعف، لكننا لم نصل بعد إلى مرحلة تجربته على البشر."
بمعنى آخر، كان اللقاح فعّالًا إلى حدٍ ما، لكنه لم يكتمل. بدا كلامه ضبابيًا بعض الشيء بالنسبة لي.
ومع ذلك، لم يكن أمامي خيارٌ سوى أن أراهن بكل شيء عليهم.
نهضتُ على قدمي ونظرت إلى [تومي] و[إلينا].
"ما رأيكما أن نكمل هذا الحديث في الخارج؟ كما أننا نحتاج إلى تعريفها ببعض الأصدقاء الجدد."
"أصدقاء جدد؟"
أمالت [إلينا] رأسها باستغراب، فأجابها [تومي] بابتسامة لطيفة:
"إنهم أناس سيساعدوننا في البحث،" قال. "هم من كوريا."
"كوريا! هل هم باحثون كوريون؟"
"لا. زومبي كوريون."
حدّقت [إلينا] في [تومي] ببلاهة، والدهشة تملأ وجهها. ولمّا رأيتها على تلك الحال، لم أتمالك نفسي من الضحك.
"سأبذل جهدي لضمان ألّا يتعطّل بحثكم. فقط ضعي ثقتكِ بنا، وانغمسي في عملك العلمي."
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
عندما قدمت [إلينا] لبقيّة المجموعة، استقبلوها بفرحٍ عارم. كان كلّ من [كيم هيونغ-جون]، [دو هان-سول]، [كيم داي-يونغ]، و[جونغ جين-يونغ] مسرورين للغاية لأنها كانت تعمل على تطوير علاج، بينما ضحك [تشوي كانغ-هيون] مازحًا بأنها "المرأة الوحيدة في مجموعتنا".
أما [أليوشا]، فكان في غاية السعادة لأن [إلينا] ما زالت على قيد الحياة. ويبدو أنه كان على وفاقٍ معها؛ فهي من القلائل الذين لم يُسيئوا إليه أو ينعَتوه بالجنون.
راقب [تومي] كلاً من [إلينا] و[أليوشا] بابتسامة، ثم اقترب مني.
"ماضي [إلينا] يشبه ماضي [أليوشا] كثيرًا،" قال.
"عذرًا؟"
"[إلينا] كانت مهووسة بالبحث تمامًا كما هو حال [أليوشا]. إنها من القلائل الذين يتفق معهم."
بعد أن تحدثت مع الجميع، ابتسمت [إلينا] ابتسامة مشرقة وقالت:
"هل تناول الجميع طعامهم؟"
وكان [تومي] أول من ردّ عليها.
"هل خزّنتم أي طعام؟"
"يا هذا، لقد تُركت وحيدةً في مختبر كان يضم مئات الأشخاص! يوجد ما يكفي من الطعام في المشتل، لكن هل نبدأ بما هو موجود في الكافتيريا؟"
سرنا جميعًا خلف [إلينا] إلى الكافتيريا. ولحسن الحظ، لم يكن الطعام قد فسد بعد. ربما يعود ذلك إلى الطقس البارد. وحتى لو كان الطعام قد تعفّن، فإن وجود المشتل جعل المكان مكتفيًا ذاتيًا من حيث الغذاء. بدا أن الطعام لن يشكّل مشكلة طالما بقينا هنا.
ملأت [إلينا] الأطباق بالطعام، وقدّمت كميات وفيرة على الطاولة. نظرت إلى الطعام أمامنا وارتسمت على وجهي ابتسامة مجاملة.
"بالنسبة للوجبات، فقط [تومي]، [أليوشا]، أنتِ، و[السيد تشوي كانغ-هيون] من سيأكل."
"لماذا؟ ألا تأكلون أنتم؟"
"لا نستطيع."
"إذًا، ماذا تأكلون؟"
"نأكل الأدمغة…"
كنت متوترًا، خائفًا من أن تفزع من جديد بعد أن استعادت توازنها للتو. لكن، ولدهشتي، اتسعت عيناها بفضول، وتوهّج صوتها بحماس:
"كيف يمكن ذلك؟"
"لا أعلم أنا نفسي."
"هل تمانع إن فتحتُ بطنك؟"
"عذرًا؟"
"أليس من المفترض أنك تتجدد؟ هكذا أخبرني [تومي]، أليس كذلك؟"
"هو لم يخطئ، لكن أن تطلبي شيئًا كهذا فجأةً هكذا…"
"كنت أمزح! كانت مزحة فقط، هاها!"
لكن في الحقيقة، لم تكن هي من تفاجأ… بل أنا. لم أستطع فهم كيف يمكن اعتبار فتح بطن شخص ما أمام الآخرين دعابة! لم أجد ما أقوله، فقد كان تصرّفها هذا مختلفًا تمامًا عن ما بدر منها في المشتل.
حدّقت بها بذهول، بينما قال [تومي] مبتسمًا:
"ألم أخبرك؟ إنها مثل [أليوشا] تمامًا."
"أوه…"
لا عجب أن قال [تومي] إنهما يتفاهمان جيدًا. يبدو أنها ليست مجنونة، بل شديدة التعلّق بالبحث العلمي.
هززت رأسي وأنا أعود إلى رشدي، ثم نظرت إلى [تومي].
"سنخرج لتفقّد الألواح الشمسية أولًا. إذا احتجت إلى شيء بعد الطعام، أخبرني."
"حسنًا."
طلبت من [كيم داي-يونغ] أن يبقى لحماية الآخرين، ثم خرجتُ برفقة البقية متجهين إلى موقع الألواح الشمسية. وما إن خرج [جونغ جين-يونغ] من المختبر، حتى قال إنه سيتفقد معسكر الزومبي، وانطلق نحو المبنى السكني. وهكذا، بقيت أنا و[كيم هيونغ-جون] و[دو هان-سول] لتفحّص الألواح.
كانت هناك أعداد لا تُحصى من الألواح الشمسية منصوبة على امتداد حقل صغير. تمعّن [كيم هيونغ-جون] فيها، ثم نقر لسانه ساخطًا.
"سيستغرق فحصها دهرًا…"
"نحن لا ننام ليلًا على أية حال. فلنأخذ وقتنا دون تسرّع."
قبل مغادرتنا لـ[جزيرة جيجو]، خضعنا لدورة تدريبية مكثفة لمدة شهر على الألواح الشمسية والبطاريات مع [كواك دونغ-وون]، قائد فريق إدارة المرافق. ورغم أننا لسنا محترفين، ولم نكن لنُنجز العمل بالدقة المطلوبة، لكننا كنا قادرين على رصد المشكلات ومعالجتها.
هزّ [دو هان-سول] كتفيه المتعبتين وقال:
"من الجيد أن يكون لدينا ما نفعله. فلنترك الكلام ونبدأ العمل."
"آه… كنت أفضل أن أضرب بعض الزومبي،" تذمّر [كيم هيونغ-جون] وهو يتبع [دو هان-سول]. كان دائم الشكوى، لكنه في النهاية يؤدي المهام بدقة. لم أستطع إلا أن أبتسم وأنا أراهما يتشاجران وهما يعملان.
تنفّست بعمق واستجمعت قواي. أردت أن أطرد الندم الذي خلّفته أحداث كوريا، وأن أفعل شيئًا من أجل المستقبل. كنت أعلم أنني قادر على المساهمة بشيء هنا، ولو لم يكن قتال الزومبي. عليّ أن أجد دوري، وألّا أكون عبئًا.
وبينما أذكّر نفسي بذلك الهدف، مشيت نحو [كيم هيونغ-جون] و[دو هان-سول].
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
استغرق منا فحص جميع الألواح الشمسية أسبوعين كاملين. كان بإمكاننا القضاء على آلاف الزومبي في غضون ساعات قليلة، لكن الآلات… لم تكن بهذه البساطة. مع كل عطل كنا نصادفه، كنا نُجبر على فهم سببه، وتحليله، ثم إصلاحه بحذر.
كنا نلحم ونصلّح الألواح المعطّلة في مبنى قديم كان يستخدمه الجنود الروس كمرآب. وكان من الصعب أيضًا التأكد مما إذا كانت الإصلاحات سليمة تمامًا. في مرحلةٍ ما، تمنّيتُ حقًا لو كنا قد أحضرنا [كواك دونغ-وون] معنا.
ومع ذلك، وبفضل جهود الجميع، أصلحنا جميع الألواح المعطّلة في غضون أسبوعين. أما الألواح التي لا تزال تواجه مشكلات، فكانت معطوبة بسبب تراكم الثلوج الكثيفة. ولحسن الحظ، كانت تلك الأعطال بسيطة ولا تتعلّق بنقل الطاقة أو حالة البطاريات.
وعندما عدنا إلى المختبر بعد إتمام العمل، رأيت [كيم داي-يونغ] في حال غريبة. بدا عليه التوتر، وكأنه لا يستطيع الوقوف بثبات. أملت رأسي نحوه وسألته:
"ما بك؟ هل تشعر بالمرض؟"
"أرجوك… أرجوك قيّدني."
"…؟"
كانت ذلك طلبًا غير متوقّع، فمسحتُه بنظري من رأسه حتى قدميه. ثم تبادرت إلى ذهني فكرة واحدة…
أدركت أن [كيم داي-يونغ] لم يستهلك دماغ أي عدو منذ فترة طويلة.
"لا تقل لي أنك…"
كان يلهث بشدة، وحدقتاه قد تقلّصتا مثل قطة مفترسة.
غريزة الزومبي داخله بدأت تهيمن على عقله.
❄️∘˚。⋆☃⋆。˚∘❄️
ترجمة:
Arisu-san