***حصن ميدي، السفارة الملكية*** ***انغرود***
تمضي الشهور وتستقر سيلس ومعي ببطء في إيقاع يجمع بين قضائنا الوقت معاً والاعتناء بمشاريعنا الخاصة، بينما نوازن بطريقة ما بين القواعد التي تحكمنا وبين أقاربنا. تشغل سيلس مختبرها، رغم أنها لا تنسى أبداً إزعاجي بمجساتها ومحاقنها. لكنت غضبت منها لولا أنها تعوضني دائماً عن ذلك بالشوكولاتة اعتذاراً. تتطور الأمور بشكل جيد مع مشروع كاسر الدروع الخاص بي، لذا قررت الانضمام إلى الجامعة ونيل درجة علمية.
عبر إساءة استخدام سلطتي كملك، كان الأمر بغاية السهولة لتخطي الحضور والاكتفاء بأداء الاختبارات فحسب، مما وفر علي الكثير من الوقت. لا تشكل معظم الاختبارات مشكلة بفضل خبرتي. وإن لم أمتلك ما يلزم، فأنا أكتفي بالاطلاع على المعرفة الضرورية. لا تجلب لي الشهادة شيئاً، لكني أؤمن راسخاً بأن على الملك حيازة المستوى التعليمي الذي يليق بمقامه. الأمر يتعلق بالطريقة التي يراني بها الجمهور.
أي نوع من القدوة السيئة سأكون لطفلنا المستقبل إن عُرفت بكوني ملك العالم الذي لم يحاول حتى إتمام تعليمه؟ ألن يتكون لدى طفلي انطباع بأن المعرفة والكفاءة أمران عديمو الأهمية؟ على أي حال، أريد أن أكون قدوة حسنة. شخصاً يمكن لنسلي أن يتطلع إليه. لكن الآن... أنا غاضب حقاً! بينما أجلس على عرشي، يتوجب علي تحمل مشاهدة حماقة مطلقة بكل روعتها، وكل ما أستطيع فعله هو الإنصات وطحن أسناني.
مرة كل شهر، يتحتم علي عقد الجلسة والاستماع إلى الآلام والمشاكل الصغيرة للنبلاء وممثلي عامة الشعب. تثير بعض هذه القضايا جنوني. حسناً، معظم هذه القضايا تثير جنوني. يجد أولئك الناس دائماً سيلة للالتفاف على القانون وينتهي بهم المطاف بإزعاجي بمتاعبهم. يمثل وجود عدد كبير جداً أو قليل جداً من القوانين مشكلة للمجتمع دائماً، وأنا ممتن لأن مجتمعي الحالي لم يصل بعد إلى النقطة التي يصبح فيها وجود محامٍ أمراً لا بد منه حتى لفهم لغة المحكمة.
في الماضي، حاولت دائماً الحفاظ على الأمور على هذا النحو، لكن هؤلاء القوم يختبرون حدود صبري. يشير حاجب الديوان نحو الطرفين المتورطين في القضية التالية. يقف دريم سنودن، قائد حراسي، متأهباً بجوار عرشي. وهو أيضاً رئيس الأمن لمنشأتي الشخصية، رغم أنه يتواجد داخل السفارة بشكل متكرر أكثر منذ أن توليت بعض مهامي كملك. وهو أمر أشعر بتخوف شديد الآن حيال تسليمه ببساطة لأمي أو حمويّ.
إن القيام بأعمال ثانوية في مشروع كاسر الدروع الخاص بي سيكون أكثر إمتاعاً بكثير، حتى لو لم يكن وجودي ليسرع أي شيء. يبدو دريم قوياً وعريض العضلات وله أذنا دب. تشبه شخصيته الدب أيضاً. صامت جداً، ومتجهم جداً، خاصة بعد أن أجريت معه حديثاً جاداً للغاية حول التداعيات المحتملة للتقصير في أداء واجبه. تربطنا علاقة مهنية بحتة منذ ذلك اليوم، لكني وجدت أن أخلاقيات عمله قد تحسنت، وتلك هي النقطة المهمة.
"تقدم!"
أنادي القضية التالية بعد التعامل مع شجار غبي حقاً بين عائلتين صغيرتين. يدخل نبيلان قاعة العرش وينحنيان لي. أحدهما امرأة طاعنة في السن ترتدي ثوباً أبيض والآخر شاب يبدو بهرجياً في ملابس باهظة. تنقّب حاجبة الديوان بين وثائقها، ساعية لمنحي خلاصة. هي باختصار سكرتيرة اختارتها أمي أصلاً.
"هذان هما الدوق شارين والبارونة كويزن. لديهما نزاع حول خادمين يرعيان أراضيهما. تتجاور إقامتاهما ويبدو أن رعاياهما دخلا في علاقة عاطفية معاً. أسفرت العلاقة عن طفل."
"المشكلة هي أن كلا الخادمين تضمن عقدهما بنداً يضمن حصولهما على الأموال اللازمة لتزويد نسلهما بالتعليم الضروري، مقابل قبول أجر أقل من المعدل المعتاد. يتشاجر السيد والسيدة الآن حول المسؤول عن الوفاء بالعقد، الذي ينص فقط على ضرورة ضمان أفضل تعليم ممكن للنسل."
تختتم كلامها وتغلق الوثيقة. أرفع حاجبياً. الترجمة: لا يريد أي منهما الدفع مقابل تعليم الطفل ويأمل في إجبار الطرف الآخر على الوفاء بالعقد. إذن وبعبارة أخرى، يحاول هذان البخيلان التخلص من عقدهما مع خادميهما اللذين قبلا بالفعل العمل بأجر منخفض ويوفران عمالة رخيصة. أسأل حاجبة الديوان عن الأجر الذي يحصل عليه هؤلاء الخدم فتخبرني. هما قنان، بكل ما للكلمة من معنى. على الرغم من أن الجميع يحصلون على إمكانية الوصول إلى التعليم بقانون، إلا أنه لا يزال يكلف مالاً إرسال طفل إلى إواحدة من المدارس الأفضل.
أفترض أن صياغة العقد تضمن مستوى من التعليم لم يكن بمقدور الوالدين تحمله لولا ذلك. من الصعب الارتقاء من موقع منخفض في المجتمع، لكني معجب بطريقة ما بهؤلاء الخادمين اللذين لم ينجحا في تحقيق ذلك لأنفسهما. إنهما لا يزالان محاولين منح طفلهما فرصة أفضل في الحياة. أعتقد أن هناك حلاً سهلاً للمشكلة.
"أعتقد أن الحل الأسهل هو أن يلتزم الطرفان بالصفقة التي عقداها. لقد أبرم خادماكما صفقتين منفصلتين معكما وأقررتما بهاتين العقدين. لا يوجد سبب منطقي يمنعكما من الالتزام بعقد وقعتماه بأنفسكما."
يهز الدوق شارين رأسه.
"ولكن إذا قمنا نحن الاثنين بدفع مستحقات خادمينا، فسحصولان على أكثر مما يحتاجان إليه حقاً. ينص العقد فقط على وجوب ضمان تعليم الطفل. إذا قام كلفنا نحن الاثنين بـ «ضمان» أفضل تعليم للطفل، فسندفع لخادمينا أكثر بكثير مما يحتاجان إليه."
تومئ الببارونة كويزن بسرعة، مؤكدة موافقتها مع الدوق. محنياً إلى الأمام ومرتكزاً بساعدي على ركبتي، أشبك أطراف أصابع باعتدال.
"بغض النظر عن الوضع وغرابة هكذا عقد، هناك أمر واحد لا أستعبه. كيف تعلمان أنتما الاثنين بأمر عقد الطرف الآخر أصلاً؟"
يحك الدوق شارين سترته السوداء، متنحنحاً.
"هذا..."
"نحن نستخدم المحامي ذاته"، تقاطعني كويزن.
"ونتحدث مع بعضنا البعض."
"مثير للاهتمام للغاية."
أُضيق عيني.
"قد يعتقد دخيل مثلي أن ثمة خطباً غريباً للغاية يدور. أتساءل عما سيحدث لو أنني كلفت بضع محققين بالتحقيق في القضية... فقط لإشباع فضولي. ليدعهم ينقبون في الأمر، إن صح التعبير."
أحك ذقني.
"إما أنكما صاحبا عمل كريمان جداً — لأن -صححوا لي إن كنت مخطئاً- الدفع مقابل تعليم عال المستوى يمثل أكثر بكثير مما يمكن لأي خادم عابر أن يكناسبه في حياة كاملة. وأليس مرجحاً للغاية أن يرزق هؤلاء الخادمان بأطفال في مرحلة ما؟"
ألتفت إلى حاجبة الديوان.
"كم كان عمر الخادمين حين وقعا العقدين؟"
تنقب في الوثيقة.
"أربعة وعشرون وواحد وعشرون."
أرمش.
"يبدو عقداً سيئاً حقاً بالنسبة لصاحبي العمل. كم يجعل ذلك الخادمين مكلفين مقارنة بمعدلات الأجور العادية؟"
"ستة أو سبعة أضعاف القروض العادية"، تجيب بسرعة.
بالالتفات مرة أخرى، أتأمل النبيلين، باذلاً قصارى جهدي في ارتداء تعبير «أأنتم أغبياء فحسب، أم أنكم تجار عبيد مخادعون؟»
"أتساءل لماذا قد تظنان أن هذين الموظفين قد لا يرزقان بأطفال أبداً؟"
يتنحنح شارين.
"يا مولاي الملك، لا بد أنك تمزح. إطلاق تحقيق شامل بسبب مسألة تافهة كهذه..."
أصفق بيداي معاً، مما يجعل اللعينين ينتفضان.
"هذا رائع! مما يعني أنكما ستفيان بكلا العقدين بالكامل!"
أنظر إلى سنودن، رغبة مني في أن يسمع هذان النذلان كل كلمة.
"تأكد من أن أحدهم يتفقد الوضع بين الحين والآخر. أريد أيضاً أن أعرف سبب عدم تواجد الخادمين هنا، بما أن هذه المسألة تؤثر بوضوح على حياتيهما. لا نريد أن يحدث لهما شيء غريب."
مخاطباً حاجبة الديوان، أبتسم.
"وابحثي عن ذلك المحامي واطلبي من الشرطة القبض عليه. لا أريد أي حالات أخرى من صنعه تصل إلى مكتبي في المستقبل."
"قرا- قرار حكيم يا مولاي الملك!"
تنحني لي كويزن، ويتبعها الدوق. لا يبدو أي منهما سعيداً، تماماً كما ينبغي. أسعى لجعل أي شخص يفكر مرتين قبل أن يطلب مثولي. ألوح لهما مغادرين، آملاً أن يلتقطا التلميح قبل أن أقرر فعل شيء لا ينتهي بخسارة مالية لهما فحسب.
"التالي!"
* * *
بعد يوم طويل من العمل الشاق — حل المشكلات أساساً بالطريقة القديمة المعهودة المتمثلة في الابتزاز واستغلال النفوذ — أستطيع أخيرًا أن أستند إلى ورائي في عرشي وأستخدم أحد أحدث حواسيبى اللوحية اليدوية للتحقق من تقدم مشروعاتى. يبدو أن كل سائر على ما يرام. هناك أمل في أن يكون حلى الأخير جاهزًا في وقته.
ناداني سيليس من خلفي: "أنغرود!"
ممّا دفعني إلى إسقاط الحاسوب اللوحي. أبديت انقباضاً عندما اصطدم بالأرض محدثًا صوت قرقعة، وظهر شرخ كبير على الشاشة.
"الزجاج اللعين! كان يجدر بي الالتزام بالبلاستيك، حتى لو تعرض للخدش."
التفت في عرشي لأرى سيليس.
"هاهاها. تبدو وكأنك كدت تُضبط وأنت تبنى شيئًا سيهدد العالم."
ضحكت بخفة وربتت على رأسي.
"لا تكن فزعًا إلى هذا الحد. أه، وقبل أن أنسى! كُلْ هذا!"
مدت بضع حبوب أمام وجهي وأعطَتني كأسًا من الماء. تبًّا! ليس لديها أي فكرة عن مدى قربها من الحقيقة.
"أه، أرجوك! كفى. أنت تطعمينني حبوبًا غريبة ليل نهار. أدهشني أنني لم أُصَب بالمرض!"
حاولت رفض ما يُسمى بالفيتامينات. لقد تحولت سيليس حقًّا إلى مهووسة بالصحّة عندما اكتشفت سبب مشكلات الإنجاب لدى السلالة الملكية — وهو ببساطة نقص الفيتامينات. يجب أن تحصل أجسادنا على موارد أدائها العالي من مكان ما، ويؤدي نقص تلك الموارد إلى... دعنا نسميه أداءً منخفضًا.
"أعليّ أن أضعك على ركبتي وأطعمك قسرًا أمام السكرتيرة وحارسك؟"
سألت سيليس دون أي مشاعر في صوتها ورفعت حاجبًا.
"همم. لن تفعلِي ذلك. علاوة على ذلك، أشكّ في أن بإمكانك الإمساك بي."
أومأت برأسي نحو بطنها الذي زاد حجمه بشكل ملحوظ.
"أمتأكدة أنك لا تخبئين توأمين هناك؟"
"أنا متفهمة لثقتك الحالية في قدرتك على الهرب، لكن دعني أؤكد لك أنها غير مبررة تمامًا. وخاصة في حالتي الحالية، فإن القبض عليك وأنت تهرب من زوجتك لن يضر بصورتك فحسب، بل سيهدمها."
نظرت سيليس إلى أسفل نحوي بابتسامة واثقة. لاحظت أن الموظفة تنصت إلى الحديث بترقب. ولديها أذنان مكسوتان بالفراء، على الأرجح نوع من الهامستر، وقد اختارت أن ترتدي بدلة تبدو مهنية.
"إذا أخبرتِ أيّ أحد بشأن هذه المحادثة، فسأجعلك مربية للطفل وأراهن دريم على مدة بقائك على قيد الحياة."
شحب وجه السكرتيرة وأومأت برأسيها.
أجاب دريم بصوت بارد: "لا أراهن على أمر خطير كهذا يا سيدي. لقد سمعت من روز أن رعاية النسل الملكي هي بالفعل مسألة حياة أو موت، مع أنني أعتقد أن الأمر يمكن تدبره بقدر كافٍ من العناية".
تناولت الحبوب وأكلتها.
"هوه؟ أإذن تعتقد أنك تستطيع رعاية طفل بقوة عدة بالغين؟"
أعلن دريم: "أنا واثق من بقائي على قيد الحياة يا سيدي".
"أَتسمع ذلك يا عزيزتي؟ لدينا متطوع."
ابتسمت لسيليس وتلقيت صفعة خفيفة على مؤخرة رأسي.
"لن أترك أطفالي في رعاية أي شخص ليس جزءًا من العائلة. وإذا لم تقم بنصيبك في مراقبتهم، فلن يكون هناك المزيد من الشوكولاتة بعد الآن!"
ابتسمت السكرتيرة لي بغيظ وحدقت فيها بنظرات حارقة. لا خيار. ابتلعت الحبوب وشربت الماء.
سألت سيليس وهي تشد كتفي: "أانتهيت لليوم؟"
"همم. أظن ذلك، لمَ؟"
نهضت.
"إذن تعال. أريد منك شيئًا."
سحبتني معها وقادتني إلى المنطقة الخاصة من القصر.
سألت وانا أبتسم: "أتعرفين كيف يبدو هذا؟"
تنهدت.
"لا أبالي. يجب أن تكون ناضجًا بالقدر الكافى لتتوقف عن مشاكساتك."
قادتني إلى غرفة المعيشة والتقطت بضع وثائق من الطاولة.
"انظر! إنه صبي. لقد التقطت بعض الصور بجهاز التصوير الطبقي المحوري الجديد الخاص بك! بماذا يجب أن نسميه!؟"
ابتسمت لي وهي تحشر الصور بالأبيض والأسود في وجهي.
"نعم، أرى. همم."
ابتسمت وأومأت برأسي.
"ما رأيك في... كاسوس؟ تعني باللاتينية الصدفة أو السقوط. سيكون ملائمًا، خاصة أننا لم نخطط له بدقة."
تصلب تعبير سيليس.
"لا."
"ولكن-"
"لا. لقد خُطِّط له، حتى لو جاء مبكرًا قليلاً عما كان متوقعًا."
"هو-"
"لا. أم ترغب في القول إنك لم تكن تريده؟"
من الواضح أنه لا جدال معها الآن.
"كما تشاءين..."
أقسم أحيانا يبدو الأمر كأنها تستطيع قراءة أفكاري... وهو أمر مخيف في الواقع، الآن بعد أن فكرت في الأمر.