شعرت بعدم ارتياح. كان المكان مظلماً ومميزاً بضوء ساطع في آن واحد، أفكاري تدور، وأنا أدور... بحق الجحيم، ماذا يجري؟ حاولت فتح عينيّ، لكن لم تكن هناك عيون لأفتحها، وكل ما حولى كان مشهداً متغيّراً بلا انقطاع من الصور، والناس، والأماكن، والوجوه... شعرت برغبة في القيء، ثمة خطب ما بي، ولم أستطع تذكر آخر ما حدث قبل أن أجد نفسي هنا، لكن أين كان هنا؟
"أين أنا؟"
سألت الفراغ، شعرت كأنني في حلم، لكن لم يكن هناك حلم، بل سلسلة من الأنوار والصور المتدفقة بلا توقف، لا... ليست صوراً، بل ذكريات... كنت أرى بعض الوجوه التي أُدركها وسط تلك الأنوار المومضة والمتدفقة. آليا... كانت بملامح مختلفة، ترتدي درعاً، لكنها هي، وعيناها تشتعلان غضباً بينما هبط سيفها على... شخص ما. رأسي... لماذا كان تذكر الأمور مؤلماً إلى هذا الحد؟ رأيت ومضات من ماضيّ، وعائلتي، وقبلتي الأولى، وتعويذتي الأولى، والمرّة الأولى التي سافرت فيها خارج راغت، عالمي الأصلي.
عالمي ماذا؟ لا! ما هذا؟ احتجت إلى أن أرى! احتجت إلى أن أعرف! تغيرت الومضات، ذكريات مختلفة، حياة أخرى، تشوبها لعنة، عائلة مختلفة، أب قاسٍ، أم محبطة، أخ... أخي. أكان لا يزال حياً؟ أكان الجميع لا يزالون أحياء؟ أم ابتلعهم التدريب التمهيدي؟ لم تكن لدي أي فكرة، انتظر! التدريب التمهيدي، كنت في التدريب التمهيدي، تشبثت بهذه الفكرة كتجاسر غريق بقطعة خشب طافية. ثبتتني، وصرت أستمر في التطلع حولى، وما زالت الصور تتدفق أمامي، وخلفي، ومن فوق ومن تحت وفي كل زاوية أخرى...
كانت الصور تتدفق إلى داخلي. كان الأمر ساحقاً، والذكريات تعود لتطاردني، أكانت كلها ذكرياتي؟ لم تبدُ وكأنها تخصني، كان هناك الكثير جداً هنا مما لم أتذكره، أم تراه فعلت؟
"اهدأ."
جاء الصوت من كل مكان، صافياً ونقيّاً، وله طابع سماوي عجزت عن تحديده. ولم يكن صوتاً حقيقياً، بل أشبه بفكرة، فكرة تسللت إليّ وأحاطت بي تماماً.
"من أنت؟"
سألت، وبدا صوتي الخاص غريباً، صارماً، أصرم بكثير مما اعتدت التحدث به.
"السؤال الحقيقي هو من أنت أيها السيد! هذا رائع حقاً!"
عما كانت تتحدث، هي؟ نعم، الصوت، بدأت أستذكره، كانت ميفلين، لكن من تكون ميفلين؟
"يا للهول، أنت تستعيد وعيك بسرعة كبيرة، ألا يمكنك الاسترخاء لفترة أطول قليلاً؟ إن سمحت لي بإلقاء نظرة فقد أتمكن من مساعدتك في مشكلتك."
لم أكن أشعر برغبة في الاسترخاء، بل شعرت برغبة في الهجوم، لكنني فعلت ذلك على أي حال، كنت أعلَمُ أن كلماتها كانت حقيقية وصادقة، كيف عرفت؟ لم أدرِ، لكنني عرفت. ما إن تخلّيت عن شيء ما، حتى صار عقلي بليداً من جديد. كرهت ذلك، هذا النقص في السيطرة، لكنني احتفظت بجزء مني، جزء من وعيي، بما يكفي لأشعر بأن الصوت يفعل شيئاً، يفحصني ربما؟
"ماذا تفعلين؟"
سألت، وبدا صوتي ألطف بقليل من ذي قبل.
"ألقي نظرة على روحك فحسب، تلك لعنة خبيثة حقاً تلك التي تصيبك! وقد ضربت جذورها بعمق شديد أيضاً، أخشى أنه حتى لو رغبت في ذلك فلن أكون قادرة على فعل شيء حيالها، لكن ربما... دعني أجرب شيئاً ما..."
عما كانت تتحدث؟ أي لعنة؟ وماذا عن روحي؟
"انتظر لحظة أخرى فحسب..."
شعرت بصوتها يجهد وهي تقول ذلك.
"كيف الأمر صباً هكذا؟ هذا سخيف... هي يا سيد! هل تشعر بتحسن إن فعلت هذا؟"
بعد لحظة من انتهائها من الكلام، تفجر ألم حارق في مكان عجزت عن إدراكه، لكنني شعرت به. حاولت الصراخ، لكنني عجزت، كان قوياً للغاية، وجباراً، لم أعهد ألماً كهذا قط، ولا حتى حين سممني النيسكاري، لم أختبر قط بمثل هذا الألم، جعل عقلي يفرغ تماماً، وسترت روحي ترتجف، وتتراجع هلعاً من الألم.
"عذراً، هذا ليس المرساة، آسفة، دعني أجرب هنا..."
لا، ارجوك لا تجربي مجدداً، الأمر أكبر من أن يتحمل... لفحني دفعة ألم أخرى، عنيفة جداً ونقية للغاية، حتى إن الصور المتدفقة ما عادت سوى سراب، وبات مستحيلاً الآن فهم أي شيء سوى الألم. لم أستطع الكلام، ولم أستطع التواصل بأي شكل، ولم أستطع حتى التفكير باستقامة... أردت فقط أن ينتهي الأمر، ارجوك اجعله ينتهي. وكأن الصوت سمعني فتوقف الألم فجأة.
"أها! لقد وجدته! اصبر معي لحظة أخرى، أعلم أعلم أنه أسوأ شعور اختبرته قط لكنه ضروري! عاجلاً أم آجلاً، كانت أمي ستتمكن من فعل ذلك بسلاسة أكبر بكثير، حسناً، حسنآً، بسلاسة أكبر بكثير، لكنها ليست هنا أليس كذلك؟ لقد ظفرت بي، وأنا أفضل ما يمكنك العثور عليه، في الواقع يجب أن يكلفك هذا أكثر مما تستطيع جمعه طوال حياتك لقاء هذه الخدمة، لذا كن ممتناً ولا تتلوّث كثيراً."
لا! لا! أرجوك لا مزيد! حاولت المقاومة، كحيوان في قفص، ينخسه سيد قاسي الفؤاد ولم أستطع فعل شيْ، حاولت، حاولت حقاً، لكن لم يكن هناك ما أفعله، لم أستطع رؤية مكان وجودها، ولم أستطع استشعار مكانها، أو ما كانت تفعله، ولم أستطع استشعار نفسي حتى، سوى الألم، ذلك العذاب الهائل الذي كان سيجعلني أصرخ بحرقة حتى يتبدل صوتي لو كنت مسيطراً على جسدي. ثم، زال فجأة، ومع زواله تلاشى ثقل لم أكن أدرك وجوده.
وجدت نفسي قادراً على التفكير مرة أخرى، وعلى الكلام، حتى وإن لم يكن لدي فم أتكلم به.
"ماذا فعلت بي؟"
كنت غاضباً، وانعكس ذلك على صوتي، وبدو المكان الذي كنت فيه غاضباً أيضاً، فتغير تدفق الذكريات، وكلها كانت ذكريات معارك: قتال، قتل، لكم، إطلاق تعويذات...
"لقد أصلحتك أيها السيد! يجدر بك أن تكون أكثر امتناناً لذلك أتعلم؟ حسنآً، لقد أصلحتك مؤقتاً في أفضل الأحوال، لكنني فعلت! وسوف ترى الأثر ما إن تعود إلى جسدك."
لم يكن كلامها معقولاً... أصلحت ماذا؟ وما ذلك الثقل؟ وأين كان جسدي؟
"فقط لا تقومي بذلك مجدداً، الألم... لا أستطيع."
"نعم، أعلم أنه ليس لطيفاً، لكنك تقبلته كبطل! الآن يمكنني إعادتك، لكن حاول أولاً لمس الجواهر، صدقني، سيكون مفيداً لك للغاية. سأمهد الطريق."
الجوهر؟ أي جو- فجأة تفرقت ستارة الصور والذكريات، وكل شيء لتتيح لي الرؤية. رأيتها حينها، كرة لكنها لم تكن كرة... كانت أنا، لكنني لم أكن سوى جزء صغير منها، وكان هناك الكثير مما لم يكن أنا، الكثير جداً... بدت عملاقة من منظورى، وبدأت أغطس فيها، وشعّر الأمر كالسقوط من الفضاء نحو الغلاف الجوي، مقترباً أكثر فأكثر للاصطدام بذلك... الشيء. ذلك الشيء المظلم والمشوّه، لم يكن طبيعياً قط...
كان هناك خطب ما. أردت أن أصرخ في وجه الصوت لأجلّ، وألا تفعل، لم أستطع الذهاب إلى هناك، كنت أدرك أنها ستكون وجهة لن أستطيع العودة منها، لكنني لم أستطع الكلام، ولم أستطع التحرك بمفردي، ولم أستطع سوى الغطس في ذلك الظلام الدامس والمتلاطم. ثم، ما عُدت موجوداً.