▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
"هل أنت متوتر؟"
"كان عليك أن تخبرني مسبقًا… متى أعددت كل هذا؟"
بدا لي جونغ-هيوك مرتبكًا وهو يُعدّل قميصه وربطة عنقه، كأنه يشعر بعدم الارتياح لارتداء ملابس رسمية بعد وقت طويل. نظرتُ إلى الأخوين لي بابتسامة دافئة.
كان اليوم هو يوم زفاف لي جونغ-هيوك وتشوي دا-هي، والجميع كان ينتظره بفارغ الصبر. وبالطبع، لم يعرف العروسان نفسيهما عن الزفاف إلا في صباح اليوم نفسه.
قام لي جونغ-أوك بتعديل ربطة عنق شقيقه قائلاً:
"ها قد انتهينا… الآن تبدو أكثر أناقة."
"وهل كنتُ غير أنيق يومًا؟"
"أوه، لا تجعلني أبدأ، يا هذا."
ضحك لي جونغ-أوك، فيما أطلق لي جونغ-هيوك ضحكة خافتة. وبعد لحظات، دخل بارك كي-تشول.
"كل شيء جاهز. لنبدأ العرض."
"تم!"
وحين وقف لي جونغ-هيوك، أمسك لي جونغ-أوك بمعصم شقيقه الأصغر. وسلّمه بصمت خاتمين كان يحملهما.
اتسعت عينا لي جونغ-هيوك وهو يرى خاتمي الألماس، وارتجفت شفتاه قليلًا.
"لا… من أين أتيت بهذين…؟"
"والد سو-يون فكر فيك وفي دا-هي، فأحضر لكما خاتمين جميلين. يبدو أن لديه جانبًا دقيقًا."
ضحكتُ على تعليق لي جونغ-أوك.
"لا تظن أنني أنا من اختار الخاتمين، أليس كذلك؟ هوانغ جي-هي من اختارتهما."
"هاه، كنت أعلم ذلك."
قهقه لي جونغ-أوك وضربني على ذراعي. ضحكت من أعماق قلبي، ولأول مرة منذ زمن، ثم نظرت إلى لي جونغ-هيوك نظرة تأمل.
لطالما وقف لي جونغ-هيوك بيني وبين لي جونغ-أوك، كوسيط بيننا. حين لم أكن قادرًا على الكلام، كان أول من يفهم رسوماتي، وكان دائمًا يحاول أن يمنح من حوله شعورًا بالطمأنينة.
ربّتّ على كتفه وقلت:
"أهنئك من أعماق قلبي."
"لم أكن أظن أنك تهتم لأمري إلى هذه الدرجة… لم أكن أعلم. شكرًا لك."
ابتسم لي جونغ-هيوك بسعادة وانحنى لي. ربّتّ على ظهره وقُدته إلى مدخل الصالة.
أعددنا لهما حفل زفاف بسيطًا. تخلّينا عن كل الشكليات الزائدة، حتى يكون تركيز الحفل بالكامل على العروسين. بالطبع، لم نتخلَّ عن دخول العروس، لأنه أجمل لحظات الزفاف.
صعد لي جونغ-أوك إلى الجهة اليسرى من المنصة، وتولّى منصب العريف، ثم خاطب الناجين المتجمعين في الصالة:
"شكرًا لجميع الضيوف الكرام الذين حضروا اليوم للاحتفال بزفاف لي جونغ-هيوك وعروسه تشوي دا-هي."
ابتسم الناجون له بحرارة. تنحنح لي جونغ-أوك بخفة وأكمل:
"فلنُقدِّم العريس. فليتفضّل بالدخول."
لم يكن هناك موسيقى خلفية ولا أغنية تهنئة، لكن جميع الناجين صفقوا بحرارة حين دخل لي جونغ-هيوك القاعة.
خطا بثقة نحو المنصة، وكان لي جونغ-أوك يصفق بحماس أكثر من الجميع وابتسامة كبيرة على وجهه.
حين وصل العريس، نظر لي جونغ-أوك نحو باب القاعة قائلًا:
"فلنرحب بالعروس!"
انفتحت الأبواب المغلقة ببطء، وظهرت تشوي دا-هي مرتدية فستانًا أبيض نقيًا.
مزّق الأطفال أوراقًا ملوّنة بديلة لبتلات الزهور، ونثروها على طريقها. كانت تشوي دا-هي تضغط شفتيها بخجل وهي تخطو نحو لي جونغ-هيوك، ناظرة إليه بطرف عينيها بين الحين والآخر.
كنت أحمل سو-يون في حضني بينما أراقب العروس، وشعور دافئ يملأ صدري.
"بابا، بابا!"
"هم؟"
"هل عمتي دا-هي ستتـ… آرِد اليوم؟"
كانت سو-يون قد فقدت بعض أسنانها اللبنية هذا الصباح، لذا لم تكن تنطق الكلمات جيدًا.
وكانت في منتهى الظرافة.
"صغيرتي، الكلمة هي married، وليست arried."
"آرِد!"
ابتسمتُ ابتسامة دافئة من قلبي.
"أجل يا حلوتي. عمتك دا-هي وعمو جونغ-هيوك… سيتزوجان اليوم."
"يتزوجان؟ ماذا يعني أن يتزوج اثنان؟"
"هممم…"
كان سؤالها صعبًا نوعًا ما. لم أكن أعرف كيف أشرح لها مفهوم الزواج أو ما معنى أن يكونا زوجين.
نظرت حولي قليلاً بحثًا عن مساعدة، فابتسمت هان سون-هي التي كانت تصفق بحرارة، وقالت بلطف:
"يعني أنهما سيصبحان عائلة."
"عائلة؟ ألسنا نحن بالفعل عائلة؟"
"همم… لنقل إنهما سيصبحان عائلة من نوع خاص."
"عائلة خاصة؟"
"حين تكبرين، وتجدين شخصًا تحبينه بصدق، ثم تتزوجينه… فسيكون ذلك الشخص هو الأهم بالنسبة لك، أليس كذلك؟"
ابتسمت هان سون-هي وربّتت على شعر سو-يون، فأومأت الصغيرة بحماس وأطلقت صوتًا راضيًا، ثم قرصت خديّ.
"بابا!"
"مم؟"
"تزوجني!"
ضحكت سو-يون بمرح.
ضحكت هان سون-هي وغطّت فمها بيدها اليمنى، فيما ابتسمتُ لابنتي بأجمل ابتسامة يمكن أن أقدمها.
"نعم، نعم. هل سو-يون تريد الزواج من بابا؟"
"أجل!"
"وعد؟ لن تحبي ولدًا غيري وتتركيني وحدي؟"
"أبدًا!"
ضحكت الصغيرة ودفنت وجهها في صدري. ابتسمتُ ابتسامة عريضة حتى شعرت بعظام وجنتي تؤلمني.
لم أستطع التوقف عن الابتسام.
❃ ◈ ❃
ألقى المدير الذي تولّى الحفل كلمة مؤثرة تخللتها بعض العبارات الملهمة، ثم تبادل لي جونغ-هيوك وتشوي دا-هي الخواتم، وتعهّدا بالحب الأبدي.
وبعد انتهاء الحفل المختصر، اجتمع الناجون في الصالة لتناول المشروبات من نبيذ وخمور وُضعت على الطاولات.
كان القادة قد اتفقوا على توفير المشروبات ليأكل الجميع ويستمتعوا باليوم. لم تكن الكمية كافية ليُثملوا أو يخرجوا عن السيطرة، لكنها كانت كافية ليستمتعوا بأجواء مريحة بعد زمن طويل من الكآبة.
كنت أتمنى أن يحتفظ كل ناجٍ بذكرى هذا اليوم في قلبه، وأن تكون دافعًا له للاستمرار في الحياة.
جلست سو-يون في حضني وهي تمضغ الحبار المجفف الذي قُدم في الحفل. وبينما كنت أنظر إليها برضا، اقترب مني لي جونغ-أوك.
"أبو سو-يون."
"مم، ما الأمر؟"
"هل تشرب؟"
"أترى أن من لا يستطيع حتى شرب الماء قادر على شرب الكحول؟"
تمتمت بحسرة، فأومأ لي جونغ-أوك.
"مؤسف إذًا. لا تمانع إن شربت حصتك."
خفضت صوتي وقطّبت جبيني:
"لا تكثر. إن سكرتَ…"
استدارت سو-يون في حضني ونظرت إليّ بذهول، ثم أطلقت صوتًا "هوووو" وكأنها تحذّرني.
نظرت إليها، ثم التفت إلى لي جونغ-أوك مجددًا:
"إن سكرتَ… سأوبخك."
"أوه لا، لا! أبو سو-يون مرعب فعلًا! سأشرب القليل فقط!"
ربّت على شعر سو-يون، ثم صبّ لنفسه كأسًا من النبيذ. تنهدتُ وهززت رأسي.
الجميع كان يستمتع بوليمة الزفاف. وبعد ساعتين من الأكل والشرب والدردشة، انتهى الحفل. نظّف الناجون المكان بأنفسهم وعادوا إلى غرفهم. وبينما كنا نرتّب المكان، اقترب مني لي جونغ-هيوك فجأة.
"يا، والد سو-يون…"
"كل شيء على ما يرام. اذهب وخذ قسطًا من الراحة. العريس لا يُفترض به أن يساعد في التنظيف ويترك زوجته وحدها في يوم زفافه."
"آه، لا… ليس الأمر كذلك. هل رأيتَ أخي؟"
"جونغ-أوك؟"
"نعم، لم أره منذ مدة."
نظرتُ حولي أبحث عن لي جونغ-أوك، ولم أكن أعلم حتى أنه اختفى، فقد كنت منشغلًا بسو-يون.
بدأ القلق يرتسم على ملامحي، فتقدّمت هان سون-هي، التي كانت إلى جانبي، وقالت:
"سأعتني بسو-يون."
"إن استطعتِ، أكون ممتنًا."
نهضتُ وبدأت أفتّش في كل زاوية وركن بحثًا عن لي جونغ-أوك.
لم يكن في الصالة. بدأ العرق البارد يتصبب من جبيني. انتابني القلق من أن مكروهًا قد أصابه.
أول ما خطر ببالي أنه ربما خرج في حالة سُكر، لكن حين نظرت من النوافذ، لم أشعر بوجود أي شخص في الخارج. ثم تساءلت إن كان قد نام في أحد ممرات الطوارئ.
وبعد أن راجعت كل الاحتمالات، وجدت لي جونغ-أوك في الجناح العائلي في الطابق الخامس عشر. كان سكان ملجأ هاي-يونغ قد شغلوا جناحين كبيرين في ذلك الطابق.
كان كل جناح يضم أكثر من عشرين شخصًا.
كان لي جونغ-أوك مستلقيًا على السرير، نائمًا بوضعية الجنين، وقد خلع ملابسه، ولم يبقَ عليه سوى جوربيه وملابسه الداخلية، وكان يرتجف من البرد. ومع أنه كان في حالة سكر، إلا أن غريزته قادته إلى غرفته.
"تبًا لك… تقلق الناس عليك بهذا الشكل."
تمتمتُ لنفسي وأنا أقترب من سريره. فكرت أن أغطّيه بالبطانية، لكنني توقفت فجأة حين رأيت وجهه.
كانت دموعه تنساب بهدوء من عينيه.
تساءلت إن كان قد نام وهو يبكي. ثم سقط بصري على صورة مجعدة في يده.
سحبت الصورة برفق، فرأيت رجلًا وامرأة شابّين يبتسمان بسعادة، ويقفا على جانبي ابنتهما الصغيرة التي لم تتعلم المشي بعد.
كان ذلك لي جونغ-أوك، بابتسامة هي الأجمل التي رأيتها له، إلى جانب زوجته الراحلة. رؤيتهما بهذه السعادة شدّ على صدري وأغرق قلبي بالحزن.
أغمضت عينيّ بقوة، وانقبض جبيني.
لم أتحمّل النظر إلى الصورة. طيف الأم وابنتها وهما تسقطان من شرفة شقتهما ارتسم في ذهني فجأة.
وحين فتحت عينيّ مجددًا، زفرت تنهيدة ثقيلة، فرأيت لي جونغ-أوك لا يزال يبكي، يبدو بائسًا إلى أبعد حد. تمتم بشيء لم أتمكن من فهمه.
تساءلت إن كان يحلم.
وإن كان، فالبكاء في نومه يعني أن الحلم ليس جميلًا أبدًا.
لم أستطع تخيّل مقدار الألم الذي كان يحمله. لم يستطع البوح به لأحد، ويبدو أنه كان يسكّن وحدته ومرارته بتأمّل تلك الصورة في صمت.
"سوجين… عزيزتي…"
كان صوته مملوءًا بالألم، واضحًا أنه يشتاق إليها بشدة.
بقلب ثقيل وموجوع، سحبت البطانية وغطّيته بها، ثم وضعت الصورة العائلية على الطاولة بجانبه.
لقد كان دائمًا يبدو قويًا أمامي وأمام الآخرين، وكنت أظن أنه بخير.
لكن… لي جونغ-أوك هو أيضًا إنسان عادي فقد عائلته في هذا العالم المقلوب. ويبدو أن الكحول قد فكّ قيوده، فاندفعت منه كل المشاعر التي كتمها طويلًا.
أطلقت تنهيدة عميقة، وبدأت أدلّك صدغيّ.
شعرت أن من الأفضل أن أتركه وشأنه. حتى لو كان يحلم حلمًا مؤلمًا ومفجعًا… فعلى الأقل، يستطيع أن يرى زوجته وابنته المتوفيتين في حلمه.
تمنيت أن يكون ذلك عزاءً بسيطًا له، رغم الوجع. غادرت الغرفة بقلب مثقل، مدركًا تمامًا ما يمر به لي جونغ-أوك.
وتساءلت، ما المعنى الذي يمكن أن نجده في هذا العالم الملعون؟ سواء كنا أحياءً أو أمواتًا… لم أجد أي إجابة. مهما فكرت، لم أصل إلى شيء واضح.
هذا العالم… لا يملؤه سوى القسوة.
❃ ◈ ❃
خرجت إلى الخارج، محاولًا تهدئة عقلي المضطرب.
نظرت إلى نهر الهان وأخذت عدة أنفاس عميقة، أملأ صدري بنسيم النهر البارد علّه يُهدّئ قلبي الغارق في الأعماق.
السماء الزرقاء فوقي بدت وكأنها لا تعي ما يجري في هذا العالم المنكوب تحتها. قسوتها خلّفت فراغًا في داخلي.
وفي تلك اللحظة، سمعت صوت زفير، وانبعثت إلى أنفي رائحة دخان سجائر. نظرت حولي، فوجدت هوانغ جي-هي تدخن وتنظر بعيدًا إلى ما وراء نهر الهان.
اقتربت منها ويداي في جيبيّ.
أحسّت بوجودي بعد لحظة، وحين التفتت إليّ، شهقت وسعلت بشدة، يبدو أنها ابتلعت الدخان من المفاجأة.
"…لي هيون-دوك… لم أشعر بوجودك…" قالت بين السعال.
"خرجت للتو. منذ متى وأنتِ تدخنين؟"
"آه، هذا… خطر ببالي فجأة لا أكثر."
رمت السيجارة على الأرض، ودمعة تسللت من طرف عينها بفعل السعال. ابتسمتُ.
"لماذا ترمين السيجارة؟ لا بأس بالتدخين."
"لا، لا. لقد أقلعت عنها فعلًا."
أشاحت بنظرها عني، وعلى وجهها ابتسامة خجولة.
يبدو أن زفاف لي جونغ-هيوك وتشوي دا-هي حمل معنى خاصًا للكثير من الناس.
كان دافعًا للعيش من أجل الغد، وفرصة للعودة بالذاكرة إلى الماضي. وبالطبع، ليس الجميع يملك ذكريات سعيدة فقط.
كنت أتمنى أن ينال الجميع السعادة.
ولا أريد لأحد أن يعاني المزيد من الألم أو الحزن.
في هذا الملجأ الجديد، كنت أتمنى أن يكون مستقبلنا مليئًا بالضحك.
أزلت التراب عن الأرض وجلست. جلست هوانغ جي-هي إلى جواري، وهي تحدّق في نهر الهان.
ظلّ كلانا ينظر بصمت إلى الضفة المقابلة للنهر.
بقينا هناك لوقت طويل، غارقين في أفكارنا، غير مرتاحين من هدوء اللحظة التي كنا نعيشها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪