***جبل سيرا المقدّس، مدينة النور، العاصمة الشمالية*** ***أودليف ميلثايم***
أجلسُ إلى الطاولة المستديرة، وأُلقي نظرةً عابرةً على جمعِ حلفائي. أومأتُ برأسي نحو رئيس نادينا المرموق، المؤلفِ من نبلاء وعامة نافذين سياسياً انضموا بفضل رؤوس أموالهم. لاحظ الرئيس استعدادي، فالتقط كرةً حديديةً ضخمةً وهوى بها على الطاولة الخشبية، فأحدث صوتاً أطاح بسكون الحضور.
قال: "أُعلن افتتاح الاجتماع السنوي للبتّ في سياستنا. أرجو اتباع الترتيب المعمول به لعرض أحدث إنجازاتكم وأخباركم".
وأومأ برأسي نحو الشخص الجالس عن يينه.
"لورد تولهيلم، شاركنا ما حققته من تقدم".
رمقني الرجل نظرةً سمّاميةً قبل أن ينهض. بقيت ج جالساً أبتسم، واثقاً تماماً من أنه سيُسخّر كل ما بوسعه لمساعدتنا، طالما ظلّ معتقداً أنني أحتجز ابنته رهينة. ما كنت لألجأ إلى مثل هذه التدابير المتطرفة لولا الضرورة، وخصوصاً أنه كان في صفنا منذ البداية، لكن لورد تولهيلم رجل ضعيف قد يتردد حين يرى المدى الحقيقي لعقيدة جماعتنا. كان لزاماً عليّ تشجيعه. لقد نجحتُ، بفضل ضربة عبقرية بارعة، في إقناعه بأننا نحتجز ابنتنا، بينما يشغل شبيه لها معارضينا في العاصمة.
كل ما علينا فعله هو التأكد من ألا يكتشف أبداً أن خطة اختطافي باءت بالفشل. ابنته الحقيقية ما زالت في العاصمة، بينما الفتاة التي أحتجزها هي البديلة حقاً. أنصتُ إلى تولهيلم وهو يقدم تقريره بإخلاص عن نجاحه في اختراق طاقم قيادة الجيش الشمالي، وعن خططه العديدة للسيطرة على وسائل الإعلام المحلية. حسب خطتنا، علينا أولاً الانتصار في جبهة الحرب المعلوماتية، لضمان خلق نافذة نطلق منها ثورتنا، مهما صغرت.
وبينما كان يضعنا في صورة المستجدات، أشار تولهيلم مرات عدة إلى ساعده الأيمن الواقف خلفه مباشرة. بدا خادمه هذا غير جدير بالثقة بتاتاً. لُفّ من رأسه حتى أخمص قدميه بضمادات مزودة بروني مقاومة للحريق، وانبعث ضوء محتدم من البقعتين الصغيرتين حيث ينبغي أن تكون عيناه. وإلى جانب ارتعاشاته العرضية، ظل الرجل صامتاً تماماً ومحاطاً بستار من المجهول. أخيراً، جلس تولهيلم مُعلناً انتهاء تقريره.
وتوالى الدور على الآخرين مع سير الاجتماع حتى جاء دوري للكلام. نهضتُ لأعرض باختصار فشلنا في إيقاف عائلة سيغنوس أو عرقلة تقدمها على الأقل في تقويض مشروعنا المشترك. وحرصتُ على أن يدرك الجميع خطورة السماح لشخص مثل أمير ترنا باعتلاء العرش الملكي، وأن موقفه هذا أمر لا يمكن التغاضي عنه.
"... ولهذا السبب أرى أن نُعجّل بخططنا لإعادة العالم إلى وضعه السليم. وحين نكون نحن الحكام، سنضمن تقسيم القارة المركزية ومواردها بالشكل اللائق. وأنا أؤمن أشد الإيمان بأنه لا خيار أمامنا سوى الاعتماد على الوسائل التي هبطت بين أيدينا معجزةً قبل أسابيع قليلة فحسب."
لم يتفاعل بقية أفراد المجموعة بالحماسة التي كنت أتمنّاها. أبدى البعض إيماءات موافقة، لكنَّ آخرين كُثراً صمتوا، وبدت عليهم الكراهية الواضحة لفكرة التضحية بالدم. هزّ كايل، وهو أحد الرجال الطاعنين في السن، رأسه. وببطنه المدور وأذني الثعلب اللتين ورثهما عن سلالته، كان ينتمي إلى الجيل القديم الذي قضى وقتاً أطول مما ينبغي في التمتع بثرواته واعتبارها أمراً مفروغاً منه.
بيّن شعره الأبيض شيخوخته، وحوّلت تجاعيدُه العميقة جبينَه إلى عبوس دائم.
قال: "ما زلت أرى أنه يجب ألا نستخدم ذلك الكتاب الملعون. التفكير بمثل هذه الطقوس كفرٌ بذاته! استدعاء ملك غير سيريا... أمر لا يُمكِن تصوُّره!"
رفعت الليدي فينسي، زعيمة بيت فينس، يدها لتُسكت العجوز الأحمق.
قالت: "وما عسانا نفعل؟ لا يوجد سوى ملك مؤكد واحد في هذا العالم، وقد أظهرت دعمها للعائلة الملكية بوضوح تام. إذا اردنا النجاح، فنحن بحاجة إلى ملك خاص بنا".
وأصلحت خصلات شعرها الأسود، دافعةً إياها خلف أذنيها الإلفيتين. لم يتوقف كايل عن هزّ رأسه.
قال وهو ينهض ويقلب كرسيه، موشراً بإجبار مرتجف نحو ناظرينا بينما احمرّ وجهه غضباً: "خذوا كلامي محمل الجد! إذا أردتم استدعاء هذا المدعو ملكاً، فافعلوا ذلك دوني!"
استدار واندفع نحو مخرج القاعة، فنهضتُ ضارباً بيدَيَّ على المكتب. إن فر العجوز الأحمق، فقد تنهار كل جهودنا!
صاحت: "أوقفوه!"
رفع الرئيس يده فغلق الأبواب سحراً.
قال: "كايل..."
لكن بدلاً من الإصغاء، رفع كايل يده وتشكّلت مصفوفة تعويذة على رافته. رفع عدد من أعضاء مجموعتنا أيديهم استعداداً لإطلاق تعاويذهم الخاصة. وسواء أكان ذلك دفاعاً أم هجوماً فلا يهم، لأنني أدركت فجأة تماماً كيف أجعل هؤلاء الرجال والنساء يفعلون ما أريد. دفعتُ براحتي نحو كايل فأطلقت رمحاً سحريّاً بينما انبثق حاجز سحري حوله. وأطلق الآخرون تعاويذهم محاولين إخضاع الهارب، فغمروا دفاعات كايل بألوان سحرية شتى.
وكان رمحي السحري هو ما اخترق حاجزه في النهاية واستقر في صدره. تعثر ثعلبي الهيئة إلى الوراء مستنداً إلى الباب الخشبي الثقيل. التوى تعبيره ألماً وهو يحاول عبثاً نزع رمح الضوء البنفسجي المغروس في صدره ببطء. ثم انزلق واقعاً على الأرض، وتراخى وجهه حتى سكن تماماً. انتظرتُ، مانحاً الآخرين لحظةً قصيرةً لاستيعاب ما جرى للتو. ثم زممتُ زمام المبادرة قبل أن يحولها أي شخص آخر إلى الكارثة التي بدت عليها.
قلت: "لا تفزعوا من هذا يا أصدقائي! لقد كان خائناً، وكلُّ منا كانت له يد في طرحه أرضاً!"
ألقى نصف الحضور على الأقل تعاويذ هجومية خاصة بهم، ليتحولوا بذلك إلى شركاء في الجريمة. أشرتُ إلى الجثة.
"وهذا مصير كل من يخون قضيتنا! من الآن فصاعداً، نحن في هذا معاً ولا سبيل للتراجع!"
***ميدهولد*** ***أنجرود***
انتهت سنتي الدراسية الثانية ومشروعي الصغير يتقدم نحو ما يرضيني تماماً. فهمت تماماً سبب اهتمام مارجيري الشديد بالرفع، وذلك بفضل اهتمامي الشخصي بإنشاء منشأتي الجديدة. يستخدم أهل هذا العالم الأدوات السحرية في كل جوانب العمل تقريباً. لا توجد رافعات في مواقع البناء. يرتفع كل شيء إلى مكانه المناسب عبر الرفع عوضاً عن ذلك. يكاد يغيب استخدام الكهرباء تماماً، وهو أمر أرغب في تغييره في أقرب وقت.
أدرك أن الحلول السحرية للكثير من المشكلات مريحة وسريعة، لكنها مسرفة في أغلب الأحيان أيضاً. الاستخدام الكثيف للأدوات السحرية عامل خطير في أزمة مواردنا. لكي يتحسن العالم حقاً، لابد من تغير في السلوك. حتى وإن ظنت مارجيري أن ما منحته إياها يكفي، فهي لم تأخذ بعين الاعتبار أن تعدادنا السكان سيصعد مع تحسن ظروف المعيشة، مما يلغي أثر ابتكاراتنا. الحل الدائم الوحيد هو استبدال معظم الأدوات السحرية بأخرى تعتمد على العلم الصرف.
وحتى هذا مجرد حل قصير الأجل. في النهاية، سيطنب بنا المطاف إلى فرض نوع من السيطرة على تعداد السكان، لكن هذا موضوع للمستقبل البعيد. أعيد انتباهي إلى مشروع الحالي وأتأمل السوار الذي يضم أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا. أسميه جهاز إلقاء مساعد، أو اختصاراً دي سي إيه. الفكرة هي ارتداؤه والسماح له بالاستفادة من مخزون طاقة المستخدم. يمكن للمستخدم ضبطه لإلقاء تعويذة مسجلة مسبقاً وفق شرط محدد، وذلك عبر تسجيلها سلفاً.
يمكن لصاحب الجهاز، على سبيل المثال، تسجيل تعويذة شفاء وتفعيلها بشرط التعرض لإصابة. الأمر مريح للغاية، لكنه في الحقيقة مجرد خطوة على طريق جهاز إسقاط تعويذات حقيقي. لقد توصل أهل هذا العالم بالفعل إلى كيفية تطويع عصي التعويذات بسحر الهجوم، لكن فائدتها محدودة قبل أن تحترق. جهاز إسقاط التعويذات الحقيقي مصفوفة سحرية يمكن لشخص مهار استخدامها لإلقاء تعويذات تفوق قدراته عادة.
توجد مشاريع أخرى كثيرة على قائمتي، لكن صنع جهاز إسقاط تعويذات بحجم كافٍ هو أولويتي القصوى. يمكنني، بفضل الوصول إلى أداة كهذه، محو أي شيء قد ترميه فصيلة الحرب في وجوهنا. سيرفع السوار القوة القتالية لجنودنا بشكل هائل، لكنه مجرد ثمرة قصيرة الأجل لشيء أكبر بكثير. قد أتمكن حتى من تسجيل قدرة العجوز الراكون الأحمق! ما إن يعود نيكوسار من مهمته الأخيرة، سيصير الغش من نصيحي!
سأكون شخصية غش خالدة أيضاً!
"مواهاتها!"
أسعل وأضرب صدري محاولاً استعادة السيطرة على نزواتي. لا ضحكات مجنونة حيث يمكن لطاقم المنشأة سماعي. الصبر! كل ما يحتاجه الأمر الآن هو انتظار عودة نيكوسار من إحدى مهماته السرية الغبية...
۞۞۞
حين أعود إلى القصر يكون المساء قد بلغ منتهاه وأجد العائلة بأكملها في غرفة العرش ومعهم نيكوسار. أندفع نحو العجوز الشمطاء مرحاً، لكنني ألاحظ الملامح العبوسة والوجوه المكتئبة. يقف والداي على عرشيهما بينما يقف نيكوسار بجانب نيكول. تمسك سيليس بيد والدتها. يبدو الأمر أشبه بجلسة محكمة رفقة الحراس، غير أن كائناً صغيراً واحداً يواجههم ولا تكاد تتجاوز الطفولة. تقف الصغيرة إيريس أمامهن.
تبدو وحدها أكثر خوفاً من المعتاد حول سيليس منذ أن تلقت تلك الصفعة.
أسأل: "ما الذي يجري هنا؟"
وتتحول أنظارهم نحوي.
يعلن آرثر بنبرة مظلمة: "أهلاً، لقد جئت في اللحظة المناسبة تماماً لتسمع آخر الأخبار".
تشرع والدتي في الشرح: "لقد أعلن بيت ميلثايم وبيت تولهلم إلى جانب بعض البيوت الأخرى في جوارهما استقلالهم. سيكون من الدقة القول إن الشمال برمته في حال تمرد".
تباً. كنت أتوقع منهم تدبير أمر ما، كمحاولة للإطاحة بالعرش... لكن إعلان الانفصال عن أمة بأكملها عبر سرقة أراضينا؟ هذا آخر ما توقعت صدورهم عنه.
يدلك نيكول صدغيه: "الآن نعرف لماذا انسحب بيت ميلثايم تماماً من ميدهولد واستدعى أبناءه. لقد أخذوا حتى كل موظفيهم وأغلقوا مقر إقامتهم".
تميل كاتارين رأسها وهي تتأدرس الفتاة: "السؤال الوحيد الذي يطرح نفسه هو لماذا لا تزال هذه الفتاة هنا. أرسلنا بضعة حراس إلى مقري تولهلم وميلثايم لجلب أي شخص قد يكونان قد تركاه خلفهما. كان العقاران مهجورين تماماً. ومن المظهر العام يبدو أنهما كذلك منذ أشهر. على ما يبدو عاشت إيريس وحدها في قصر والديها لفترة غير قصيرة. طاقم هزيل من العمال وحده من حافظ على المظهر الخارجي".
أوه، هذه قصة مثيرة حقاً. أحك رأسي وأحاول التفكير في التداعيات.
يسأل نيكول إيريس التي تبدو شاحبة للغاية: "إذن، ماذا لديك لتدافعي به عن نفسك؟"
تجيب بصوت خافت يشبه صوت فأرة، في نبرة لا تليق بشخصيتها إطلاقاً: "من أين- أين أبدأ؟"
يبتسام آرثر ويحثها على المتابعة بإشارة من يده: "البداية من نقطة الانطلاق هي الأفضل دائماً".
تختلس النظر إليّ ثم تعيد بصرها إلى أبي: "أنا- أنا لم أكن سوى منفذة لما أمرني به والداي أو عمي تونغورد. ذات يوم، أمرني والداي بالتقرب من أنغرود. أراداني إحداث مشكلة في حفل الترحيب، لكني رفضت. أنا أكرره أسلوبهم في تصريف الأمور. لقد أثار ذلك غضبهم بشدة ثم وقعت حادثة النزال تلك بين سيردا وسيندا. أعتقد أنه جرى توجيههما بطرق مشابهة. إلا أنهما لم يرفضا".
تنظر إلى الأرض: "حين أصبح والداي قبيحين حقاً، حاولت الاقتراب منه في المدرسة لكن سيليس انهالت علي ضرباً. كنت أكثر خوفاً من الاقتراب من أنغرود مرة أخرى".
تفرك أصابعها بلا استقرار وتلوح بذيلها الكثيف يمنة ويسرة: "في حفل التخرج العام الماضي، أمرني والداي ألا أذهب إلى المدرسة. بالنظر إلى ما سبق، كان واضحاً أنهما كانا يعلمان أن أمراً ما سيحدث. مع ذلك، أردت بشدة الحصول على شهادتي المدرسية لذلك العام، فتسللت خارج القصر متجهة إلى المدرسة لأودع أصدقائي".
ثم تبدأ بالبكاء: "و... وبعد ذلك... وقع الهجوم الإرهابي. حاول أحدهم اختطافي... وهددوا العم تونغورد أيضاً... حاولت مقاومتمهم... لكني فشلت. ثم أنقذني أنغرود. أنا آسفة لعدم شكري لك، لكني كنت خائفة".
توضح والدموع تنحدر على خديها كيف جاء أحد خدم القصر إلى المدرسة لجلبها: "و... وحين عدت إلى البيت في ذلك اليوم وجدت المقر بأكمله مهجوراً. أخبرني أحد الموظفين أنهم تلقوا تعليمات بالحفاظ على الحديقة والبيت سليمين فقط. لقد رحل طاقمنا الشخصي بأكمله".
تنهار وهي تهز رأسها: "وجدت في غرفتي رسالة من والدتي تخبرني فيها أنني عار وأنه يمكنني البقاء في القصر حتى أنتهي من المدرسة. وإذا أخبرت أحداً، فسيرسلون قتلة خلفي".
ترتجف إيريس وتبدو حقاً على حافة فقدان صوابها. أشد نظري بعيداً فقد سمعت ما يكفي من هذه القصة المثيرة للشفقة. ليس الأمر أنني لا أظن أن ما حدث لها كان تجربة سيئة، لكني أتذكر ما هو أسوأ بكثير من حياتي السابقة. لقد نجت إيريس بخفة نسبية. ثمة مشكلة صغيرة أيضاً تتمثل في أنني لا أثق بها تماماً. فقد امتلكت وقتاً أطول من الكافي للتفكير في كلماتها والتخطيط لسيناريو انفضاح أمرها.
مع ذلك، أن يفعل والد هذا بابنه... يجب إطلاق النار على والدة إيريس فوراً. يسود صمت ثقيل في الغرفة.
تشير لي سيليس لأقترب فأفعل: "أنغرود؟"
"مم؟"
تهمس بجدية تامة: "أحتاج إلى قنبلة نووية!"
ترتسم ابتسامة عريضة على وجهي.
"ما حجمها؟"
أخيراً تلبي طلباً أنا مستعد لتنفيذه. للأسف، أنا أمزح فقط. بناء قنبلة نووية أمر سهل بما يكفي، لكن هذا العالم لا يمتلك أي معدات لتكرير الوقود النووي. سيتعين علي إنشاء صناعة كاملة حول الأمر، وهو ما يتطلب وقتاً. وقتاً من المرجح أننا لا نملكه نظراً لأن الطرف الآخر منحنا إطاراً زمنياً محودداً. محزن، ليست لدي أي فكرة عن كيفية المضي قدماً.
يقطع علينا كاتارين التي تهز رأسها بعد الاستماع إلى قصة إيريس: "بالتأكيد لا يمكنك الاستمرار في العيش وحدك في ذلك القصر. سأقوم ببعض الاستفسارات وأبذل قصارى جهدي للعثور على عائلة لطيفة مستعدة لرعايتك. طفلة في عمرك تحتاج إلى إشراف الكبار. حتى ذلك الحين ستبقين معنا".
وما إن تنتهي حتى تقود روز وحارسان إيريس بعيداً، مما يتيح لي الفرصة للتقرب من نيكوسار بينما يناقش والداي خطواتهما التالية.
أقرر أنه قد يكون من الأفضل التقرب من عدوي اللدود، فأفعل المدافع الثقيلة: "جدي! ألديك ثانية واحدة؟"
تتوسع عينا نيكوسار وينظر إلي كأنني ضربته للتو تحت الحزام: "ج- جدي! من تدعوه جداً؟! أنا في أوج شبابي!"
أضيق عيني وأعرض عليه السوار الذي صنعته. أيها الشمطاء الهرم!
"أيمكنك ارتداء هذا والتحول إلى شكل الضباب؟ لن يستغرق الأمر سوى ثانية".
يتأمل السوار ويأخذه مني: "ما هذا؟"
أوضح بشغف للمعرفة: "مجرد مسجل تعاويذ صغير. لا شيء ضار. أريد فقط معرفة كيف تعمل قدرتك".
يهز نيكوسار كتفيه ويرتدي الجهاز. بعد التحول إلى ضباب والعودة مجدداً، يعيد الجهاز إلي. لا أود الانتظار فأرتديه وأحاول إلقاء التعويذة المسجلة، لأكتشف أن السوار لم يسجل شيئاً.
"ماذا؟! لماذا لم يعمل؟!"
يضحك نيكوسار: "أعتقلت حقاً أن الآخرين لم يحاولوا بالفعل معرفة سر تلك السمة الدموية الخاصة؟ إنها قدرة فطرية وليست تعويذة، لذلك لا يوجد شيء ليتم تسجيله".
أصفع جبهتي شاهراً شعوري بأنني غبي حقاً!
تقترب سيليس وعيناها مثبتتان على الجهاز: "ما هذا السوار؟ إنه جميل جداً".
أنظر إليه متأملاً الروني والترصيع بالماس الذي استخدمته لصنعت التحفة. أردتها أن تكون متينة قدر الإمكان من حيث التعاويذ. لذلك استخدمت مواد عالية الجودة فقط مثل الذهب والفضة والتيتانيوم. ومقترنة بتعزيز هيكلي يتغذى على طاقة المستخدم، فهي تكاد تكون غير قابلة للتدمير. أظن أنها جميلة بالفعل ـ إن كان المرء يفضل الأشياء البراقة؟
"آه... لا مبالاة. إنه مسجل تعويذات..."
والذي صار عديم الفائدة تماماً بالنسبة لي.
"خذيه، يمكنك الاحتفاظ به".
تتخذ فم سيليس شكل حرف (أو) صغير وهي تلتقط الجهاز. تبدأ عيناها بالتألق وهي ترتديه... وتخرج قائمتها. تشطب إنجازاً آخر وتضع القائمة في جيبها مرة أخرى. هل ارتكبت خطأ للتو؟
"كنت أعلم أنك تحبني! شكراً لك. شكراً لك. شكراً لك".
وقبل أن أستطيع منعها، تعانقني وتقبلني مباشرة على شفتي. أبتعد وأرتجف من إحساس الاحتراق الذي يتركه لعابها وراءه.
أثير جلببة وأنا أحاول مسح وجهي: "فهمت! فقط دعيني وشأني!"
توبخ كاتارين ابنتها: "توقفي عن تعذيبه يا سيليس!"
تتركني سيليس وهي واضحة الرفض لفعل ذلك: "موه!"
***ميدهولد*** ***سيلز***
أهداي هديّة! يشبه الأمر الأيام الخوالي تماماً، حين كان يغمرني بكل أنواع القطع المفيدة. يا له من لطيّف! مستمتعةً بذلك الشعور الدافئ في الصدر، أضغط بمعصمي حيث السوار على صدري. عليّ إخبار تانيا في أقرب وقت وأطلب منها تسحيل بعض تعاويذ المنفعة التي يصعب بلوغها بالسحر الداخلي. هي نينجا، لذا لا بدّ أنها تعرف بعض الأمور المفيدة. بينما أُدندن بسعادة، أراقب أبوينا وهما يخططان لتحركاتنا القادمة.
انتقلنا إلى إحدى غرف آرثر. المكان برمّته مخصص لعلم الخرائط، وتتوسط الغرفة طاول كبيرة عليها خريطة العالم بأسره. يحدق أبوانا في الخريطة بتجهم وهما يعصران أذهانهما. أقرّ بأنه لا سبيل لتجميل الموقف، لكنهما يجب ألا يتصرفا أيضاً كأنهما لم يريا الأمر قادماً منذ أميال. لحسن الحظ، تعاملت كاترين مع إيريس مسبقاً وأرسلتها إلى بيت سيغنوس. من الأفضل أن تتولى حليفة مقربة أمر الفتاة.
لا توجد طريقة للتعبير عن مدى حرج وجودها هنا وتدخلها بين أنغرود وبيني حين كنا دائماً على طرفي نقيض من رقعة اللعب. على الأقل، ستيفن ومارجري لا يألفان سلالة تولهلم كثيراً، لذا قد تتمكن إيريس حتى من شق بداية جديدة. بداية لا تُلقن فيها الموقف المنحرف لأبويها. متظاهرةً ببعض الاهتمام، ألقي نظرة على الخريطة. تُمثل مساحة شاسعة كهذه في حالة تمرد مشكلة حقيقية. يُظهر التاريخ أنه يكاد يستحيل على دولة قمع أخرى إن كان السكان المدنيون يرفضون الخضوع.
بحسب معلوماتنا الشحيحة، لم يعد المدنيون في المنطقة المتضررة في صفنا. بدأ بيتا ميلثايم وتولهلم حملة ضخمة من التضليل والدعاية لجذب الجميع إلى صفهم. يرجح ارتباط الأمر ارتباطاً مباشراً بنقص المعلومات الذي لاحظناه قبل أشهر معدودة. زعموا أن أميرة ستريك الرقيقة أُكرهت على الزواج من أمير تيْرنا القاسي. علاوة على ذلك، اتهما العائلة المالكة بمحاباة بيوت محددة. حسن، لا يُجانبان الصواب تماماً في هذه النقطة على الأقل.
ثمة شاعات أخرى أيضاً، تتراوح بين أسباب بيئية وعنصرية سافرة. إنها كومة ضخمة من الهراء، لكن القاعدة القديمة القائلة بالسيطرة على الجماهير عبر السيطرة على الإعلام تثبت صحتها ككل مرة. لا شك في أن أحداً لا يصدق فرداً كل ما يتقيؤه فصيل الحرب. لكن الناس أغبياء خرفان إن أُخذوا ككتلة واحدة. يحتاجون إلى يد قوية وحازمة تقودهم. اتبعت معظم البيوت الصغيرة ودوقيات الشمال خطى ميلثايم وتولهلم.
سواء عن رغبة أم لا، لم يكن الأمر يهم حقاً. ومن لم يتبعهم سُحق بقوة عسكرية ساحقة. يبرهن هذا فحسب على وجوب تخطيط الانتفاضة برمتها قبل زمن طويل. يستحيل ترتيب عملية كهذه بين عشية وضحاها. يجب وضع الأشخاص في المناصب الصحيحة وتليين الجيوب بالمال وإسكات من يجرؤون على الكلام بطريقة لا تلفت الانتباه. امتلك فصيل الحرب بين عشية وضحاها تقريباً مئات الآلاف من السكان تحت سيطرته.
يعود السبب إلى كثرة التجمعات السكانية في الشمال. تقل الكثافة السكانية كلما اتجهت جنوباً. يكمن السبب في النظام البيئي للعالم، حيث تفضل كائنات أكثر توحشاً المناخ الجنوبي. إلى جانب جزء كبير من سكان القارة الوسطى، يمتلكون حق الوصول إلى بعض أفضل مناجم العناصر النادرة. سيطر أبوانا مسبقاً على كل منجم في متناولنا، بما يشمل كل ما امتد من منتصف القارة وصولاً إلى الجنوب. كطريقة لتأكيد من لا يزال مخلصاً، أمر أبوانا كل عائلة نبيلة بأداء زيارة للتاج.
الجيش في حركته أيضاً. الأمر الوحيد المقلق هو وجود قدر معتبر من الطاقة الصناعية في الجانب الآخر. يمتلكون كل ما يحتاجون إليه. -سيصبح الأمر قبيحاً للغاية. لا بد أن يموت الكثير من الأبرياء مجدداً- تتذمر إيريث. -لا أفهم ما يدور في أذهانهم. حتى مع كل ما حققوه، هي مسألة وقت فحسب حتى يُسحق تمردُهم. لا تزال قوة قارتين تدعمنا في الخلف. جلّ ما يستطيعونه هو الصمود ريثما تصل التعزيزات من كتل اليابسة الأكبر-.
-سيستغرق ذلك أشهرًا- يشير آرثر. -أشهر يمكنهم خلالها تثبيت حكمهم، وحين نسحق قواتهم العسكرية، سيجعلنا ذلك المعتدين الأشرار. لا تنسي أن العامة قصيرو الذاكرة. لو استطعنا الرد الآن، لبدوا هم الغاصبين الذين تسببوا في القتال. متى انقضت شهران أو ثلاثة بلا إراقة دماء، فستُعلق أي عدوانية مستقبلية في رقابنا. قد تصبح القارة الوسطى محضن تمرد مستقبلي-. -اغتالوهم، تماماً كما حاولوا معنا.
لا داعي للتمثيل بالطيبة بعد الآن- يتذمر نيكول عاقداً ذراعيه أمام صدره. -لا أريد تحويلهم إلى شهداء- تصرح إيريث. -سنغدو طغاةً، ذاتهم الذين ادعوا أننا هم-. -مهما فعلنا، ستشهد المنطقة فترة طويلة من الاضطراب وعدم الاستقرار. لا يمكننا حتى الجزم بأن القارات الرئيسية لن تتأثر. مع ذلك، وبفضل طبيعة نموذج عملهم، يمتلك تولهلم وميلثايم معظم أصولهم هنا في الوسط، لكنني لن أراهن على ألا يؤثر سقوطهم في مراكز سلطتنا-.
يهز آرثر رأسه وبادي عليه الإرهاق. -لن يكون قمعهم بالقوة العسكرية أمراً سريعاً. سيكون فوضوياً. ربما يعولون حتى على امتلاك الوقت الكافي لإقناع مزيد من النبلاء وجعلهم ينقلبون علينا-. -إذن لا تفعلوا شيئاً واعزلوهم. أغلقوا الحدود وأميتوهم جوعاً- يقترح أنغرود. يرمقه الجميع. -لكن لا يمكننا إجاعتهم. يمتلكون كل ما يحتاجون إليه. الموارد، الطعام، المعدات، الصناعة. كل شيء موجود هناك-.
يشير نيكول نحو الخريطة. يهز أنغرود كتفيه. -نحن نملك تلك الأشياء أيضاً، بل وأكثر بكثير. لا نحتاج إليهم في شيء، ولا يحتاجون إلينا في شيء. إن كانت استنتاجاتكم صحيحة وأنهم يريدون فقط إثارة معركة لخلق فوضى أكبر، فلنمنحهم ما لا يريدون. لقد كشفوا عن أوراقهم ويأملون منا فعل المثل-. يشبك أصابعه في وضعية دعاء. -لقد كشفو أوراقهم لأنهم يعتقدون أنهم وحدهم من يستطيع الفوز في الظروف الحالية.
أنا لا ألعب ألعاباً ملعوبة، لذا علينا الانسحاب وحسب. ستواصل أوراقنا التغير بمرور الوقت-. يلتقط أنغرود عصا إشارة ويفصل ربع القارة الوسطى عن باقي البلاد. -لقد عاثوا فساداً في خطة تنميتنا عبر السيطرة على سعر السوق. زالت سيطرتهم على شطرنا من القارة الآن ويمكننا تأميم جميع عمليات التعدين السابقة التابعة لهم. إن جلسنا مكتوفي الأيدي وركزنا على وضع اختراعاتنا موضع التطبيق العملي، فسيغدون مشكلة أصغر فأصغر شهراً بعد شهر-.
أبتسم وأشير إلى رموز شتى تمثل أصولاً عسكرية. -لن يفلحوا أبداً في مواكبة تقدمنا التكنولوجي. يمكننا استغلال الفرصة لابعاد جيشي تيْرنا وستريك عن توجيه الأسلحة أحدهما نحو الآخر. وبدل ذلك، نحشدهما على الحدود الجديدة مع العدو الجديد، لتوحيد القوى. سنجلس على مؤخراتنا وننتظر تحركهم، أو نتحرك حين نشعر بأننا مستعدون-. رافعةً أصبعي، أجذب انتباههم. -أحد الأمور التي يتوجب علينا فعلها فوراً هو بدء الحرب الإعلامية.
الحضور الإعلامي مهم. يجب أن نندد بهم علناً. فهم، بعد كل شيء، من افتقروا إلى الولاء. نحتاج لاستقطاب العامة والتأكد من إدراكهم لهوية الطاغي الحقيقي-. إن بادروا بالفعل، فلدينا سبب مشروع لسحقهم بالقوة الغاشمة. إن لم يفعلوا، فسيخسرون قريباً أمام قواتنا النامية. ألتفت لأرمق أنغرود. -كم من الوقت تحتاج لخلق مفاجأة مزعجة لهم؟ -ليس طويلاً. أمر مثل صاروخ موجه ليس مشكلة كبرى إن استخدمت السحر.
ألم نتوصل للتو إلى أن القضاء عليهم الآن فكرة سيئة؟- يسأل. -لا أود القضاء عليهم. أحتاج إلى شيء لسحق الشرايين الرئيسية للطرق. قد يحاول فصيل الحرب شيئاً معنا. يجب أن يكون الأمر سريعاً وعند الطلب، تحسباً لمحاولة زحف جيشهم إلى أراضينا- أُفسر. يفكر لبرهة ويومئ. -لا مشكلة. سأضع بعض الخطّط لقنبلة ضخمة. يمكننا تلغيم الطرق الأكبر بها. إن مرّوا فوقها، فسيُرسلون إلى الفضاء-. أبتسم على نطاق واسع.
-لا يسعني الرضا عن الموقف، لكن أظن أنه لا خيار آخر أمامنا في هذه الحالة- يعترف آرثر كرهاً. -مع بعض الوقت، قد يتسنى لي معرفة الأكثر ترجيحاً للانقلاب علينا- يضيف نيكول، وهو يربت على ظهر حاكمه الشريك. -يمكنني إخباركم مسبقاً بأن بيتي روزينكوارز وأندروس مرشحان محتملان- تقول إيريث بصوت مستو. تصيخ أذناي عند سماع ذلك. -ماذا؟ ساندرا أندروس فتاة لطيفة. لن تخون أحداً أبدا. أما جابرييل فلست متأكدة تماماً.
لكن على الرغم من كون شخصية صامتة، فما كنت لأتوقع أبدا تحوله إلى إصلاحي-. -أنا لا أتحدث عن فرد بعينه، بل العائلة برمتها يا سيلس-. صوت إيريث هادئ، ويشي بتعاطف مع صداقتي بساندرا. كובةً جماح خيلي، أومئ. إن أخبرنا أبوانا بأن هؤلاء القوم يشكلون خطراً، فهما على صواب غالباً. لا ينبغي لي الاستهانة بخبرة إيريث. لقد تعاملت مع بيوت النبلاء لسنوات، فمن أكون أنا لأحكم. -سأصدر توجيهاتي لبيت موردن لمضاعفة جهودهم في جمع المعلومات.
لا يوجد ما نعرفه قادر على كشف قدرتهم على التخفي في الظلال- تُعلمنا كاترين، ويبدو عليها الفخر بأبناء عمومتنا. -إذن سأنطلق مع نيكوسار لقيادة جيشنا. لن يكون تأسيس حدود جديدة بلا ارتكاب فظائع أمراً سهلاً. تكفي شرارة لتحويل الجمود الحالي إلى حرب شاملة-. يشير نيكول لأبيه بالانضمام إليه. يهز آرثر رأسه. -يا ليتني سحقت احتكارهم في البداية، حين امتلكت الفرصة بعد-. ينهي أبوانا النقاش حول بضع تفاصيل إضافية لكن أنغرود يتثاءب، وبادية عليه علامات الإرهاق جراء عمله.
يستأذن وينصرف عائداً إلى غرفته. متغنجةً، أستغل الفرصة لأتبعه. سأضطر الآن للتسلل إلى فراشه بالطريقة التقليدية، لكن ما إن تسنح لي الفرصة فسأجعل تانيا تسجل تعويذة إخفاء، ونوعاً من تأثير الصمت المساحي.