***مدينة البلور*** ***أنغرود***
هدأ الحفل بعد ما جرى مع إلساريا، لكن لم يجرؤ أي من الضيوف على المغادرة. أبتسم لنفسي حين أتذكر نقاشي مع سيليس قبيل الحفل. توقعنا أن تسول لأحدهم نفسه إحداث شغب أو تحدينا. ولم نشك قط في أن إظهار أي ضعف سيكون خطأ جسيماً. ربما لم يتحول الأمر إلى مشكلة فورية، لكن سفراء العالم كانوا سيحفظون الدرس، والملوك لا ينسون الإساءة. قررنا معاً أن نرد بقوة ساحقة إن أمكن، لنبرهن للجميع أننا لسنا مزحة.
إن محو كوكب بأسره يكفي لمنع مجتمعات أخرى عن شن الحرب علينا، فهذا الثمن زهيد مقارنة بالنتيجة. يستحيل التكهن بعدد العوالم التي ستتورط في حرب مفتوحة تضم آلاف الملوك من كل جانب. لست ساذجاً لأظن أن ساحات معاركنا ستقتصر دوماً على أماكن نأمن فيها على الأبرياء. يجلس كبار المسؤولين حول الطاولة المستديرة برفقتنا، ولاحظت أن سيليس بالغت في الالتصاق بي منذ عادت من تنويم الصغار.
تشابكت ذراعانا، والتفت ساقها اليمنى فوق اليسرى لتلتف حول ركبتي. ربما تأخذها الرأفة بالفانين...
"لا أكتفي قط من هذا الخمر".
فتحت ميروليرو زجاجة وشرعت في ملء جولة جديدة من الكؤوس الفاخرة.
"عليكم تصدير هذا حقاً".
ابتسمت لها متجنباً التفكير في النزيف المالي الذي يحدثه هذا الحفل في قبو القصر الملكي. تنتج خيميرا الكثير من الخمر عموماً، لكن هذا صنف رفيع لا يُنتج بسهولة. توجد نحو عشرين أو ثلاثين معصرة معتمدة لإنتاج هذه الجودة. وحين توزع إنتاجها على عالم بأسره، لن يتبقى لنا شيء للتجارة بين العوالم، حتى لو رفعنا الأسعار إلى مستويات فلكية. رشفت جرعة من كأسي وضمت زوجتي إليّ.
أهمس لها: "إذن، هل تسليك الأجواء؟"
أجابت سيليس بصوت يشوبه التوتر: "بالتأكيد، يا دبي السكري!"
"لم يبدو هذا مقنعاً البتة".
أحدث شيء ما ضجة أثناء حديثها مع السفراء الآخرين؟ أم ما زالت ساخطة لأننا محونا كوكب بكامله، سكانه ومقدراته؟ أعترف، ليس في الأمر ما يُحتفل به، لكن الواضح جلياً أن أهدافنا وواجباتنا بعيدة المدى تعلو على مصائر العوالم. إن أخفقنا، فسيكون الثمن الأكوان المتعددة بأسرها. نهضت غالونا لتلقي كلمة قبل أن ترد علي سيليس.
"أظنني أعبر عن لسان حال الجميع حين أعرب عن آمالي العريضة في المجتمعات..."
توقفات، مستغرقة وقتاً لتصياغ ما أرادت قوله.
"...التي ما زالت بيننا. لعل مستقبلنا يُبارَك بالتعاون والسلام والحرية. لنُعد تشكيل الأكوان المتعددة معاً ونتأكد من درء أي أذى قد يطالنا بفضل إرث المجلس".
أومأ الباقون ورفعنا كؤوسنا نحتفي بمستقبل جديد نرجو أن يكون أفضل.
"مواها. أجل! هذا هو حقاً! السلام والحب للجميع. الصغار يملكون آمالاً عريضة حقاً. لكن اعتنوا جيداً بقلاعكم الرملية".
صدر صوت أنثوي ثمل من تحت طاولتنا فجعلني أنكمش. ظننتني عرفت الصوت، فسحبت مقعدي إلى الوراء لأستطلع ما يكمن في الأسفل. حجب المفرش الرؤية، فأزحته جانباً.
"لادا! ماذا تفعلين هناك؟!"
سألت المَلِكة التي تمددت بلا حراك تحت الطاولة. اصطفت حولها زجاجات خمر عديدة، وكلها فارغة. تفوح منها رائحة كمن اغتسل بالمسكر، وتعلو ثيابها بقع شتى.
"أشسبح وأغتسل في بؤسيس فقط. أنا من أقدم الكائنات في الأكوان المتعددة. لكن هل يكترث أحد برأيي أو بحاجتي؟ لا! يبتكرون مجتمعاتهم ويهرولون إلى الأمام".
لاهت لادا بكأسها نحوي وأراقت نصفه على الأرض.
"من يحتاج إلى مَلِكة حب. سألقي نظرة من الظلال... على الصغار..."
يا للهول، المرأة مخمورة حتى العظم!
"لادا، أحتسيتِ خمراً من قبل؟"
"بالطبع!"
تجشأت.
"اخرجي من هناك، لادا. لقد هبطتِ إلى الحضيض حقاً منذ آخر مرة رأيتك فيها".
تسلقت ميروليرو تحت الطاولة الكبيرة لتخرج لادا، ولم تجد صعوبة في ذلك نظراً لصغر حجمها.
"نحن لا نتجاهلك وما شابه".
"أحقاً؟"
رفعت لادا حاجبيها.
"بالتأكيد!"
حاولت سيليس طمأنة عضوة المجلس السابقة.
"أنت بمثابة جدة طيبة لنا".
جحظت عيناها.
"آه، لم يكن هذا مفيداً البتة"، علقت ميروليرو وهي تأخذ بيد لادا.
"هيا. أنت تصنعين استعراضاً لنفسك".
يبدو أن ميروليرو تعرف لادا، وهذا ما لا ينبغي أن يفاجئني. فكل الحاضرين يفترض أن يعرفوا عضوة المجلس السابقة. وما وجود لادا هنا الآن إلا بفضل كونها الوجه اللطيف الوحيد في المجلس.
"ابتعدي عني أيها الخمر! صغار يعتنون بالجدات. ينبغي أن يكون العكس هو الصحيح!"
قاومت لادا ميروليرو التي استخفت بسُكرها. عانت المَلِكة الأصغر حجماً حقاً في إخراجها. استخدمت سيليس ذيلها لتصل إلى ما تحت الطاولة وتقبض على كاحل ميروليرو، ساحبة إياها في حركة سلسة واحدة بينما ظلت متشبثة بلادا.
"تباً! شكراً. يا لادا، كان بإمكانك المساعدة قليلاً... لادا؟"
ربتت ميروليرو برفق على وجه لادا دون أن تلقى أي استجابة.
"خريير... رغرغ... خريير..."
مَلِكة الحب ملقاة على ظهرها وتغط في النوم كحطاب.
"أحقاً؟"
هز شيفري رأسه ناظراً إلى المَلِكة الرابضة بثوبها الأبيض.
"يبدو أن علينا الاعتناء بسابقينا بصورة أفضل. من كان يدري أن العظيمة لادا ستفرط في حق نفسها هكذا؟"
هز زاندرز رأسه.
"عليكم تذكر أن كل ما اعتادت عليه انهار حولها، ومرجع ذلك جزئيّاً إلى أفعالها. سيشعر أي شخص بالإحباط بعد حدث كهذا. سيسير الأمر على ما يرام إن منحناها عملًا لائقا – شيئاً يضمن انشغال أفكارها بشيء آخر. من المرجح أن الفراغ منحها وقتاً أطول للتفكير في وضعها"، اقترحت على المجموعة.
"ما رأيك برئيسة الأكوان المتعددة؟"
اقترحت ميروليرو بنبرة يشوبها السخرية، مشيرة بوضوح إلى الحماقة التي حاولت إلساريا ارتكابها بحقنا.
"أه، ربما ليس اللقب حرفياً، لكن ماذا لو جعلناها وزيرة للشؤون الاجتماعية، مسؤولة عن إدارة العلاقات بين المجتمعات المختلفة؟"
سألت سيليس بنبرة فضولية.
"فكرة ليست سيئة. قد نحتاج إلى شخص حيادي إن نشب أي نزاع بيننا. لادا ستكون مرشحة مثالية".
أومأت غالونا لنفسها مؤيدة للفكرة بلا شك.
"للتوضيح فقط، ستخلو الوظيفة من أي سلطة حقيقية لأنها ستكون وسيطة بين حكوماتنا".
"يعجبني هذا الإيقاع. بحسب الوضع الراهن، نحتاج إلى شخص كهذا. ومثل هذه الوظيفة مزعجة بلا شك، وأشك في قدرتنا على إيقاع أي شخص فيها وهو في وعيه".
داعب ماوو ذقنه ناظراً إلى لادا التي تغط في النوم. ركعت ميروليرو وأمسكت بيد لادا لتصنع بها إشارة الإبهام لأعلى.
"تقول لادا إنها ستنجز المهمة".
ثم طوت يدي لادا على صدرها وغطتها بمفرش من طاولة مجاورة. ثم نظرت المَلِكة الصغيرة إلى وزيرة الشؤون الاجتماعية المتوجة حديثاً.
"ألا ينبغي أن نأخذها إلى مكان تستطيع النوم فيه؟"
حدق بقية الملوك، وأنا منهم، في الفتاة الصغيرة بنظرات يسكنها الشفق.
"ماذا!؟"
نفخت ميروليرو وجنتيها وعبست.
"أردت أن أكون لطيفة لا أكثر!"
هز كارن رأسه ضاحكاً.
"من المبهج أن نجد في هذه الحلقة شخصاً بجهلك نفسه".
"هيي!"
تذمرت ميروليرو، مبرهنة على جهلها التام بالثكارى. أشار كارن وحسب إلى المَلِكة النائمة وقرر مشاركة خبرات حياته.
"أيتها الفتاة، كل ما أعدك به هو أنك إن وجدت شخصاً بمثل هذا السكر، فلن تحصدي نظير عنائك سوى وجه ممتلئ بالقيء إن حاولت تحريكه. دعيه وشأنه".
***المدينة البلوريّة*** ***روز***
"نخب نجاح مهمّتنا!"
أرفع كأس المشروب اللاسع وأهنّئ رفيقاتي بما حققناه بينما ينشغل أفراد العائلة المالكة بتسلية كبار الضيوف. قد يكون النبيذ جيّداً، لكنّي لست من هواة النبيذ بتاتاً. إن شربتُ، وجب أن يحرق حلقي كالمرجل لأعلم أنّي على قيد الحياة. ترفع تانيا وساندرا وإيريس كؤوسهنّ للمشاركة.
"لنجاحنا!"
"وذكريات من رحلوا"، أضيف وأجرع الكأس الصغيرة في جوفي مستمتعةً بوخز كحول بنسبة ثمانين بالمائة مع نكهة خلفيّة من عصير العنب.
"ما إن أصل البيت حتّى ألقي ثيابي وأتخايط ذهاباً وإياباً أمام دريم إلى أن يفقد صوابه ويطوقني بذراعيه".
تُقهقه ساندرا.
"أستنوين إنجاب طفل ثانٍ من قائد حراسك أخيراً؟"
"هاه! ليت الأمر بيدري!"
أصبّ لنفسي كأساً ثانية.
"دريم متحجّر الفكر! بكري بالكاد ينهي مرحلة الأساس ولا يزال عاجزاً عن حسم أمره بشأن طفل ثانٍ. ربّما عليّ طلب بعض شوكولاتة سيليس الخاصة وتخديره بها. كيف تسير الأمور مع جيشك الصغير؟ أيّ فرصة لبطن آخر؟"
"هاهاها..."
تضحك فتاة الأرانب ويتسلّل الرعب إلى نبرتها.
"لا. أبداً. خمسة دفعة واحدة كانوا أكثر من كافين. أنا في راحة لعقود قليلة. عليّ أنا وسفن التأكد من خروج الصغار الحاليّين من البيت قبل التفكير في جدد. ويريد زوجي ترقية مسيرته ليتمكن من مساعدة أصدقائنا بصفته الرسميّة".
"وأيّ صفة رسميّة أعظم من قائد أعلى لقوات دفاع كايما؟"
أرتشف من كأسي وأرفع حاجبيّ. تُدير ساندرا عينيها.
"الأبله يريد إثبات نفسه في المعركة كي تعترف بقية العائلة بقدراته. يكفيني رضىً أن يبقِيَه القدر بعيداً عن أيّ شيء خطير ولو من بعيد. ليتّه اختار مساراً أقلّ ميلاً للقتال، لكنّ أهله غسلوا دماغه عملياً قبل أن أتولى زمام الأمور. مع خدمة كلَينا للوطن، بالكاد نلتقي ببعضنا أو بالصغار. أنا سعيدة فحسب لوجود والديّ للعناية بهم. لا أأتمن أهلي على الصغار".
"أجل".
تتنهد إيريس وهي تمسك بكأسها.
"للأسف، لا يضمن لك الزواج من مدنيّ وجوده عندما تحظين ببعض وقت الفراغ. ستيفن ومارجري يعملان على مشروع ضخم. وكلّ شيء بالغ السرية؛ حتّى أنا زوجته لم يخبرني بوجهته".
تنفخ من أنفها.
"وأنا بحاجة ماسة لمن يحكّ ظهري. إن لم يُعِرني مزيداً من الاهتمام فلربّما أنصت للمعجب يحاول مغازلتي تالياً".
ألوّي شفتي.
"ألم يكن الاعتناء بالصغار أفضل؟"
تبتسم بخبث.
"لا تقلقي. لديّ متسع من الوقت لهم، ووالدي معهم على مدار الساعة. قد يكون ارتكب أخطاء كثيرة في حياته، لكنّه يعوّضها. على كلّ حال، إن لم أكن يقظة، فسيغادر الأوائل المنزل قبل أن أبلغ غايتي".
"غايتك؟"
تسعل تانيا.
"إنجاب عائلة محبة بحجم فريق كرة قدم كامل!"
تعلن إيريس بفخر وهي تلوّح بكأس نبيذها.
"كانت طفولتي سيئة بما يكفي. سأستعيد كلّ ثانية من حياة العائلة أضعافاً مضاعفة ممّا حرمتني منه عائلتي".
"قد يظن المرء أنّ ثمانية أشقياء يكفون، أم أنها بلغت التاسعة؟ عجزتُ عن العدّ"، تمتمت تانيا وهي تخفي فمها خلف كأسها.
"لكنّك اقتربت من غايتك على أيّ حال، فلم لا".
"آه"، توخز إيريس فتاة النينجا في خاصرتها.
"لا تكوني ممتعضة. ستجدين حبّك عاجلاً أم آجلاً. إنّها مسألة وقت وفوقنا منه الكثير".
"نعم!"
أحاول ابتهاج عانسنا الأبديّة. عرفتُ تانيا منذ بلغت قامة صدري وحدي، لذا لا أملك إلا أن أتمنّى لها كلّ نجاح ممكن.
"لا تقلقي. استغرقني الأمر وقتاً طويلاً لأجد أحدهم. بعض الناس يستغرقون وقتاً أطول ببساطة".
"ألم تفكري بيوم في غابرييل؟"
تسأل إيريس.
"آخر ما سمعته أنه أعزب أيضاً وقلتِ إن ملامحه تعجبك. ما زلت أحتفظ برقمه. إن رغبت، يمكنني ترتيب موعد".
تكتفي تانيا بابتسامة ماكرة لنا.
"أنا سعيدة بما يكفي لعدم تقييد نفسي بالأطفال والعائلة. إن شعرت بالحاجة، التقطتُ شاباً وسيم الهيئة من الشارع لأقضي وطري. لا تقلقي، أنا راضية بأسلوب حياة الأعزب وآخر ما سمعته، غابرييل لا يختلف عني كثيراً. شعاره عش بحرية، وأحبب بحرية، وتأكد من عدم ترك بذور في الرحم. هاهاهاها!"
حسناً، تلكم طريقة أخرى لخوض الحياة، لذا أرفع كأسي.
"للعائلة والأصدقاء!"
ثم أجرع كأساً أخرى، وأبدأ استشعار أثر الكحول.
"ياي، أيتها الفتيات. تأكدن من إخباري بسلوك طريق البيت قبل أن أثمل كلياً مثل لادا. سأكره تفويت دريم حين يعود من القصر".
نواصل الشرب والحديث بينما نراقب الحفل حتّى وقت متأخر من الليل. حين تبدأ الأمور تتخذ منحى غريباً ويبدأ الناس بفقدان ثيابهم، أقرّ بالكتفاء والانسحاب تكتيكياً.
***المدينة البلوريّة*** ***انغرود***
آه... أشعر بصداع شديد. يكاد رأسي ينفجر. أرفع يديّ لأضغط براحتيّ على صدغيّ في محاولة عبثية لكبح جماح الجنيات الصغيرات اللواتي يحفرن في عقلي بحثاً عن الأحلام بمعولهن المرعبة. ألتفت برأسي ببطء شديد لألقي نظرة على ساحة المعركة التي خلفها الليلة الماضية. يبدو أنني ما زلت في قاعة الاحتفالات، مع أن ذكرياتي تبدو ضبابية بعض الشيء بعد أن قرر كارن إثبات قدرته على الوقوف على يديه بلا مساعدة فوق زجاجتي نبيذ — بلا أي سحر للمعاونة.
أنا ملقى فوق المنضدة بينما تغط سيليس في نوم عميق فوقي. تستخدمني وسادة لجسدها، وقد شبكت ساقها العارية بإحداى ساقي بينما تنخر بصوت عال كاف لتوقظ الموتى. تراودني رغبة عارمة في مد يدّي لقرص مؤخرتها... وأجزاء أخرى... لكنني أراهن أنها لن تقدر هذا التصرف مني في العلن. حسناً، ربما لن تنشط شخيرها كل الموتى. مأو ملقى على بطنه، ووجهه مغمور في بركة من الخمر. لقد سقط على ما يبدو في النقطة ذاتها التي أجهزت عليه عندها الخمر ولم يعد يتحرك.
لادا ملفوفة بمفرش الطاولة كأنها شرنقة وتتدلى منكوسة الرأس من السقف — نائمة هي الأخرى نوم الأبرياء. ترى من الذي قرر تعليقها هناك أصلاً؟ أميل برأسي لأستوعب قدراً أكبر من الفوضى التي صنعناها حين تخلّص الكحول من كل القيود والمنطق العقلاني. عمد أحدهم إلى تكديس الطاولات والكراسي لصنع قلعتين صغيرتين لكنهما تبدوان مذهلتين على جانبي الغرفة، تاركاً بقية القاعة خالية من الأثاث.
تتناثر قطع الزجاج المكسور بكثافة حول القلعتين المرتجلتين، مما يترك في نفسي انطباعاً بأن صنع الأثاث ومعظم أدوات المائدة من بلّور المانا كان فكرة سدّدت هدفها. تتدلى ميروليرو على ارتفاع مترين من ساق طاولة مقلوبة تشكل جزءاً من جدار قلعتها. وتحتها بركة ماء لا أود تفحصها عن قرب. القلعة الأخرى يكسوها جدار متدعٍ، وأرى ذراعا ميكانيكية تطل من تحت طاولة مقلوبة أخرى تبدو تخص شيفر...
لكنني أكتشف لاحقاً أن شيفر — وقد فقد ذراعه المعدنية — يتدلى من الشمعدان في وسط الغرفة. زانديرز وغلوانا ملقيان معاً على الأرض، يعانقان بعضهما في وضع مريب يشبه تماماً ما أنا عليه مع سيليس.
تمتمت بصوت متحشرج وأنا أدرك أن حلقي جاف ومحتقر: "ما الذي..."
"...حدث بحق الجحيم؟"
أحاول النهوض لكن الدوار ووزن سيليس يمنعاني. وثمة مشكلة أخرى تتمثل في أن كل شيء يدور من حولي، فضلاً عن الصداع. اللعنة. لن أتناول ذلك النبيذ مرة أخرى أبداً. أو زجاجات منه على الأقل.
"ما الذي حدت بحق اللعنة هنا؟"
يشاركني أحدهم الفكرة ذاتها بحذافيرها. يجذب الصوت انتباهي فألتفت برأسي لأرى كارن عند مدخل القاعة. يخطو خطوة أخرى إلى الداخل، رافعاً قدمه عالياً ليتجاوز تانيا الملقاة بلا حراك وهي تحتضن شخصاً ما بين ثدييها. للأسف، لا يمكنني التعرف على من نال شرف الاسترخاء هناك. يشق كارن طريقه عبر الغرفة متجنباً المزيد من جثث الكحول. ينخز بإصبعه خد شخص يستند بجزءه العلوي إلى جدار قلعة الأثاث، فيهوي الرجل جانبياً من دون حتى أن يرف له جفن.
"أهلاً..."
ألوح له بضعف فيتجه نحوي. لا يبدو كارن في أفضل حال بدوره؛ فعندما تراه تجد عينيه محقونتين بالدم وبشرته شاحبة، لكن يبدو أنه غادر الحفل قبل أن تقع الواقعة... على الأقل يبدو الوضع كأن الواقعة قد وقعت بالفعل. في الحقيقة لا أذكر كيف آلت الأمور إلى ما هي عليه الآن.
أسخر قاصداً ممازحته: "يبدو أن مضاجعة أربع فتيات دفعة واحدة أمر شاق بعض الشيء"، مفترضاً أن حريمه قررن جره بعيداً قبل أن يمنعه الكحول من أداء واجبه الرجولي.
يتذمر مشيراً بإصبع الاتهام مباشرة نحو وجهي: "أنتم يا رفاق تجيدون إقامة الحفلات. لو لم أكن مشغولة بكامل حاشيتي لكانت ليلة رائعة هنا! وتفويتي للحفل هو خطؤكم!"
'صفعة!'
"آه!"
أصابت ضربة مفاجئة من ذيل سيليس يد كارن مباشرة في ظهرها حيث الألم أشد ما يكون، مما جعله يقفز خطوة للوراء ويطلق صرخة ألم. لا أملك إلا أن أبتسم له بخبث.
"أنزل زوجتك عنك ولنتحدث في هذا كرجال حقيقيين! سيكون معجزة صغرى لو نجوت بجلدي مع واحدة منهن على الأقل!"
يلوح بمشتيه في وجهي لكنه يستهين مجدداً بمدى ذيل سيليس. 'صفعة!'
"تباً!"
يقفز خطوة أخرى للوراء وهو ينفض يده.
أشرع في الضحك عليه: "مواهاها! لا تستهن أبداً بالدفـا..."
تنقطع لحظة الشماتة حين تلتف ذراعا زوجتي حولي معصرتين إياي بعنف يكاد يزهق روحتي.
تعصرني سيليس بقوة أكبر صارخة: "ممملكي! منحة..."
وتزول الابتسامة عن وجهي مع بدء عظامي بإصدار صوت طقطقة مقلق. وحينها يأتي دور كارن ليتبسم، لكن أصواتاً آتية من وراء المدخل تلفت انتباهنا.
"كـاارن؟"
"عزييزي؟"
"ربما في القاعة؟"
"كارن، لا يمكنك الهرب من واجباتك!"
يتحول تعبير وجه كارن إلى شبح مرعوب، فيلتفت سريعاً نحو المدخل ثم يعود ليحدق بي.
يوجه إصبعه نحوي مجدداً: "سنتحدث في هذا لاحقاً!"
'تـب...!' هذا الرجل عصي بشكل مدهش على التعلم من تجاربه... يستجيب أخيرًا لخطوات الأقدام المقتربة فيلتفت نحو النوافذ ويشرع في الركو.
"انتـ..."
أحاول تحذيره، لكن الأوان يكون قد فات ليطير كارن برأسه مباشرة نحو الزجاج محطماً إياه ومغمياً عليه.
"...ظر!"
أيها الاحمق اللعين! تلك النوافذ مصنوعة من بلّور المانا تماماً ككل شيء آخر في هذا البرج. لابد أنه كان أكثر تأثراً بالحفل مما اعتقدت. بعد ثوان قليلة، تظهر أربع فتيات بملابس خفيفة عند المدخل، وهن يتمايلن ويتراقبن كملوك من رواية خيالية فاحشة بحق. العنة... لو أن حالتي الحالية لا تمنعني من الاعتدال في جلستي... لما عبأت بالمتفرجين بعد هذا المنظر. أبقى ساكناً تماماً لتجنب إخافة الجميلات شبه العاريات، محاولاً تذكر كل لحظة.
أعني... لدي سيليس... لكن لا أحد يمنعني من تخيل مشهد فاحش معها. أو مع اثنتين. أو ثلاث... لا بل أربع!
"أسمعتم ذلك؟"
تدخلف الفتاة الأولى الغرفة وهي تشم الهواء.
تتبعها الثانية وهي تحمل نوعاً من أجهزة التتبع: "لابد أنه هو! ها هو ذا! أخبرتك أن وضع رقاقة تعقب له فكرة سدّدت هدفها، بغض النظر عن أنف سيليس. المسكين لولا وجودنا لضاع في الهاوية".
تأمر الثالثة الباقيات: "خذنه! وتوقفن عن الحديث عنه بهذه الطريقة. ماذا لو سمعكن؟ تعرفن عقده بشأن التفوق الذكري. أقسم أن إحداكن إن استفزته فلن أكون أنا من يداعب غروره ليعيد صياغته حتى يصبح قادراً على الأداء مجدداً. يحتاج تدريب إمبراطور إلى سنوات".
انتابني شعور بأنها القائدة الحقيقية لمجموعة كارن... ولمَ يبدو كلامهن وكأنهن يتعاملن معه كنوع من الحيوانات الأليفة؟
تهتم الرابعة برجلها متبتلة: "عزييزي! أه، لا. لقد آذى نفسه"، بينما ترفعه الأولى والثانية لاستعادة إيماني بالجنس اللطيف.
تتنهد: "آه، ستكون تلك كدمة زرقاء. لقد أخبرتكم يا رفاق أننا كان يجب أن نختار شخصاً يمتلك قدراً أكبر من العقل".
تستدير الباقيات عليها بحدة في صوت واحد: "نحن لا نحتاج إلى عقل، بل إلى عضلات فحسب".
يتراجعن بسرعة حاملات غنيمتهن، تاركات في نفسي انطباعاً بأنني شهدت للتو شيئاً ما كان ينبغي لأي فرد من بني البشر أن يراه أو يشهده. أعني أن البقاء بصحبة سيليس هو الخيار الأفضل لي بلا شك.