***المدينة البلورية، الراغناروك*** ***أنغرود***
"ابي! استيقظ!"
خمس دقائق أخرى فحسب. الاغتسال بطاقات تعويذة شفائية بعد بتر يدي للتو يبدو رائعاً أكثر من اللازم.
"استيقظ!"
يعصر أحدهم وجنتي وأفتح عيني لأجد وجهين ينظران إليّ.
"أنغوس، سيريا، هل سمحت لكما والدتُكما بالمجيء إلى الجسر؟"
يبدوان مذنبين فوراً ويشير أنغوس إلى يدي.
"قلقنا عندما سمعنا أنك أُصِبتَ!"
"نعم. قالوا إنك فقدت ذراعاً!"
تنادي سيريا.
"لم يكن بالإمكان تجنب ذلك. التعويذة التي استخدمتها لم تكن مخصصة لمعارك المسافات القريبة."
أبتسم لهما وأرفع يدي مبيناً أن كل شيء على ما يرام.
"ولا تقلقا. كانت مجرد خدش طفيف مقارنة بما عاناه خصمي."
"هذه تعويذة مزعجة للغاية إذا كانت تفجر يدك بنفسك!"
يتذمر أنغوس. أتنهد.
"لماذا تزعجان والدكما المصاب أساساً؟ عليّ الاهتمام بالعواقب."
أعيد تركيزي إلى الخريطة الاستراتيجية لوضعنا. سيلِس ونيكوسار هنا أيضاً يدرسانها باهتمام بالغ.
"هل عثر أحد على نيكس؟"
اختفت كبريات بناتنا في مرحلة ما أثناء عملية اقتحام السفينة وأبدأ بالقلق قليلاً من أن مكروهاً قد أصابها. لقد مضت ساعة منذ أن تحطم المهاجمون وفرّوا في كل الاتجاهات مما جعل تعقبهم جميعاً أمراً مستحيلاً.
"لا تقلق، يا عزيزي."
تضم سيلِس شفتيها.
"لقد عثرتُ عليها. إنها... مشغولة."
"مشغولة؟"
أقطب حاجبَيَّ. تستدير سيلِس وتنظر إليّ بتركيز ثم إلى الأطفال.
"قررت محاربة العدو مستخدمةً... محاسنها... الطبيعية وحبستْ نفسها مع جميع الغزاة الذين نجحوا في اختراق القسم الخامس. قالت إن الأمر سيستغرق بضع ساعات أخرى لإنهاء الأمور."
"آه."
صحيح! لقد مضى وقت طويل منذ أن شاهدتُ غولادة تسحر حشدًا من الرجال لتفعل بهم ما تشاء. اعتماداً على عدد الخصوم قد تكون مشغولة لبعض الوقت.
أسأل: "أي أخبار بخصوص حاجز المدينة البلورية؟"
"ليس بعد. يبدو أن كل من استطاع فعل ذلك قد هرب"
يوضح نيكوسار.
"عدنا إلى حصار المدينة وهذا غريب جداً. لماذا هاجمنا إل شادي وإينيو بينما لم يفعل أعضاء المجلس الآخرون شيئاً؟ كأنهم ألقوا بأنفسهم في هجوم بلا معنى مورّطين جزءاً فقط من قواتهم. ماذا عن بقية المجلس؟ هناك أمر مريب للغاية في كل هذا."
أومئ معترفاً بأن لجدي وجهة نظر ولكنه يفتقر أيضاً إلى الصورة الكاملة.
تتذمر سيلِس: "بدون جيشهم، تواجه قوات المجلس المتبقية في المدينة نقصاً كبيراً. في العدد والموقع على حد سواء. لقد قاتلوا تقريباً حتى رمقهم الأخير. ولكن بإشارة واحدة تراجعوا فجأة واستخدموا الممرات بمجرد أن أصبحوا خارج المدى."
"التفسير الأرجح هو أن عميلتي السرية نجحت في تخريب خطة هجومهم"
أفسر. ينظر إليّ الآخرون وتتأفف سيلِس.
"منذ متى كان لدينا جاسوس بين صفوفهم؟! ومن يكون."
"آه، آه."
أرفع إصبعاً نحو شفتي مشيراً لهما بالصمت.
"دعونا لا نتحدث عن الأمر حتى نتأكد من أن كرة الرؤية لم تعد في أيديهم. أنا الوحيد الذي يعرف هوية العميل — ومن الأفضل أن يبقى الأمر كذلك للمستقبل القريب."
في الواقع، يجب ألا تعرف العميل نفسها أنها تعمل لصالحي. تتأفف سيلِس وتهز كتفيها.
"على أي حال، أجرينا بعض التحليلات على رفات إل شادي وأخبرنا الأذكياء أنه لم يكن كائناً حياً قبل أن يصبح ملكاً. إينيو جابعة في زنزانتنا ولديها مشاكل عقليّة خطيرة."
"هذا أمر مثير للاهتمام الآن."
أنحني إلى الأمام في مقعد قيادتي. يتولى فني الشرح.
"حللنا قطع إل شادي ولم نجد أثراً للمادة العضوية. لقد كان يتكون من شيء شبيه بالمعدن المتحرك. جسده اصطناعي بالكامل. والأكثر إثارة للاهتمام أننا وجدنا قطَعاً وبقايا من روحه فقط ولكنها لا تكفي لتشكيل شخصية كاملة. وهو أمر مستحيل لأننا جميعاً رأينا قوته السماوية. لا روح، لا سيادة!"
أرفع حاجبيَّ كليهما: "إذن تريدون إخباري أن شخصاً ما صنع غولاماً وحشى داخله روح ملك ممزقة — مستخدماً إياه عملياً كبديل؟!"
أرفع حاجبيَّ.
"إذا كان هذا صحيحاً، فلم نقضِ عليه إذن! لقد هرب العقل المدبر الحقيقي."
يومئ الفني.
أرجع إلى الخلف: "اللعنة! ماذا عن إينيو؟"
يتقدم حارس آخر يحمل خاتم طبيب.
"أعاد الأطباء تركيبها مما سمح لنا بإلقاء نظرة فاحصة عليها. حسب كل ما يمكننا معرفته فهي ليست على طبيعتها. وإذا قلت إنها ليست على طبيعتها فأنا أعني ذلك. لقد عبث شخص ما أو شيء ما بعقلها. يشك سحرة العقول لدينا في قدرتها على اتخاذ قراراتها الخاصة. وفقاً لهم يبدو الأمر أشبه بإعدادات أوامر شرطية. إنها تتبع مساراً مُعدّاً مسبقاً ولا تستطيع الحياد عنه."
ينهي الرجل شرحه.
"لادا؟"
هذا أول ما يتبادر إلى ذهني. إذا كان عضوان في المجلس قد عُبث بعقولهما، إذن... يومئ الرجل.
"فحصناها فوراً عندما علمنا بوضع إينيو وإل شادي. تبدو لادا عاقلة بالقدر الذي يمكن أن يكون عليه شخص في عمرها. إلا أن لديها مشكلة نفسية خطيرة تتعلق بالحب والسعادة لذا فهي لا تستطيع إيذاء ذبابة. إلى جانب أميرتنا الصغيرة، تُعد لادا واحدة من أقدم الكائنات في الكون المتعدد. إنه لأمر مذهل أن يبقي شخص عقله سليماً طوال هذه المدة الطويلة. لكن بخلاف ذلك، لا يمكننا الجزم بوجود خطب ما فيها. نحتفظ بها في الجناح الطبي ونراقبها حتى نتلقى أوامر أخرى. احترازاً فقط."
أفرك صدغي قلقاً من أن يكون هذا النصر الظاهري مجرد فخ ضخم لأسوأ ما سيأتي.
أتمتم: "إذن، لادا بخير؟ لكن إل شادي وإينيو كانا نوعاً من البدلاء المغسولة عقولهم؟ تينيميت كان شخصاً مستقلاً بذاته أيضاً لذا لم يتم الاستحواذ على المجلس بأكمله."
كان تينيميت هو من جعل نسختي السابقة تعيد عقل إيريس. حدث ذلك قبل وقت طويل. أيعني هذا أن ما حدث لإل شادي وإينيو كاد يحدث لإيريس لولا أن تدخل تينيميت؟ مغرٍ هو إخراج كرة تينيميت واستجوابه بالتفصيل حول هذا الجزء من الماضي، لكن لا جدوى من المخاطرة الآن.
يسأل نيكوسار: "هذا ما أرَدْنا سؤاله. بحق الجحيم، ماذا فعلتَ بإل شادي!؟"
أوضح: "استخدمتُ عليه تعويذة هاجمت الروح، لكن هذا لا يفسر سبب فقدان أجزاء منها. كان يجب أن تُشتته تعويذتي. إنه ليس محواً حقيقياً، لذا فإن الأمر برمته أكثر من مريب."
يهز نيكوسار رأسه وهو يدرس العرض التكتيكي: "مما سمعتُه، هاجمت أكثر قليلاً من روحه. تحدث الرجال القريبون من الحدث عن بوابة تؤدي إلى الجحيم ذاته. كأن جعْل روحك تتشتت كصفار البيض ليس مخيفاً بما يكفي."
أسأل: "إذن، أي شيء آخر؟ كم عدد الأشخاص الذين فقدناهم."
"بينما كنا نرتب الفوضى، عثر الرحالة على تقاطع الطاقة الذي أخبرتنا عنه لادا، لكننا ما زلنا عاجزين عن إيجاد طريقة للدخول. فقدنا نحو عشرة آلاف شخص في المعركة."
"وبقية أعضاء المجلس؟"
لا أستطيع تصديق هذا. ربما دفعنا ثمناً باهظاً، لكنه لا يزال يبدو زهيداً للغاية.
"ذهبوا. لا أثر لهم. يبدو وكأنهم حزموا أمتعتهم وهربوا. لا أثر لقواتهم أيضاً. أولئك الذين فرّوا اختفوا بمجرد خروجهم عن نطاق مجال منعنا."
تقترب سيلِس وتطبع قبلة على خدي.
"أنا سعيدة أنك بخير، لكن هذا يبدو كفخ."
أتنهد: "إذن، كل ما تبقى فعله هو الانتظار. إما أن يكتشفوا كيفية استخدام سوار لادا لأكثر من شخص أو —"
يقاطعني الفني المراقب للمستشعرات: "انفجار داخل المدينة البلورية! حاجزهم قد سقط!"
أبتسم.
"أرسل القوات. جميع القادمون من المدينة ستُفحص عقولهم. لا تدع أحداً يفر، حتى لو كانوا طرفاً ثالثاً غير معني."
تنظر زوجتي إلى الشاشة التكتيكية بتعبير مشكك.
"كيف؟"
أعلق بتعبير متغطرس تاركاً الجنس الخطأ يفلت عمداً: "أترتذكرون عميلي؟ يبدو أنه نجح."
تثبت الساعات والأيام التالية أنها تمرين على الصبر بينما يجتث شعبنا ببطء آخر الموالين للمجلس ويسيطر على البنية التحتية المهمة. لكن أياً من أعضاء المجلس الباقين لا يظهر. نراقب أنا وسيلِس مجريات الأمور من جسر السفينة راغناروك، بانتظار بفارغ الصبر لما يتطلب تدخلنا المباشر. يبدو أننا انتصرنا، لكن أحداً حكم الكون مستخدماً إل شادي وغيره كدمى بخيوط وهذا مستحيل النسيان.
إنه وضع يبرر الإصابة بجنون العاطفة تجاه كل شيء وكل شخص. ميزتنا الوحيدة هي أن هذا السيد المجهول لم يحصل على فرصة للفتك بنا — حتى الآن. أستغل الوقت المتاح لفحص رفات إل شادي وإينيو التي لم تعد سوى قشرة بعد زوال الكيان الموجّه. للأسف، كل ما أستطيع فعله هو تأكيد أن حالتهما تشبه إلى حد كبير تلك التي وجدتُ إيريس فيها. أحد مخاوف سيلِس هو أن المدينة البلورية فخ عملاق ينتظرنا.
لقد نجح الكيان الغامض في محو عقول حكام الكون المتعدد مرة من قبل. فلماذا لا يحاول ثانيةً؟ يستغرق الأمر أكثر من أسبوعين لبسط سيطرتنا على عاصمة الكون المتعدد ومعالجة جميع السكان، وفرز أولئك الذين قد يقاومون الحكام الجدد وإلقاء المثيرين للمشاكل في منطقة الفراغ. لن يخلصنا هذا منهم نهائياً، لكن بحلول وقت عودتهم، يجب أن نكون قد رسخنا قاعدتنا السياسية. أخيراً، أتجول في المدينة البلورية، ليس كمواطن، بل كحاكم لها.
إنه مكان جميل يجب أن أعترف بذلك، لكنني ما زلت أميل إلى قصفه حتى التلاشي من مسافة آمنة. احتمال أن يكون كل هذا فخاً يراود مؤخرة عقلي دائماً. كان تأمين المنشأة التي تحتضن كرة الرؤية وفق بروتوكولات الحجر الصحي أولوية قصوى. بعد نقاش شاق مع لادا وتينيميت أعرف شيئاً على وجه اليقين. نادراً ما لمسا كرة الرؤية أو أيّاً من منشآت المدينة. لادا لا تحب التكنولوجيا ولم يكن لدى تينيميت سبب يذكر لاستخدام الكرة.
أزلنا الحكومة السابقة تماماً من الخدمة ونفيناها إلى منطقة الفراغ. إنه السجن المثالي في الوقت الحالي. حققنا أيضاً في طريقة ختم المجلس، وهو ما يعني رمي شخص ما في الثقب الأسود للنظام. استبعدت تماماً إمكانية استخدام هذه الطريقة بأنفسنا. فعل ذلك بروح سيضمن احتجازها هناك حتى يذوب الثقب الأسود من تلقاء نفسه بسبب إشعاع هوكينغ. والأسوأ من ذلك، أنني متأكد تماماً من أن هذا لم يكن الغرض الأصلي للجهاز.
موقع غرفة الانتقال الآني ذات المظهر الكئيب داخل المدينة، وتكوينها، ووظيفتها العامة، جعلتني متأكداً نسبياً من أنها نظام للتخلص من النفايات — لم تُصمم قط للتخلص من البشر. والأسوأ، لا أعرف ما يحدث لروح داخل ثقب أسود. في الوقت الحالي، أوكلنا المهمة فقط لسحرة أرواح ذوي خبرة والقدر الضروري جداً من الحرس لتفتيش منشآت المدينة. إذا كانت شكوكنا صحيحة فلا ينبغي لأحد لا يمتلك معرفة واسعة بسحر العقول أن يتخبط في أجزاء المدينة غير الفاحصة.
فحصت أيضاً منشآت أخرى متنوعة ومخازن أسلحة في جميع أنحاء المدينة. أسلحة المجلس الضوئية إحداها. تبدو الأسلحة الضوئية جزءاً متقدماً للغاية من تكنولوجيا البلورات. ومن المضحك أنها تبدو معدات مخصصة لقمع حشود؛ وليست أداة للحرب. وصلت إلى هذا الاستنتاج لأن لعنة الشفاء المضادة على الأسلحة كان يمكن أن تكون شيئاً أبشع بكثير. الكثير لنفعله والوقت قصير جداً. ماذا كنت لأعطي كي أكون في كل مكان؟
<<<>>>
حتى اللحظة، حان الوقت أخيراً لتفقد ما يُسمى بكرة الرؤية. أخطو إلى الممر المؤدي إلى الغرفة المختومة والمقفلة التي تحتفظ بهذه الأقطاب الأسطورية، ويتبعني سيليس وسيريا ونيكس ولادا وآرتثر ونيكوسار. الغريب في الأمر أنني أعرف المنشأة التي تحتفظ بكرة الرؤية. إنها نفسها التي عالجت فيها إريس. أتذكر أيضاً حادثة معينة عندما صادفت سيريا واثنين من أتباعها يتجسسون في المكان. ألتفت إلى أحد الحراس الواقفين بحذر أمام الباب المدرع الكبير الذي يسمح بالدخول إلى الكرة.
"هل ما زالت تلك (المخلوقات) تحرس الكرة؟"
يهز الرجل رأسه ويؤدي التحية.
"ستة منها يا سيدي. إنها تقف حول الكرة فحسب من دون حراك. يمكنك رؤيتها من منصة المراقبة في الغرفة الأخرى. وحسب التعليمات، لم نحاول دخول الغرفة ولم تحاول هي المغادرة."
"لا حاجة لذلك."
ألوح بيدي بترفّع.
"إذا كنت أتذكر جيداً، فتلك الأشياء بالغة الخطورة."
تلتفت سيليس نحوي.
"أتستطيع التوضيح أكثر؟"
أضيق عيني محاولاً استرجاع أكبر قدر ممكن.
"كنت هنا في الماضي وواجهت سيريا مع اثنين من أتباعها. كانا متسللين غير قانونيين واضحين يتجسسان على المنشأة. كانا يقاتلان اثنين من هذه المخلوقات السوداء شبه البشرية التي تبدو مناعة ضد أي سحر منخفض المستوى. استطاعت مخالبها أيضاً اختراق الهالات بلا عناء."
أنظر نحو ابنتي المقطبة الجبين. تهز سيريا رأسها وبدت مرتبكة.
"أنا آسفة. لا أتذكر شيئاً من هذا القبيل."
"لا مشكلة."
أربت على رأسها.
"سيبقى فقدان الذاكرة مشكلة أزلية للتقمص. إنه سبب وجيه لتجنب الموت، حتى لو كنت ملِكاً."
تهز لادا رأسها.
"لا أتذكر أن للكرة أي حراس — بصرف النظر عن أمن المنشأة العادي."
ينقض نيكوسار فوراً على تلك المعلومة المحددة.
"أيعني هذا أن هؤلاء الحراس قد يكونون مرتبطين بالشخص الغامض الذي كان يحرك المجلس كدمى؟"
"لا استبعد ذلك."
تلتفت سيليس وتتأمل الباب. يتحنحن نيكوسار لجذب انتباهنا.
"إن كانت تلك الأشياء بخطورة ما تقول، فجديراً بي إذن لفت انتباههم."
يسحب سيفه البلوري ويتمشى نحو المدخل. تفك سيليس ذراعيها المتقاطعتين وتتبع جدي، عاقدة العزم بوضوح على إبادة هؤلاء الحراس.
"فقط كونوا حذرين ولا تعتمدوا كثيراً على دفاعاتكم"
أحذرهم وأحول عصاي إلى سيفين طويلين.
"تبدو الكرة المكان المثالي لنصب فخ عقلي."
يهز نيكوسار رأسه ويشير للحراس بفتح الباب. ينفذ الرجال ويفتحان أختام الغرفة. ينفتح باب الغرفة التي تضم كرة الرؤية وننتظر لحظة مشحونة، على أمل قتال الحراس عند الباب الذي يمثل نقطة اختناق. أخطو خطوة للأمام حين لا يجدّ شيء. المخلوقات تشبه تماماً تلك التي في ذاكرتي. أجسادها سوداء وناحلة مع مخالب ضخمة بدل الأصابع. لكانت تشبه بشراً جائعين، لولا التناسب. جذوعها صغيرة جداً وأذرعها وأرجلها أطول بكثير.
بغض النظر عن ذلك، لا توجد سمات بارزة. الأشياء مغطاة من الرأس إلى القدمين بمادة سوداء حبرية تبدو وكأنها تتبخر باستمرار منها، مخفية ملامحها وتخطيطات أجسادها. إنها تقف حول الكرة، وهي كرة بلورية تحلق في وسط الغرفة.
"أظنهما لن يدعواننا للداخل."
يخطو نيكوسار إلى داخل الغرفة، ولكن بمجرد أن تتجاوز قدمه عتبة الباب تطلق المخلوقات صرخات وتصاب بالجنون. تنتشر وتهرع نحونا، ولكن بدلاً من التراجع، يندفع نيكوسار إلى الغرفة صارخاً بجنون للفت انتباههم. تستجيب سيليس فوراً وتهرع للأمام، مسسكة أحد المخلوقات من قدمه. تديره دافعة نفسها إلى أعلى ومدفوعة بالسقف لتكتسب زخماً. ينتهي قوس المخلوق باصطدامه بأحد رفقائه، مما يتسبب في ارتطام كلييهما بالأرض بقوة.
أفصل نصلتي عن درعي وأرسلهما إلى الأمام. تدوران وتنتشران كزهرة متفتحة، وتلتقطان حارسين آخرين بين بتلاتهما وتغطيان الجدران بسائل أسود. يتوقف نيكوسار عن ركضه الجنوني ويلتفت لمواجهة خصومه. يغرز سيفه داخل رأس المخلوق الأول بصراخ، لكن الثاني يندفع متجاوزاً إياه، غير مبال البتة برفيقه. تلمع المخالب السوداء ويسقط رأس نيكوسار على الأرض. ثم يلتفت المخلوق ليواجهني أنا وسيليس.
لكن جسد نيكوسار مقطوع الرأس لا يسقط. بدلاً من ذلك، يركل الجثة العالقة بنصله، محولاً الحركة إلى ضربة تقطع جذور المخلوق المتبقي. يتهادى في السقوط مطلقاً صرخة أخيرة.
"يا رجل، هذا يحك!"
يتحدث رأس نيكوسار من على الأرض بينما يحاول جسده غمد نصله.
"أيساعدني أحدكم في هذا؟"
ترتجف سيليس لكنها تهرع لالتقاط رأسه.
"أقسم أن قدرتك أصبحت أكثر رعباً منذ صعودك."
تدير الرأس وتضعه بشكل صحيح على كتفي نيكوسار.
"ألا يمكنك فعل تلك الحركة الضبابية والتنهض متعافياً تماماً؟"
أراقب المشهد بابتسامة متسائلة عما سيحدث لو وضع شخص مشاكس الرأس بالمقلوب.
"شكراً لك يا عزيزتي."
يتنهد جدي.
"ونعم، استطيع ذلك. لكن لسبب ما، لا تمتد قدرتي لتشمل الدرع والأسلحة البلورية. أكرره جمع كل شيء من الأرض لإعادة ارتدائه."
أعيد تركيز انتباهي إلى الحراس الذين يتحولون ببطء إلى برك سوداء ويتبخرون.
"يبدو أننا لن نتعلم الكثير من بقاياهم."
أخطو فوق بركة وأطوف حول الكرة دون الاقتراب كثيراً. إنه جسم صلب مصنوع من بلورة المانا ويدور بكسل بينما يبقى متمركزاً في الغرفة.
"أمن المفترض أن تلمسها؟"
تسأل سيليس متأملة الأثر بفضول.
"لم تكن لادا تعرف الكثير عن الكرة. لقد رأَتْ أمارو يقف أمامها لساعات طوال. وعندما جربتها مرة، أصيبت بصداع"
أعيد سرد قصتها.
"من المفترض أن تقيم اتصالاً عقلياً. لا توجد واجهة."
أعيد ربط سيفين الطويلين محولاً إياهما إلى عصا، وأجمع نصلي الأخرى إلى درعي.
"للواجهات العقلية مزايا، لكنها قد تكون مؤلمة للغاية أيضاً. أنا متردد في تجربتها."
لا أريد أن يُقلى دماغي. أشدّ عزمي وأجلس متربعاً لأركز. فعل هذا بشكل صحيح لا يمكن أن يضر. بعد أن يصفو ذهني، أبدأ في إعداد دفاعاتي العقلية. يجب أن يتكون الدفاع العقلي الجيد من طبقات متعددة وتأمينات في حال ساءت الأمور. بعد قضاء عشرين دقيقة كاملة في إعداد كل خدعة أعرفها، أمد عقلي ببطء نحو الكرة. يبدو الأمر في البداية غير صحي وبارداً. لكنني أعتاد عليه لاحقاً، مدركاً أن الشيء موصل ضخم لسحر العرافة.
يمكن استخدام هذا النوع المحدد من السحر للبحث عن شيء مفقود، لكنني لم أسمع قط عن استخدامه على هذا النطاق. توجه الكرة قوتي السحرية وتشكلها في تعويذة محددة مسبقاً. فجأة يتزايد إدراكي بشكل جذري وعليّ أن ألهث إذ يكاد يغمرني. أهكذا ينبغي أن تشعر به الكلية الحضور؟ أعرف أنه ليس حضوراً حقيقياً كلياً، لكنه يقترب جداً منه. يمكنني رؤية الأشخاص أمام الغرفة. فوقي عوالم أخرى. بالتركيز على أحدها، يمكنني البحث فيه في ثوانٍ.
وهناك شرارات من القوة الخالصة في كل مكان. بعد التركيز على إحدى الشرارات، أدرك أنني أراقب من فوق كتف ملك يلعب مقلباً لا أخلاقياً بممات. يا للفظاعة. أهذا كل ما يستطيع الكائن الصاعد فعله لقتل الوقت؟ متابعاً، أعيد تركيز انتباهي إلى مدينة المجلس لمراقبة سكانها. ثم أركز إلى الخارج مرة أخرى محاولةً العثور على أعضاء المجلس المفقودين. لكن لا توجد طريقة لتمييز كل الشرارات السماوية عن بعضها البعض.
حينها أصبح واعياً بحضور ثقيل. إنه يراقبي. وهو قريب. أبحث عنه وأجد مصدره داخل الثقب الأسود. إنه مشؤوم ومظلم. نفس الشعور الذي تلقيته من غرفة الختم والكرة. أشعر فجأة بسحب قوي على كياني بأكمله وأُجذب نحو الثقب الأسود.
"من أنت؟"
أحاول المقاومة، لكن روحي تسقط نحو الثقب الأسود. تبدو كل مقاومة عبثية.
"تعال!"
شيء أسود ولزج يسحب عقلي وأتخبط ضارباً إياه بكل إرادتي. يرتجف ألماً لكنه يستمر في احتوائي بينما أقاتل. أنا أُسحب إلى الأسفل! إلى الأسفل نحو الظلام! وهناك أسنان!
"طازج!"
يخالب الكائن عقلي ويبدأ في الأكل! تفشل كل دفاعاتي أو تُطرد مثل الدخان وكل ما يمكنني فعله هو الصراخ.
"خيانة!"