▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أغمضتُ عينيّ، وجلستُ في غرفة الاجتماعات وحدي، لا يرافقني إلا أفكاري المتشابكة.
كان الليل قد ازداد عمقًا. وكان عواء الرياح القادمة من النهر أشبه ببكاء شبحٍ حزين.
في تلك الرياح العاتية، كان كيم هيونغ-جون يشق طريقه نحو مطار غيمبو. على الأرجح، سلك طريق "غانغبيونبوك"، ليعبر بعدها جسر "سيوغانغ" إلى غانغنام.
كنت أعلم مسبقًا أنه لا مفرّ من مواجهة قوات العائلة هناك. تساءلتُ في داخلي عمّا إذا كان من الأفضل أن أستدرج انتباههم قليلًا لتخفيف الضغط عنه، لكنني كنت أعلم أيضًا أن خطوةً كهذه لن تكون سوى استفزاز لهم.
راودني شعور بأنني يجب أن أفعل شيئًا… أي شيء، وهذا الشعور أخذ ينهشني من الداخل. كانت رأسي تعجّ بأفكار متضاربة، مبعثرة لا يمكن لملمة أطرافها.
أردتُ أن أتخلّص من هذا التوتر بأي طريقة، حتى وإن كان ذلك يعني مواجهة الرياح العاصفة خارجًا.
غادرت غرفة الاجتماعات وتوجهت إلى مدخل الفندق. كان هناك زومبي أرجواني اللون يقف في الخارج.
كان تابعًا لكيم هيونغ-جون.
وقفت أتأمل ذلك الزومبي، وتساءلت في سري: هل سأظلّ عاقلًا إن فقد هذا الكائن لونه؟ كنت متأكدًا أنه إن حصل ذلك، فإن الحزن العارم والانفجار العاطفي المفاجئ سيجثوان بي أرضًا.
عضضت شفتي بمرارة، وحدّقت في سواد نهر الهان الموحش.
عندما تنفّستُ الرياح الباردة القادمة من النهر، خفّت وطأة الضيق في صدري… ولو قليلًا.
"لا… لذلك… لأنّ…"
"هل… يعمل؟"
"أنا أيضًا… القادة…"
التقطت أذناي شيئًا مثيرًا للاهتمام. وسط صفير الرياح، خُيّل إليّ أنني سمعت همسات.
نظرتُ حولي، ولاحظتُ بعض الأشخاص يتحدثون في الطابق الخامس من الفندق، في إحدى الغرف التي تهشّمت نوافذها.
الكثير من الغرف في فندق "ووكيرهيل" أصبحت خالية بسبب الضرر الذي تسبب فيه المتحوّل حين تسلق الجدران.
لكن الأصوات كانت تأتي من واحدة من هذه الغرف الخالية.
قفزتُ عبر النافذة ودخلت الغرفة التي خرجت منها الأصوات.
"يا للهول!"
"ماذا بحق الجحيم؟!"
فزع الناجون الموجودون داخل الغرفة من اقتحامي المفاجئ. كان هناك أربع نساء وثلاثة رجال يجلسون في دائرة حول شمعة، يتبادلون أطراف الحديث.
كان المشهد غريبًا.
قلتُ بنبرة هادئة: "الوقت متأخر. لماذا لا تنامون؟"
سيدة في الخمسينات من عمرها وضعت يدها على فمها وضحكت بافتعال: "ماذا؟ آه… هاها… لم أستطع النوم لسببٍ ما."
جلستُ بجانبهم وقالت هي: "يا له من شرف! لا تظن أننا سنطردك، أليس كذلك؟"
نظرت إلى من معها محاولةً قراءة وجوههم، بينما تبادل الآخرون نظرات خجولة وابتسامات متكلفة.
لم يكن في الغرفة أي شاب. بدا أن معظمهم في الأربعينات أو الخمسينات.
تنهدتُ وسألت: "عن ماذا كنتم تتحدثون؟"
قهقهت السيدة وقالت: "لا شيء مهم. مجرد أحاديث عابرة، كما تعلم، لا شيء يستحق الذكر."
لكن نبرتها تلك أزعجتني. أدركت فورًا أنها من النوع الذي يحب النميمة ويتصدر الجلسات لكثرة ثرثرته.
أجبتها بابتسامة خفيفة:
"هل هناك ما يزعجكم في إقامتكم معنا؟"
"بالطبع لا! نحن ممتنون لكل ما فعلتموه، السيد لي هيون-دوك."
"إن كان هناك أي شيء يزعجكم، فهذه فرصتك لتخبري به. سأنقل كل شيء للقادة."
أضاءت عيناها فورًا، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة. لم يخفَ عني أنها كانت متحمّسة لتشتكي.
نظرت حولها ثم قالت وهي تشير لأحد الرجال: "أمم… بخصوص السيد كيم هيونغ-جون. ألم تقل شيئًا عن آخر مرة رأيته فيها؟ أليس كذلك، السيد كيم؟"
ذلك الرجل في الخمسينات بدا متفاجئًا لأنه ذُكر فجأة، لكنه أجاب:
"هاه؟ آه، نعم… نعم، فعلت."
تابعت السيدة كلامها وهي تمصّ شفتها:
"أظن أن السيد كيم والسيد لي جونغ-أوك… كأنهما تشاجرا؟ لا أعلم إن كان هذا التعبير دقيقًا، لكن بدا وكأنه شجار. كنا نتساءل إن كنت تعرف شيئًا عن الأمر."
قلت وأنا أراقب وجوههم:
"أعتقد أنكم رأيتم تفاعلهما. كنت سأشرح كل شيء في اجتماع الغد، لكن لألخّص: لقد تصالحا."
"هاه؟"
رمقتني السيدة بدهشة.
ابتسمتُ بخفة.
"بدا وكأن بينهما خلافًا."
"أكثر من مجرد خلاف! سمعنا أن لي جونغ-أوك ضرب كيم هيونغ-جون بمسدسه، وأن هوانغ جي-هيه تدخلت لتفصل بينهما… قيل إن الموقف كان فوضويًا."
"من الذي ينشر هذا الهراء؟"
"هاه؟ حسنًا… السيد كيم هو من أخبرني بذلك…"
وبحركة خاطفة، حمّلت الرجل المسؤولية.
كانت بارعة في التمثيل وتغيير الأدوار.
فجأة، صوّب الجميع أنظارهم إلى الرجل، ففتح عينيه واتسعت ملامحه:
"السيدة كواك! أنت تعلمين أنني لم أقل ذلك!"
"لا تصرخ في وجهي! أنا فقط أكرر ما قلته لي!"
"أنتِ تفهمين كل شيء غلط!"
بدأ صوته يعلو، فتدخلتُ رافعًا يدي:
"كفى، لا ترفعوا أصواتكم. الزومبي لديهم آذان حادّة."
"أهممم…"
"آه، تبًّا…"
ضغط الرجل على شفتيه ضيقًا، بينما أصدرت السيدة كواك صوتًا ساخرًا.
عندها، أدركت أن هؤلاء السبعة هم على الأرجح قادة الطوابق، تجمعوا بعد التعداد المسائي ليمارسوا هوايتهم المفضلة: النميمة.
ضحكتُ في داخلي وقلت:
"أظن أنكم فهمتم الموقف بطريقة خاطئة."
فقالت السيدة كواك بسرعة، محاولة التقرّب مني:
"أنا كنت أقول ذلك أصلًا، السيد لي هيون-دوك! أليس كذلك، السيد كيم؟"
أصبحت نظراتهم وتصرفاتهم تثير السخرية… لكنني كنت أعلم أنه لا يمكنني تجاهلهم أو طردهم. إنهم جزء من الهيكل الداخلي للمأوى، ويجب التعامل معهم بحذر.
تنهدت، وقلت:
"هيونغ-جون قال إنه سيذهب إلى حي ماجانغ لتقوية أتباعه. أما جونغ-أوك فحاول منعه."
"انتظر، ولماذا؟"
عيون السيدة كواك امتلأت بالفضول.
كنت أعلم أن قول الحقيقة لهؤلاء لا يجلب إلا المتاعب. يكفيني أن أقدّم لهم بعض الحقيقة، تلك التي يريدون سماعها فقط.
ابتسمتُ بخفة وواصلت الكذب:
"كان يعلم أن صدّ المتحوّلين سيكون صعبًا في غياب هيونغ-جون. كلاهما كان معه حق، ولهذا وقع خلاف بسيط بينهما."
عندها، عقد السيد كيم حاجبيه وقال… …
"ماذا عن لي جونغ-أوك الذي ضرب كيم هيونغ-جون بمسدسه؟ رأيت ذلك بعينيّ الاثنتين."
حككت صدغَي بتنهيدة خفيفة وقلت:
"هل رأيت أين ضربه تمامًا؟"
"أعتقد… في ساقيه؟"
"ذلك لأن هيونغ-جون قال إنه سيغادر دون أن يُفكّر في العواقب. فضربه لي جونغ-أوك محاولًا منعه من الذهاب. لكنّ التوتر تصاعد بينهما، فتدخلت هوانغ جي-هيه وأخبرتهما أن هذا ليس أمرًا يستحق الشجار."
"آه… هل هذا ما حدث؟"
بدت ملامح التصديق على السيد كيم، فيما أخذ الآخرون يومئون برؤوسهم بصمت.
وبعد برهة، نقرت السيدة كواك بلسانها وقالت:
"أرأيت، السيد كيم؟ كنت أقول لك إن ما رأيته لم يكن واضحًا. أنت تعلم كم يعمل قادتنا بجد، سواء السيد لي هيون-دوك أو السيد كيم هيونغ-جون أو السيد دو هان-سول…"
ردّ كيم محاولًا التبرير:
"قلت ما قلته لأن الأمر بدا وكأنهم يتشاجرون من بعيد."
"وهذا ما أعنيه. لا ينبغي للمرء أن يقفز إلى الاستنتاجات من دون أن يعرف الحقيقة. الآن نعلم أن كليهما كان على حق."
قالت ذلك وهي تلوّح بإصبعها لبقية من حولها كأنها تلومهم. وبرغم كونها الأكثر ثرثرة، كانت أول من تراجع عن موقفه.
في تلك اللحظة، أدركتُ خطورة الأمر إن فقد هؤلاء ثقتهم بالقادة وبدأوا بالتمرد.
لكن طالما أنهم ما زالوا يعتمدون عليّ وعلى القادة الآخرين، فإن مثل هذا التمرد لن يحدث.
ومع ذلك، كان من الضروري أن أجعلهم يدركون أن لي جونغ-أوك وبقية القادة هم السلطة العليا، وأنه لا يمكن لهؤلاء الأفراد أن يصمدوا أو يديروا أي أمر من دونهم.
رغم أن هذا الأسلوب بدا مألوفًا، أقرب لما فعله زعيم غوانغجانغ، إلا أنه كان ضروريًا لضمان الاستقرار.
كنت أعرف أن منعي للصراعات بين الناجين أهم بكثير من أي مشاعر شخصية.
ابتسمت ابتسامة واسعة:
"يسعدني أن كل سوء الفهم قد زال."
رفعت السيدة كواك صوتها بحذر:
"أمم… السيد لي هيون-دوك؟"
قرأتُ من تعبير وجهها أنها مترددة بشأن سؤالها.
ابتسمت لها مطمئنًا:
"تفضّلي. سأجيبك عن أي شيء يخطر ببالك."
"أمم… بشأن ما قلتَه سابقًا… ذكرتَ أن السيد كيم هيونغ-جون خرج مع أتباعه… هل هذا يعني أنه عائد من ماجانغ-دونغ الآن؟"
"إنه ذاهب إلى ماجانغ-دونغ لتقوية عدد أتباعه، وسيعود بعد أن يستطلع جسر سيوغانغ."
"جسر سيوغانغ؟"
"نعم. قال الناجون من غانغنام إن قوات العائلة تخطط لعبور الجسر من هناك."
كنت أعلم أن أفضل الأكاذيب هي تلك التي تمزج القليل من الحقيقة بالكثير من ما يريد الناس تصديقه. فتنقلت بين الصدق والافتراء، مانحًا إياهم ما يريحهم.
صفّقت السيدة كواك بيديها وقالت بانفعال:
"آه، هذا ما كان إذًا! كنت أتساءل إلى أين ذهب بكل أتباعه!"
ثم رمقتها بنظرة فيها عتاب وقلت:
"لقد كان يخاطر بحياته من أجلنا طوال هذا الوقت، ويبدو أنكم شككتم فيه… لا أخفيكم أنني أشعر بخيبة أمل. سأخبره بكل هذا عندما يعود."
ضحكت وكأنني أمزح، فبادرت السيدة كواك بالاعتذار سريعًا:
"آه، لا، لا، أرجوك، لا تخبره! أنا آسفة، آسفة بحق، لم نكن نفكر بعقلانية!"
طمأنتها:
"لا داعي للقلق. الأحداث الأخيرة كانت كثيرة، ولم نستطع إطلاعكم على كل شيء في حينه. لا ألومكم على هذا الالتباس."
"ومن نلوم إذًا؟ الزومبي في الشوارع بالطبع! إنهم السبب في كل شيء! لقد قلتُ أشياءً سخيفة، أنا آسفة يا سيد لي هيون-دوك."
أومأت لها بابتسامة متفهمة.
فأمسكت بيدي، وكانت على وشك البكاء.
تفاجأت من لمستها المفاجئة، لكنني ضبطت ملامحي بسرعة.
قلتُ:
"الناجون من غانغنام والناجون من المركز الطبي يتعاونون معنا بصدق، لذا أرجو أن تحسنوا معاملتهم."
"أوه، بالطبع! هل رأيتنا يومًا نسيء للوافدين الجدد؟"
"أنا ممتن لأنني أستطيع الاعتماد عليكم."
"سنبذل جهدًا أكبر. وأنت أيضًا، استمر في عملك العظيم، يا سيد لي هيون-دوك."
ربتت على ساعدي وابتسمت. فبادلتها بابتسامة دافئة.
"إن كان هذا كل شيء، فسأقوم بجولة استطلاعية الآن. ارتاحوا قليلًا، فغدًا بانتظارنا."
قالت السيدة كواك:
"كنا على وشك إنهاء حديثنا أيضًا."
"أوه، أرجو أن لا أكون قد أفسدت سهرتكم. يمكنكم المتابعة إن أردتم."
"لا، لا. لقد حصلنا على كل الأجوبة. لا شيء آخر نتحدث عنه الآن. علينا أن ننام مبكرًا استعدادًا للغد."
ثم أطفأت السيدة كواك الشمعة، ونهضت، وتبعتها البقية.
وعندما خرج القادة من الغرفة، أسرعت السيدة كواك نحوي وأمسكت بيدي مجددًا.
قالت:
"أعطِ هذه لابنتك."
"آه… لا داعي، لا أدري إن كنت أستطيع أن…"
"لا بأس، لا بأس. لنجعلها سرًا بيني وبينك."
أعطتني بعض الحلوى، فابتسمتُ لها وشكرتها بإيماءة خفيفة.
لوّحت لي وهي تغادر، ومن الباب الذي بقي نصف مفتوح، سمعت صوتها مرة أخرى:
"أرأيتم؟ الآن صدقتم كم هم طيبون؟ كيف شككتم فيهم؟"
فرد السيد كيم:
"لا، أنتِ من سبّب كل الإحراج."
"بل أنت من تكلم فجأة دون تفكير."
واصلت السيدة كواك والسيد كيم جدالهما في الردهة، وهي، وإن كانت نمّامة بارعة، لم تكن سوى "خالة" تقليدية تحب الثرثرة.
تنهدت، وعدت بنظري نحو النافذة.
لطالما عرفت أن أصعب ما في الحياة هو إدارة العلاقات البشرية.
وأدركت أن عليّ التحدّث عن قادة الطوابق في اجتماع الغد. عليّ أن أُخبر الجميع أن يصغوا إليهم، وينقلوا إليهم كل ما يلزم من المعلومات.
لا يمكن السماح لأي توتر بأن ينمو في غياب كيم هيونغ-جون.
فقد كانت مسؤوليتي، كحارس دفاع المأوى، أن أُحافظ على الأجواء، وأن أمنع أي صراع محتمل.
لم يكن لدي ترف الحزن أو الجمود.
كان عليّ أن أتهيأ للخطوة القادمة.
“سيكون الغد مزدحم بلا شك…”
تنفستُ بعمق، وأخرجت زفيرًا طويلًا، ثم وضعت الحلوى في جيبي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪