"أحيّ هو؟ أري، أجيبيني! أبحال حسنة هو؟"
سمعت صوتاً يناديني عن يمين. حاولت فتح عينيّ، فلم أقع إلا على ظلال، واخترقني ضوء شتّت قواي.
"أنا... أنا بخير..."
نجحت في النفث بصوت خشن. اللعنة، كنت عطشاً للغاية...
"ماء..."
"دَعْني أُنهي عملي أولاً، تعاني من تمزقات داخلية بالجملة، وقد دمّر ماناك جسدك تدميراً كاملاً. ومعك نزيف في الدماغ أيضاً، اثبت مكانك أيها اللعين!"
صاحت بي ماري.
"ما الذي حدث؟"
نجحت في السؤال.
"أنت مَن يجب عليه إخباري! شرعت فجأة في استهلاك كمية طاقة هائلة بغباء حتى تبدل شكلك أسرع ممّا أستطيع تتبعه. ويبدو أن تلك كانت طريقة ممتازة لجذب انتباه البارون، فشكراً لك، فبدل مواجهة مَن ينبغي له، خصّك بمعاملة خاصة."
شعرت بطاقته المهدئة تسري في داخلي، وتُرتق ما انكسر. تردّد صدى زئير من بعيد.
"ألم يمت بعد؟"
"لا، يمتلك نواة، وحتى مع تفجيرك لرأسه، فما زال يحاول قتلنا. وقبل أن تسأل، نحن بخير، فالآخرون يتولونه، فقط ابقَ مطروحاً."
بدا الغضب جلياً في صوت ماري.
"إيلا... أمتأكد أنك بخير؟ ماذا فعلت بنفسك؟ لم أرك بهذه الحالة السيئة إلا عندما-"
انقطع صوت ريا فجأة.
"لقد فعلتها ثانية، أليس كذلك؟!"
عظيم، لقد غضبت هي الأخرى الآن.
"لماذا لم تخبرنا برغبتك في تحوير مهارة أخرى؟! كان بإمكاننا الاستعداد! أ-أو، لا أدري! فعل شيء ما! لا يمكنك فعل الأمور وحدك دائماً دون التحدث إلينا!"
ردتني رغبة في التنهد، غير أن نوبة سعال داهمتني، وخرج بلغم محمرّ من حلقي فبصقته جانباً. كانت على حق. وكم أزعجني أنها على حق. حدث شيء مشابه من قبل، في كهف العناكب، لكني ظننت أنني تحسنت بما يكفي لألا أُعرض حياتي للخطر من أجل أمر كهذا. يبدو أنني كنت مخطئاً، أو أن السوار ومستوياتي المنخفضة كانا هما الفاعلين، وغالباً الأخير... وليتها تستمع إلى أعذاري.
"مت أيها اللعين!"
سمعت صوت كوين يصيح غير بعيد. تلى ذلك زئير، لكني لم أكن قلقاً، فسوف يقضون عليه، كنت واثقاً من ذلك.
"أنتِ على حق، جل ما في الأمر، لا أدري... أكان الوقت مناسباً؟"
"لم يكن وقتاً مناسباً!"
جاء صوتها صرخات حادة أقرب منها إلى النبرة الدافئة والناعمة التي اعتادت مخاطبتي بها.
"أخرسا كلاكما، هذا صعب، فلا تشوشا عليّ."
وضعت ماري حداً لنقاشنا القصير واستأنفت مداواتي. وجب عليّ الإقرار بأن وجود معالج في الفريق هو أفضل الأمور. فبدل قوة الحياة، كانت طاقتها أكثر هدوءاً. احتضنتني وركزت أساساً على إصابات وضعني البتة، آخذة في التحسن ثانية بعد ثانية. استغرقني الأمر أياماً فيما مضى لأستعيد كامل قواي، أما الآن... فالأمر لا يعدو بكونه دقائق معدودات.
"أجل! كيف كانت تلك؟!"
سمعت كوين تصيح مجدداً بينما هوى شيء ثقيل.
"أجهزوا عليه فحسب!"
اخترق صوت أليا الضوضاء.
"اتركوا القضاء عليها للفتاة!"
قال ماركوس، لكنني لم أتبين مَن ستظفر بالضربة القاضية. فالفتيات كثر في عيني ماركوس، وهو في أوائل عقدِهِ السابع... أبقيت عيني مغمضتين واكتفيت بالاستراحة، فقد نَفِد عقلي، ونفدت إرادتي معه. استنزفتني اللعنة والحيلة التي نفذتها لدرجة لم يتبقَ عندي ما أقدمه. لا... لا أستطيع السماح لنفسي بالتفكير على هذا النحو. وجب عليّ زمّ الزمام والسيطرة على الموقف. علمتني ميڤلين تقنية استشفاء صباح اليوم ذاته، وستكون أفضل من لا شيء...
تخيلت ببطء التدفق اللازم لتنفيذ تقنية الهالة التي حشرتها ميڤلين في رأسي. بدا الأمر أصعب قليلاً من الهين، غير أن لا صلة له بجسدي المتضرر، بل بإرادتي وهالتي الخالصة. طُلب مني توخي أقصى الحذر، فستحدث التقنية الفوضى إن نفذتها بشكل غير سليم، لذا أخذت وقتي وجعلت هالتي تنساب على الوجه الصحيح. كان الأمر عسيراً، لكن غياب ميڤلين عن عرقلتي بنشاط جعل التجربة أيسر بكثير، رغم حالتي الفعلية.
دفعني ذلك للتفكير بمدى براعتها كمعلمة... أو سوءها. طردت الفكرة من عقلي. لا أهمية للأمر في الواقع، فهي المعلمة الوحيدة التي امتلكتها، لذا غدت نقطة بلا جدوى. وبينما عملت ماري على جسدي المادي، اشتغلت أنا على تدفقي. نجحت في تشكيل الدارة بأكملها، حتى وإن لم تكن العقد مصطفة بدقة بعد. بذلت قصارى جهدي لتنسيقها، وبدأت ألمس تحسناً بالفعل، طوال تلاشي تأثير اللعنة تدريجياً عن نفسي وجسدي.
زفرت نفَساً لم أكن أعلم أنني احتبسته.
"أأفضل حالاً؟"
سألت ريا. كاد السؤال أن يفسد عليّ عملي، وكان ذلك سيكون سيئاً. أومأت لها برأسي ومحافظاً على إغلاق عينيّ. مضت الأمور هكذا لبضع دقائق، وسط سماعي لشتائم وصياغات في الخلفية. ويبدو أن الفتيان لم ينتهوا بعد من قتل المخلوق، وستكون صعبة شاقة صيد النَّواة منه... شعرت بتوقف ماري عن العمل عليّ، فأوقفت بدورها تقنية استعادة هالتي وفتحت عينيّ.
"استنفد ذلك مني الكثير، رغم كون بنْيَتِكَ الجسدية على ما هي عليه الآن... إلياس، عليك توخي الحذر، كدت تموت."
قالت. اقترفت خطأً فادحاً بالظن أنني قادر على تدبير ذلك بلا عواقب وخيمة. يجب أن أقلع عن هذا التكبر.
"أنا متفهم، لن يتكرر الأمر."
نظرت إليّ بشك، لكنها نهضت من فورها واتجهت لتتفقد الآخرين أيضاً.
"أتمنى ألا تقول ذلك لمجرد إبعاد ماري عن طريقك، فهي تهتم لأمرك، أتعلم؟ تكره رؤية الناس يعانون، ولهذا غدت ممرضة. وإيلا... أكره رؤيتك تعاني أيضاً. أرجوك، لا... لا تفعلها مجددة."
تجمعت الدموع عند مقلتي عينيها، وقد أفسد الدمع زينتها بالفعل. راودتني رغبة في التنهد مرة أخرى، فلماذا أُمعن في إيذائها كل مرة؟ كان عليّ فعل ما هو أفضل. أربعة أيام أُخر فحسب، ثم أنزع هذا السوار الأبله وأمضي لأزيل لعنتي نهائياً. لن يقف في طريقنا بعدها سوى أدريان. بإمكاني فعلها، وسأفعل.
"لن أفعل، يا حبيبتي."
استخدمت ذراعاً ملطخة بالدماء لأداعب خديها. وضعت كفها على كفي وبقينا هكذا برهة، ثم فتحت عينيها وحدقت في عينيّ مباشرة.
"أكان الأمر يستحق العناء على الأقل؟"
تغيرت نبرتها، وبدا جلياً أنها تجبر نفسها على الابتهاج، غير أن سماعها هكذا ألمني أكثر. ابتسمت لها، ولا بد أن ابتسامتي كانت قبيحة لكونها لم تبدُ بأحسن حال بعد فعلتي.
"في الواقع، ما زال يتعين عليّ التحقق، امهليني لحظة."
أومأت برأسها بينما فتحت لوحة حالتي وتفحصت الإشعارات الأخيرة. وسط مزيد من البعوض الميت، استقر ما كنت أبحث عنه. استدعيتها مجتمعة وشرعت في القراءة. ────────────[إشعار النظام]الرمح الانتروبي يعاني من عدم استقرار. تجاوز إجهاد الماتريكس الحدود المعايرة. التماسك الهيكلي يتدهور تحت تعزيز متعدد الطاقات المستدام.
[تحذير]تم رصد إجهاد ماتريكس المهارة.
الرمح الانتروبي يُدفع رغماً عنه إلى ما وراء المعايير المقصودة. التماسك الهيكلي يتدهور تحت تعزيز متعدد الطاقات المستدام. الاستمرار سيؤدي إلى انهيار دائم للمهارة. ──────────── [تحذير]تم رصد إجهاد ماتريكس المهارة.صُمم الرمح الانتروبي لتلاقي الطاقة المؤقت، والاستخدام الحالي يتجاوز الوظيفة المقصودة. السلامة الهيكلية تتدهور. ──────────── [تحليل النظام]تم رصد تفاعل طاقي.
الهالة والمانا وقوة الحياة تندمج قسراً داخل إطار المهارة. هذه العملية غير مدعومة من النظام. ──────────── [تحذير]فشل تناغم الطاقة. مستويات عدم الاستقرار تتصاعد. احتمالية الارتداد: 87%انهيار المهارة وشيك. ──────────── [تنبيه النظام!]نية المستخدم تتجاوز قيود المهارة. سلوك المهارة لم يعد يطابق التسمية الأصلية. الرمح الانتروبي يتأقلم مع سوء الاستخدام المتكرر. ──────────── [إشعار النظام]تعرض الرمح الانتروبي لتصدع حرج في الماتريكس.
المهارة معرضة لخطر التدمير الدائم. ──────────── [تنبيه النظام!]هالة الكسوف الساقط تمنع بفعالية تفكك المهارة. الهالة توازن تفاعلات الطاقة غير المستقرة. تم رصد إرادة المستخدم. الروح الجامحة توازن تفاعلات الطاقة غير المستقرة. ──────────── [تحليل النظام]تم رصد رنين سمات:تشكيل الأركان، الأركان المطلقة، وهالة الكسوف الساقط في حالة رنين. تم تجاوز عتبة الرنين. مسار تطور المهارة غير متاح.
تم اختيار مسار بديل. تم التصريح بالتحور القسري. ──────────── [تحديث النظام]الرمح الانتروبي يخضع لتحور قسري. التحور جاري... ──────────── [إشعار النظام]الرمح الانتروبي لم يعد متاحاً.تم تفكيك بنيَة المهارة السابقة. ──────────── [معالجة النظام]استقرار التحور: 34%استقرار التحور: 61%استقرار التحور: 89%استقرار التحور: اكتمل. اكتمل تصلب المهارة. ──────────── تهانينا!لقد حصلت على مهارة جديدة: التقارب الفوضوي ──────────── التقارب الفوضوي؟
أمر مثير للاهتمام، غير أنني لاحظت شيئاً ما. بالنظر إلى الإشعارات... ثمة المزيد مقارنة بالمرة السابقة. بدا النظام أكثر تورطاً في هذه المرة لسبب ما، ولعل ذلك لكونها ليست مهارة قائمة على الهالة هذه المرة؟ لم تكن عندي أي فكرة، ولم يكن التخمين ليجديني نفعاً هنا. لذا فتحت اللوحة لقراءة المهارة الجديدة. استشعرت وظيفتها بالفعل، لكنني أردت معرفة كيف صنفها النظام. ──────────── التقارب الفوضوي المستوى 1 دمج طاقات متعددة في كتلّة واحدة متكاملة.
تكتسب التجليات خصائص جميع الطاقات المستخدمة في خلقها. وتنوع الطاقة الأكبر يضاعف القوة وتعدد الاستخدامات وعدم الاستقرار بشكل أسي. فقد السيطرة قد يسفر عن آثار لا يمكن التنبؤ بها أو فشل كارثي.
──────────── "إذن؟"
سألت ريا بعد صمتي الممتد.
"أهوه، لقد كان يستحق العناء، استحق الموت وشيكاً في سبيله..."
لأنني أدركت أن هذه لم تكن نهاية المهارة، أبداً. أشارت الوصف إلى التجليات... إن كانت لفكرتي وجاهة، فربما أضاعف قوتها أضعافاً مضاعفة، وأظفر بإنجاز آخر في الوقت ذاته. الكثير بانتظاري لأفعله...