▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بقلبٍ يثقلُه شعور الخسارة، وكأن العالم انهار فوق رأسه، حاول أليوشا جاهدًا أن يمسح السائل المتناثر عن الأرض.
"لا… لا… لا!"
لكن لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب. لم يعد هناك سبيل للعودة. قبض أليوشا على كفيه المرتجفتين، ثم صبّ كل غضبه في لكمةٍ على الأرض. تمتم بالسباب بلغته، يلوم نفسه على حكمه الأحمق.
تطلّعت جي-أون إلى تومي وأليوشا بنظرات خاوية لبعض الوقت، ثم استدارت نحو الأمام، ناشرةً أصابعها العشر على وسعها.
كانت طلقات الرصاص تقترب، وصيحات الجنود تملأ أرجاء المبنى. وبعد لحظات، وصل القائد إلى السلالم التي تربط الطابق الأول بالثاني. كان مغطى بدماء الزومبي، يترنح نزولًا ووجهه يرتجف من الرعب. فجأة، قفز عليه زومبي من الطابق الثاني وسحقه من الأعلى.
"آاااااه!!!"
صرخته دوت في بهو المبنى. حتى الجنود الذين كانوا واثقين من أنفسهم حتى لحظات مضت، لم يصمدوا دقيقة أمام هؤلاء الزومبي المسعورين.
لقد كانت إبادة تامة.
راحت جي-أون تحرّك رأسها بسرعة، تتأرجح بنظرها بين أليوشا والزومبي. قطّبت حاجبيها بشدة، فتكشفت التجاعيد على وجهها، وتصاعد البخار من جسدها فيما بدأت أصابعها تطول وتتحول إلى مخالب حادة.
ثم اندفعت نحو الزومبي، ملامحها تنضح بالجنون أكثر من وحشيتهم هم أنفسهم.
….
بعد أن أوصلت الناجين من دايغو بأمان إلى المطار، توجهت مباشرة إلى مدينة الابتكار برفقة المتحولين من المرحلة الأولى. كنت أعلم أن شيئًا قد حدث في محطة آنسيم، إذ إنني أستطيع أن أستشعر مواقع أتباعي بعقلي.
جي-أون، التي كانت في محطة آنسيم، انتقلت الآن إلى معهد كوريا لأبحاث الدماغ، وكانت قد أرسلت إليّ إشارة بأنهم واجهوا زومبي هناك. رغم أنني كنت قد أوصيت الروس بالانتظار، يبدو أنهم تجاهلوا الأمر واندفعوا نحو المعهد بمفردهم.
الوقت لم يكن في صالحي.
فالزومبي المسعورون لم يكونوا خصمًا يمكن لرجال الأمن الروس المسلحين أن يواجهوه. لم يكن من المجدي استخدام الرصاص أو السكاكين؛ فالحل الأنجع هو إحراقهم بالكامل.
ركضت دون توقف حتى وصلت إلى معهد أبحاث الدماغ. كانت الصرخات وطلقات الرصاص تصم أذنيّ، والضجيج المتصاعد سيجذب بالتأكيد الزومبي المنتشرين في الشوارع.
"أنتم، أَمنوا المدخل."
كييييااا!
تركت عشرة من متحوّلي المرحلة الأولى عند مدخل المبنى "أ"، ثم اندفعت إلى الداخل مباشرة. وهناك، رأيت جي-أون تمزق الزومبي إربًا.
جسدها المرن كان يلتوي يمينًا ويسارًا، تتحرك بأصابعها كما لو أنها ترقص وسط المعركة. لم تكن تكتفي بقطع رؤوسهم، بل كانت تمزق أجسادهم كاملة. ويبدو أنها قد أدركت أن قطع الرأس وحده لا يقتلهم.
حولت بصري بعيدًا عن جي-أون، لأرى أليوشا وتومي إلى جانبها. تومي كان ممددًا على الأرض بلا حراك، فيما كان أليوشا يحدق في الفراغ بعينين زائغتين. هرعت نحو أليوشا.
"ما الذي حدث؟ ولماذا تومي على هذا الحال؟"
“Он потерял сознание.”
لم أفهم شيئًا مما قاله. وبدون تومي، لن أستطيع التواصل مع أليوشا أو بقية الروس.
ظل أليوشا يتمتم بكلمات روسية لا أفهمها، كأن روحه قد فارقت جسده. نقرت لساني بتأفف وانحنيت أفحص تومي. كان قميصه مشبعًا بدماء الزومبي، لكنني لم أرَ عليه أي آثار عض. يبدو أنه فقط فقد وعيه من الصدمة.
حملت تومي على ظهري، وانطلقت نحو مدخل المبنى "أ". فمهما كانت الزومبي المسعورة شرسة، فلن تستطيع مجاراة جي-أون.
كنت أنوي الخروج بتومي وأليوشا والعودة إلى المطار بينما تُبقيهم جي-أون منشغلين، لكن وقبل أن أعبر الباب، أرسل إليّ أحد متحوّلي المرحلة الأولى إشارة ذهنية:
* عدوّ قادم.
كما توقعت، الزومبي من الشوارع بدأوا يتقاطرون نحو المعهد. كنت قد نظفت الشوارع التي تربط محطة آنسيم بمدينة الابتكار، لكن باقي الشوارع كانت مفتوحة. تلقيت إشارات متتابعة، وأدركت أن مئات، بل آلاف الزومبي، يتدفقون من جهة المباني الحكومية المقابلة، كموجٍ جارف.
كان إطلاق النار قد أيقظ المدينة الصامتة، فتحولت إلى صدى متواصل لا نهاية له.
أدركت أنني لن أستطيع حماية تومي وأليوشا إذا وقعت محاصرًا خارجًا وسط هذا السيل. لذا قررت أن أُنهي أمر الزومبي داخل المختبر أولًا، ثم أجد لهما مكانًا آمنًا إلى أن تهدأ الأوضاع في الخارج.
قطّبت حاجبيّ، واتجهت إلى غرفة استراحة الباحثين التي رأيتها سابقًا. كان هناك سريران صغيران، فوضعت تومي على أحدهما، ثم التفتُّ إلى أليوشا وقلت:
"ابقَ هنا."
“Почему?
ثم خاطبته بالإنجليزية، آملًا أن يفهمني:
“Stay! Wait!”
هز أليوشا رأسه بحماسة، ويبدو أنه فهم إنجليزيتي الركيكة. تركت غرفة الاستراحة، وعيناي الزرقاوان تتوهجان، ثم رفعت من سرعة تدفّق دمي وانطلقت نحو الزومبي المسعورين.
…
في تلك الأثناء، كان لي جونغ-أوك وهوانغ جي-هي يعكفان على تسجيل يون جونغ-هو ومرافقيه في منظمة الناجين. وفي الجانب الآخر، كان بارك كي-تشول ولي جونغ-هيوك يساعدان موظفي الخطوط الجوية في فحص الطائرات. لكن بينما كان بارك كي-تشول يتحاور مع الموظفين، بدت ملامحه متجهمة.
راح ينظر حوله وكأنه يبحث عن شخصٍ ما. وما إن وقعت عيناه على كيم هيونغ-جون يقف فوق سطح المبنى، حتى صرخ باسمه:
"هيونغ-جون! انزل حالًا، يجب أن ترى هذا بنفسك!"
قفز كيم هيونغ-جون دون أن ينبس بكلمة.
"ما الأمر؟" سأل.
"لدينا مشكلة. يقولون إن الوقود النفاث لا يكفي."
"ماذا؟ ألم يملؤوا الخزانات كاملة في مطار غيمبو؟"
"يبدو أن كمية الوقود في مطار غيمبو لم تكن كافية، فوزّعوها بالتساوي على جميع الطائرات لتتمكن فقط من بلوغ مطار دايغو."
"هممم… وماذا نفعل الآن؟ هل يعني هذا أننا لا نستطيع التوجه إلى جزيرة جيجو؟"
يبدو أنهم بالكاد يملكون ما يكفي من الوقود للوصول إلى جيجو.
هرش كيم هيونغ-جون رأسه بقلق، ثم هرول نحو لي جونغ-أوك الذي كان لا يزال منشغلًا بالفحوصات.
"السيد لي جونغ-أوك!"
توقف لي جونغ-أوك عن فحص يون جونغ-هو واستدار نحوه.
"هل حصل شيء؟"
"العم كي-تشول قال إن الوقود النفاث ناقص."
"وقود الطائرات؟"
قطّب لي جونغ-أوك حاجبيه ونظر نحو الطائرات على المدرج. بدا عليه التوتر، فلم يتوقع أن تكون العقبة الأخيرة مجرد نقص في الوقود.
ثم هرش جبهته بقلق، لكن قبل أن يعلّق، تحدث يون جونغ-هو الذي بدا أنه التقط الحديث مصادفة:
"أمم… إن كنتم تتحدثون عن وقود الطائرات، فأنا أعرف مكانًا يمكننا أن نجد فيه بعضًا منه."
"أين؟"
"هناك محطة تزويد وقود بعد محطة بانغتشون."
ما إن سمع لي جونغ-أوك كلمات "محطة وقود"، حتى انفرجت ملامحه قليلًا، وحدّق في كيم هيونغ-جون، الذي بدوره التفت إلى يون جونغ-هو وسأله:
"هل تبعد محطة بانغتشون كثيرًا من هنا؟"
"إنها قريبة. هل ترغب أن أكون دليلًا لكم؟" قال بحماسة.
ابتسم كيم هيونغ-جون ابتسامة جانبية.
"جميل. أول مهمة لك في منظمة الناجين، بعد انضمامك مباشرة."
ابتسم يون جونغ-هو ابتسامة محرجة وهو يحك مؤخرة عنقه.
"لا بد أن أساعد بطريقة ما."
أومأ لي جونغ-أوك وقال:
"إذن، السيد كيم هيونغ-جون، رجاءً قرر من سيرافقك إلى محطة الوقود. لا يزال عليّ إنهاء تسجيل البقية."
كان طابور الناجين لا يزال طويلًا أمام لي جونغ-أوك. أومأ كيم هيونغ-جون برأسه، ثم انطلق نحو دو هان-سول وأطلعه على الوضع، فسأله دو:
"هل أذهب أنا؟"
"لا، سأذهب بنفسي. سأترك أحد متحوّلي المرحلة الأولى هنا تحسبًا لأي طارئ."
"حسنًا، انتبه لنفسك."
أومأ دو هان-سول بمرح، بينما أخذ كيم هيونغ-جون يبحث عن رفاقٍ يرافقونه.
وبعد لحظات، اجتمع كل من بارك كي-تشول، ويون جونغ-هو، وموظفي الخطوط الجوية. وكان وجود موظفي الخطوط ضروريًا، لأن الثلاثة الآخرين لا يعرفون تحديدًا نوع الوقود المطلوب للطائرات.
لكن أمرًا ما أقلق كيم هيونغ-جون: لم يكن بإمكانهم استخدام الأنفاق أو المسارات الأرضية، لأن "مود-سوينغر" عليه أن يحمل خزان الوقود الكبير.
رغم إدراكه لخطورة السير في الشوارع، إلا أنه لم يشعر بالقلق؛ فلديه تسعة متحوّلين من المرحلة الأولى، و"مود-سوينغر" بجانبه.
"أيها الجميع، احموا الناجين مهما كلّف الأمر."
كييييااا!
اصطف المتحوّلون التسعة حول بارك كي-تشول ويون جونغ-هو وموظفي الطيران. ثم نشّط كيم هيونغ-جون حواسه وقال لفريقه:
"لقد نلنا قسطًا كافيًا من الراحة، هيا نبدأ. ابقوا متيقظين وتابعوني."
"حاضر!"
زفر كيم هيونغ-جون، ثم خرج إلى الشوارع. كانت المباني الصغيرة تصطف كتفًا إلى كتف على الجانبين. مشى متقدمًا ثلاثين مترًا أمام المجموعة، مركزًا على سمعه وبصره.
كان يقضي على كل زومبي يظهر في طريقهم قبل أن يضطر أحد لفعل شيء. فانبهر يون جونغ-هو بما رأى، ثم همس إلى بارك كي-تشول:
"هل كنتم تفعلون هذا دائمًا؟"
"لقد كان روتيننا اليومي."
"ألا تشعرون بالخوف؟"
انفجر بارك كي-تشول ضاحكًا.
"طبعًا. ومن لا يخاف؟" أجاب. "لكن كان علينا النجاة، ولم يكن لدينا خيار آخر. هذا الطريق هو الطريق الوحيد."
أومأ يون جونغ-هو برأسه وقد بدا عليه التأثر، ثم قال بنبرةٍ جادة يشعّ منها الحماس:
"كل الاحترام لكم جميعًا. من الآن فصاعدًا، أرجو أن تعلّموني طريقتكم."
ضحك بارك كي-تشول وقال:
"أي احترام؟ إن كنت تثق برفاقك، فستبذل جهدك لا شعوريًا، هذا كل ما في الأمر."
ثم أشار بذقنه نحو كيم هيونغ-جون:
"انظر إليه. شخص يمكن الاعتماد عليه فعلًا."
كان كيم هيونغ-جون يتقدم دون تردد، يفتك بالزومبي أمامه بثقة وهدوء. ومع كل خطوة يخطوها، شعر يون جونغ-هو براحة غريبة تغمر قلبه، وكأن حضوره وحده يبث الطمأنينة.
سأل يون جونغ-هو:
"ذلك الشخص في الأمام… ما اسمه؟"
"هيونغ-جون. كيم هيونغ-جون."
"ما علاقته بالسيد لي هيون-دوك؟ لديه أيضًا عيون زرقاء."
"علاقته؟ إنهما زميلان."
"هل حصل خلاف بينهما على القيادة؟ كلاهما قوي للغاية."
عند سماعه هذا السؤال، تقلصت ملامح بارك كي-تشول بوضوح. وحين لاحظ يون جونغ-هو ردة فعله، سارع بالاعتذار.
"آسف. يبدو أنني قلت شيئًا لا ينبغي قوله."
"لا، لا بأس. فقط… لم يخطر ببالي هذا الأمر من قبل. سؤالك فاجأني فحسب."
"آه…"
"لمَ يفكران في ذلك، وهما لا يعلمان حتى إن كانا سيعيشان للغد؟ لمَ يتقاتلان، وهما يعلمان أننا لا نستطيع النجاة إلا معًا؟ ألا ترى ذلك منطقيًا؟"
أومأ يون جونغ-هو مرارًا بإعجاب، وكأن بصيرته انفتحت على أمر لم يدركه سابقًا. في تلك اللحظة، استدار كيم هيونغ-جون وصرخ:
"العم كي-تشول! لا ثرثرة! الزومبي سيأتون إن واصلت الحديث!"
"هيونغ-جون، صوتك أعلى من صوتي!"
ضحك بارك كي-تشول ووضع إصبعه على شفتيه. لم يستطع يون جونغ-هو كبح ابتسامته، فقد شعر للمرة الأولى منذ زمن بعيد أنه محظوظ بانضمامه إلى منظمة الناجين.
ابتسم ابتسامة خالصة جعلت عضلات وجهه تتصلّب من قلّة استخدامها.
وبعد مسيرٍ طويل، بدأوا يلمحون ملامح محطة الوقود تلوح في الأفق. أشار يون جونغ-هو نحوها وقال:
"هناك."
أشار كيم هيونغ-جون للآخرين بالتوقف، ثم تقدم وحده ليتفقد المكان.
بانغ!
دوّى صوت طلقة نارية في اللحظة التي اختفى فيها عن الأنظار.
الطلقة خرجت من داخل محطة الوقود.
ارتمى بارك كي-تشول ويون جونغ-هو وموظفو الطيران أرضًا فورًا. فتح بارك كي-تشول عينيه بدهشة، وقد شعر أن هناك أمرًا مريبًا، فأمسك بياقة قميص يون جونغ-هو بعينين تقدحان شررًا.
"أنت! لماذا لم تخبرنا أن هناك أشخاصًا هنا؟"
"ماذا؟ أ… أنا لم أكن أعلم، أقسم لك!"
"أمتأكد أنك لم توقعنا في فخّ؟"
"لماذا أفعل ذلك؟ هل تظنني مجنونًا؟ لا تكن سخيفًا! أنا أعلم تمامًا من هما كيم هيونغ-جون ولي هيون-دوك!"
بدت الحيرة واضحة على وجه يون جونغ-هو، وأخذ يلوّح بيديه محاولًا إثبات براءته.
حدّق بارك كي-تشول في عينيه، ثم تركه وتنهد بحدة. بدا له أن الرجل لا يكذب، بل كانت عيناه تلمعان بالذهول، لا الخداع.
وهذا يعني أن الناجين الآخرين قد استولوا على محطة الوقود.
وبعد لحظات، سمعوا صوت رجل ينادي من الداخل:
"هاي! أنا اللي قتلته! الجائزة الليلة من نصيبي، صح؟"
"اي جائزة يا غبي؟ أنا الذي وجدته، هو لي."
خرج رجلان من المجمع، يتبادلان الشتائم والسجائر، ويتحدثان بلهجة فظة سوقية.
غطى يون جونغ-هو فمه بيده عندما رأى وجهيهما. لاحظ بارك كي-تشول ذلك وسأله:
"أتعرفهما؟"
"هؤلاء الأوغاد… كيف لا زالوا أحياء؟"
ومع ازدياد اضطرابه، وضع بارك كي-تشول يده على كتفه وقال:
"تنفّس بهدوء. أخبرني من هم هؤلاء؟"
"إنهم جنود… الجنود الذين دافعوا عن دايغو."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬