***مدينة النور*** ***سيلس***
"تانيا؟ أبي؟"
أندفع إلى الأمام لتحيتهما حين ألمح صديقتي وأبي بين الحشود المتجمعة لردع تينيميت، متجاهلة الأنظار التي تجذبها خطوتي. أقع في أحضان أبي ما إن أبلغه.
"أنا سعيدة للغاية لأنكما نجوتما من المدينة!"
"آه، نعم..."
يتردد قليلاً قبل أن يحيط كتفي بذراعيه ويقهقه.
"أنا آسف حقاً، لكن تلك الذكريات العائدة تغمرني في هذه اللحظة. أحتاج إلى بعض الوقت لأرتب ما يدور في رأسي."
أبتلع ريقي، مدركة أن سيريا تركتنا لننظف فوضاها.
"تلك العاهرة الصغيرة. سألقنها درساً إذا تقمصت روحها يوماً."
أتنهد وأبتعد عنه.
"إذن... من كنت في حياة سابقة؟ هل عرف أحدنا الآخر؟"
"آه، لا. على الأقل لا أعتقد ذلك."
يحك صدره، منقباً في ذكرياته.
"أظنني كنت مغموراً إلى أن صرت ملِكاً ورفضت خدمة المجلس. أدركت أن أمراً مريباً يدور حين اقتربوا مني وقررت الهرب. أنقذت سيريا مؤخرتي قبل أن يتمكنوا من الإمساك بي."
"لا تقلق."
ينضم إلينا أنغرود.
"سيتطلب الأمر بعض الوقت حتى يعود كل شيء. التقنية التي استعملتها سيريا لختم ذكرياتنا وسلب قوتنا لم تكن مصممة قط لتُستغل هكذا."
أرفع حاجب الاستفهام.
"ظننتك لا تعرف كيف فعلت ذلك."
يومئ برأسه.
"صحيح. سألت نفسي دائماً كيف أفلحت في ذلك. لاسيما أنني لم أظن أحداً سيذهب إلى هذا الحد، لكن مع هذا الوضع الماثل تبدو الأمور أوضح بكثير. لم أعتقد يوماً أن أحداً سيكون بغباء المخاطرة هكذا، فاستبعدت الاحتمال من الأساس. لو حالفها الحظ، لتمزق روحها إثر عملية استعادة تلك القوة وحدها. لم أكن متأكدة قط إن كان ممكناً إطفاء روح نهائياً، لكن إن وُجدت طريقة، فتلك كانت محاولة جيدة للغاية."
أرتجف ألمًا.
"أتظن..."
"لا أعرف. امنحيني بعض الوقت وسأتحرى الأمر. إن نجت روحها فلن تذهب إلى أي مكان داخل النطاق الفراغي. ومع الوقت، سأجدها."
يتنهد ويلتفت نحو تانيا.
"إذن، من تكونين؟"
في استعراض لا يُبارى للتردد، تلف الآسِفة شفتيها على هيئة حرف إس.
"لاشيء."
تضيق عيناك أنغرود.
"من أنت؟"
"الأمر ليس بهذه الأهمية حقاً، هاهاها!"
تنظر إليّ، متصببة عرقاً بينما تتوسل المساعدة بعينيها. لكن في هذه الحالة الخاصة، لا توجد مساعدة من جهتي. أريد أنا أيضاً أن أعرف ما يجري مع صديقتي.
"تانيا؟"
أضيق عيوني.
"هذا محرج للغاية."
تنظر تانيا إلى الأرض.
"أنا كارين، إحدى تابعات أساثون السابقات."
"ها!"
يهتف أنغرود ويهوي بكفه على كتف تانيا، مما يدفعها للتعثر خطوتين جانباً.
"أتدرين كم هو مستبعد أن يلتقي المرء بشخص من حياة سابقة مرة أخرى؟! ظننت أنني فقدتكم جميعاً إلى الأبد حين قُتلتم أيها الحمقى! لكن التفكير في أنك لم تستطيعي ظفر برجل حتى في حياتك الثانية. قد تنتهين عزباء أبدية."
تضيق تانيا عينيها، منزعجة بوضوح من هتاف أنغرود.
"حسناً. يبدو أن هنالك ما هو أكثر بكثير. أستطيع تذكر النجاة من الحرب. أنقذت سيريا معظم مؤخراتنا وأرواحنا. ثم اضطررنا للبقاء في هذا العالم، مخفيين عن المجلس. لقد جندتنا لنساعدها في إعداد كل هذا."
يومئ أنغرود.
"على أي حال، وبما أنك صرتِ ملِكَة، أستطيع أخيراً إنهاء تعليمك."
"لـ- لـ- لا!"
تنظر تانيا حولها بجنون، ثم تقبض على ذراعي، جارة إياي أمامها.
"لدي معلم بالفعل، أليس كذلك سيلِس؟!"
"أظن ذلك. سيكون إهداراً أن أتوقف الآن بعد أن أريتك بالفعل بضع تقنيات داخلية للمانا."
أقهقه متذكرة كارين. كانت بشرية حين أنقذ حياتها أساثون والتقطها متبنياً إياها عملياً. لم أفهم قط في ذلك الحين لمَ قد يفعله أحدهم مثل هذا. كنت أريب دائماً في أن لديه خطة ماكرة ما لأجلها، لكن زاويتي في الرؤية شوهها سحر العالم الذي استعملته تينيميت للسيطرة علينا. أعرف الآن أن هناك جانباً ليّناً في قلب أنغرود. يفتح أنغرود فمه للاعتراض، لكني أملك ما أود طرحه قبل أن نبدأ في الجدال حول أمور عديمة الفائدة.
"انتظرا لحظة قبل أن تكملا."
أرفع يدي لأوقفهما، وفكرة تحوم على حافة ذهني.
"أتظنان حقاً أن وجود تانيا/كارين هنا محض صدفة؟"
"ماذا تعنين؟"
تبدو صديقتي مرتبكة. يرفع أنغرود حاجبيه لكنه يقفز على قطار أفكاري.
"أوه! سيريا، أي خبث هذا! أتظنين أننا لم نكن الوحيدين اللتين ’وُضعت’ أرواحنا."
"بحق الجحيم، نعم،"
أصيح.
"عقل تلك العاهرة ملتوٍ لدرجة أنني لا أستاستبعد عنها ممارسة لعبة منحرفة كهذه. افعليها مرة، افعليها مرتين، فما بالكم بالثالثة؟! نعرف مسبقاً أنها استوعبت حيلة وضع روح داخل جسد!"
يدير أنغرود عينيه، فتعبر ملامحه عن كل شيء.
"علينا التأكد مع كل شخص نعرفه. أشك أن الناس سينشئون شبكة للبحث عن المعارف السابقين على أي حال."
"ماذا عن نيكوسار؟"
أنظر حولنا، باحثة عن العجوز.
"آخر عهدي به كان في مدينة النور،"
يعلمني آرثر.
"افترقنا. بينما حاولت اللحاق بك، قرر هو التوجه إلى المنزلي لإدخال الآخرين في أحد الملاجئ."
يتنحنح أحدهم من خلفي فألتفت لأجد غابرييل يقف جانباً مستمعاً بصمت لمحادثتنا. يلوح لي.
"مرحباً. قد لا تتذكرينني، لكنني قتلت في صفك... مرة."
أضيق عيوني.
"كنت أحد الأشخاص الذين تمردوا وأشعلوا فتيل الحرب!؟"
في ذلك الحين، لما ساءت الأمور بالقدر الذي آلت إليه لولا تلك الجماعة المعينة ضمن فصيلي في مجمع الملوك والتي أخذت الأمور بيدها لمهاجمة جانب أساثون. تتوسع عينا غابرييل.
"لا لا لا! لم أكن واحداً من أولئك!"
"إذن من كنت؟"
يتنحنح.
"أردون."
"من؟"
أقطب حاجباي، لا أعرف الاسم. مما يعني أنه ليس على قائمة أعدائي.
"هذا محرج للغاية، كان جديراً بي أن أكتفي بالصمت."
يتنهد غابرييل ويركل بحجراً عشوائياً على الأرض، ثم يرفع عينيه نحو السماء كمن يبحث عن مساعدة.
"أردون، ملِك الحرب. ملك متوسط المستوى. كنت ذلك الفتى الذي استفز أساثون والذي حبسه في الخزانة مع مألوفه حين تحديته لقتال."
يومئ أنغرود بحماس.
"أتذكر ذلك حقاً. يا فتى، تلك الصرخة الأنثوية حين رأيت الشكل الحقيقي لمألوفي كانت ملحمية!"
يتبدل لون وجه غابرييل.
"ما كان يجب أن تقول ذلك. لكان بوسعي العيش دون تلك الذكرى بالذات."
أطرف، متذكرة الآن.
"لقد تغيرت حقاً عما كنت عليه. أنت... مختلف جداً."
يزفر غابرييل بغضب ويشبك ذراعيه أمام صدره.
"أتريدين القول إن الناس لا يستحقون فرصة ثانية؟"
"لاا..."
أمط إجابتي محاولة تجنب قول ما قد أندم عليه لاحقاً.
"فقط أقول إنني متفاجئة. هذا كل ما في الأمر."
"حسناً، أيها الجميع."
يصفق أنغرود كفيه ببعضهما.
"التفوا حولي وسأنقلكم إلى المنزل. أحتاج فقط لحظة للتركيز والعثور على الآخرين. لدينا الكثير لنتحدث فيه مع بقية العائلة."
"حسناً."
يومئ آرثر.
"دعني أمر بعض المتطوعين بتنظيف هذه الفوضى سريعاً."
أومئ وأشبك ذراعي بذراع زوجي. إنه لارتياح عظيم أن تظل شخصيات الناس على حالها غالباً. لا تبدو الأمور في الوقت الحالي وكأن ذكرياتهم المكتشفة حديثاً قد غيرت الكثير، مع أنني قد أكون مخطئة وهي مسألة تعتمد على الفرد. بينما أتحدث مع آرثر وغابرييل وتانيا، يتضح أن الوصول إلى ذكرياتهم القديمة يشبه تذكر فيلم. لا تشعرهم ذكرياتهم الجديدة بأنها تخصهم حقاً. ثم ينقلنا أنغرود إلى المنزل.
لم يكن الانتقال الآني حول العالم مشكلة لأنغرود حين كان بشرياً، لكن الآن بعد أن استعاد إمكانية الوصول إلى قوى، فإن نقل كميات كبيرة من الناس ليس بمشكلة. نجد إريث وروز في مقر إقامتنا الصيفي في ميدهولد. تغادران المنزل ما إن نظهر في الفناء، مستشعرتين وصولنا على ما يبدو. لا تزال السفارة خراباً بعد الهجوم، لذا فقد أخلين إلى هذا المكان نادر الاستخدام. وما إن نقترب، حتى تندفع إريث نحونا والدموع في عينيها.
"أنتم أحياء جميعاً!"
تنهض أينغوس وأسارع لأحتضن طفلي، سعيدة بأنه بخير.
"أنت بخير!"
يبتسم الطفل ويطلق صرخة خافتة ما إن يرى وجهي. تغادر كاترين وروز ونيكوسار المنزل برفقة مألوف أنغرود ذي الفراء الأبيض الذي يبدأ بالركض في دوائر سعيدة حول مجموعتنا. ترتدي والدتي تعبير جاداً، وقد تغير سلوكها قليلاً عن المعتاد. تبدو بطريقة ما أكثر عظمة وملوكية.
"علينا التحدث."
تومئ إريث.
"نعم. لقد أحدثت سيريا فوضى حقيقية."
شعور غريب يحرك أحشائي، لتتحقق مخاوفي.
"من أنت؟"
تمتسم إريث.
"أنا جانيس!"
من؟ لكن أنغرود يلهث ويطير نحو والدته، رافعاً إياها عن الأرض بينما يعانقها.
"أأنت هي حقاً!؟ بحثت عنك لقرون!"
أحاول تثبيت وجهي بينما تتسلل ومضة غيرة إلى ذهني. أنغرود بحث حقاً عن امرأة؟ لقرون؟ ما طبيعة علاقتهما بالضبط؟
"من تكون جانيس؟"
لا أستطيع منع نفسي من السؤال بصوت صارم. تتنهد روز وتدلك صدغيها، وعرق ينبض على جبهتها.
"لقد كانت جدة أنغرود/نوفا في حياة سابقة، سيدة أخرى لسحر الأرواح وموتى الأحياء ساعدته في تطوير سحره. كانت خالدة في ذلك الوقت ويُفترض أنها نجحت في الارتقاء إلى مرتبة الملك قبل أن تختفي. بات واضحاً الآن أن سيريا تورطت وانتشلتها من تحت أنف المجلس عندما صعدت."
تنظر إليّ.
"أنا... كنت ويلو، بالمناسبة."
أوه، هذا... ليس سيئاً للغاية. لكنت شعرت بالقلق لو كانت حبيبة سابقة. أومئ، مضطرة الآن لتنهد بنفسي، متذكرة ويلو من ذكريات إيزابيلا. تابعة أخرى لأنغرود. ستبدو وضعية عائلتنا محرجة لبعض الوقت. تضع والدتي ابتسامة متكلفة، ناظرة إليّ.
"وكنت أنا أشلي. أظن أنه يمكنك الآن مناداتي بـ ’الأم’ بأكثر من طريقة."
ينقلب عقلي سمعاً عقب هذا الكشف الأخير. أشلي، أم إيزابيلا!؟
"أشلي!"
لا ينزعج أنغرود من هذه التطورات، سعيداً بلقاء الأصدقاء القدامى مجدداً. لا أستطيع فهم كيف يمكنه تقبل كل هذا بهدوء وسعادة لكون سيريا قد تلاعبت بنا جميعاً كالدمى. ولأن ركبتي تشعران بالوهن، أجلس على الأرض، رافضة السقوط بينما أحمل أينغوس.
"الأمور لا تفتأ تتوالى."
أنظر إلى نيكوسار.
"إذن، من تكون أنت؟"
يتنحنح العجوز.
"لهذه المرة، لا أستطيع الإضافة بشكل ملحوظ إلى هذا الجنون. على عكس الآخرين، ذكرياتي ضبابية للغاية."
يقطب حاجبيه.
"مع ذلك، أعتقد أن أحد أشكال السابقة كان يسمى إشايان، التايتان."
لا أتذكر أحداً بهذا الاسم، فأحول انتباهي إلى طفلي أينغوس.
"إذن... من لدينا هنا؟"
أسأل أينغوس بابتسامة متكلفة. عليّ المحافظة على هدوئي على الأقل. إن لم تعجبني شخصيته، فسأطلب من أنغرود محو ذاكرته وانتهى الأمر!
"سيستغرق الأمر بعض الوقت ليتذكر الأطفال،"
يوضح أنغرود.
"إن كنت محقاً، فسيكون هذه العملية مشابهة جداً للتقمص الطبيعي. مما يعني أن الأدمغة الأصغر من أن تتفاعل مع الروح ستحتاج إلى وقت للتأقلم. قد نفكر حتى في قمع معظم الذكريات حتى يکبر المراهقون ويتاح لهم الوقت لتطوير شخصياتهم. لست متأكداً من تداعيات ذلك على مجتمعنا إذا بدأ المراهقون بذكريات حيواتهم السابقة. سيقوض ذلك نوايا سيريا لهذا العالم."
"إذن لماذا تذكرنا نحن الاثنين الكثير منذ صغرنا فصاعداً؟"
أسأل.
"لم نتقمص بشكل طبيعي. وضعت سيريا أرواحنا في أجساد الأطفال بتعويذة،"
يوضح. أدلك صدغي بينما أفكر في الأمر. عمل رائع يا سيريا! لقد خلقتِ فوضى عارمة للمجتمع. من المرجح أن نتعامل مع أطفال صغار يتحدثون، وعمال وأقنان صاروا فجأة ملوك وبوسعهم سحق المدن بمجرد خاطر. لعجب أن مجتمعنا لم يتدهور إلى حرب أهلية بعد. تضع روز تعبيراً حانياً بينما تتأامل القصر.
"أحم، أكرر بغضي لقطع هذا اللقاء، لكن ألا يجدر بنا العودة إلى العمل قبل أن ينهار مجتمع عالمنا؟ هناك بعض المستندات التي توجب عليك توقيعها. علينا إعادة بناء المدينة، ومنح الناس ما يشغلهم. والتأكد من أن لديهم هدفاً يتجاوز مشاكلهم الشخصية. أتخيل العالم حولنا في حالة فوضى حالياً."
"السفارة؟ إعادة البناء؟"
يطرف أنغرود.
"بالطبع! القصر!"
يصرخ فيهتز أينغوس لصراخه المفاجئ. أرميه بنظرة تقريع لإزعاجه الصغير. دون استئذان منا، ينقلنا أنغرود جميعاً إلى أنقاض سفارتنا حيث يحاول بعض الناس إنقاذ الأشياء الثمينة من تحت الركام. يطردهم أنغرود ملوحاً بعصاه ومطلقاً الإمكانات الكاملة لهالته. وحده ضغط حضوره يكفي لطرد أي شيء أقل من ملك رئيسي. ومن المثير للاهتمام أن أياً من مجموعتنا لا يبدو متأثراً بعرض قوته هذا.
"بماذا تفكر، أن تنقلنا هكذا فجأة!"
أصعق بقلة تفكيره.
"أه، آسف! لكني كدت أنسى أن القصر الجديد يجب أن يصل في أي لحظة الآن!"
يخبرني بينما يبدأ في تنظيف المنطقة، مسطحاً كل شيء بتحريك الأشياء عن بعد. نقل الجبال ليس مشكلة في حالته الحالية، لذا فإن إزالة بعض الأنقاض يتم بمجرد تلويحة من يده.
"قصر جديد؟"
أسأل مذهولة. أجنَّ؟ كملوك، نحن أقوياء، لكننا لا نستطيع استدعاء قصر من العدم.
"يصل؟"
تفاجأت روز بنفس القدر.
"نعم! كما ترين، تذكرت أحد مشاريعي القديمة وأدركت أنه بما أن هذا هو الكوكب ذاته الذي خضنا حربنا الأصلية عليه، فلا بد أنه ما زال حيث تركته. لذا نزلت إلى جوف الكوكب حيث خبأته وأمرته بالصعود إلى السطح."
يبتسم لنا. وعندها تبدأ الأرض بالاهتزاز. ليس زلزالاً حقيقياً، بل مجرد اهتزاز خفيف، لكنه نذير شُؤم مع ذلك.
"الجوف؟"
تصرخ روز.
"ألا تقصد ذلك الشيء!؟ ماذا فعلت؟"
"أمرته؟"
كيف يمكن للمرء أن يأمر قلعة ما؟ لقد خرجت عن إطاري هنا.
"إلى الجانب! علينا الابتعاد عن الطريق!"
يقودنا خارج المنطقة، منسحباً بانسحاب عاجل من موقع السفارة القديمة. وفي تلك اللحظة بالذات، يخترق سنم مصنوع من بلور المانا الأرض ويبدأ بالارتفاع أعلى فأعلى. بفزع، أخطو إلى الوراء بينما تُخترق الأرض في مواضع أخرى عديدة بسنم مماثلة ويرتفع شيء من الأرض. أولاً، تنمو الهياكل البلورية حتى تصل إلى حجم منزل، متخلصين من التراب والصخر أثناء صعودها حتى تشبه الأبراج. فجأة، يرتفع النطاق بأسره نحو الأعلى ويبرز هيكل عميلاق لامع مصنوع من بلور المانا من الأرض وكأنما استُدعي من الجحيم نفسه.
يبدأ أنغرود بنشر يديه والضحك بجنون.
"مواهوها! انظروا! تحفتي التكنولوجية العظمى! جديرة بالملوك! أسميه القصر الأبدي. في الأصل، أردت فقط استخدامه كمختبر أبحاث متنقل، لكنني أظن أنه عظيم بما يكفي ليكون قصراً أيضاً."
بعد دقيقتين، يتوقف الهيكل عن الارتفاع وتتوقف الزلازل. نبضة طاقة مفاجئة تنفض الغبار، كشفة النقاب عن الهيكل في كامل مجده. وكأنما يرضيه الأمر، يصدر المبنى طنيناً مرضياً بعد إنجاز مهمته. ينكسر ضوء الشمس على السطح الأملس الشبيه بالماس، مانحاً الناظر طيف الألوان بأكمله. باسترخاء، يومئ أنغرود ويبتسم لبقيتنا، ممن لم يستطيعوا سوى مراقبة العرض بذهول. خلفنا، ألاحظ حشوداً من الناس تتزايد تدريجياً.
يبدو أن المشهد قد أثار قلق المدينة بأكملها. يفرد أنغرود يديه.
"شاهدوا بأس ملِككم! ملِك الملوك أجمعين! مواهوها!"
قلقة بعض الشيء إزاء سلوكه، أميل نحو الآخرين.
"أيكون بصدد تطوير نزعة جنون العظمة الآن بعد أن عاد ملكاً؟"
تومئ إريث وكاترين، وتبدو والدة أنغرود أكثر قلقاً من البقية.
"علينا الحذر من ذلك يقيناً."
ينقطع المشهد حين يصل أشقاء سيغنوس، مما يجبرني على التنهد وهم يطيرون نحونا، متجاوزين الحشد المتجمع. من أو ما الذي سيجلبونه إلى الطاولة؟ ومتى سينتهي هذا الجنون؟ يبدو ستيفن بمظهر أسوأ إثر اتباعه لمارجري، لكن أخته تبدو مجنونة بأكثر من القليل وهي لا تتوقف وتنقض على أنغرود مطيحة به على الأرض، مما يجبرني على القفز جانباً لكي لا أقحم أينغوس.
"مكتبتي! جعلتني أفقد كل تلك المعرفة!"
أضم شفتي، مشاهدة زوجي وهو مطروح أرضاً ومخنقاً من قِبل المرأة الأصغر حجماً بكثير. أظن أنه لا يمكن لكل اللقاءات أن تسير على ما يرام؟