كنت بين نائمة ويقظة، تلامس أجنحتي الممتدة أجنحة كل من أماندا ودريك بينما نتملّى بدفء الشمس.
سأل صوت عقل هلع: "سيرينا! هل أنت بخير؟"
رفعت رؤوسنا جميعاً والتفتنا صوب المصدر، رغم مسافتها البعيدة عنا.
أتا صوت سيرينا المذهول محملاً بالألم والصدمة: "يؤلمني..."
طويت أجنحتي ونهضت بقلق.
سمعنا الجاسوس السابق ينادي: "توم، سيرينا، ماذا حصل؟"
كان توم في حالة هلع: "سقطت شجرة ضخمة فجأة بينما كنا ننام. لم تستطع الابتعاد في الوقت المناسب، فوقعت عليها. إنها ضخمة، ولا أراها! أحاول الحفر، لكن جذور الشجرة تبطئني."
أجاب الجاسوس السابق فوراً: "أنا في الطريق."
رمقت دريك بنفاذ صبر طفيف: "ما لم تكن بحاجة لعناية طبية أو مساعدة كيماري، فالأفضل أن أبحث عن البقاء هنا."
مهما رغبت بصدق في المساعدة بالحفر، كانت احتمالات تتبع تاورين لي إن توغلت أكثر في الغابة كبيرة للغاية. حزّ بقائي هنا في نفسي. أومأ دريك وانطلق مع الآخرين، ورافقتهما عبر رابط العقل العام بترقب. لم يكونا بعيدين للغاية، لكنهما في مسافة كفت لأن أسمع سقوط الشجرة.
"سيرينا، واصلي التحدث إلينا ريثما نخرجك بالحفر. ما الذي يؤلمك؟"
"جانبي يؤلمني حقاً. لعل بعض ضلوعي قد كسرت إذ يوجعني التنفس."
"أواجه الكثير من الجذور الضخمة في هذا الموضع. هل يالف حظّ أحدكم سوى ذلك؟"
"سيرينا، إلى أي حد أنت محاصرة؟ هل يمكنك التحرك على الإطلاق؟"
"أستطيع تحريك أجنحتي قليلاً، لكن صدري وجانبي مثبتاً بالأغصان. يضغط أحدها على صدري. لا أستطيع الالتواء للخروج، والألم حين أحاول شديد للغاية."
كان صوتها خافتاً، وتبين لنا أنها تحاول حجب الألم عن رابط العقل وتبوء بالفشل.
كان صوت توم مفعماً بالقلق وهو يواصل مخاطبتها: "ابقي مستيقظة، سيرينا. لا تتركيني."
تحدث الجاسوس السابق: "سيرينا، ألديك أي فكرة عن مدى سوء إصاباتك؟ أستطيع الطيران؟"
"لا أعرف حجم الضرر... لكني لن أقدر على الطيران؛ صدري وجانبي يؤلماني بسوء شديد."
تنهد بعمق عبر رابط العقل: "تدركين أنه إن رآك الكيماري، فمنرجّح أن يأخذوك بعين الاعتبار أليس كذلك؟"
أغمضت عيني بينما غمر حزنها رابط العقل العام. بدا صوتها أخفت، لكنه لم يكن متعمداً هذه المرة، بل لشدة إصاباتها.
"نعم. لكني لا أظن أنني أحتمل الانفصال عن توم."
اعتاد الشريكان التعلق ببعضهما بعمق وقلما افترقا.
جلا قلق توم ويأسه في صوته حين أعلن: "لا أبالي إن طُلب مني أن أكون أليفا للكيماري في سبيل البقاء معك. سأبقى إلى جانبك بغض النظر عن كل شيء."
شعرت بحبها لشريكها يتدفق في الرابط.
سألت بتريث: "تاشا، أيفصلنا الكيماري؟"
"لا. ما لم تحاولا قتل بعضكما أو ما شابه."
بعد صمت طويل، سألت: "توم، أكنت جاداً؟"
كان صوته حازماً: "نعم، لن أتركك أبداً."
كان أولئك الذين جمعهم العروسان مخلصين حقاً لبعضهما، وما ذكرت أنني رأيت هذين منفصلين قط في الأعوام الأربعة الماضية. كانت المحادثة مفطرة للقلب، إذ عاود توم إعلان حبه بينما علمت أن كلينا على وشك انتهى به المطاف في رعاية الكيماري.
أولت بألم: "إذن من الأفضل أن تجلبوا الكيماري، لأنني أتقيأ دماً وصار التنفس أصعب."
أطلقت نفسي في الهواء وطرت نحو موضع احتجاز سيرينا بأقصى ما تحملني أجنحتي.
قلت لهم: "معي متعقب، ويرجح أن يتبعاني. أيمكن لأحدكم الذهاب للتحقق مما إذا كانا قادمين أم عليّ جرّهما إلى هنا؟"
تطوع دريك: "سأذهب أنا."
كنت قلقة على سيرينا. إن كانت تتقيأ دماً، فلا بد أن ضلعاً قد ثقب رئتها، ولا يزال الغصن يضغط عليها. وإن استقرت الشجرة أكثر، فقد تسحقها تحتها. دخلت الساحة وأرمشت بدهشة. كانت الشجرة ضخمة؛ حتى لو لويت جسدي حولها، لما استطاع أنفي بلوغ طرف ذيلي الطويل. كان ما يقرب من عشرين صغيراً للتنين يحاولون بيأس إخراج سيرينا بالحفر، لكن الجذع سقط بجانب شجرة أخرى وكانت الأرض تعج بالجذور الكبيرة.
كانوا يمزقون الجذور ببطء، لكن حتى لو أخرجناها، فلن يفيدها ذلك إن كانت إصاباتها بالسوء الذي نخشاه.
كان دريك قلقاً: "تاشا، لا يزال الأربعة جالسون حيث تركناهم. يراقب تاورين الجهاز على معصمه باهتمام، وهذا كل ما في الأمر."
بأنين من السخط، ألغيت هبوطي وأسرعت باتجاه المقاعد: "آتية. انتظراني، فقد يتطلب الأمر منا اثنين لحملهما على اتباعنا."
من بين كل الأوقات لئلا يتبعني كأب مرتاب... اندفعت في الساحة بينما رفع الكيماري رؤوسهم بدهشة. درت بحذر شديد حول المقعد الذي يجلس عليه تاورين قبل أن أطلق صريراً عاجلاً وأتجه عائدة من حيث أتى. لم يضيّع وقتاً في اتباعي، وانضم إليه رفاقه الثلاثة سريعاً. لم يصدر عني قط مثل هذا الصوت، وقد يظنون أنني أقودهم إلى سيكورا أخرى. وفي كلتا الحالتين، كانوا يتبعوننا. انضم دريك إلى رحلتي الجوية بينما أسرعنا عائدين نحو صغير التنين الأحمر المحاصر.
التفت ورائي لأرى الكيماري يلحقان بنا بسرعة.
أذهلتني سرعتهما فعلقت لدريك: "كنت أعلم أنهما سريعان، لكني لم أدك مدى سرعة قطعهما للمسافات إن شاءا. إنهما يلحقان بنا، ونحن نطير بسرعة جيدة."
ناديت في المقدمة: "ابدأوا بإحداث بعض الجلبة والحفر. يمكنكم التفرق ما إن نخطو إلى الساحة."
لم يمض وقت طويل حتى سمعنا أصوات صغار تنانين مكروبة. دخلنا الساحة لنرى الكثيرين منهم يمزقون الجذور الصغيرة محاولين الحفر حول قطاع معين من جذع الشجرة. تفرق معظمهم إلى الأشجار القريبة لحظة ظهور الكيماري. هبطت أمام موضع احتجاز سيرينا وخدشت الجذور الممزقة بشراسة قبل أن ألتفت إلى الكيماري. أبقى تاورين عينه على صغار التنانين المحيطة مترقباً أي سلوك عدواني أو دفاعي وهو يقترب ببطء.
ظلوا يختلسون النظر بين الكيماري والشجرة، قلقين على سيرينا، لكنهم متوترون من الزوار الجدد. زقزق بعضهم بقلق أو قفزوا من غصن إلى غصن بتوتر، لكن أياً منهم لم ينقضّ بغتة على الكيماري.
التفت خلفه: "تكايل، سورانتو، ارفعا الشجرة. أليك، انظر إلى أي مدى سيسمحان لك بالاقتراب. قد أحتاج إلى مساعدتك."
أومأ أليك وهو يفحص الوضع: "لم تسقط هذه الشجرة منذ زمن طويل. سأجري اتصالاً لطلب مركبة وفريق بيطري، احتياطاً."
اقترب تاورين ببطء، محافطاً على لغة جسد هادئة. تفرق صغار التنانين جميعاً، باستثناء دريك وتومي وأنا، بين الأشجار للمراقبة بقلق. دهشت بعض الشيء لبقاء دريك قريباً إلى هذا الحد، رغم أن توم بالكاد لاحظ اقتراب الكيماري وهو يحاول بيأس الوصول إلى شريكته المصابة. حين اقترب تاورين، أقلع دريك في الهواء وهبط في شجرة قريبة، متوتر جداً ليبقى. تأوهت الشجرة بينما رفعها تكايل وسورانتو.
بصرخة وجع، اندفع توم تحت الشجرة.
سمعت تنهدة سيرينا الخافتة بالارتياح وسط ألمها: "لقد زال أسوأ الألم..."
صار صوتها أخفت بكثير الآن. لم تكن في حالة جيدة. ركع تاورين بجانب الشجرة ونظر تحتها قبل أن يمد يده بحذر تحت الجذع ليخرج سيرينا. سمعت أنينها وهو يخرجها من تحت الشجرة. هبط قلبي لرؤية الفقاعات الحمراء تزبد عند جانب فمها مع كل تنفس. اتكأ توم على ركبتي تاورين ومرغ رأس سيرينا بقلق، إذ غطا قلقه على شريكته خوفه من الكيماري. جعلني صوت همهمة من الأعلى أرفع نظري بينما هبطت مركبة ببطء بين الأشجار.
فرّ معظم صغار التنانين من المكان، معتمدين على القلة الباقية لإرسال صور ذهنية عبر رابط العقل لإبقائهم على إطلاع بما يجري. بقي تاورين في مكانه، راكعاً وسيرينا بين يديه. اقترب أليك من المركبة قبل أن تهبط حقاً وعاد بلوح مسطح بينما خرج عدة كيماري آخرين من المركبة. كان أحدهم الطبيب البيطري الذي سبقت لي زيارتها.
أمرت تاورين: "ضعها على ذلك اللوح."
وضع تاورين سيرينا بحذر على اللوح الذي يحمله أليك.
ركعت الطبيبة البيطري بجانب أليك ومررت نوعاً من الماسحات الضوئية فوق سيرينا وهي تقرأ النتائج: "عدة ضلوع مكسورة، وربما كسر في الكتف، لكن بعض شظايا العظام قد ثقبت الرئة اليمنى. إنها أنثى بالمناسبة، سترغبون في تدوين ذلك في السجلات. علينا إدخالها الجراحة الآن."
وقف أليك حاملاً لوح النقالة.
أوانت سيرينا وهمست: "أنا خائفة."
التقط توم كسيّدها وقفز في الهواء، مطلقاً فحيحاً شرساً. انطلقت من كتف تاورين لأطرحه أرضاً في منتصف الهواء. انزلق جانبياً جراء الضربة، محاولاً استعادة توازنه ووقف سقوطه.
درت مسرعة حول المجموعة بينما صرخت في عقل توم: "أي شيء تفعله لوقفهم أو إيذائهم يؤخر سيرينا عن تلقي المساعدة التي تحتاجها. أتريدها أن تموت؟"
كرهت استخدام تلك الكلمة معه، لكنها كانت الحقيقة القاسية. المرة الأخيرة التي رأيت فيها دماً يزبد من فم صغير تنين، كانت حين انقض ثعلب على أحدهم. أخاف لهيبه الثعلب، لكن الضربة الأولى كسرت ضلوعه بوضوح. ورغم بذلنا قصارى جهدنا، فقد مات في غضون ساعات. لا شك في أن توم تذكر ذلك اليوم الرهيب أيضاً. بأنين وجع، هبط على الشجرة الساقطة وخدش القشرة بمخالبه لفرط اضطرابه وعجزه عن فعل أي شيء للمساعدة.
نشر أجنحته بيأس وهو يحدق في شريكته المصابة التي تمددت بين يدي الكيماري.
نظرت إلى سيرينا وتحدثت عبر رابط العقل: "المسكنات التي يستعملونها تمنع الكلام العقلي، لذا تذكر أنه حتى لو كنا بجانبك مباشرة، فلن تقدر على سماعنا أو محادثتنا بالكلام العقلي."
وجهت طيراني لأهبط على وسادة كتف تاورين، وما إن حططت حتى شبك تاورين إصبعه عبر حزامي ليمنعني من الدخول في عراك مع توم محتمل. لكن احترازه لم يكن له داع؛ فقد أخرجت ضربتي المفاجئة السابقة توم من وضع الهجوم. تبع أليك الطبيبة البيطري إلى داخل المركبة.
بدأ تاورين يتبعهما، فالتفت ورائي إلى توم الذي كان لا يزال واقفاً بتردد على الجذع: "إن كنت تنوي ركوب متن، فالأفضل لك أن تتصرف بسرعة."
انطلق من الجذع بسرعة هائلة ودسّ نفسه داخل الباب قبل أن يدخل تاورين المركبة حتى. دار حول المنطقة الصغيرة مزقزقاً بخوف واضطراب، خارج منطقة راحته تماماً وعلى وشك الهلع.
تنهدت في داخلي قبل أن أنصحه: "اهبط على ظهر أحد المقاعد قبل أن تتسبب في مشكلة. بالمناسبة، كن على حذر، لن تكون أيامك القليلة القادمة سهلة. سيكون هذا تغييراً ضخماً."
هبط بتردد على ظهر مقعد فارغ في الزاوية، رغم أن الكيماري كانوا يتجاهلونه في الغالب في هذه اللحظة. وضع أليك النقالة على طاولة، ووضعت الطبيبة البيطري قبة زجاجية فوق سيرينا قبل ضخ نوع من الهواء الملون فيها. تراجع أليك ليفسح المجال للطبيبة لتثبيتها بينما كنا نسافر إلى العيادة.