▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
حين خرجوا من محطة أنسيم، عمّ صمتٌ مطبق. لم يكن هناك أثرٌ لأيّ روح حيّة.
أخذ الجنود الروس يراقبون المكان عن كثب، بينما قادهم القائد نحو مدينة الابتكار، مستعينًا بالخريطة التي بحوزتهم. كان تومي يسير خلفه، وجهه متجهّم، لا يزال يحمل مرارة ما حدث. وعلى مقربة منه، كان أليوشا يسير إلى جانبه، ثم وخزه في كتفه وقال:
"تومي، انظر خلفك."
التفت تومي ليرى امرأة بوجه حزين تتبعهم بخطًى صامتة. كانت "جي-أون"، المتحوّلة التابعة لـ لي هيون-دوك.
حدّق أليوشا في جي-أون بذهول، ثم ابتسم وهو ينظر إلى تومي وقال:
"لماذا تتبعنا؟"
أجابه تومي:
"ربما السيد لي هيون-دوك أمرها بحمايتنا؟ لا… لقد أمرها بوضوح بحماية الناجين."
قال أليوشا:
"ربما لأنها تشعر بألفة أكبر تجاهنا من أولئك الموجودين في المترو؟"
وكان معه حق. فلي هيون-دوك قد أمر جي-أون بحماية الناجين، لكن حين قرر الروس الرحيل، اضطُرّت لاتخاذ قرار: إمّا حماية الروس، أو البقاء مع الناجين من دايغو. وبما أنها رافقت الروس لفترة أطول، فمن الطبيعي أن تميل إليهم أكثر.
نظر تومي مجددًا إلى جي-أون.
"هذه المتحوّلة… تُرى، هل هي قوية؟"
فالحقيقة أن المجموعة الروسية لم تكن تملك أيّة معلومات عن المتحوّلين.
كسر القائد صمت المجموعة فجأة:
"هاه! لقد قام بعملٍ نظيفٍ حقًا. كنت أعلم أن الأمر سيكون كذلك. لا يوجد أي خطر هنا."
ومع دخولهم إلى مدينة الابتكار، وجدوا جثث الزومبي متناثرة. ظلّوا يتحرّكون، متفادين الجثث المتحللة. وبفضل لي هيون-دوك، وصلوا بسهولة إلى معهد أبحاث الدماغ، دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.
غير أنهم ما إن بلغوا الساحة المقابلة للمدخل الرئيسي للمعهد، حتى توقف القائد فجأة وسدّ أنفه بأصابعه.
فقد كانت آلاف الجثث مبعثرة على الأرض. شعر تومي بالغثيان من هول المنظر، وأمسك بعمود إنارة وتقيّأ. بينما كان أليوشا يربت على ظهره بوجهٍ متجهم.
حتى الباحث الروسي المعروف بابتسامته الدائمة بدا متوترًا؛ فقد أدرك أخيرًا حجم الكارثة. تنحنح القائد، ثم أصدر أمرًا لجنوده:
"ثبّتوا الحِراب."
"ثبّتوا الحِراب!" ردّد الجنود بصوتٍ واحد، وهم يركّبون الحِراب على بنادقهم.
قال القائد بوجهٍ متجهم:
"راقبوا الأرض أثناء التقدم. إن رأيتم أحدهم يتحرّك… لا تترددوا. اطعنوه فورًا."
"نعم، سيدي."
بدأ الجنود يتحركون ببطء، يراقبون الأرض بين الحين والآخر. وكانت كثافة جثث الزومبي تحول دون تمييز الطريق. من حين لآخر، كان أحد الجنود يئنّ بصوتٍ خافت بعدما تطأ قدمه مستنقعًا من أحشاء الزومبي.
تومي وأليوشا عبسا وهما يسيران خلف الجنود. راح أليوشا يراقب جثث الزومبي المتناثرة بدقّة. وبعد لحظة، قال لتومي:
"ألا تلاحظ شيئًا غريبًا في هذه الجثث؟"
تأفّف تومي:
"لا تتحدث معي… التنفّس صعب بما فيه الكفاية."
لكن أليوشا أصرّ:
"أنظر إليها جيدًا. أوعيتها الدموية بارزة بشكل غريب."
وأشار إلى ساق مقطوعة لأحد الزومبي. ضغط تومي على أنفه بأصبعيه، وحدّق في الساق كما أشار أليوشا. وبالفعل، كانت العروق منتفخة بشكل غير طبيعي، ومتلوّية كما في حالات الدوالي الشديدة.
وفجأة، وقع ما لم يكن في الحسبان.
رغم أن تلك الساق كانت مقطوعة ومنفصلة تمامًا عن الجسد… إلا أن الدم كان لا يزال يتدفّق داخلها. والأوردة كانت تتحرك!
ركّز تومي على الساق المقطوعة وكأنّه طفل يراقب سرب نمل. أليوشا، الذي كان بجانبه، تمتم مبتسمًا:
"هل نجرب لمسها؟"
أجابه تومي، بابتسامة مرتجفة:
"هل… هل علينا فعل ذلك؟"
ثم مدّ أليوشا قدمه ولمس الساق بأطراف أصابعه…
وما إن فعل، حتى قفزت الساق فجأة كما تفعل سمكة السلمون خارجة من الماء!
قفزا الاثنان للخلف فزعًا، وسقطا على الأرض.
لكن ما حدث بعدها كان أسوأ.
تلك الساق الواحدة، كانت الشرارة التي أطلقت سلسلة ردود فعل… فجأةً، بدأت جميع جثث الزومبي في الساحة بالقفز والتلوّي!
عجز تومي عن الحركة من شدّة الذهول. فمه مفتوح وعيناه متسعتان، عاجزًا عن تصديق ما يراه. ولم يكن حال أليوشا أفضل.
"ماذا تفعلون؟!" صرخ القائد من خلفهم.
ثم أمسك بتومي وأليوشا من تلابيبهما، وسحبهما بقوّة إلى داخل المعهد، وطرحهما بعنف على الجدار.
"لا تلمسا شيئًا دون أمري! مفهوم؟!" زمجر.
أومأ الاثنان برؤوسهما، لا يزالان في صدمة.
نقر القائد لسانه بامتعاض، ثم التفت إلى جنوده:
"لا زال هناك زومبي في المختبر. لا أحد يترك حذره."
"نعم، سيدي!"
تابع القائد والجنود تقدمهم في ممر المبنى (A)، بينما ظلّ تومي يحدّق فيه بلا حراك، وكأنّ الصدمة قد سلبته القدرة على الحركة. إلى جانبه، ابتلع أليوشا ريقه وقال:
"تومي… ما رأيناه للتو، هل سبق لك أن رأيت شيئًا كهذا؟"
"أبدًا."
"أطرافهم كانت تقفز كأنها أسماك خارجة من الماء."
"ما كان ينبغي لنا المجيء."
"وماذا نفعل إذًا؟ نبقى هنا؟"
"أظن من الأفضل أن ننتظر عودة السيد لي هيون-دوك."
وبينما كان الاثنان غارقين في حوارهما، التفت القائد إليهما فجأة من أمام المجموعة، وصاح:
"لماذا لا تتبعوننا؟ أتريدون الموت هنا؟!"
رطّب تومي شفتيه الجافتين وقال بتردّد:
"سن… سنبقى هنا."
"ماذا قلت؟"
"هل يمكنكم العودة إلينا بعد الانتهاء من تطهير المكان من الزومبي؟"
ضحك القائد ساخرًا:
"تمزح معي، أليس كذلك؟"
قال تومي بصوت مرتجف:
"لدينا… لدينا اللقاح! أليس دوركم حمايتنا؟ لا معنى لمجيئنا معكم الآن!"
زمّ القائد شفتيه بازدراء وقال:
"هاه! حسنًا. لا نريد أن يموت علماؤنا الثمينون."
“…”
"استريحا هنا… مع الزومبي الذي بجانبكما."
ما إن سمع تومي وأليوشا كلمة "زومبي" حتى استدارا بسرعة، وصوت فرقعة سمع في رقابهما من شدّة الحركة. كانت جي-أون جالسة بجوار أليوشا.
شهق الاثنان وارتدّا إلى الأرض مرعوبين، رغم معرفتهما بأنها حليفة، لكنها في النهاية "زومبي"… ووجودها بهذا القرب كان كافيًا ليثير القشعريرة في جسديهما.
ومع ابتعاد الجنود الروس أكثر، بلع تومي ريقه ونظر إلى جي-أون بنظرة خاوية. كانت تنظر إليهما بهدوء دون أي انفعال.
تنحنح تومي بخفة وقال:
"أ… آنسة؟ هل تستطيعين الحديث أيضًا؟"
“…”
"همم، يبدو أنها لا تستطيع."
فجأةً، خرج صوتٌ خافت منها:
"طفلي…"
"عفواً؟"
"طفلي…" تمتمت جي-أون بصوت جافٍ منخفض، كأنّه قادم من أعماق قبر. ارتجف تومي من صوتها الغريب.
قال أليوشا، وهو ينظر إلى تومي بريبة:
"تومي، هل يبدو أنك قادر على التواصل مع الزومبي؟"
"ماذا تقصد؟"
"ألم تتكلما للتو؟"
"كل ما قالته هو (طفلي، طفلي)! فقط هذا!"
"يا للهول…"
ابتعد أليوشا قليلًا عن جي-أون ووضع يديه على وجهه.
طَرق، طَرق، طَرق.
دوى صوت غريب، وكأن شيئًا ما يضرب صفيحة معدنية رقيقة. نظر تومي حوله وقال:
"أليوشا، هل تسمع هذا أيضًا؟"
"أسمعه… ربما الجنود يحاولون فتح باب ما؟"
"لو كان كذلك، لكان الصوت أقوى… من أين يصدر هذا؟"
"دعنا نتحقق."
نهض أليوشا، لكن تومي شهق وسحبه من كمّه:
"هل جننت؟ إلى أين تظن نفسك ذاهبًا؟!"
"الصوت قريب. علينا التأكد، فقد يكون هناك زومبي لا يزال حيًا."
"لا، لا، لا! لا تذهب! أنا خائف! ماذا لو كان زومبيًا بالفعل؟!"
ورغم توتره الشديد، إلا أن هناك سببًا آخر لسلوك تومي…
تومي كان جبانًا بطبعه. كان يتملّكه الخوف بسهولة، ومع أن ذلك يجعله يبدو حذرًا، إلا أنه يجعله أيضًا قابلًا للإقناع بسهولة.
سواء في التزامه بأوامر لي هيون-دوك وانتظاره في محطة أنسيم، أو مرافقة القائد إلى المعهد… لم يكن أيّ من قراراته نابعًا من إرادته.
نظر أليوشا إليه وهو يتلوّى من التردد، فحكّ رأسه وقال:
"دعنا نتحقق فقط. لن نقترب."
هزّ تومي رأسه بعنف وتوسل:
"لا، لا، لا! في الأفلام، أكثر من يُقتلون أولًا هم الفضوليون! ابقَ هنا أرجوك!"
لكن أليوشا تجاهل توسلاته، وابتسم ابتسامة لا حاجة لها، ثم تحرك نحو مصدر الصوت. ظلّ تومي يصرخ وراءه دون جدوى، ثم حكّ رأسه بجنون وشتَم بالكورية، قبل أن ينهض أخيرًا.
اقترب أليوشا من خزانة أدوات التنظيف في ركن ردهة المبنى. بدا وكأن أحدهم يضرب باب الخزانة من الداخل. أسرع تومي وأمسك بذراع أليوشا وقال:
"أؤكد لك، هذا زومبي! لست بحاجة لفتح الباب لتتأكد. إنه زومبي، لا شك لدي! من غيرهم يمكن أن يُحتجز في خزانة كهذه؟"
"هممم…"
كان العرق البارد يتصبب من جبين تومي. أنفاسه بدأت تضطرب من شدة التوتر.
بدا أن أليوشا اقتنع، فتراجع بضع خطوات بحذر.
بانغ!
فجأة، دوى صوت إطلاق نار داخل المبنى.
انخفض تومي وأليوشا على الفور، يبحثان بعينين مذعورتين عن مصدر الصوت.
بانغ، بانغ، بانغ!
توالت الطلقات. بدا أن الجنود الروس قد اشتبكوا مع زومبي بالفعل.
أغلق الاثنان أذنيهما بيديهما، وأغمضا أعينهما.
طَرق! طَرق! طَرق!
في ذات الوقت، بدأ الشيء المحبوس في الخزانة بضرب الباب بعنف متزايد. اتسعت عينا تومي، وركض عائدًا نحو مدخل المبنى.
أما أليوشا، فقد اندفع نحو الخزانة محاولًا إغلاقها بجسده العلوي.
في لحظة واحدة… اتخذ كلٌ منهما قرارًا مختلفًا.
صرخ تومي:
"أليوشا! دعها!"
"لو انفتح الباب، لن نتمكن من الفرار! الزومبي أسرع منّا!"
"لا بأس، فقط تعال!"
لكن قوة الزومبي كانت تزداد. بدأت مفاصل الباب تلتوي، وأصبح من الصعب على أليوشا الاستمرار في الصمود. عندها، ركض تومي لمساعدته.
طَخ!!
غررر!!
لكنه تأخر… فقد انكسر الباب، وسقط على أليوشا.
خرج الزومبي من الخزانة.
نظر تومي إليه مباشرة. مرت لحظة بدت كأنها دهر.
فقط متران بينهما.
وكل ما خطر في بال تومي هو:
"لقد انتهيت."
توقّف قلبه عن الخفقان، وتجمّد الدم في عروقه. كان هذا الزومبي أيضًا ذا عروق منتفخة بشكل مرعب، تمامًا كمن في الساحة.
استدار تومي وركض نحو الباب بأقصى سرعته، والزومبي خلفه، يطارده بجنون.
دبّ الرعب في عموده الفقري. كان يشعر بأنفاس الزومبي على عنقه.
ثم…
أمسك الزومبي بعنقه وأسقطه أرضًا!
استدار تومي على الفور، ليجد الزومبي فوقه مباشرة.
"آآآآه!!"
صرخ بكل ما أوتي من قوة. وفي اللحظة التي همّ فيها الزومبي بعضّه… انقضّت يد طويلة، وقطعت رأس الزومبي بضربة حادة!
لكن الجسد لم يتوقّف.
جي-أون عبست، وراحت تمزق جسد الزومبي بأصابعها الحادّة، حتى توقف عن الحركة.
حدّق تومي بالسقف، شاحب الوجه، وكأن شبحًا قد مرّ به. لم يعد يسمع صوت الرصاص، وقد بدأت وعيه يتلاشى. غلبه الرعب وفقد وعيه.
"تـ… تومي…!"
خرج أليوشا من تحت الباب، يمسك رأسه المتورّم، لكنه شعر برطوبة في صدره.
رفع يده ليمسح البلل، ليجدها مغطاة بسائل أزرق!
حين نظر إلى راحة يده، فتح فمه مصدومًا واتسعت عيناه. لم يكن بحاجة لشرح.
الزجاجة التي كانت تحوي اللقاح… قد تحطمت.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬