تعوّدت عينا أيونا على العتمة مع دخولها، وشرعت في التفتيش السريع قبل أن تنبت أشواك طينية هائلة من السقف لتخترق السفينة وتحكم عليها بالغرق في الأعماق. قفزت أيونا خارج السفينة الغارقة وتركت خلفها بقية القراصنة. أولئك الذين نجوا من الهجوم سيتدبرون أمرهم بين الغرق والسباحة — وغالباً السباحة، فهذه المهارة أسهل من أن تكتسب أو تدمج في مهارة أخرى. لقد كفت مسيرتهم المهنية عن تبرير أي حماية قد تمنحها لهم أيونا.
نجحت أيونا في الوصول إلى أرض صخرية داخل الكهف، فتدحرجت مع هبوطها وتأكدت من الاحتماء خلف بعض الصخور. رفعت رأسها ثم التفتت لتفحص جوف الكهف. وعلى الرغم من خفوت الإضاءة، كانت المشاعل المتفرقة وأشعة الشمس النقية المتسللة من الخارج كافيتين للرؤية بوضوح. سمحت فتحتان في السقف بدخول ضوء طبيعي غذى بقعاً واسعة وعجيبة من العشب والأشجار قرب موقع هبوطها — وهو صنيع شخص بارع عزز ما تقدمه الطبيعة.
فقد بنى ساحر أرضي ماهر عدداً من الرواسب الكلسية الضخمة المتدلية من السقف. ويعني هذا أنه يمكن كسر أي راسب بلا أدنى جهد لتهوي كتلته الضخمة فوق أي غازٍ غافل — مثل أيونا. ومع ضيق مدخل الكهف الذي تضطر السفن لاستخدامه، بدا هذا دفاعاً متيناً بحق. بنى القراصنة ميناء كاملاً تقريباً في الداخل. أربعة أرصفة، ولم يبقَ سوى سفينة واحدة. تمنت أيونا لو كان القراصنة طموحين بما يكفي، وألا يفوتها رصد سفينة رابعة تجوب الأرجاء حين تفرغ من مهمتها هنا.
وما أكدت استحالته هو أن تحالفها الحظ لتلك الدرجة. تصطف مبانٍ شتى شُيدت بعشوائية من الخشب والحجر. وحتى وهي تنظر، كانت تصدر صريراً وتتمايل مع النسيم. وتمتلئ الحظائر بالحيوانات، من خراف ودجاج وخنازير وأبقار. وكانت المستفيد الأكبر من بقع العشب غير الطبيعية. وبطبيعة الحال، كان القراصنة المستفيدين من تلك الحيوانات. لقد حُشرت فوق بعضها بلا مساحة تكفي لحركة أي منها. لم يكن الأمر إنسانياً، لكنه لم يتجاوز حد العبوس، أو التمتمة استنكاراً ربما في موعد لاحق.
بدا أحد المبان مستودعاً، والآخر حانة. والمرجح أن المبنى الكبير هو مقر إدارة رئيس البلدية أو أمير القراصنة، ولعله كان بيتاً للدعارة. أشبه ببلدة كاملة وحية. بدأت أيونا تعيد التفكير لفترة وجيزة في أمر المهمة حين لمحت الحظيرة الأخيرة المعزولة عن البقية بمسافة. من الأفضل ألا تسمع صراخهم. بشر. بشر، وأقزام، وأشخاص ذوو سيمات حيوانية، يرتدون جميعاً طوقاً وسلاسل. وحضرت حتى أنثى هاربي اخترقت أجنحتها أثقال قاسية.
شعرت أيونا بموجة من الاشمئزاز تملأ جوفها وتكاد تفيض، بينما اكتست الحانة وبيت الدعارة بمسحة جديدة ومبهمة. وحين تفحصت البلدة، لاحظت تفصيلة أغفلتها في نظرتها الأولى؛ إذ جعلت المسافة والإضاءة الأجساد المتدلية من المشنقة صعبة الرؤية. تُركت لتتعفن. حسناً. لم تكن أيونا متأكدة تماماً من الكيفية، لكن بدا أن القراصنة ما زالوا يظنونها على ظهر الحطام. ولعل تداخل الظلال والأضواء مع دخول السفينة إلى الكهف، إلى جانب تساقط الصخور وتطاير شظايا الألواح المتكسرة وطرطشة الماء قد أخفاها وهي تقفز.
وأياً كان الأمر، لم يقترب أحد من مخبأها. بيد أن أيونا استخفت بشدة بعدد القراصنة. آمنت بقدرتها على التعامل مع سفينة مليئة بهم، خصوصاً مع قدرتها على تطويع التضاريس لصالحها، فصعب تطويقها والقضاء عليها بضربات متفرقة. تباً، يمكنها القضاء عليهم جميعاً لو تقاتلوا فرادى في مواجهات فردية. فقد تدربت على يد ألرونا في النهاية. لكنها كانت تتباطأ. لقد تلقت بضعة ضربات، ورقى سحرية فورية أُطلقت لحظة موت الأفراد، وتحمل ندوباً عديدة، وتنزف في غير مكان.
وراحت تعيد تشكيل درعها وتصميمه بإصرار لسد الثغرات، غير أن ذلك أنهاكه ورقّقه. ناهيك عن أن أيونا فقدت حاسة السمع تماماً. أن تفتقد حاسة بكاملها فهذه نبأ سيئ، خصوصاً عند الحاجة للتعامل مع هذا العدد الهائل من القراصنة دفعة واحدة. ومضى ممر ووبي في ذاكرتها الخاطفة. النسبة متشابهة، وها هي أيونا وحيدة، بلا رفيق أو فالكيري أخرى تحمي ظهرها. أدركت أن الوقت يداهمها. ما تحتاج إليه أيونا هو تقليص الهوة وتعديل الكفة، فالقراصنة غير المنظمين أسهل بكثير في التعامل معهم من المنظمين.
النار. النار هي الحل. صحيح أن لديهم على الأرجح ساحر مياه أو ثمانية — فهو عنصر ملائم لساكنة البحر — لكنها ستحدث إنجازاً تشتيتياً. لعنت أيونا نفسها باختصار لاختيار الجليد بدل النار لسهامها، قبل أن تطرد هذه الفكرة. فالمشاعل تملأ المكان، وبدا بعضها قريباً بصورة خطيرة من المبنى الرئيسي. تُف. سينتهي الأمر على الأرجح باضطرار أيونا لإنقاذ الأبرياء العالقين داخل تلك المباني.
وربما يشارك العبيد. سيغير ذلك الكفة جذرياً، حتى لو اكتفوا بدور مشتت للانتباه. النار. نار في أماكن عدة، على ألا تكون ضخمة. لا شيء يحرق الأبرياء أحياء. ستغضب [نذر] أيونا، ولن تلبث أيونا أن تلحق بها. ثمة حل أنيق. رفعت أيونا قوسها وصوبت بعناية. لم تكن تلك أبعد رمية جربتها أيونا يوماً، لكن حجم الهدف مع تلك المسافة جعلها من أصعب التسديدات. تقارب حجم أصغر عملة معدنية، وإن نجت مباركة من حجم قطعة الأركانيت الدقيقة المدمجة في كل عملة لتمنحها قيمتها.
وكان على المشعل أن يسقط بالاتجاه الصحيح. ههدأت أيونا تنفسها، ولم تعد تسمع حتى دقات قلبها في أذنيها. وأرسلت دعاء سريعاً إلى سيلين ولوناريس، تبعته بثانية إلى زاوك للاحتياط. لن تمانع سيلين ولوناريس. فما تطلبه أيونا يخرج قليلاً عن نطاقهما — ويقع بالكامل ضمن اختصاص زاوك. سحبت القوس حتى نهايتها وعملت بدقة على ضبط تسديدتها، مع حساب النسيم الخفيف بحرص، محاولة استشعار هبوب الريح المتقلبة وكيف ستلوي سهمها وتعصف به.
أطلقت أيونا السهم، ولعنت حين حرفت هبة ريح السهم عن مساره. نأد دجاجة، لكن القراصنة لم يلاحظوا هجومها. بل لاحظوا أنها ليست في الماء أو بين حطام السفينة، وبدأوا بالتفرق وهم يمشطون الكهف. سحب سهم ثانٍ، وصُوب، وأُطلق. ليصطدم بالحجر المجاور للمشعل. عضت أيونا على لعنة مكتومة مع اقتراب بعض القراصنة أكثر فأكثر من مخبأها. تحركوا بحذر ومنهجية، لكن الوقت كان ينفد من بين يدي أيونا بسرعة.
سحبت القوس مرة أخيرة، وتركَت العالم يتلاشى بينما ركّزت، متجاهلة حتى القراصنة القادمين الذين سيرونها في أي ثانية الآن. سدد. اضبط. راقب. اضبط. تنفس. اضبط. ثم... استرخِ، لينطلق السهم من قوسها كحصان في سباق، أو كلب وُعد بمكافأة. قطع المسافة بشغف، وواصلت أيونا تركيزها بلا حراك، شارّة بصريها نحو السهم، ترجوه أن يهبط ويصيب. وهو ما فعل اصطدم السهم بالحامل، رخيصاً كبقية أغراض القراصنة.
تمتلك الحوامل الجيدة أربعة أقواس معدنية، بينما امتلك هذا واحداً رقيقاً من الخشب — وليس حتى من الحجر. فساحرهم الأرضي كان مشغولاً بأمور أهم من ترتيب الإضاءة، أو ربما كان وافداً متأخراً. أياً يكن، اخترق السهم الخشب محطماً إياه بنظافة. وللحظة خاطفة، حمل السهم وحده المشعل، بساق خشبية نحيلة واحدة تمنع الكارثة. ثم أكمل السهم رحلته متحطماً ضد الجدار، بينما مال المشعل ببطء.
ليستقر تماماً على ظهر الخنزير الأشعر. رفرف المشعل ثم اشتعل، واندلعت ألسنة اللهب لتنتشر بسرعة من خنزير لآخر، المحشورين جنباً إلى جنب. تحولت الأصوات القلقة إلى صرخات فزع صاخبة مع انتشار الحريق. لم تستطع الحظيرة المهلهلة احتواء كتلة الخنازير المذعورة، فتشتت الخنازير المشتعلة في أنحاء المستوطنة، لتؤكد للجميع بلا مجال للشك أنهم يشتعلون. لتندلع حرائق صغرى في كل اتجاه.
كان لحم الخنزير المحترق مشتتاً ممتازاً، لكن أيونا انتفضت حين أصابتها هراوة على رأسها طرحتها أرضاً. وبدون تفعل [هبوط القمر]، كانت أيونا بوزن عادي — وهو ما كان، نظراً لحجمها وكتلتها وعتدها، يعادل بضع مئات من الرطل. خفيفة بما يكفي ليحركها صاحب فئة جسدية أخرى بضربة متينة. لم يُلقَ بال لصيحات القراصنة وسط الصياح والصراخ كله — هذا إن كانت أيونا قادرة على سماع أي حرف منه.
لكن وقتها كان محدوداً.
بدأت أيونا الجولة الثانية من العمل الدموي، شاقة طريقها نحو "البلدة".
كان معظم القراصنة يركضون هنا وهناك في محاولة للسيطرة على الخنازير المحترقة والنيران. أما من رأوا الفالكيري الملطخة بالدماء والتي تحيط بها النيران تنقض عليهم كملكة للحرب، فقد قرروا فوراً أنهم يفضلون مطاردة الخنازير المشتعلة. تلك الموجودة هنااااااك بعيداً جداً. مع تحطم تنظيمهم وتصاعد الذعر، تراجع القراصنة وهربوا. اجتاحت أيونا المباني بسرعة، متأكدة من عدم وجود من يشرف على الاحتراق حياً، ثم تسلقت سريعاً أحد الهياكل القليلة الباقية واقفة.
وألقت قوسها عن كتفها مستعدة للمرحلة التالية. كانت الطلقة الأولى [طلقة عاصفة ثلجية] ضعيفة أُطلقت نحو الأعلى مباشرة، ثم أمطرت البلدة بوابل متساقط. شعرت أيونا بالغثيان نوعاً ما حين تساقطت بعض شظايا الجليد على السجناء المحررين حديثاً، لتصيبهم [بطء جليدي] وتشعر [النذر] بالاستياء من الضرر الجانبي. ومع ذلك، كان ذلك من أجل الصالح العام — لإخماد ما تبقى من النيران لئلا يتعرض أحد لخطر الاحتراق حياً.
سيقول البعض إن إطلاق النار على أظهر القراصنة الهاربين ليس بالأمر الرياضي أو الشريف تماماً. أما الفالكيري — وأيونا — فلم يعرفن هذه المفاهيم إلا داخل حلبات المبارزة. كانت ألرونا تؤمن بالعمل الميداني وإنجاز الأمور. لم يكن لديها وقت أو صبر للعروض القتالية الاستعراضية التي لا تنجز شيئاً — وبناءً عليه، لم يكن لدى أيونا ذلك أيضاً. إذن، أسهم في مؤخرة الرؤوس هي الحل. كانت أيونا قد أسقطت دزينة من القراصنة، قبل أن تضطر لإبعاد رأسها بسرعة.
مر منجل أزرق ملتهب حيث كانت رأسها، لولا أن السلسلة المشتعلة المرفقة به توقفات فجأة والتفت إلى الجانب لتلتف حول أيونا بألسنة لهب حارقة. لابد أنه الجحيم. النار ليست صلبة. فكرت أيونا، ودعت نفسها تُسحب عن حافتها الواهنة، بينما [الأسلحة السماوية] تومض بجنون في محاولة فاشلة لوقف الهجوم عن حرق درعها. هبطت على الأرض بصوت مكتوم ورأت مهاجمتها. شيطانة، بيد تمسك بالسلسلة، والأخرى تنتهي بخطاف شرير — مصنوع أيضاً من لهب أزرق مشتعل.
سخرت من أيونا بابتسامة واثقة ومغرورة للغاية. استطاعت أيونا أن ترى فم الشيطانة يتحرك مشكلاً كلمات. على الأرجح. فما زالت أيونا مصابة بصمم مطبق مما جرى قبل قليل. نادر رؤية شيطان هنا. فهن خاللات في النهاية، وتُحظر معاهدة كيوفا تواجدهن في أراضي البشر إلى حد كبير. لم يمنع ذلك المجرمين بالطبع، وهذه الشيطانة كانت صغيراً وذات مستوى منخفض. ليست بالقوة الكافية، ولا تحدث من الاضطراب ما يستدعي استدعاء الحراس.
لم تكن أيونا مهتمة بالمهاترات، لذا مسحت إحصائيات الشيطانة سريعاً.
[لهب أزرق]، و[خلق أسلحة]، و[حركة كالنار الهائجة]
كانت الأهم، ولاحظت أيونا أن توزيع الإحصائيات يجعل الشيطانة تميل للسرعة أكثر من أي شيء آخر. انقلبت إلى الأعلى، جارة الشيطانة نحوها بينما تغلبت على وقفتها ووزنها، ثم أمسكت بالسلسلة وعضلات جسمها مشدودة لكسر القيود. انفتح فم الشيطانة بذهول لفترة قصيرة حين جذبت أيونا السلسلة لتجرف الشيطانة معها في الرحلة.
اندلعت نيران صغيرة حول قدميها، لكن في الهواء لا يوجد مكان تقفز منه أو تذهب إليه. وكانت أيونا أسرع، بفضل [نذر]. أنهت أيونا سحب الشيطانة إلى قبضتها، وكسرت عنقها بكفاءة وسرعة، لتتركها تسقط على الأرض مع رنين إشعار القتل. تكون إشعارات النظام غريبة للغاية عندما تعجز أيونا عن سماع أي شيء آخر.