▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ظلت هوانغ جي-هي تنظر إلى نهر الهان بصمت طويل، ثم قطعت السكون أخيرًا وقالت:
"بماذا تفكر؟"
"أحاول فقط أن أستمتع بلحظتي الحالية."
"غريب، لا أنكر أنني متفاجئة. كنت تبدو دومًا وكأن هناك الكثير يشغل بالك."
"حين أرتاح، أحرص أن أرتاح فعلًا. أحدهم قال لي ذات مرة إنك لا تجد وقتًا للاستمتاع بنفسك، بل يجب أن تصنعه بيدك."
ضحكت وأنا أسترجع كلمات لي جونغ-أوك، وكررتها على مسامع هوانغ جي-هي. أمالت رأسها وحدّقت بي.
"مفاجئ أن تقول شيئًا كهذا."
"لماذا؟ غريب أن أقول هذا النوع من الكلام؟"
"فقط… يبدو وكأنه شيء كان سيقوله لي جونغ-أوك."
"هو في الواقع من قاله لي."
"هاهاها!"
انفجرت هوانغ جي-هي ضاحكة من أعماقها. صدقها كان أحد الجوانب التي جعلتها شخصًا محبوبًا.
فركت عنقي بخجل، فيما تابعت هوانغ جي-هي التحديق بي. نظرتها أزعجتني قليلًا، فبلّلت شفتيّ وسألت:
"لماذا تنظرين إليّ هكذا؟"
"يبدو أنك تملك جانبًا خجولًا. لست هكذا وأنت تقاتل."
"لطالما كنت شخصًا خجولًا. لست اجتماعيًا أبدًا."
"لكني لا أراك كذلك."
أجبتها بصراحة:
"حسنًا… لو بقيت كما كنت، لكانت سو-يون في خطر. ما كنا لننجو إن لم أتغيّر."
أومأت هوانغ جي-هي ببطء، ثم نظرت من جديد نحو نهر الهان. أخرجت سيجارة.
"كان حبيبي شخصًا مفعمًا بالحيوية. كان يحب الظهور أمام الآخرين، حتى حين كنت أرجوه أن يتراجع خطوة."
"…"
أدرت رأسي قليلًا لأراقب وجهها من الجانب. الرياح التي هبّت من النهر خطفت دخان سيجارتها حين مرّ أمام وجهها. نفثت الدخان، وتابعت:
"بفضل شخصيته، أسسنا الملجأ وأنقذنا الكثير من الناس. أنشأ نظامًا لتنظيم الأمور، وبدأ الآخرون يتبعونه."
"…"
"في البداية، لم أحب شخصيته المنفتحة، لكنني فكرت لاحقًا… ماذا لو لم يكن هو على ما هو عليه؟ ماذا لو كان شخصًا آخر؟"
كانت عيناها تقولان بوضوح: هي تشتاق إليه.
سحبت نفسًا طويلًا من السيجارة من دون أن تقول شيئًا، ثم رمت عقبها على الأرض.
"لكن أعتقد… أن هذا هو السبب في موته أيضًا."
"…"
لم أعرف بماذا أرد. زفرت تنهيدة ثقيلة.
"حتى عندما توسّلت إليه أن يهدأ ويتصرّف بعقلانية، لم يكن يستمع."
"…"
"وفي النهاية، ذلك ما عجّل بنهايته."
ضحكت هوانغ جي-هي بخفوت ونظرت إلى وجهي. تنحنحت ونظرتُ بعيدًا، فأطلقت شخيرًا ساخرًا وتابعت:
"أتدري ما المضحك؟"
"ما هو؟"
"أني لم أعد أذكر ملامحه. لا صوته، ولا دفء جسده… مع أن الوقت لم يمضِ طويلًا."
نظرتُ إلى النهر وخدشت رأسي بحيرة. لم أفهم لماذا تحكي لي كل هذا.
ربما… ربما كانت فقط بحاجة لمن يستمع إليها.
ربما حين كانت زعيمة المجموعة، لم تستطع أن تفتح قلبها لأحد. كان واضحًا أنها وضعت موت حبيبها جانبًا، وكرّست كل يوم من أيامها لحماية الآخرين بأقصى ما تستطيع.
أخرجت هوانغ جي-هي سيجارة جديدة من جيبها وحدّقت بها بصمت، وكانت ملامحها مُرّة.
"بعد كل ما مررنا به سويًا، الشيء الوحيد الذي ما زلت أتذكّره… هو ماركة السجائر التي كان يدخنها. والمفارقة أنني كنت أزعجه دائمًا لأجل ترك التدخين…"
شحب وجهي من الحزن وأنا أنظر إليها. عبست عضلات وجهها، وعضّت على شفتها السفلى.
ربّتُّ على كتفها برفق.
"إن أردتِ البكاء، فابكي"، قلت بهدوء.
بدأت كتفاها ترتجفان بخفة، وتدفّقت الدموع التي ظلت تحبسها طويلاً. كانت رائحة السجائر لا تزال تعبق في الهواء.
تساءلت إن كان هذا هو سبب تدخينها.
ربما كانت تحاول أن تتشبّث بأي شيء يُبقي لها أثرًا من حبيبها، الرجل الذي أخذ يتلاشى من ذاكرتها كما يتلاشى دخان السيجارة. فحتى حين يتلاشى الدخان، تبقى رائحته عالقة لبعض الوقت.
حتى وإن بهتت صورته، وصوته، واللحظات التي عاشتها معه، فستظل رائحة سجائره تذكرها به.
رفعتُ عيني نحو السماء، وزفرت تنهيدة عميقة. كنت أعلم أن لا عزاء سيشفي حزنها.
كنت فقط أتمنى أن تواصل هوانغ جي-هي المضي قدمًا نحو مستقبل أكثر إشراقًا، وهي تحمل ألمها معها.
الزفاف… أصبح أكثر من مجرد حفل زفاف للكثيرين.
❃ ◈ ❃
في تلك الليلة… بدأ المطر يهطل.
جاء المطر بشكل مفاجئ في منتصف نوفمبر، وكان مناسبة لكثير من الناجين ليسترجعوا ذكريات الماضي. جلسوا بجوار النوافذ يتأملون بصمت الخارج.
تشرّبت الأشجار بالمطر، وتكوّنت حولنا ضبابات كثيفة. جلستُ بجوار النافذة في الطابق الخامس عشر مع سو-يون، نراقب العالم وهو يُغمر بالماء. قالت إنها تحب صوت المطر، بل بدأت تدندن ضاحكة.
نظرت إليها وابتسمت.
جلستُ وهي في حضني، نراقب المشهد خارج النافذة وقتًا طويلًا، أرجو في قلبي أن يغسل هذا المطر النقي شرور هذا العالم المضطرب والملعون.
وبعد فترة، جاءني لي جونغ-أوك عابسًا.
"ما قصة هذا المطر في يوم الزفاف؟"
ابتسمت له مجيبًا:
"يقال إن المطر في يوم الزفاف يعني أن حياة العروسين ستكون سعيدة."
"هذا مجرد كلام فارغ. الناس يحاولون إيجاد شيء إيجابي في أي ظرف."
"دعنا ننظر للنصف الممتلئ من الكأس."
"آه… أنا أكره الأيام الممطرة."
نقر لي جونغ-أوك لسانه ومشى نحو غرفة المعيشة. بعد ذلك، أتى المدير وابتسم لي بود.
"يبدو أن سو-يون سعيدة لأن المطر يهطل."
"نعم! أنا أحب صوت المطر!"
أجابت سو-يون بابتسامة مشرقة، فأومأ المدير برأسه ونظر إليّ.
"أبو سو-يون، هل يمكنني التحدث معك قليلًا؟" سأل بهدوء.
"بالطبع…"
تساءلت عما يريد قوله. طلب مني لحظة خاصة حتى لا أفاجئ سو-يون. طلبت منها أن تنتظر قليلاً، فأومأت دون تردد. خرجت إلى ممر الطابق الخامس عشر مع المدير.
نظر حوله ليتأكد من عدم وجود أحد، ثم تحدث بهدوء:
"أعتقد أنه يجب عليك أن تذهب لتتفقد اللوبي."
"هل ظهر زومبي؟"
"لا، ليس زومبي… فريق صيانة المنشآت قال إنه وجد شيئًا."
أمالت رأسي، وبدت على المدير علامات القلق.
"يبدو أنهم تواصلوا مع ملجأ آخر."
"ماذا؟"
اتسعت عيناي لسماع كلامه. أشار لي أن أخفض صوتي، ثم استمر:
"يبدو أن فريق الصيانة عثر على راديو. في البداية ظنوا أنه معطل فحاولوا إصلاحه… لكنهم تلقوا إشارة عليه."
"إشارة؟"
"نعم، يبدو أنهم يستقبلون الإشارات لكن لا يستطيعون الإرسال. أظن أنه من الأفضل أن نبقي هذا الأمر سرًا لبعض الوقت. أخبار كهذه قد تُحدث فوضى في ملجأنا."
"أين الراديو؟"
"اتبعني."
أشار المدير بخفة ورافقني إلى اللوبي. دخلنا غرفة الاستراحة على يسار اللوبي، حيث كان فريق يعمل على الراديو. لاحظ كواك دونغ-وون قدومي ولوّح لي.
اقتربت من الراديو، وسمعت صوت رجل غريب يتخلله تشويش:
* أكرر…حي… سينّيه… غير… آمن…
كان الراديو يستقبل بإشارة ضعيفة، والصوت يتقطع. نظرت إلى كواك دونغ-وون.
"هل تستطيعون إزالة هذا التشويش؟"
"نعمل على ذلك، لكن هذا أفضل ما يمكننا فعله الآن."
"وهل هذه إشارة حية؟"
"نعم، حقيقية."
توجهت إلى المدير بجانبي.
"هل يمكنك إحضار خريطة سيول من غرفة الدراسة في الطابق الثاني؟"
"حاضر."
هرع المدير إلى الطابق الثاني. بللت شفتي وأنا أسمع الصوت عبر الراديو مرة أخرى:
* ليس… طويلًا… آمنًا… إذا… سمعت… البث… لا….حي… سينّيه…
استمر الصوت يتقطع، لكنني استطعت استيعاب ما كان يحاول قوله: رجل ذو صوت منخفض يحذر من أن حي سينّيه لم تعد آمن.
* أكرر، حي سينّيه لم يعد امن. إذا سمعت هذا البث، لا تذهب إلى حي سينّيه.
بعد لحظة عاد المدير وهو يلهث، ونشر خريطة سيول التي جلبها. وضعت إصبعي على الخريطة لتحديد موقع حي سينّيه.
كان يقع في منطقة جونغنانغ شمال منطقة غوانغجي، وتحت إصبعي رمز درع كبير.
مركز سيول الطبي.
كان أحد الملجأين الأربعة المتبقين في غانغبوك.
لم يكن المدير متأكدًا مما يجب أن يفعل بهذه المعلومة.
"ماذا تريد…"
قطعته بسؤال.
"أين هيونغ-جون وهان-سول؟"
أشار المدير إلى الأعلى.
"عادوا إلى غرفهم منذ قليل."
توجهت مباشرة إلى الطابق الخامس عشر دون أن أنظر خلفي. إذا كان الاثنان في غرفهما، فهما في الأجنحة في الطابقين الخامس عشر والسابع عشر.
ركضت عبر درج الطوارئ إلى الطابق الخامس عشر. كان كيم هيونغ-جون هناك، ينظر من النافذة مع ابنه.
"هيونغ-جون."
"أوه؟ عمي، ماذا جاء بك؟"
ابتسم كيم هيونغ-جون بحرارة، لكنه تغيرت ملامحه عندما رأى تجهمي.
"ما الأمر؟"
"انتظر هنا. سأعود مع هان-سول."
"حسنًا…"
صعدت إلى الطابق السابع عشر وأحضرت دو هان-سول إلى الطابق الخامس عشر. في الوقت نفسه، أخذ كيم هيونغ-جون ابنه إلى الداخل ثم عاد ينتظرني بقلق.
أخذت نفسًا عميقًا وشرحت لهما ما اكتشفته.
"الملجأ الموجود في حي سينّيه في خطر."
"حي سينّيه؟"
"فريق الصيانة وجد راديو… والملجأ في حي سينّيه كان يبث تحذيرًا."
"تحذيرًا؟"
"كانوا يحذرون الآخرين من الذهاب هناك. يقولون إن حي سينّيه لم تعد آمنة."
تراجع كيم هيونغ-جون عند سماع كلامي. بعد لحظة تحدث دو هان-سول.
"يبدو أنهم كانوا يجمعون الناجين طوال هذا الوقت."
"أظن ذلك. لكنهم الآن يبثون تحذيرًا بعدم الذهاب."
"لا أعتقد أنهم أناس سيئون، أليس كذلك؟ إذا كانوا يبثون للجميع تحذيرًا بالبقاء بعيدًا في حالة طوارئ…"
"هذا بالضبط سبب استدعائي لكما."
تحول صوتي إلى الجدية، ونظر كيم هيونغ-جون ودو هان-سول إليّ بقلق مماثل. خدش كيم هيونغ-جون جبينه.
"سأذهب لأتفقد الأمر،" قال.
"لا، ابق هنا. سأذهب أنا."
"لا، لن أبقى ساكنًا إذا حدث هذا بسببي."
تشنجت زوايا عينيّ وأنا أسمع سببه. بدا عليه الألم.
"إذا تسلل المتحولون من ماجانغ على الطريق الرئيسي شمالًا… فسيتجهون إلى حي سينّيه."
"ربما ليس المتحولون."
"إذا بدأ الملجأ، الذي كان آمنًا دومًا، يبث مثل هذا التحذير فجأة، فإما بسبب المتحولين، أو المخلوق الأسود."
كان كيم هيونغ-جون على حق، لكن لم أستطع السماح له بالذهاب. لم أكن متأكدًا من أنه لن يتصرف بتهور. وأرسل دو هان-سول سيكون خطيرًا جدًا إذا ظهر متحول من المرحلة الثانية.
كنت أعلم أن الأفضل أن أذهب بنفسي. نظرت إليهما.
"يجب أن تركزا على الدفاع."
"عمي!"
"هذا ليس أمرًا، أطلب منك خدمة."
عض كيم هيونغ-جون على شفتيه مترددًا. راقب دو هان-سول الحوار بصمت. تنهدت.
"من الطبيعي أن أذهب. هيونغ-جون، يجب أن تبقى هنا لتحمي المكان."
"أعلم أنك لا تعني ذلك حقًا…"
"أنت تملك موود-سوينجر."
خدش كيم هيونغ-جون رأسه مدركًا صحة كلامي. لو ظهر المخلوق الأسود، سيكون من المستحيل أن أستمر لأكثر من عشرين دقيقة إذا لم يكن هو هنا. لكن لأنه يملك موود-سوينجر، يمكنه التعامل معه.
تنهد كيم هيونغ-جون.
"لكن هل يجب أن تذهب حقًا؟ أعلم أنك تحب الناس، عمي… لكن هل يجب أن تخاطر بنفسك وتذهب إليهم؟"
"ملجأ حي سينّيه مختلف."
"لماذا؟ لأن الناس هناك لطفاء؟ لو هذا هو السبب… سأتوقف عن الحديث…"
"الملجأ نفسه مركز طبي. لديهم إمدادات طبية وطاقم طبي."
أجبت بهدوء وعقلانية. نقّر كيم هيونغ-جون شفتيه وتنهد.
يعاني ملجأنا من نقص حاد في الطاقم الطبي مقارنة بعدد الناجين. كيم بوم-جين هو الطبيب الوحيد، وهناك أربع ممرضات فقط.
كثير من الحراس ماتوا في معركة غوانغجين والهجوم الشامل على غابة سيول. لو كان لدينا طاقم طبي كافٍ، لكنا أنقذنا أرواحًا أكثر.
أيضًا، الإمدادات الطبية التي جلبناها من مستشفى جامعة كونكوك أوشكت على النفاد. استخرجت منها مستلزمات مرتين سابقًا، وأفكر بالبحث عن مستشفى آخر قريبًا. بما أننا لا نستطيع الوصول إلى مستشفى الجامعة في غانغنام، يجب أن نجد مستشفى في غانغبوك.
في هذا السياق، مركز سيول الطبي كان ضروريًا لنا.
نظرت إلى كيم هيونغ-جون بعينين مفعمتين بالعزيمة. تنهد بعمق.
"إذا كان هناك مخلوق أسود في حي سينّيه، لا تقاتله. عد فورًا."
"حسنًا."
قبض كيم هيونغ-جون على قبضتيه.
"إذا طاردك المخلوق الأسود، استمر في الهرب دون أن تنظر خلفك. أحضره إليّ، وسأتولى الأمر."
بفضل كيم هيونغ-جون، تمكنت من المضي قدمًا دون أن يعيقني شيء. كان شخصًا يمكنني الاعتماد عليه دومًا.
أومأت برأسي، ونظر إلي دو هان-سول بقلق.
"رجاءً اعتن بنفسك،" قال.
أومأت متجهًا مباشرة إلى الطابق الأول.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪