▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ما إن دخلتُ محطة "آنسيم"، حتى هرول "تومي" نحوي، وابتسامة متوترة مرتسمة على وجهه.
لكن ما إن رأى الدماء التي تغطي ثيابي، حتى اتسعت عيناه دهشةً وقال:
"كل هذا الدم؟! هل كان عدد الزومبيّات بهذا القدر؟"
أجبته بهدوء:
"لقد أنهيتُ تنظيف المنطقة المحيطة بمعهد أبحاث الدماغ."
"هل أصبتَ بأيّ جراح؟ هل أنت بخير؟"
"أنا بخير. لكن رجاءً، ألقِ نظرة على هذا."
ناولته الدفتر والمستندات التي كنتُ أحملها، فتناولها وهو يرمقني بنظرة حائرة.
"ما هذه الأوراق؟"
"وجدتها في المعهد. حاول أن تعرف ما كُتب فيها وأخبرني فورًا."
أومأ "تومي" وبدأ يتصفحها.
وأثناء تجوالي ببصري، لاحظتُ أن عدد الناجين قد انخفض بشكل ملحوظ. سألت "تومي" عن الأمر، فعقد حاجبيه وأخبرني بما حدث قبل نصف ساعة.
تلبّدت أفكاري، إذ لم أكن أتخيل أن يُقدموا على أمر طائش كهذا، وحياتهم مهددة في كل لحظة.
تنهدتُ بمرارة.
"إلى أين ذهبوا؟"
أجاب:
"تبعوا السكة الحديدية."
"ابقَ هنا قليلاً. سأتحقق من أمرهم، ثم أعود لأرافقك إلى مركز الأبحاث."
قال بصوت غير مرتاح:
"لا بأس. بما أنك نظّفتَ المكان، فنحن نستطيع الاعتناء بالبقية."
"انتظرني فقط، سأعود قريبًا. وفي الأثناء، أرجوك راجع الوثائق التي أعطيتك."
بدت علامات الضيق على وجه "تومي"، وكأنّه لم يُعجبه أن أطلب منه الانتظار مجددًا.
"هل هناك ما يثير القلق في المختبر؟ أريد أن أعرف سبب هذا التأجيل."
أجبته وأنا أشير إلى حالتي:
"ألا ترى ما أنا عليه؟ لم أتمكن من تطهير معهد أبحاث الدماغ بالكامل بعد."
نظر إليّ مليًّا، ثم بلع ريقه وأومأ.
"أرجو أن تعود بسرعة،" قال وهو يحكّ رأسه.
أومأت له، ثم أسرعتُ بالجري نحو السكة الحديدية. وبحسب ما أخبرني "تومي"، فإنهم غادروا قبل ثلاثين دقيقة، لذا إن لم يتعرضوا لهجوم من الزومبي، فلابد أنهم قد وصلوا بالفعل إلى محطة "دونغتشون".
كان الناجون المتبقون في محطة "آنسيم" ثمانية، جميعهم شباب، عدا رجل بدا في الأربعين. وهذا يعني أن الأطفال وكبار السن قد تبعوا "يون جونغ-هو" إلى مطار "دايغو".
لم أكن واثقًا من قدرتهم على الوصول إلى المطار مشيًا على الأقدام. فحتى لو كان عدد الزومبي هناك أقل، فإن هجوم عشرة منهم فقط سيكون كافيًا للإطاحة بمجموعة غير مسلحة.
"الجهلُ جريءٌ، والمعرفةُ محتشمة."
تركوا محطة "آنسيم" وهم لا يملكون أدنى خبرة في القتال.
’يا له من عنيد… كان الأجدر به أن يتوسّل إليّ لأصحبه، بدلًا من أن يعرض الجميع للخطر.’
لم يكن الأمر غرورًا، بل كانوا مستقيمين أكثر مما ينبغي، ويحتاجون فقط إلى وقت للتكيّف.
انطلقتُ كالسهم، تشع عيناي الزرقاوان في العتمة، وأنا أجري بأقصى سرعة. توقعتُ أنهم يسيرون ببطء، يرقبون ما حولهم بحذر، لذا كنت واثقًا من أنّي سأدركهم.
وبعد جريٍ متواصل، لمحتُ ضوء شمعة يلوح في نهاية النفق المظلم، كأنه سراب. كان الناجون مجتمعين على رصيف محطة "دونغتشون".
زفرتُ بارتياح… لم يغادروا بعد.
لكن ما إن اقتربتُ، حتى استلت "كيم مين-جونغ" مسدسها ووجّهته نحوي. يبدو أنّ وقع خطواتي في الظلام قد أرعبها. ولحسن الحظ، لم تطلق النار، بل التفتت بذهول نحو "يون جونغ-هو"، الذي أنزل الأنبوب الحديدي من يده وناداني بصوت عالٍ:
"السيد لي هيون-دوك!"
وما إن رأيت وجهه، حتى غلبني الغضب وصحت به:
"ألهذا الحدّ أنت متهوّر؟!"
كنت قد رفعتُ صوتي دون أن أشعر. ارتبك "يون جونغ-هو" للحظة، ثم نظر إلى الأرض، وكأنّه ارتكب خطيئة عظيمة.
قلتُ بحدة، وجبيني يقطب:
"أكان صعبًا عليك أن تعتذر؟ ماذا كنت ستفعل لو وُجد زومبي في محطة غاكسّان؟ كيف تجرؤ على جلب الناس إلى هنا، وأنت لا تعرف شيئًا عن الوضع في المحطات الأخرى؟"
ظلّ صامتًا، على عكس الأمس، لم يجادلني، بل وقف كجروٍ صغيرٍ مدركٍ لذنبه.
تنهدتُ، وتابعت تأنيبه:
"أأهمّ من نجاتهم أن تُرضيني؟ أم أن أرواحهم أثمن؟"
قال بصوت خافت:
"أعتذر…"
"فكر أولًا، رجاءً."
لقد مثّل المثال الحيّ للمثل القائل: "الجهلُ جريءٌ، والمعرفةُ محتشمة."
لقد استهان بقوة الزومبيّات.
في محطة "آنسيم"، كان القطار المعطوب يغلق أكثر من نصف المسار، ويترك فقط ممرًا عرضه ستة أمتار. أما خارجها، فالوضع مختلف، إذ إن الأرض هناك ملكٌ للزومبي، وقد كان قرار إخراج الأطفال وكبار السن مجازفة متهوّرة.
فركتُ جبهتي بيدي، بينما تجهم وجه "يون جونغ-هو".
قال بمرارة:
"كنّا نريد أن نقاتل…"
رفعتُ حاجبيّ بدهشة:
"تقاتلون؟ من؟ لو هاجمكم عشرة زومبيّات فقط، لما صمدتم دقيقة!"
قال:
"لم أقصد الزومبي."
"إذًا ماذا؟"
"أردنا أن نقاتل هذا الواقع اللعين."
تجهمتُ أكثر، وارتسمت على وجهه ملامح الحزن.
"هل تظنّ أنّ خوفنا من الزومبي؟ بل من الواقع الميت الذي نحياه. كرهنا أن نعتمد على 'جين-يونغ' لنأكل، أن نعجز عن الخروج من المحطة دون مرافق. لقد كرهنا هذا العجز."
مررتُ يدي بشعري بصمت.
العيش يومًا بيوم، بلا أمل، بلا وجهة… ذلك الإحساس أعرفه جيدًا. فقد كنت حبيس غرفة مع "سو-يون"، ننتظر فرجًا لم يأتِ.
لكن، ومع كل ما قاله… ما فعله كان متهورًا. ولو كانت لديه خطة أوضح، لهان الأمر قليلًا.
تنهدت.
"ما كانت خطتك؟" سألته.
قال: "جين-يونغ خرج للاستطلاع. وبمجرّد أن يُطهّر الطريق، كنّا نخطط لأن نسلك الدرب الذي فتحه لنا."
"وبعدها؟ ماذا كنت ستفعل إن لم يوافق رجالي في المطار على قبولكم؟"
“…”
صمت "يون جونغ-هو". كنت قد طرحت سؤالي لأرى إن كانت لديه خطة احتياطية، لكن يبدو أن مجرد طرحي للسؤال كان كافياً ليشعر بأنه مرفوض.
بدأت شفتاه ترتجفان.
قال بصوت متكسر: "أنا… هل ينبغي لي أن أركع؟ أو أن أخلع ملابسي؟ أم أتظاهر بالموت؟"
ركع "يون جونغ-هو" أمامي وحدّق في وجهي. وحين لم أُجب، بدأ في خلع قميصه. أمسكت ذراعه وطلبت منه أن يتوقف. لكنه ارتبك وأصرّ على خلع ملابسه. وعندما صرخت فيه أن يتوقف، صرخ في وجهي وعيناه دامعتان حمراء من شدة التوسّل:
"أرجوك! أتوسّل إليك! أعلم أنك قوي. أعلم أنك تستطيع حمايتنا. إن لم تكن راغبًا في حمايتي، فاحمِ الآخرين هناك. وإن لم تشأ حتى حمايتهم، فأرجوك… على الأقل، أرجوك احمِ الأطفال!"
ثم ركعت "كيم مين-جونغ"، التي كانت إلى جانبه، وهتفت:
"أرجوك، ساعدنا!"
قلت وأنا أحاول أن أرفعها: "انهضي. لا تفعلي هذا…"
لكنها سقطت على الأرض ورفضت أن تتحرك. راحت تضرب جبينها على الأرض وهي تبكي وتتوسّل:
"أنا آسفة… آسفة جدًا. لا أصدق أنني أطلقت عليك النار بالأمس دون أن أحاول حتى التحدث إليك… أنا آسفة حقًا."
قلت: "قلت إنه لا بأس. لا تفعلي هذا. أرجوكِ انهضي."
"سأفعل كل ما تطلبه مني. سأعمل بجد… أرجوك، أرجوك، خذنا معك."
كانت قبضتاها ترتجفان. رؤية رأسها منكسًا وكتفيها المنهارين أحزنني بطريقةٍ ما. وبدأ بقية الناجين خلفها يركعون واحدًا تلو الآخر. الأطفال كانوا ينظرون إلى الكبار بدهشة، ووجوههم بدأت تدمع. حتى الأطفال الأذكياء أحسّوا أن شيئًا كبيرًا يحدث.
وضعت رأسي بين كفيّ وتنهدت. لم أكن أقصد أن أصل إلى هذا… لكن اليأس يُجبر الناس على التخلي عن كبريائهم.
الخوف من الزومبي الذين قد يهاجمون في أي لحظة، والقلق من قلة الطعام، والرهبة من أن يكون اليوم هو الأخير، والشعور التام بعبثية الحياة… كل هذا كان ينهش أرواحهم كل يوم.
وكانوا يدركون جيدًا أنهم لا يريدون فقدان الأمل الوحيد الذي ظهر أمامهم.
ظللت صامتًا، فتحدث "يون جونغ-هو" وهو يعضّ شفته:
"أنا… كنت مغرورًا. في البداية لم أستطع الوثوق بمنظمة الناجين. أردت أن أظل بعيدًا عن الغرباء. لكنني لم أدرك خطئي إلا بعدما تخلّيتَ عنا."
"إذاً، انهض، وسنتحدث جميعًا. أرجوكم، انهضوا."
"ما حدث بالأمس… لا علاقة له بهؤلاء. كان قراري أنا، بصفتي فردًا، لا قائدًا أو ممثلًا. لذا أرجوك… خذ الآخرين معك."
عندها أدركت أنهم لن يصغوا إلى أيّ شيء أقوله الآن. حتى لو أخبرتهم أن بإمكانهم الانضمام إلينا، فلن يصدقوني. بالنسبة لهم… أنا لست قدّيسًا يجمع الناس ويحتضن الجميع.
أنا مجرّد كائن عليهم التوسل إليه من أجل البقاء. بالنسبة لهم، أنا على قمة السلسلة الغذائية.
لعقت شفتي.
"إذا كنت تصرّ… فتحدث مع السيد لي جونغ-أوك في المطار،" قلت. "السيد لي جونغ-أوك والآنسة هوانغ جي-هاي هما المسؤولان عن قبول الناجين الجدد."
"إذاً… هذا يعني أنك ستقبلنا؟"
"الأمر ليس بهذه البساطة. بمجرد أن تستعيدوا رشدكم وتصلوا إلى المطار، سيكون القرار النهائي بيد لي جونغ-أوك وهوانغ جي-هاي. ستحتاجون إلى موافقتهما."
فقط حينها، وقف "يون جونغ-هو" و"كيم مين-جونغ" وبقية الناجين خلفهم على أقدامهم.
وعندما أصلهم إلى مطار دايغو، سيتولى لي جونغ-أوك إدخالهم عبر إجراءات التحقق، بشرط أن يكون هو وهوانغ جي-هاي راغبين بذلك. لكن بما أن لي جونغ-أوك كان قد طلب مني التحدث مع الناجين عندما خرجت أول مرة إلى محطة آنسيم، فمن الواضح أنه سيكون أكثر من مرحبٍ بهم.
وإذا قبلاهم، فسيُنظر إليهما على أنهما "الطيّبان"، وأما أنا—بما أنني رفضتهم—فسأُذكَر بصفتي "الشرير".
لكن كل ذلك لم يكن يهمني، لأن من سيعيش في جزيرة جيجو هم أولئك الناجون من منظمة الناجين… لا أنا.
تنهدت بعمق، ثم تابعت:
"سنغادر حالما يعود السيد جونغ جين-يونغ. استعدوا ورتّبوا أنفسكم."
"نعم، شكرًا لك."
"اشكرني لاحقًا… عندما ينتهي كل هذا."
"حسنًا."
أومأ "يون جونغ-هو" بقوة، وفي عينيه عزيمة، وراح يهتم بباقي الناجين.
كنت أعلم أن من الوقاحة أن أحدد ما هو الخير وما هو الشر، لكن كان هناك شيء واحد أعلمه بيقين: "يون جونغ-هو" كان فقط شخصًا أخرقًا، ولا يمكن له أن يكون شريرًا.
ولم أكن مختلفًا عنه… كنت مثله، مليئًا بالأسئلة والشكوك. في الماضي، كنتُ أشك في "كيم هيونغ-جون".
بدونا وكأننا نتشارك الكثير.
….
"تومي، كم علينا أن ننتظر بعد؟"
"السيد لي هيون-دوك قال إنه سيعود قريبًا، لذا فلننتظر قليلاً."
تنهد "تومي" وهو يحاول تهدئة تذمّر "أليوشا". عندها تحدث قائد القوات الروسية، الذي كان واقفًا ويداه متقاطعتان بصمت:
"لا يمكنني الانتظار أكثر. دعونا نتحرك بأنفسنا."
"لا. السيد لي هيون-دوك قال أن ننتظر."
"ومنذ متى أصبح هو القائد؟ أنا وصيّك. لا تنسَ هذا."
"لكن… قال إن ما زال هناك زومبي داخل معهد أبحاث الدماغ."
"كم تظن أن عددهم؟ إن كانوا زومبي شوارع، يمكننا التعامل معهم. ويبدو أن هذا الرجل، لي هيون-دوك، قد شقّ الطريق بالفعل. دعنا نذهب وحدنا."
حمل القائد بندقيته ونهض، وانضم إليه خمسة عشر جنديًا روسيًا. ولوّح "تومي" بيديه بشدة:
"أرجوكم، لا تفعلوا. لا فائدة من التقدم وهو قال لنا أن نبقى."
"نحن لا نحتاج مساعدته. نحن فقط بحاجة للذهاب إلى المعهد واستعادة شبكة الطاقة، وبعدها يمكننا تشغيل جهاز الطرد المركزي أو أياً يكن، أليس كذلك؟ هل أنا مخطئ؟"
"لكن لا داعي لتحمّل المخاطر…"
"ألم نتفق على أننا سنفترق عند الوصول إلى معهد أبحاث الدماغ؟ نحن نحتاج فقط لصنع اللقاح، وهؤلاء سيذهبون إلى جزيرة تدعى جيجو، أليس كذلك؟"
“…”
عضّ "تومي" شفته السفلى وصمت.
كان القائد محقًا، لكن شيئًا ما بدا غير مريح بداخله.
كان من الصعب عليه أن ينسى منظر "لي هيون-دوك" عندما عاد مغطى بدماء الزومبي. وكانت الوثائق التي عاد بها… مشبوهة بشكل واضح. لم يكن لها علاقة باللقاحات.
إحدى الوثائق تحدثت عن "زيادة الطاقة الحركية للفيروس". لم يستطع "تومي" إلا أن يتساءل إن كان البحث يهدف إلى تسريع نشاط الفيروس لدرجة تؤدي إلى التدمير الذاتي. كانت الأوراق مليئة بأبحاث وبيانات لا يستطيع فهمها.
كان يأمل أن يعثر في المعهد على عينات تُفسر كل هذا. وبينما كان غارقًا في تفكيره، جهّز القائد بندقيته وقال:
"لنذهب."
ظلّ "تومي" واقفًا في مكانه، لا يدري ما يفعل. أمسكه القائد من قميصه وسحبه للخارج.
وبينما كان يبتعد أكثر عن الرصيف، لم يستطع إلا أن يسترجع آخر لحظة رأى فيها "لي هيون-دوك" — يركض على القضبان نحو الناجين، وهو يصرخ قائلاً له أن ينتظره هناك.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬