***العالم*** ***أسكاثون***
ها أنا ذا أستلقي هنا، بجسدٍ محطّم وعلى حافة الموت. كان قتالاً جيداً، أظن ذلك، لكنني سقطتُ في النهاية. تماماً مثل الكثيرين ممن قتلتهم. أتلوى محاولاً النهوض، لكن جسدي لا يطيعني. لابد من انكسار شيء ما، لأن كل ما هو تحت صدري يبدو كأنه غير موجود. لعلها نعمة. أسعل، فألفظ الدم من فمي، لكن سيلاً ثابتاً يتابع صعوده في حلقي. وعندما أتنفس، يصدر صوت حفيف كأن في رئتي ماءً. إنه دم بالتأكيد، يتسرب بسبب الأضرار الداخلية. تلك الضربة الأخيرة قضت عليّ، ولن يففع أي شفاء في العالم لأنني أصبت بسلاحي الخاص. ملاحظة لنفسي: المرة القادمة التي تبتكر فيها شيئاً يسبب جروحاً غير قابلة للشفاء ويخترق الأرواح كسكين حامٍ في الزبدة، تأكد من أنه لا يمكن لأي مَلِك عشوائي أن يوجهه ضدك. ومع مرور الوقت دون أن يتحسن حالي، أتقبل ببطء حقيقة أنني لن أصمد طويلاً. يزداد التنفس صعوبة، وبصري مغبش بالفعل. يا له من مصير سخيف. أن أغرق في دموي عند فجر نصري فحسب. غريب... بطريقة ما أتذكر أن الموت هكذا كان أشد ألماً. ليست هذه المرة الأولى التي أُطعن فيها برمح وأنزف حتى الموت. وبالنسبة إلى مَلِك سرمدي، تكاد التجربة لا تكون جديدة. لكن الأمر يبدو هذه المرة كأنني أنجرف ببطء. لا بد أنه نقص الأكسجين. ليس الأمر كأن لدي الكثير لأفعله على أي حال في هذا الخراب المحترق من عالم. أن يحدث هذا لي! أنا! مَلِك! ألا يفترض بالملوك أن يكونوا كائنات قوية كلياً وحاضرة في كل مكان؟ فلماذا أستلقي هنا متخلياً عن الأمر؟ يبدو أن البشر أخطأوا في مفهومهم عن الموك. قد أكون قريباً من امتلاك كل القوة، لكنني أبعد ما أكون عن معرفة كل شيء. وإلا لما كنت هنا، على وشك إطلاق نفسي الأخير. جزء بعيد مني يلاحظ أنني أهذي بينما تشرّق أفكاري وتغرّب، لكنني لا أبالي. ليس هناك ما أستطيع فعله. لقد نفدت خياراتي بحق. لو لم يوجد ذلك الميرم الغبي الذي جعل الأمور معقدة. لو لم أصبح عاطفياً، لما كنت انطلقت في هياج. لكن هل هو مفاجئ حقاً أن تسوء الأمور حين تضع مَلِكَ الفوضى في العالم نفسه مع مَلِك النظام؟ حتى لو لم يهاجم الميرم أتباعي، كانت مسألة وقت فقط قبل أن نثب على حناجر بعضنا. النار والماء لا تتمازجان قط. أحاول تذكر متى ساءت الأمور بالضبط. في البداية، تدخلنا في العالم عبر قوانيننا السماوية وحدها، تلك التي مُنحت للناس الذين يؤمنون بنا. أم أقول آمنوا؟ أظن أنه لم يتبقَ أي بشر. حين يتصارع الملوك، يكون الأمر أشبه بحدث قيامي. ربما ما كان علينا قط أن نبدأ في مشاركة القوة والمعرفة مع أتباعنا. وما إن بَدأت تلك الممارسة، كان خروج الأمور عن السيطرة أمراً مؤكداً تقريباً. كانت صيرورة متطورة باستمرار لتعزيز أتباعنا، ومنحهم قدرات متزايدة على ارتكاب الفظائع التي تحولت إلى حرب مقدسة لم يسبق للعالم مثيل لها. لا، أنا متأكد تقريباً من أن الميرم رمى الحجر الأول بتدنيسه أحد معابدي بوجوده. أم كان ضريحاً؟ مقدساً؟ اللعنة! لقد مر وقت طويل لدرجة أنني لا أذكر بوضوح. أم هو نقص الأكسجين؟ بالعودة إلى الوراء أكثر، لعل الأمر لم يكن خطأنا حتى. بل كان سحر العالم هو ما أجبرنا على القتال من أجل انتباه البشر. ومن وضع هذه اللعنة علينا؟ المجلس. نعم، إن كان من أحد يُلائم اللوم، فهو المجلس. سلسلة أخرى من السعال تعصف بجسدي المحطم وأشعر بقلبي يرفرف في صدري. متأكد تماماً من أن الأمر لن يستغرق طويلاً الآن. ما كان لي أن أبطئ سقوطي بآخر ما تبقى لي من قوة. لو لم أفعلم شيئاً، لكنت ارتطمت بـ *هوي* وانتهى أمر الموت برمته. وانطلقت إلى التناسخ التالي. لأتابع عجلتها من الموت والولادة من جديد. ثم أتذكر وجوه أعدائي وأضطر للضحكة خافتة. في ذلك الحين، حين كنت مستغرقاً في غضب عادل، لم ألاحظ ذلك بوعي، لكن وجوههم كانت لا تُقدر بثمن حين أنزلت غضب الملائكة. تظلم السماء وأرمش بعينيّ، ملاحظاً أن بصري لا يعمل بالشكل المطلوب. إنه مغبش، لكنه لا يمكن إلا أن يكون الغيوم. لابد أنها تتدحرج ببطء فوق الأفق الآن، مغطية العالم أجمع بالدخان والرماد. إسقاط قمر على العالم يفعل ذلك غالباً. الأمر مظلم جداً. أظنني سأنام قليلاً، فأغمض عينيّ. "انهض!" شيء يضربني في جنبي، فأفتح عينيّ على وسعهما، شاعرأ بالالم مرة أخرى. "استيقظ! وإلا ركلتك مجدداً، أيها الأحمق!" "أوه، سيريا!" أسعل الكلمات. إنها تلوح فوقي بكل مجدها الأشقر... وبتنورة قصيرة بشكل فاضح ذات حافة بيضاء مكشكشة. "ما الذي فعله... أكثر..." ممقوت! "...ملوك الحياة والموت المحبوبين عندي في مكان كهذا؟" أخذ نفساً عميقاً قبل أن أتمكن من الكلام مجدداً. "هل ترغبين في أن تكوني لطيفة... وتجهزِي عليّ؟ كل شيء يؤلمني." لكي أكون صادقاً، لم أكن أتوقع أن تكون هي من يظهر. إن كان من أحد أنتظره، فهو فرقة مهام كاملة من مجلس السبعة. حتى إنني جهزت خطاباً لطيفاً لهم. حسناً، فرص إخراج نفسي من هذا الموقف بالحديث تكاد تكون منعدمة، لكنني كنت سأستطيع على الأقل تفسير نفسي. "لماذا أنت هنا أصلاً؟ هل المجلس... أجبن من أن يظهر؟ أو... والأفضل من ذلك... هل قرروا إرسالك رسولاً؟" أبتسم بتهكم. "لقد وصلوا... متأخرين قليلاً للانضمام إلى الحفلة." للأسف، إن كانوا قد أرسلوا سيريا بدلاً من الحضور بأنفسهم، فهذا يعني أنهم أصدروا حكماً بالفعل. وبسرعة مثيرة للدهشة. عادة ما يستغرقهم الأمر قروناً للتوصل إلى إجماع. نوبة سععال أخرى تعصف بجسدي، وربما أكون قد أدرت رأسي "عن طريق الخطأ" نحو المليكة الجميلة، باصقاً القليل من الدم على ساقيها المصنوعتين من الحرير وحذائها الفضي ذي الكعب العالي الذي اختارته ليتناسب مع بقية ملابسها البيضاء. تتوسع عيناها وهي تفحص الضرر الذي لحق بحذائها. "كيااا! انظر ما فعلته بحذائي المانولو!" تتراجع للخوة، منسحبة إلى مسافة آمنة. "أنا آسف... لكنني أظن أن هذا خارج عن إرادتي." أكاد لا أستطيع تحريك ذراعي الملطخة بالدماء، فأمدها نحوها. "سأمسحه." رد فعلها فوري، فتركلني مجدداً، مستهدفة الكليتين بخبرة لاعبة كيك بوكسينغ مدموجة بمعرفة طبية لقرون. أريد أن أتدحرج مبتعداً، لكن ذلك يبدو صعباً بعضكم مع عمود فقري مكسور. وبدلاً من ذلك، أتلقى الضربة بصدر رحب وأتجاهل الألم. على الأقل أحاول فعل ذلك. وبدلاً من ذلك، يتلطخ ساق سيريا ببقعة أخرى من الدم. "آه، وكنت أرغب في استخدام آخر ما تبقى لي من سحر لألقي عليك تعويذة تنظيف..." أتنحنح متذمراً حين أتعافى. "هذا ما أجناه لكوني الشرير. لا يصدقني الناس... حتى لو كنت أرغب حقاً في فعل شيء جيد." لا ترد سيريا فوراً. بل تبدو غاضبة، وتثور بصمت داخل عقلها. أظن أن رد الفعل مبرر. فهي بعد كل شيء، مَلكة الحياة والموت لهذا العالم. حسناً... كانت... لن يتبقَ أي عمل بعد أن دمرت سحر العالم الذي ربط بَانثيوننا بهذا العالم، قاتلاً عن غير قصد كل البشر والملوك الذين وقفوا في طريقي. أنا متأكد تماماً أيضاً من أنني سببت لها صداعاً عبر إحداث حدث انقراض جماعي. ليس هناك الكثير مما يمكنني فعله حيال ذلك سوى الإقرار بالذنب. "احتفظ بسحرك لنفسك!" تلوح بإصبع تربوي في وجهي. "عليك أن تعيش طويلاً بما يكفي لأخبرك بالحكم السماوي للملوك عما جللته هنا يا أسكاثون! ثم عليّ أن أجمع روح الميرم للحكم!" سيريا غاضبة حقاً. وحين أخبرها عن الميرم ستستشيط غضباً. أخبرها على أي حال. "أتعلم أنني نسفت الميرم؟ لم يتبقَ الكثير، بما في ذلك روحه. القطع والقطع الصغيرة منثورة على الأرجح في نصف القارة. أصبته وجهاً لوجه بسحر الفوضى. نسفته إلى أشلاء..." "أعلم،" تتمتم. "لقد راقبت القتال. هذا لا ينقذ الميرم - أو ينقذك أنت - من حكم المجلس. حتى لو استغرق الأمر ألفية، سيتم إصلاح روح الميرم وتُمنح العقاب المناسب. كلاكما سيعاقب. كان إيل شادي واضحاً جداً بشأن ذلك." آه، قائد المجلس نفسه أصدر مرسوماً؟ لهذا كانوا أسرعاء جداً في اتخاذ القرار. أظن أنه لا مفر من الأمر في هذه الحالة. سيريا أمامها عمل قبيح لتؤديه إن كان عليها إعادة تجميع الميرم. ليس وأن ذلك ممكن، فقد حرصت على ذلك. من السيء أن تكون في مكانها. سيتطلب الأمر سحرة أرواح مهرة للغاية للتراجع عن الضرر الذي ألحقته بروح الميرم في غضون وقت معقول. "لا أعتقد أنه بإمكانك إحياء الميرم ليحاكم. سيقترب ذلك من معجزة حقيقية،" أجيب. مع ذلك، فسيريا هي من أتحدث إليها. إنها مَلِك قوية للغاية وترتبط ألوهيتها ارتباطاً وثيقاً بالتلاعب بالأرواح. ربما أكون مخطئاً في تقديري. إن كان بإمكان أحد فعل ذلك، فالمرجح أنها هي. "ماذا بحق الجحيم فعلت بروح الميرم؟! لم أعد أستطيع استشعارها." تنظر حول الجوار كأنها تتوقع طيف الميرم ليحوم فحسب. "سحر الفوضى قطعها على الأرجح إلى أشلاء..." ألهث، محاولاً التنفس، لكن هذه المحادثة تستهلك احتياطاتي الأخيرة بسرعة. "سيستغرق الأمر أبدية لشفائه، ما لم يجد أحدهم القطع ويعيد تركيبها. هرهرهر..." اللعنة! حتى ضحكتي الشريرة تبدو مثيرة للشفقة! ما قيمة مَلِك شرير إن لم يستطع إطلاق ضحكة أشرار جيدة؟ أسعل مجدداً، لكن هذه مجرد خشخشة جافة في رئتي هذه المرة، بلا دم. يبدو أنني أنزف حتى الموت أخيراً. في هذه النقطة، لا أطيق الانتظار للمضي قدماً، مستمتعاً بنصر ضئيل على الأقل. بينما يستحيل تدمير روح الخالد، وهي وعاء ميتافيزيقي لذكريات أحدهم، فمن الممكن تماماً إتلاف تلك الذكريات. الأرواح خالدة بطبيعتها وستتعافى من أي ضرر بمرور الوقت. تخرج أفكاري عن مسارها ويبدأ وعيي في الانجراف مجدداً، لكنني لا أبالي. لا مفر من أن أبدأ في التفكير فيما ينتظرني. الرحلة عبر نهر الأرواح، الفراغ العظيم بين العوالم والأبعاد. إنه ممتلئ بأرواح الموتى. تطفو هناك فحسب، خاملة ونائمة. بعضها ربما للأبد، بينما تنسى المزيد والمزيد من حياتها. وربما، إن كانت محظوظة، تنجرف بالقرب من أحد عوالم الأكوان المتعددة التي لا تعد ولا تحصى وتُمتص للداخل، لتولد من جديد في حياة جديدة. وكلما أسرعت في الولادة من جديد، تذكرت أكثر من حياتك السابقة. لذا إن كنت تريد تذكر أي شيء من حياتك الماضية، فعليك أن توُلد من جديد بسرعة، أو تحتاج إلى روح قوية جداً قادرة على تحمل أبدية الانجراف دون فقدان الذاكرة. يا لها من حظ أنني من النوع الثاني. لم أكن مَلِكاً طوال الوقت مع ذلك. ترفع يديها. "عظيم! إذن لقد حاولت حقاً التخلص من الميرم للأبد! تلك التعويذة الأخيرة لك كانت تبدو كشيء مقيت. ليس لدي خيار، حتى لو استغرق الأمر بعض الوقت لإعادة الميرم، فعليّ فعل ذلك." تتسرب فكرة أن كل جهودي قد تذهب سدى ببطء إلى دماغي. "هل أنت متأكدة من أن الأمر يستحق العناء؟" "أوه اخرس! ألم تسمع؟ مجلس الملوك قضى في قضيتك. كلاكما سينال عقابه السماوي. إن قال إيل شادي ذلك، فكل ملوك الأكوان المتعددة سيساعدون في تجميع الميرم معاً." تهز رأسها بيأس. "حتى لو كان ذلك فقط لإخبار الميرم بأن روحها ستُقطع إلى أشلاء وتُرمى في أقرب منطقة فراغ. هكذا تعمل الأحكام السماوية. هي! لا تنعس!" "آرغ!" لقد ركلني مجدداً! اللعنة، لقد بدأت أكره تلك المَلِكة. كدت أنجح في الانجراف. لماذا يستغرق هذا الجسد اللعين كل هذا الوقت ليموت أخيراً؟ لا أملك حتى طاقة للإجابة. لماذا يهتم المجلس اللعين بما يكفي للتدخل معنا؟ ما الذي يجنونه؟ أم أن الأمر يتعلق بالمبدأ في هذه النقطة فحسب؟ "مهما يكن. سأنهي الأمر وحسب. أسكاثون، الكائن السماوي للسحر، السماوي... آه، وما إلى ذلك وما إلى ذلك، أنت تعرف الباقي." تلوح بيدها، متجاهلة الشكليات، على الأرجح لأنها ترى أنني لن أستمر طويلاً بعد. "وجدك المجلس مذنب بمعاناة عظيمة وغير محتاجة جلبتها للكائنات الأضعف التي وُضعت تحت رعايتك. "العقاب هو تجريدك من ألوهيتك. ستولد من جديد في مكان يمكنك أن تتعلم فيه من أخطائك وتتأمل فيما فعلته. أطردك إلى نهر الأرواح نحو مكان عقاب مناسب." أرمش بينما تدور العجلات في رأسي محاولة اللحاق بكلماتها. عادة ما أكون أسرع، لكن نقص الأكسجين يميل إلى جعلني بطيئاً قليلاً. "انتظر، ماذا... أُجرَّد من السيادة؟" لم أكن أعلم حتى أن هذا شيء ممكن! أريد إعادة تقييم قضيتي. احضروا لي سلطة أعلى! أوه، لقد نسيت... المجلس هو السلطة العليا. تتنهد، متجاهلت إياي. "بف! يا لها من خطبة طويلة بلا فائدة، ألا تظن ذلك أيضاً؟" للأسف، لا يمكنني الإجابة. بصري يضيق ليصبح نقطة صغيرة، ليتحول إلى ظلام عند الحطاف. "لا... الآن... ما... بخصوص..." ألهث، محاولاً معرفة ما تقصده بأخذ ألوهيتي. عظيم حقاً! أولاً، لا يريد جسدي التخلي عن روحي، والآن يقرر أن ينفق بينما هناك شيء مهم يحدث بالفعل. الأمور التي تؤثر على ما بعد حياتي مهمة جداً في رأسي! تتنحى سيريا فوقي، عاقدة جبينها. "مهلاً؟ هل ما زلت معي؟" تنخزني بإصبع قدمها، مثبة فهماً مذهلاً باختيار النقطة التي ركلتها قبل قليل تماماً. اللمس المجرد يرسل موجة جديدة تماماً من الألم عبري، ملمحاً إلى كلى متمزقة. الألم يجعلني أغير هدفي الفوري بسرعة. أوه، بكل الملوك دعوني أموت بالفعل قبل أن تركلني هذه المرأة البربرية مجدداً! لا أهتم حتى بكوني مَلِكاً بعد الآن. ولن أتأمل أفعالي أيضاً. ليس البتة، حتى لو أرسلوني عبر مليون من أسوأ التناسخات التي يمكنهم التفكير فيها!