عدت إلى وعيي ببطء. كان عقلي مشوشاً بالنوم وعجزت عن التركيز تماماً. كان جناحي يؤلمني ألماً شديداً. هل عدت إلى المختبر مجدداً؟ جعلتني عقاقيرهم أشعر بهذا الشكل... لا، لقد زال المختبر... ألم يزل؟ بلى، بات بإمكاني تذكر أنقاض المبنى الآن. فأين أنا إذن؟ لم أكن متأكداً ولم أستطع فتح عينيّ على ما يبدو. لما كان جناحي يؤلمني؟ لقد اصطدمت يوماً بغصن شجرة أثناء تحليق سرييف، وظل ينبض هكذا لأيام عدة.
أرتكبت حماقة جوية أخرى؟ ما تلك الرائحة؟ لم تكن هذه رائحة بيتي ولا رائحة الغابة. كانت رائحة ثقيلة تتخللها روائح غريبة أخرى. أخذت نفساً أعمق. شعرت وكأنني يجب أن أعرف تلك الرائحة، لكنني عجزت عن جعل عقلي الشارد يتعرف عليها. بدأ عقلي يصفو نوعاً ما، رغم أن أفكاري ظلت مضطربة وبطيئة. كان رابط العقل صامتاً، ولم يتردد فيه همس صوت أو شعور.
ناديت: "أهلاً؟"
وسمعت صوتي المتبلد من النوم، لكن أحداً لم يجب. أين أصدقائي؟ لطالما أجابني أحدهم حين أنادي... حاولت فتح عينيّ مجددا، ونجحت هذه المرة. رمشت بكسل وسط الضوء الخافت المحيط. ما هذا بحق الجحيم؟ حاول عقلي إدراك ما يحيط بي بينما رفعت رأسي وتلتفت متطلعا، وما زلت أحاول الاستيقاظ. بدا بصري ضبابياً بعض الشيء من أثر النوم، فرمشت محاولةً تصفية رؤيتي. أول ما استطعت تبينه هو أنني كنت مستلقياً على نوع من القماش الناعِم.
لويت رأسي لأتطلع حول، فامتد القماش الناعم خلفي، ورأيت مصباح حرارة في الزاوية الخلفية. كانت هناك صينية من التراب الأحمر بجانبي ووعاءان أمامي. هززت رأسي لأصفّي ذهني وبصري معاً. ورغم رمشي لمرات عدة، عجزت عن التركيز على الجدران حقاً. حركت ذيلي فاصطدم بجدار بدا وكأنه زجاج، مع أن بصري المتعافي استطاع تمييز قلة من القضبان المعدنية التي تدعمه. نظرت حول بفرط ذعر بينما بدأ الهلع يتصاعد.
كنت في قفص. مجدداً. بماذا فعلت لأستحق هذا؟ ألم تكن حياتي قاسية بما فيه الكفاية؟ بدا أن الإجابات شحيحة اليوم. كان هناك نوع من القماش مسدولاً فوق القفص، لذا لم أستطع رؤية أي شيء خارجه. أخذت نفساً عميقاً لأحاول كبح الهلع. ملأت روائح المباني والكيماوي منخرَتي. شممت رائحة ماء ولحم أيضاً. قرقرت معدتي بجوع حتى وأنا أدرك مدى جفاف حلقي وتيبسه. عادت ذكرياتي فاتسعت عيناي. السيكورا، المعركة، جناحي المكسور، والكيماوي المقترب.
رمقت جناحي بطرف عيني فرمشت عندما لاحظت أخيراً أنه محاط بمادة رمادية صلبة وغريبة. جبيرة؟ كان هذا التفسير الوحيد الذي أمكنني الوصول إليه. حاولت بحذر تحريك جناحي. آلمني، لكن ليس بالسوء الذي كان عليه عندما غاب وعيي. كان الجناح برمته محاطاً ومثبتاً في وضعية استراحة مطوية. نهضت بحذر. نبض جناحي قليلاً، لكن شيئاً خطيراً حقاً لم يكن هناك. شعرت ببعض الارتياح لأنني سأكون قادراً على المشي دون أن يجر على الأرض.
تذكراً لأن السيكورا نجحت في خدشي، اعتدلت في جلستي وتفحصت الضرر. صار القطع السطحي على جانب ساقي الخلفية قشرة جافة. ضغطت عليه برفق، فأخبرني الألم الخافت أن الجسد البسيط كان تافهاً حقاً. طردت وجوده من بالي وألقيت أخيراً نظرة فاحصة على الأشياء الموجودة معي في القفص. قرب المدخل، كان هناك وعاءان؛ احتوى أحدها على ماء والآخر على لحم. رمقتهما بنظرة تشكك، لكن جسدي كانت له حاجات ملحة أخرى.
سيتوجب على صينية التراب العميق أن تفي بالغرض. قضيت حاجتي سريعاً ودفنتها باعتناء. أخبرتني معدتي صراحة ودون لبس أنها تريد الطعام الآن. جاء اللحم في ذيل قائمة المأکولات لدي، لكن لم تكن هناك خيارات أخرى متاحة حقاً. شممت القطع المقطعة بحذر قبل أن أجرّب واحدة. ذكرني الطعم غامضاً باللحم الداكن من طائر الديك الروم. أكلت بضع قطع أخرى قبل أن يتغلب عطشي على معدتي، فأخذت شربة ماء طويلة وعميقة.
شعر جسدي بالجفاف فأفرغت الوعاء بنهم. كنت مرهقاً في هذه المرحلة، وبدأ ألم جناحي يشتد. وشرعت ساقاي بالارتعاش أيضاً. توجهت نحو الزاوية الخلفية وتكورْت تحت مصباح الحرارة مع الحرص على أن يستقر جناحي المصاب في الأعلى كي لا أرتطم به عرضاً. عاد الضباب ليغشاك رأسي مجدداً وكأنني مخدر. ما كان لي أن أتفاجأ؛ فغالباً كان المخدر في الماء... دسست رأسي تحت الجبيرة لأحجب عينيّ عن ضوء مصباح الحرارة المائل للحمرة.
استحوذ عليّ النوم بعد لحظات. ~ استيقظت وسط الضباب الكسول ذاته مع زوال أثر العقاقير. تمكنت أخيراً من إخراج رأسي من تحت جناحي. أسقطت رأسي بصوت فحيح منخفض يحمل المفاجأة. التفت الكيماوي الجالس بجانب القفص لينظر إلي قبل أن يعود بتركيزه مجدداً إلى قطعة تقنية كان يمسكها بين يديه. تعرفت عليه؛ إنه الكيماوي ذاته الذي اقترب مني بعد المعركة. بقيت مكاني — ليس وكأن لدي خياراً يذكر بما أن المخدر لم يزل بما يكفي لأتمكن من الوقوف بعد.
نظرت حول الغرفة بينما أبقيت عيناً حذرة على الكيماوي. ذكرتني بغرفة جلوس، إذ ضمت أريكتين وعدداً من الكسي التي تواجه طاولة قهوة مركزية كبيرة. كانت هناك طاولات جانبية في زاويتي الغرفة بجانب الأثاث. استقر قفسي على إحدى الطاولات الجانبية. جلس الكيماوي على الأريكة الملاصقة للقفص تماماً. من بين كل المقاعد المتاحة، كان عليه اختيار ذاك... قطعت رائحة الماء أفكاري المتاحة، وجعلني عطشي أركز على وعاء الماء عوضاً عن رفيقي في السكن الجديد.
نهضت ببطء وتحركت بحذر باتجاه الوعاءين قرب باب القفص. تسببت هذه الحركة تزامناً في إحضاري أقرب إلى الكيماوي. لم أدرك مدى ضخامتهم. كان يبلغ نحو عشرة أقدام طولاً، وإن وُجد مثقال ذرة من الشحم على جسده العضلي، فما كان لي أن أراه قطعاً. بلغت قدمه حجماً قريباً من حجمي. بالطبع، عرفت هذه الحقائق نظرياً من قبل، لكن وجود أحدهم أمامي مباشرة جعل تلك الحقائق تصدم بقوة حقاً. أكلت ما يكفي من اللحم لإسكات معدتي قبل أن أفرغ وعاء الماء مجدداً.
ظل جناحي ينبض، وإن لم يكن بالسوء الذي كان عليه بالأمس. تحركت بحذر نحو الزاوية ذات مصباح الحرارة وتكورْت بينما أراقبها بتوجس. ليس وكأنني ذاهب إلى أي مكان لفترة. زحف النعاس سريعاً، حتى مع تراجع الألم قليلاً. أجل، إما الماء أو اللحم مخدر حتماً.