اتسع النفق الصخري أكثر. بدت الجداريات وكأنها مُلصقة بنوع من الملاط الحيوي، مما منح المكان طابعاً غريباً. كان الانتقال تدريجيّاً طوال الدقائق الأخيرة، لكنه بلغ الآن حداً غيّر الأجواء برمتها. ذاك، إلى جانب الرائحة. كان التقيؤ أمراً يصعب مقاومته. رائحة اللحم المتعفن طاغية لدرجة تكاد تُذاق، يراها المرء في الهواء مع مسحة حلاوة أثارت رغبتي في الإقياء. التنفس من الفم لم يكفي لدفع النتن، لكنه ساعد.
قال صوت آليا التي عجزت عن الوصول إلي وسط الطنين الهائل الذي يملأ هذه الممرات: "هذا فظيع".
كانت كلماتها الأولى بعد نوبتها الكلامية الطويلة، لكنها دلت على الأقل على أن عقلها حاضر في المعركة، وبدت في الواقع بحالة أفضل بكثير من ذي قبل. أعتقد أن فكرتي نجحت. اللعنات التي زرعتها فيها، إلى جانب فكرة احتمال قيام شيء بيننا في المستقبل، زادت من حماسها لهذه المعركة. كنت أتمنى أن يكون هذا تغييراً نحو الأفضل.
"نعم، سيكون الأمر أسوأ بكثير في الأمام. يبدو أنه من الشائع في أوكار الحشرات أن تُنتج نتانة تبلغ عنان السماء".
فعقّبت: "العناكب ليست حشرات".
"مع ذلك، فهمتِ ما أقصده".
ما تلقيته كان مجرد همهمة تحولت إلى شهقة مع انعطافنا عند الزاوية الأخيرة. تجسدت في داخلي رغبة مفاجئة في تسوية هذا المكان بالأرض ثم إحراق ما تبقى. انفتح النفق الواسع أساساً على فضاء عملاق. جهلتُ مداه، لكننا كنا على ارتفاع كبير. غطت الأنفاق الجدران بلا اختلاف يُذكر عن نفقنا، غير أن ما لفت الانتباه كان العدد الهائل من الحشرات الطائرة جيئة وذهاباً، حاملة جثث الوحوش وغيرها من المسوخ نحو حجرات وتغليفها في بنية شبيهة بخلايا النحل تماماً في وسط الخلية.
قالت آليا بذعر: "أهل هم يصنعون العسل؟ لا يمكن أن يكون عسلاً أصحبتُ على حق؟ يبدو ذلك الشيء أشبه بدم متخثر... أرغ... أكاد أتقيأ".
"محتمل، بل لدي إحساس بأنه جائزتنا، وربما يرفع خصائصك بطريقة ما، أو يحمل نوعاً من التأثير السحرّي".
"مسوخ لعينات، وحدها تستطيع صنع شيء بهذه المقته".
"في الواقع هناك أنواع من الدبابير أو النحل تصنع العسل من اللحم، لكنني يعجزني حقاً إعطاؤك اسماً دقيقاً الآن".
"أشياء لعينة مقيتة في كل مكان، أريد حقّاً أن أ-".
غطى طنين هائل كلماتها حين طار شيء عملاق من نفق عجزت عن رؤيته من هذه الزاوية. كان بحجم سيارة. عقرب... وله أجنحة، وبدا أشرس من أي شيء آخر هنا. اكساه سواد مصقول مع لمسات حمراء تمكنت من رؤيتها حتى بعيني، فلا بد إذن أنها سحرية بطريقة ما، إلى جانب رسم غريب بذات اللون على ظهره. تدلى ذنبان منه، وعلى عكس العقرب العادي، كانا بزاوية معكوسة لمهاجمة البشر من الأسفل لا الأعلى.
كانت الكلاّبات عملاقة والمخالب الأخرى شديدة الحدة غالباً، غير أن الأجنحة هي ما برز أكثر من غيره. كانت خضراء، وإن لم تخدعني عيناي، فلم تكن مادية. بل تتألف بأكملها من نوع من الطاقة.
سمعت آليا تمتمة بصوت منخفض: "تباً لحياتي".
كان تقييماً سليماً. كان هذا الكائن وحشاً بين الوحوش، لكنه ظل لحسن الحظ دون المستوى المئة. شعرت بهوة شاسعة بينه وبين الثعبان الذي حاربته، لكن هذا لا يعني الاستخفاف به.
"أتزالين ترغبين في مواجهته؟"
"...نعم، لم أقطع كل هذه المسافة لأستدير عند خط النهاية. علمتُ أن هذا الشيء سيكون خطيراً، وسأواجهه على أي حال. فقط... أشغلي الوحوش الأخرى".
"أعمل على ذلك بالفعل".
وكنت كذلك. نشرت شحنات من اللعنات الفتاكة في كل مكان. أبطأت حركة الوحوش حتى بدا حركاتها المحمومة شبيهة بطيرانها العادي المعتاد. بدأ معظمها يفقد الارتفاع أيضا، إذ تحركت أجنحتها ببطء شديد يعجزها عن الطفو. أدى هذا لتقليص الوقت الذي يستغرقه أغلبها لإدراك وقوع الهجوم، مما منحني وقتاً أطول لنشر اللعنات، ورغم ذلك، لا بد أنها امتلكت فرمونات أو وسيلة تواصل مكافئة سحرياً، إذ بدأ الزعيم الكبير بالتوتر.
قلت لآليا: "دقيقة واحدة فحسب. بعد الانفجار الكبير، هاجمي البارون".
"ماذا تقصد بالانفجار الكبير؟"
ابتسمت بسخرية.
"سترين..."
أغمضت عيني مركزاً على حواسي أكثر. غاب أغلب الحشرات عن ناظري، وكان المكان ضخماً. منحتني مهارة الإدراك السحري مساحة أكبر بكثير بعد زيادات الخصائص. شعرت بلعناتي وهي تدخل وحوشاً جديدة ثم تتمدد. استعخدمت حالات من عتبة الخبث لتكثيف اللعنات قبل أن تتبدد قوتها كثيراً، دون دفعها لتجاوز العتبة، فمع هذه الوحوش لم يكن الأمر مطلوباً. ما تطلبه الأمر استنزاف المزيد منها. رغم خصائسي الجنونية، لن يكفي مخزون مانا العادي الخاص بي لإنجاز عشر هذا الأمر.
بلغ الجنون بالزعيم مبلغه الآن، إلى جانب سائر الحشرات المتجمعة نحو موقعنا من الخارج. لا أقول إنها لم تفعل ذلك من قبل، لكنها الآن كانت بأسرها تحاول القدوم إلى هنا. انتظرت لحظة أخرى حتى يشرع الزعيم في الطيران، ثانية واحدة فقط... ممتاز. ابتعد الزعيم بما يكفي عن أي وحش آخر، بل كان قادماً في اتجاهنا. ما كان لآليا أن تطلب مسرحاً أفضل. رفعت يدي بمستوى كتفي ثم نقرت أصابعي.
بوووووم! دوى انفجار وحيد من كل مكان. ماتت الحشرات كلها في آن واحد. تناثرت قطع الكايتين، والليمف الدموي، واللحم مع الدوي. تيقنت من انهيار بعض الأنفاق، بل واهتز المكان. التفتت آليا إليّ صارخة وسط الضجيج المدوّي.
"أجننتَ!؟"
"تحركي فحسب! لن تحصلي على فرصة أفضل!"
عنيداً قصدتُها. كان الزعيم أسفلنا قليلاً، ساكناً وسط الفوضى، ولربما مذهولاً بموت أقرانه أجمعين. جزّت آليا على أسنانها ثم تراجعت خطوتان للخلف، واستلت سيفها العظيم راكضة نحو فتحة النفق. صاحت بشيء وهي تقفز نحو الأسفل، لكني لم أبصره. مع ذلك، راقبتها تطير كصاروخ هابطة نحو البارون. رأيت نصلها يتوهج بلهيبها العنابي المميز، ثم بدأ ضوء ساطع آخر يغلفه، أكثر إشراقاً وغضباً.
الضوء ذاته الذي استعملته مع جامع الجثث، هالتها. حبست أنفاسي ناظراً إلى المشهد. أودتها سقطتها تماماً فوق الوحش، ممسكة بالسيف العظيم بقبضة معكوسة، ومستعدة لغرزه. لحظة التلامس، عاينت الشرر حين التقى النصل بالكايتين، لكنه بعد انزلاقه قليلاً غاص النصل بين صفيحتين مسافة ياردة جيدة. سددت قدميها نحو الوحش بالتزامن، لتجعل هبطتها إياه يهوي للأسفل. بعد هنيهة، أبصرت وميضاً أحمر وفحيح البارون الحاد حين اخترق نصل الهالة من الأمام.
لا بد أن آليا فجرت مهارتها داخل الوحش، مما ألحق به ضرراً هائلاً. كانت تمتطي الوحش هابطة إلى قاع الخلية. قفزت لاحقاً لتتبعها، مجهزاً رمحاً ضخماً مفعماً بالطاقة. لا يليق تعريض حياتها للخطر بلا طائل. أحسست بأنها قبضت على البارون، لكن الحذر واجب. لو حدث شيء سأتدخل. شعر البطن المتقلب عند السقطة كالعادة، هائل. بدأت في استخدام هالتي لإبطاء نفسي في المنتصف، ملاحظاً نجاح آليا في استخراج النصل واستعدادها لتلويحة أخرى، ولكن قبل تمكنها من فعل أي شيء، صفها أحد الأذناب الذي ظننت أنه يعجز عن بلوغها من الخلف.
أطلقت صرخة حين تعرضت للطم جانبي، مصطدمة بالبنية المتمركزة في وسط الخلية، ومطلقة رذاذ المادة الحمراء اللزجة قبل الارتطام بالأرض بقوة. تباً، ليس أمراً جيداً. فقدت سيفها أثناء السقطة، ومددت على الأرض، مرجحاً معاناتها من ألم مبرح. خصائص أم بلا خصائص، السقطة بتلك السرعة بعد لطمة من عقرب بحجم سيارة لا تبشر بخير. أأتدخل؟ حاول العقرب بدوره تقليب نفسه للأعلى، لذا ملكت ثانية واحدة، ولكن.
"آليا!"
"أنا بخير! آآآرغ!"
هتفت رافعة نفسها قليلاً من وضعيتها، لترتطم كتفها بالأرض بعد ذلك.
"تــبّاً!!"
آخ، لا بد أن هذا آلم بشدة. كتف مخلوعة؟
"أنا قادم!"
"إياك والجرأة اللعينة! أستطيع فعلها بنفسي، تلك العاهرة مِلكي!"
أبصرت عينيها متقدتين بهالتها، إشراقة حمراء تختلط بزرقتها السماوية لتحولها إلى لون بنفسجي ناري. حسناً أيتها الفتاة، سأترك الأمر لك، لكنني سأراقب. لن أدعك تموتين.