تضمّن اليوم التالي جولة مشي أخرى، مع أننا لم نعثر على شيء. وصل أليك في تلك المساء برفقة سورانتو وتكايل. قابلت حماسهم باشمئزاز. كانوا سعداء أكثر من اللزوم بترقية تورين. جلس سورانتو على مقعد.
"ألم تسمعوا أن الشيوخ أقرّوا قانوناً جديداً؟ سحالي النار محمية بالقانون الآن. لا يمكن لأحد إيذائها، ولا يحق لأحد القبض عليها دون موافقة شيخ. إنهم يأملون أن يستمر التكاثر في النمو".
كان أليك يعبث بشيء رمادي بين يديه ولم يرفع راسه وهو يعلق: "لقد طلبوا من عدة أشخاص آخرين مساعدتي في مراقبتها نظراً لتمنعها الشديد. نحن نراقب الصغار التائهين أو أي مصابين. إذا صادفنا واحداً نظن أنه مريض أو قد لا ينجو في البرية، فعلينا الإمساك به. سيشحص الشيوخ كل واحد منها قبل تعيين مروض له".
بدت علامات الدهشة على وجه تكايل.
"يجب تعيين كل مروض لسحالي النار؟"
أجاب أليك بشرود: "نعم. إنها محمية بالقانون، لذا يتعين على الشيوخ رسمياً جعل شخص مروضاً لتجاوز الجزء من القانون الذي يمنع الناس من القبض عليها، مما يسمح للمروض بالاحتفاظ بتلك السحاية أسيرة".
"هذا منطقي. لا بد أنهم فكروا في هذا منذ فترة، وهذا يفسر لِمَ عرض الشيخ المنصب على تورين".
لم تكن هذه الفكرة جديدة إذن. على الأقل لا يمكن قتل البقية ببساطة أو بشكل طائش، لذا كنَّ آمنات بغالبيتهن ما لم يمرضن أو يصبن، ولحسن الحظ، لم نواجه أي مشاكل مع المرض حتى الآن. إن تمكنت من الإفلات، فسيكجدون صعوبة بالغة في التمييز بيني وبين تنينات الذهب الأخرى. إن فهمت هذا القانون بشكل صحيح، فما لم يتأكدوا من هويتي، فلن يتمكنوا من محاولة الإمساك بالتنينة التي يراقبونها.
أو هكذا كان أملي الجديد، على أية حال. يا للأسف حقاً لأنني لم أفلح في الهرب الأسبوع الماضي. باءت جميع محاولاتي بالفشل، رغم تكرارها. عجزت عن فتح النوافذ أو الأبواب، وقد صُمم الحزام والزمام خصيصاً لمنع هروبي. وقف أليك.
"حسناً. لقد جهز".
انحنى تورين ليحملني، فأطلقت صريراً ساخراً في وجهه. احتضنني بين ذراعيه وثبت قدمي وجسدي بحرص. لم أكن متأكدة مما يفعلونه وبدأ الذعر يتسرب إليّ ثانية فثانية، فحاولت الالتواء للتحرر لكنه أحكم تثبيتي. اقترب أليك حاملاً ذلك الشيء الفضي في يده. حين مدّ يده نحوي، أطلقت فحيحاً بوجهه، لكن يدي كانت مثبتة، فلم أستطع صفعه. شعرت بلمسته فوق رجلي الخلفية مباشرة، ثم تناهى إليّ شعور يشبه لسعة بعوضة.
أطلقت فحيحاً وتخبطت سدى.
تراجع أليك وقال لتورين: "ها قد تم، خرزة التتبع في مكانها. إن كانت على هذا الكوكب، يمكنك تتبعها من أي مكان. وإن كانت على مركبة فضائية، فيمكنك تتبعها إن كنت عليها أو بالقرب منها. إن كانت لديك خريطة محملة على حاسوب معصمك، فيمكنه إطلاعك بدقة على مكانها وكيفية الوصول إليها. يفترض أن تدوم بطاريتها لعشرين عاماً على الأقل. سترسل تحذيرات بانخفاض البطارية حين تصل إلى عشرة بالمائة".
توقف تخبطي وهبط قلبي. متتبع؟ شعرت بموجة من اليأس تغمرني. لا أمل في الهرب الآن... أومأ تورين برأسه وأعادني تحت مصباح الحرارة حيث تكورت آلياً جراء صدمتي.
"شكراً. ليست لدي أي فكرة عما تبدو عليه أعمارها. أمن السهل استبدال المتتبع إن لزم الأمر؟"
استعاد أليك مقعده.
"نعم. إنه تحت الجلد مباشرة. يمكن إزالته بسهولة زرعه. إنه مسطح، لذا فلن يسبب أي إزعاج أيضاً. فقط احذر في الأيام القليلة القادمة إن ضغطت على تلك البقعة فقد تكون مؤلمة بعض الشيء".
تجمدت أفكاري بينما كنت أرقد بصمت تحت مصباح الحرارة، محاولة استيعاب ما حدث للتو بعقلي المذهول. لقد تشتت كل آمالي في محاولة التحرر المحتملة، والتي لم تكن تبعد سوى أيام قليلة. حتى لو هربت، سيجدونني بسهولة. ماذا فعلت في حياتي لأستحق هذا؟ بقلب مثقل، تواصلت عقلياً مع دريك.
"يبدو أن ثمة تغييراً في الخطط".
شعرت بقلقه.
"ما الذي حدث؟"
"يبدو أن المجموعة الحاكمة قررت أنني مفيدة أكثر من أن يُسمح لي بالرحيل بما أنني في الأسر بالفعل. الخبر السار هو أنكم محمون في الغالب الآن".
عادت صدمته عبر الرابط العقلي؛ لم يكن يتوقع أيّاً من هذين التفصيلين.
"ماذا تعني؟"
"لا يمكن لأحد إيذائكم أو القبض عليكم دون إذن من شيخ. ومع ذلك، يحق لهم القبض على أي صغار يظنون أنهم تائهون أو أي شخص مصاب أو قد يواجه صعوبات في التدبر بمفرده في البرية".
شعرت به يحاول استيعاب الحقائق.
سأل في النهاية: "أظن أنهم سيحاولون مراقبتنا بجهد أكبر إذن؟"
"نعم".
"إذن أشعر بالكثير من القلق الذي يمنعني من البقاء في هذا المكان كبطة حمقاء. بما أنك لن تُطلقي، فما هي أفضل طريقة للوصول إلى الحديقة المجاورة للجدار دون أن يُلاحظني أحد؟"
أخذت نفساً بطيئاً ومنحته كل نصيحة ومعلومة أمتلكها. وحين رتبنا كل تفصيلة، تمنيت له حظاً سعيداً في رحلته. غادر الرابط العقلي مقدماً تعازيه بينما ذهب ليعرف عدد الراغبين في مثل هذه الرحلة. وجهت انتباهي مجدداً نحو الموجودين في الغرفة. كانوا يراجعون أفكاراً شتى حول أشياء لتدريبي عليها وأفضل طريقة للقيام بذلك.
"أعلم أنك لم تسمها بما أنها كانت ستُطلق في الأصل. أفكّرت في اسم؟"
هز تورين رأسه ببطء.
"ليس بعد. فكرت في بضعة أسماء، لكن أياً منها لا يبدو ملائماً لها. سأستمر في التفكير حتى أجد الاسم المناسب".
بعد حين، رحل أصدقاؤه، وأحرج تورين أدوات التنظيف والزيت. تقدمت ليتم تنظيفي؛ فلم يعد هناك أي معنى للمكابرة في هذه النقطة. سيتركني ذلك حاكة ومتسخة فقط. علاوة على ذلك، كان ينتظر دائماً حتى أملّ من العناد، وقد بات لديه حافز جديد الآن. لم تكن معركة سأفوز بها. رقدت على حجره، شبه نائمة، بينما كان يدلك الزيت بحركات مساج.
تمتم لنفسه: "أليك محق حقاً. ليس لديك اسم بعد. لا أستطيع تذكر اسم يناسبك".
طفق يترنم بخفة وهو يفكر. أنهى عمله، وعدت إلى مصباح الحرارة. جرب تطبيق التتبع الجديد على حاسوب معصمه. اشمئزرت حين رأيت أنه قادر على تحديد مكاني بدقة فضلاً عن ارتفاعي عن الأرض. هكذا إذن انتهى أملي في أن يكون معطلاً. من ناحية أخرى، لم أسمع قط عن تعطل تقنيتهم. تطلبت الأمر الكثير من الإساءة قبل أن يتأثر بالتلف. ربما تحتاج الإساءة لأن تكون كافية لتحطيم عظامي لكي تؤثر على شريحة التتبع.
إنه سوء طالعي لا غير... ~ استيقظت في منتصف الليل وتثاءبت. ما زلت منزعجة من حقيقة أن بطاقتي نحو الحرية قد انتزعت من بين يدي فجأة. ألقيت نظرة على باب تورين المفتوح، مع أنه كان غارقاً في نوم عميق. كنت قلقة بشأن الاسم الذي سيختاره لي. كنت أحب اسمي. الاعتياد على مناداتي باسم آخر سيكون أشبه بأن أكون... شخصاً آخر. ضيقت عيوني في تفكير. لابد أنني جُننت. لا أستطيع تخيل كيف يمكن لهذا أن ينجح.
ركزت على تورين ودفعت برفق بعقلي. حَصَّنْتُ بعناية جميع عواطفم وأي معلومات قد تتبع الكلمات.
تكلمت بنعومة داخل عقله النائم: "نادها تاشا".
لم تكن لدي أي فكرة إن كان سيجدي نفعاً حقاً. لم نُجرب قط التحدث إلى أي كائن سوى تنين آخر بالتخاطب العقلي المباشر، ولم يسبق لأي مخلوق أو سلالة أن لاحظت رابطنا العقلي العام. تحرك قليلاً، فأنزلت رأسي بسرعة متظاهرة بالنوم. لم أكن متأكدة إن كان قد استيقظ حقاً أم لا نظراً لأنه لم يتحرك مجدداً. هل يُعقل أنه سمع صوت عقلي؟ حقيقة تحركه في نومه قد تعني ذلك. جعلتني هذه الفكرة أرتجف إذ لم أكن قادرة على إثارة قشعريرتي تماماً.
ربما كان من الجيد أنني لا أصرخ بشتائمي العقلية... تأخر مجيء النوم.