بدا لي طورين مضطرباً بعض الشيء رغم التفافي حول عنقه كوشاح وإصداره أصواتاً هادئة ومطمئنة. كان ضيقه يشتد كلما التفت بنظره نحو الساعة. الحق أقول، لن أكون أفضل حالاً منه بعد قليل. لم يكن أي منا يتطلع إلى الساعات الست القادمة من الفراق. لم أكن منزعجة كونه لم يغادر بعد. كان عقلي يدرك أنه سيضطر للرحيل بعد قليل، لكن قلبي رأى أنه لا يزال هنا فاطمأن. في هذه اللحظة، كان قصر نظر غرائزي نعمة، وحالتي المسترخية كانت تحافظ على استقرار عقل طورين.
لا أريد البتة أن أتخيل حالته لو كنت أبث توتراً. استناداً إلى عدة ملاحظات أبداها تران، لم تكن مرافقة طورين على متن المكوك المرة الماضية تجربة ممتعة البتة. لم أكن متأكدة لماذا كان متوتراً إلى هذا الحد هذه المرة، مع ذلك.
مرغت أنفي بعنقه، معلقة: "لا أذكرك هكذا قبل رحيلك في المرة الماضية".
تنهد وتوقف عن الخطو صعوداً وهبوطاً.
"لم أدرك مدى سوء الأمر في المرة الماضية، ولا أتحرق شوقاً له هذه المرة. كيف حالك؟"
رفعت أجفاني بكسل.
"لم تغادر بعد. جزء صغير من عقلي يعلم والأعصاب مشدودة قليلاً، لكن الأمر لن يستقر في ذهني إلا بعد رحيلك".
رن جرس الباب ودخلت أيريا. منذ قبولها السوار، لم تعد تنتظر أن يفتح الباب. لم يزعج ذلك طورين، لذا تجاهلت تصرفاتها.
تنهد طورين قبل أن يضمّني إلى صدره، قائلاً: "كوني عاقلة. سأعود في غضون ست ساعات".
قرضت طرف ذقنه برفق.
"أشفق على المسافرين معك. أشهر قليلة ولن يعيدوا هذه الكرة. ركّز ذهنك بما يكسبك القدرة على ضمان عدم تدبيرهم لأي حماقة".
بتنهيدة، ناوشني مرغماً إلى أيريا. التقطتني برفق وحضنتني إلى صدرها بالطريقة ذاتها التي فعلها. لم يكن الأمر سيّان، ولم أستسغه بالذات، لكنني سمحت لها بحملي فحسب للحفاظ على هدوء طورين.
قالت أيريا: "سأراقبها. إن سمحت لي بإلباسها الحزام، أتمانعين إن أخذتها في نزهة؟ قد يشتتها ذلك إن أصيببقلق. سأبقي المقود عليها نظراً لعدم وجودك".
أومأ برأس مكره قبل أن يلتي ويغادر. رمشت مذهولة من مغادرته المفاجئة؛ حتى في عالم البشر، كان سيعتبر ذلك فظاظة شنيعة. تنهدت أيريا وهي تملس على أجنحتي.
قالت بصوت خفيض: "أشفق عليه. لا أستطيع تخيل شعوره وهو مفصول عنك".
حسناً، لم تأخذ على الأقل موقفاً سلبياً من تصرفاته. استدرت وتسلقت كتفها لكي أبتعد عن حضن ذراعيها. رمشت متفحصة قميصها عن كثب؛ كانت الكتفان مصنوعتين من قماش أثخن قليلاً لم ألاحظه حتى لامسته قدماي. شممته وتعرفت على رائحة المادة ذاتها المصنوع منها قفاز صقر طورين. جميل، لن أضطر لمراقبة مخالبي بحذر شديد الآن. ~ بعد ساعة، كنت قلقة. تمتمت متذمرة، منزعجة من رفض مشاعري الإصغاء للمنطق.
لم يمضِ سوى أسبوع منذ المرة الأخيرة، فلماذا يبدو الأمر أسوأ؟ سيكون هذا يوماً طويلاً... لاحظت أيريا تدهور مزاجي وأخرجت الحزام. لم أبدِ أي مقاومة وهي تلبسنيه. ربما ينظف بعض الهواء النقي رأسي. كان الأمر مملاً للغاية في المنزل من دون التحدث إلى طورين. لقد اعتدت العمل سبع أو ثَماني ساعات في اليوم ورؤية أشياء مختلفة. التمضي الأوقات بكسل ودون عمل لم يعد يلائمني. ثبتت أيريا المقود ووضعتني على كتفها قبل أن تتجه نحو الحديقة الخلفية.
بقيت على كتفها بينما قامت بضع دورات في الحديقة كاختبار. وما إن اطمأنت إلى أنني سأستقر على كتفها دون أي مشكلات، حتى خرجت من البوابة الخلفية. أعلم أن ذلك أرسل تنبيهاً إلى سوار طورين المعصمي. أراهن أيضاً أنه يتحقق من شريحة تتبعي لمعرفة ما إذا كانت أيريا هي من تغادر معي أم أن شخصاً ما يقتحم المكان بينما ما زلنا بالداخل. أتراها أيريا واعية بالإنذار الصامت على ذلك الباب؟
غالباً لا. مشات أيريا إلى حديقة صغيرة وتركتني أستكشف مستعينة بالمقود. وجدت ممتعاً أن أتشابك بالمقود تشابكاً جيداً بضع مرات. بعد حين، مللت هذه الأمور، ومضينا قدماً. وجدت نفسي أنظر إلى كل كيماري كأنني أتوقع رؤية طورين. عقلي مضطرب للغاية. لا أود حتى التفكير في حالي بعد بضع سنوات. مشات أيريا طويلاً عبر جزء مجهول من المدينة قبل أن تلوح حديقة أخرى في الأفق. وحين نزلت عبر سلسلة طويلة من الدرج عند حافة الغابة، أدركت أن هذه هي الحديقة المحاذية لسور المدينة حيث حاول دريك الاختباء.
لم أزر هذه من قبل ورحت أتفرس حول باهتمام. بدت النباتات والممرات أكثر توحشاً وطبيعية، تماماً كالأجزاء البكر من الغابة في الحديقة الرئيسية. مددت رققي لأتفحص الأشجار الهائلة المتألقة فوقنا. أعتقد أن علي معرفة ما إذا كان طورين سيجلبني إلى هنا ذات يوم للأستكشاف. كنت أدرك الجواب سلفاً إن سألته. كنت أنال تقريباً كل ما أبتغيه.
ظهر ذكر كيماري على الممر أمامنا، وحيا أيريا: "كيف حالك اليوم؟"
منحته أيريا إيماءة مهذبة.
"أنا بخير، درافن. ما الذي أتى بك عبر هذه الحديقة؟"
"أنهيت لتوّي مناوبتي على السور وكنت أعبر الحديقة في طريق عودتي. لم أكن أعرف أن لديك سحلية نارية".
"إنها تخص طورين. استُدعي إلى خارج الكوكب، وهي غير مصرح لها بمغادرة الكوكب. أنا أرعاها نيابة عنه".
"لا يمانع في أن تخرجي بها؟"
نظر إليّ بفضول.
أجابت هازّة رأسها: "لا. يبدو أن ذلك يشتتها عن فرط اشتياقها له".
أطرق درافن يفكر للحظة.
"أتمانعين أن أمشي معك؟ لقد مضى وقت طويل منذ أن مشيت في العديد من ممرات هذه الحديقة".
أمعنت النظر في الأمر قبل أن تجيب: "لا أرى مانعاً. كنت سأمشي في بعض الممرات وأرى رأي تاشا فيها. نأمل أن يشتتها ذلك".
شرعا في السير على طول الممر. كانت هناك بضع درجات ضيقة بشكل غريب في الممر أمامه، فمد يده كأنه يهم بلمس مرفقها لمساعدتها على النزول. الجحيم يبتلع تلك الفكرة يا صديق. انحنيت إلى الأسفل واندفعت نحو يده بصوت هجير. سحب يده بسرعة ونظر إلى أيريا حاجبًا مرفوعاً. هزت كتفيها قليلاً وهي تنزل الدرجات القليلة برشاقة.
"عذراً. تتفاعل تاشا مع معظم الناس هكذا".
لم تبدُ آسفة حقاً في نظري. سار درافن بجانبها على مسافة مهذبة بينما واصلنا السير على الممر. تحدثا عن معارف شتى يعرفونها، وبدا الحديث منصباً على أولئك الذين تنقلوا بين الكواكب. سأل درافن إن كانت تنوي البقاء على هذا الكوكب في المستقبل المنظور. أشارت أيريا بيدها اتجاه المدينة بابتسامة خافتة.
"أعتقد ذلك. الطقس هنا معتدل مقارنة بالمكان الذي نشأت فيه. ومعظم أفراد عائلتي هنا أيضاً، وهم ينون البقاء".
لاحظت أن اليد التي استخدمتها كانت تضع سوارها، كإشارة خفية إلى أن لديها سبباً آخر للبقاء. طالت نظرة درافن إليه لبضع ثوانٍ، كأنه لاحظ وجوده لتوّه. واصلنا السير عبر الممرات، متوغلين أكثر فأكثر في الوادي السحيق. توقفا بين حين وآخر لتركني أنزل وأستكشف. بدت أيريا مستمتعة، واسترخى درافن قليلاً وهو يتأمل المشهد بدوره. سمحت لي أيريا بالركض على العشب مجدداً. أخذت نفساً عميقاً وممتناً لهواء الغابة قبل أن أزحف تحت شجيرة صغيرة، مشتبكة مجدداً بمقودي وسط الأغصان.
كانت روائح الكيماري وحضارتهم أخفت بكثير هنا، وذكّرني ذلك بأيام الحديقة الرئيسية. خرجت من الطرف الآخر، وجذبني مقودي بقوة لأتوقف، متشابكاً تماماً. هزت أيريا رأسها ببعض التسلية وهي تركع لتحرير مقودي. شرعت في فك تشابك المقود مرة أخرى، رغم أنه بدا مسبباً للمشاكل نظراً لضيق المساحة بين الأغصان.
تمتمت: "لا يفترض بأي شكل أن تتمكني من خلق هذا العدد من العقد في غضون عشرين ثانية فحسب..."
أطلقت ضحكة قصيرة تعبيراً عن تسليتي وشققت مقودي بضع محاولات بينما حاولت مواصلة السير.
"انتظري. علي فك تشابكك قبل أن تذهبي إلى أي مكان".
كانت أصابع أيريا الرشيقة منهمكة في العمل. ركع درافن بجانب أيريا، وأدرت رأسي لأزئر في وجهه، غير سعيدة وغير مرتاحة لوجوده غير المرحب به. تجاهلني وبدأ يكسر أغصاناً صغيرة من الشجيرة، مما سمح لأيريا أخيراً بفك العقدة الأخيرة وإخراج مقودي من الشجيرة. بتنهيدة، حملتني أيريا قبل أن تنهض.
نظرت إليّ لتقول: "أعتقد أنني سأنتظر حتى نبتعد عن الشجيرات قبل أن أسمح لك بالنزول مجدداً".
التفتت إلى درافن وهو ينهض على رجليه قائلة: "شكراً لك".
"على الرحب والسعة".
تابعا السير على الممر، رغم أن أيريا لم تسمح لي بالنزول، ربما بسبب الكثافة العالية للشجيرات المحيطة بجانبي الممر. ~ كانت هذه الحديقة أضخم مما أدركت؛ لا بد أنها تعادل نصف حجم الحديقة المركزية على الأقل. كنا هنا منذ ما يزيد على ساعة ولم نبلغ السور الذي أعلم أنه يقع على الجانب الآخر من الحديقة. تغير اتجاه الريح، فرفعت خطمي نحو النسيم. كانت هناك رائحة ثقيلة في الهواء، رائحة لم أشمها منذ أيامي خارج أسوار الكيماري.
على حد علمي، لم تكن أيريا تمتلك سوى السكين الثقيل الذي يميل جميع الكيماري لحمله. امتلك درافن سكيناً ثقيلاً ورمحه القابل للطي، رغم أنني لم أرى أي أسلحة أخرى. لم أكن متأكدة من أن أسلحتهم ستكفي لإيقاف هذا المخلوق بالذات. هذا النوع لا يزعج الصغار عادة، لكنه قد يعد الكيماري حجماً مناسباً لوجبة. كان دريك والآخرون هنا لأسابيع؛ أندهش أنهم لم يأتوا على ذكره أبداً... أطلقت أزيز تحذير خافت وأنا أشم الهواء مرة أخرى.
لفت ذلك انتباه الاثنين الآخرين. نظرت أيريا حولها بقلق.
"إنها مدربة على استنشاق السيكورا. يجب أن نغادر من هنا".
كان علي أن أضبط نفسي عن رمقها بنظرة تكذيب. أتراها ظنت حقاً أنني كنت سأبدي رد فعل ضئيل كهذا لو وجد سيكورا، أو حتى زاحف، في الجوار؟ التفت درافن يميناً ويساراً نحو الأشجار، محاولاً رصد التهديد.
"المشكلة أننا لا ندرك أين قد يكون".
ألقى نظرة ثانية علي.
"لقد شمتته عندما تغير الريح. لنذهب من هذا الاتجاه".
اتجه عكس الريح، مبتعداً عن الممر، في الاتجاه المعارض للرائحة. شممت الهواء مجدداً كلما اشتدت الرائحة، مما أظهر أنها تلاحقنا. ذكّرتني رائحة آكل اللحوم الكبير الكثيفة بالأشياء الخطرة التي يمكن العثور عليها وراء السور. لقد كنت هناك من قبل، ولم تكن ذكرياتي عن تلك الفترة القصيرة مبهجة. أبطأ درافن حركته أخيراً، ملتفتاً للوراء نحوي.
"هل ما زالت متوترة؟"
توقفت أيريا والتفتت برأسها لتتفحصني. نظرت من فوق كتفي، عائدة إلى حيث أتينا، بعينين ضيقتين. أطلقت أزيزاً منخفضاً آخر، محذرة إياهم من أننا ما زلنا مراقبين. صرّ درافن على أسنانه بجهد وإحباط.
"الزاحف ليس مشكلة، لكنني لست مسلحاً بالشكل الكافي لمواجهة سيكورا. أمتأكدة أنها تلتقط رائحة تلك لا شيئاً آخر؟"
كانت أيريا قلقة هي الأخرى.
"لم تطلق تحذيرات أبدا في الماضي، وقد زرنا أربع حدائق خلال الأسابيع القليلة الماضية. لا أستطيع تخيل ما قد يجعلها تزأر إن لم تستطع حتى رؤيته".
بدأ درافن ينقر على سواره المعصمي.
"دعيني أتصل ببعض الحراس".
توقف، ثم نقر على سواره المعصمي بضع مرات أخرى بينما ضيق عينيه حيرة.
سأل أيريا: "أيعمل سوارك المعصمي؟ لا يمكنني التقاط إشارة".
فحصت أيريا سوارها المعصمي وأخذت شهيقاً حاداً.
"لا. لا ألتقط شيئاً".
مسحت أيريا الأشجار بسرعة مجدداً.
"مما يعني أننا وحدنا حتى نتمكن من الخروج من الحديقة. أثمة جزء في هذه الحديقة يبدو أكثر انفتاحاً؟ إن استطعنا رؤيته مقبلاً نحونا، فسيكون لدينا وقت أطول للاستجابة".
فكر درافن لبضع لحظات.
"تخف الأشجار نحو الشرق، وتكون الشجيرات أقل هناك".
بدأت أيريا بالتحرك نحو ذلك الاتجاه، تشق طريقها بحذر بين الأشجار ويدها على سكين حزامها. تولى درافن المؤخرة، ملتفتاً باستمرار خلفه تحسباً لأي هجوم من الخلف. خفت الريح، ولم يعد بوسعي التقاط الرائحة، رغم أنني واصلت التطلع حولنا تحسباً لمحاولة المفترس الكبير التسلل إلينا.