أندرمايند الفصل 9 — روهيلدي

اقرأ أندرمايند الفصل 9 — روهيلدي باللغة العربية على مانجا تايم.

بدت ساسكيا، بحكم كونها متصوّلة، معتادة على تذوّق شتى العجائب. أشياء تتلوى. أشياء تنزّ. أشياء تحاول التهامها. لكنها المرة الأولى التي ترى فيها طعامها ينهض ويبدأ في جرّ نفسه على الأرض، بعد أن أتت على معظم وجبتها. والطعام المعني هنا لم يكن سوى ما تبقى من شبيه الماعز الجبلية الذي نحرته يوم ظهور روهيلدي. كانت تحتفظ به في ركن ناءٍ، بعيداً عن النار، حيث تماثل برودة الجوّ تلك التي داخل الثلاجة. تسرّبت لحوم كتفي الحيوان وخصرتيه وجشمه وأطرافه العليا إلى الحساء واليخنات وشرائح اللحم التي تلذذن بها طوال الأيام الماضية، لتترك الكثير من عظامه عارية وأحشاءه متدلية. ظلت ساسكيا تدخر تلك الأحشاء لوقت لاحق، حين تتاح لها فرصة الأكل على حدة. لم تكن تدري كيف ستكون ردة فعل روهيلدي إن رأتني أتخم بطني بالأمعاء. إلا أنه لم يعد هناك أي احتمال لأن تقرّب تلك الأحشاء من فمها مطلقاً. ليس بعد الآن. ليس بعد... أياً يكن الجحيم الذي حدث للتو. رمشت روهيلدي بعينيها وهي تنظر إلى الجثة التي كانت قبل لحظات تتوسد ساقيها. التفتت إلى ساسكيا وتمتمت بكلمات تبدو شبيهة جداً بـ: "أوه، تباً." ثم عرجت عائدة إلى فراشها واستغرقت في النوم فوراً. حدقت فيها ساسكيا بذهول مطبق. صاحت: "لا يمكنك العودة إلى النوم هكذا بعد أمر كهذا!" لكن الإجابة الوحيدة التي تلقتها كانت غطيطاً. تمتمت ساسكيا بتذمر حول الأقزام المجانين، وجرت الجثة خارجاً نحو الثلج، ممسكة بها على مسافة ذراع تحسباً لتحركها من تلقاء نفسها مجدداً، ثم دفنتها. لم تكن ساسكيا تنوي مشاركة هذا الكهف مع الموتى الأحياء. إن تركت ذلك الشيء بالداخل، فكل ما تخشاه أن ينتهي به المطاف مقضمًا وجهها. وقد يستغرق نمو وجهها مجدداً أياما طوالا. حتى بعد مواراة البقايا بأمان، نامت ساسكيا نوماً مضطرباً. غزت أحلامها جثث متزحفَة تصدر أصوات صرير وقعقعة وكشط وهي تشق طريقها عبر سراديب عقلها. استيقظت وهي تشعر بالبلادة والغشاوة، بينما ما زالت أصداء كابوسها ترنّ في أذنينها. كانت روهيلدي قد استيقظت بالفعل، ولم تعد داخل الكهف. راود ساسكيا شعور لبرهة بأن القزمة قد تسللت هاربة في جنح الليل، لكن نظرة خاطفة على خريطتها أظهرت علامة زرقاء مألوفة عند مدخل الكهف. وجدت روهيلدي جالسة على الحافة، شاصّـة ببصرها نحو السماء الصافية التي تسبق الفجر. أو هكذا تبدو بقدر ما تسمح به سماء محجوبة بأغصان عملاقة. لم تكن القزمة تفعل بأطرافها شبه الملتئمة أي صنيع حسن بجلوسها هنا في البرد. قاومت ساسكيا رغبة عارمة في الإمساك بكتفي روهيلدي وهزّها بعنف حتى تتقيأ بعض الأجوبة. لم يكن بمقدور القزمة منحها تلك الإجوبة حتى لو أرادت ذلك. عجزتا عن تبادل أكثر من بضع كلمات من لغة كل منهما. وما كانت تبغيه حقاً هو تجنب عداء القزمة. كانت روهيلدي أول شخص تقابله في هذا العالم لم يفرّ صارخاً ولم يحاول قتلها. لذا، كظمت غيظها، وجلست بصمت بجانب القزمة، تتأمل أولى أشعة الشمس وهي تطل فوق سفح الجبل المجاور... ...ثم تتأمل الشمس وهي تتعثر عائدة خلف المنحدر مجدداً. تنهدت ساسكيا. أطلقت روهيلدي خواراً مشوباً بالاشمئزاز وقالت: "أوه، يا لها من ختلة." كادت ساسكيا تتدحرج ساقطة من على الحافة. قالت لاهثة: "ماذا قلتي للتو؟" بالطبع، لم يكن المدهش ما قالته القزمة، بل حقيقة أن ساسكيا قد فهمتها بالكامل. حدقت روهيلدي فيها ببلاهة. حينها أدركت ساسكيا أن القزمة لم تتعلم التحدث بالإنجليزية فجأة بين عشية وضحاها. بل إن ساسكيا هي التي تعلمت القزمية فجأة. أما ما خرج من فمها فكان لغة إنجليزية بسيطة وعادية، والتي ما زالت تبدو لروهيلدي مجرد طلاسم مبهمة. حاولت مجدداً. "هل أتحدث لغتَ... كلا، ما زالت إنجليزية. اللعنة!" أصدرت روهيلدي خواراً وأمالت رأسها جانباً. "لا أفهم ما تحاولين قوله يا ساشكي." لم تكن ساسكيا خبيرة لغات. لم تتحدث قط سوى الإنجليزية وقليلاً من اليابانية المتفرقة التي التقطتها من مشاهدة الكثير من أعمال الأنمي المترجمة في مراهقتها. حسناً، أضف إلى ذلك بعض الكلمات القزمية المتناثرة التي تبادلتها مع روهيلدي بالأمس. لكن الآن، وكأن مفتاحاً قد قُلب في عقلها، باتت تفهم هذه القزمة تماماً. كان شعوراً غريباً للغاية. كأنها تمتلك تطبيق ترجمة سحرياً داخل رأسها. لكن على عكس تطبيق هاتفها القديم، لم يكن هذا فاشلاً! ولسبب ما، بدت روهيلدي تتحدث بلهجة اسكتلندية تقريباً. لم يكن لهذا أي معنى، فهي لم تكن تتحدث أي لهجة إنجليزية، وكانت ساسكيا متأكدة تماماً أنها ليست الغيلية أيضاً. كيف للغة لم تسمعها قط أن تبدو اسكتلندية؟ أو ربما لم تكن كذلك. ربما كان الأمر كله مخاضاً في عقلها. لابد أن تلك الأفلام والألعاب التي تضم أقزاماً اسكتلنديين قد تركت بصمتها في لاشعورها. إذن، الآن وقد تحدثت قزمة حقيقية بلغة لا تشبه أي لغة على الأرض، ألن تلون توقعاتها ما تسمعه؟ زاد هذا الأثر غرابةً حقيقة أن روهيلدي لم تكن تبدو اسكتلندية بأي شكل، أو حتى قريبة من قزمة خيالية نموذجية، إن جاز التعبير. هكذا تعمل هذه الأمور بطرق غامضة. على أي حال، المهم هو أنها تعمل. نوعاً ما. باتت الآن تفهم القزمية، ولكن فقط حين تُوجه الخطاب إليها. لم تستطع قول الكلمة القزمية لما يعادل، مثلاً، الراوند (إن وُجد الراوند أصلاً في هذا العالم)، لأنها لا تعرف القزمية فعلياً. كان هناك فقط هذا الشيء داخل رأسها يضفي معنى على ما تسمع. كيف أفعل هذا؟ فكري يا عقل، فكري! نقرت بصلية إصبعها على جبهتها. ثم أدركت أن روهيلدي باتت تنظر إليها بنظرة شفقة. يا له من مظهر ينم عن العقل السليم، أيتاها البلهاء الغبية. تمتمت روهيلدي: "يخيل لي أنها مصابة بلوثة طفيفة في رأسها." أفلتت ساسكيا قائلة بالإنجليزية: "أنا لست مجنونة!" حدقت في المرأة القزمة. ثم ألقت نظرة على الخريطة الشبحية العائمة في الهواء أمامها، ورفعت بصرها نحو الأغصان الضخمة بشكل مستحيل في السماء، وأضافت بتردد: "...أظن ذلك؟" استرجعت ساسكيا ما قاته روهيلدي. الكلمات الفعلية، لا مجرد ما أخبرها به مترجمها السحرية عن معناها. قلبت العبارات القزمية في عقلها وفككتها. أجل، للكلمات المفردة معانٍ أيضاً. يمكنها استخدام تلك الكلمات... قالت ساسكيا بتلعثم... بالقزمية: "أنا... لست... مصابة بلوثة في الرأس!" كانت تتحدث القزمية! اتسعت عيناها روهيلدي. "أوه، أنت مليئة بالمفاجآت حقاً!" "أنا أحاول..." تلاشى صوت ساسكيا. في هذه اللحظة، كانت حصيلتها اللغوية أصغر من أن تقول أي شيء ذي معنى. صمتت القزمة، مطرقة بصرها نحو يديها اللتين استعادتا حجمهما الطبيعي، وإن ظلتا تحملان لوناً قرمزياً غير صحي. قالت ساسكيا: "أنت... تكلمي." قطعت جبينها بعبسة. ما أرادت قوله هو "استمري في التحدث"، لكنها لم تكن تعرف الكلمات المناسبة. مثّلت حركة الكلام، مستخدمة يديها لمبالغة الفعل. رمقت ساسكيا بنظرة غريبة، وابتعدت عنها قليلاً. "لا تفسري هذا على نحو خاطئ يا ساشكي. أنتِ —أوه، ما كنت أظن أنني سأقول هذا يوماً— تبدين متصولة لطيفة بحق. لكنت الآن أرقد في القاعات البعيدة لولاكِ. أنا ممتنة جداً لذلك. لكنني لن أقترب أبداً من هذا الفم الخاص بك." قالت ساسكيا وهي تلوح بيديها نافية: "لا! ليس هذا ما أريد... أنت... تكلمي!" امتلأت عينا القزمة بفهم يتبلور تدريجياً. "أنت تريدين مني أن أتحدث إليكِ فحسب." رددت ساسكيا وهي تومئ: "تحدثي إليّ." قالت روهيلدي: "أوه إن كنتِ مصصرة." ثم صمتت مجدداً، قبل أن تعترف أخيراً: "لا أعرف عما أتحدث." أدارت ساسكيا عينيها بملل. لكان الأمر أسهل بكثير لو كانت روهيلدي إحدى تلك الشخصيات الثرثارة غير اللاعبة التي تسرد قصص حياتها لكل عابر سبيل. حثتها ساسكيا: "تحدثي عن نفسك فحسب." قالت روهيلدي بنبرة دفاعية بعض الشيء: "لكنني لم ألتقِ بكِ سوى منذ بضعة أيام فحسب." قالت ساسكيا وقد ضاق ذرعها: "فقط... تحدثي! ارددي القاموس القزمي لا يهمّني! في الواقع، لكان ذلك مثالياً، فأنا أفتقر إلى مفردات أستطيع بها طرح الأسئلة المناسبة." قالت القزمة: "أوه حسناً إذن. كان يا ما كان فتاة صغيرة بقلب يضطرم ناراً ورحيق يجري في عروقها..." شرعت روهيلدي تسرد حكاية من مغامرات الطيش الشبابي التي قد تكون سيرة ذاتية أو لا تكون. لم تستطع ساسكيا الجزم، لكنها التقطت بعض الشظايا الشيقة من المعلومات. مثل حقيقة أن أقزام هذا العالم —أو أولئك الذين في قصة روهيلدي على الأقل— يعيشون في مكان يدعى "تحت الأرض"، وهو عبارة عن شبكة واسعة من الأنفاق والكهف تعميقاً تحت سطح هذا الغصن. كانت لقطة تقليدية لدرجة أنها كادت تضحك من الوصف. من مناجم موريا إلى العالم السفلي والطرق العميقة، دائماً ما عشق أقزام القصص أنفاقهم الجوفية. بينما كانت روهيلدي تتحدث، كانت ساسكيا تستمع وتتعلم. بدا امتصاص هذه اللغة سهلاً أكثر مما ينبغي. لو أنها ظلت إنسانة طبيعية على الأرض، لما تمكنت أبداً من تذكر كل هذه الكلمات وكيف تترابط معاً. لم تكن أداة الترجمة هذه مجرد غش يتيح لها التحدث بأي لغة دون أدنى جهد، بل كانت تفعل شيئاً قد يكون أكثر فائدة على المدى الطويل: تمكينها من التفكير بلغة جديدة. عادت بطلة الحكاية إلى بيتها لتتلقى توبيخاً صارماً من والدتها، وصمتت روهيلدي. لقد انتهت القصة. قالت ساسكيا: "شكراً لك. هل كانت تلك المشاكسة الصغيرة... أنت في القصة؟" ابتسمت روهيلدي بابتسامة حزينة. "لا. تلك كانت ابنتي نادی." قالت ساسكيا: "أوه. تبدو ظريفة للغاية." قالت روهيلدي: "بلى، كانت كذلك. وكانت مزعجة في بعض الأحيان. أغلب الأحيان." ضحكت. ثم تجمدت الابتسامة على وجهها، وتحولت لبرهة إلى نظرة رعب خالص، قبل أن تعود إلى تعبير أكثر حيادية. كانت ساسكيا أعقل من أن تحشر أنفها فيما لا يعنيها. كانت متأكدة تماماً أنه لو تعمقت أكثر، فلن تكون لهذه القصة نهاية سعيدة. قالت ساسكيا وهي ترمق يدي روهيلدي بنظرة قلقة، وقد بدا لونها أزرق قليلاً مقارنة باليوم السابق: "أعتقد أنه يجب عليك العودة للداخل حيث المكان أكثر دفئاً." قالت روهيلدي وهي تنهض على قدميها وهي تئن: "بلى. أتعلمين... الطريقة التي تستوعبين بها لسان الحجر... إنها لأمر عجيب." أقرت ساسكيا: "أنا مفاجأة لنفسي بعض الشيء. رغم أن هناك ثغرات ما زالت في... أممم..." "المفردات؟" قالت ساسكيا: "نعم، المفردات. بمجرد أن تنطقي بكلمة، أستطيع استيعاب معناها واستخدامها بنفسي. أغلب الكلمات، على الأقل. أسماء الأشخاص والأماكن وما شابه، ليس تماماً." قالت روهيلدي: "لا أعرف كيف تفعلين ذلك، لكنني أرى الآن لماذا ترغبين في استمراري بالثرثرة. سأسعى لإدراج كلمات جديدة من معجم أسلافي في حديثنا لكي تتعلميها أنت أيضاً. حتى لو بدا كلامي متكلفاً للغاية." ضحكت ساسكيا. "شكراً لك، لكنني أظن أن الكلمات العادية تفي بالغرض حالياً." بالعودة إلى الكهف، جلست روهيلدي بجانب النار بينما كانت ساسكيا تعد دفعة جديدة من منشط الدم —كما اعتادت تسميته— الخليط الذي يشحن دمها بقوة فائقة. قالت روهيلدي وهي تجرع إبريقاً آخر من ذلك السائل كأنه أنقى جعة قزمية: "هذا الدم الذي تمليكنه لا يشبه أي شيء ذقته قط." تراجعت القزمة بارتياح بينما بدأت الكدمات والعلامات على يديها وجهها وجسدها بالتلاشي. "لما كنت لأصدق أنه حقيقي لو لم ألمس آثاره بنفسي." أوضحت ساسكيا: "هناك شيء في هذا الخليط الذي أحضره يغير دمي. لقد استغرق مني الأمر وقتاً طويلاً لأكتشف طريقة صنعه. ما زلت أتعلّم." قالت روهيلدي: "أجل، لقد كان ذلك جلياً. لقد كنت مسلية بحق، حقاً. كل ذلك الرقص والصياح والقفز هنا وهناك. لصلحتِ لتكوني مهرجة صالحة للجعة." قالت ساسكيا ببرود: "شكراً لك. إذن، أمر شفاء الدم هذا. ألم تري قط مثيلا له من قبل؟ أليس هناك متصولات أخريات يستطيعبن فعل ذلك؟" قالت روهيلدي: "أنت المتصولة، لست أنا. أخبريني أنتِ." اعترفت ساسكيا: "لا أعرف أي متصولات أخريات." قالت روهيلدي: "أرى ذلك. حسناً، لست عالمة بتشريح المتصولات. لم أسمع قط بدم يمكنه شفاء شخص آخر." توقفت لتفكر. "مع أن هناك تلك الإكسيرات التي يفخر بها سحرة المير. وتقول القصص عن وحوشهم في برج الصراع. لذا أعتقد أنه يجب ألا تدعي نفسك تقعين في قبضة المير..." استحوذ خيال ساسكيا على الموقف، مستحضراً مشهداً مرعباً من طوباوية سوداوية: متصولات مثقبات على مقاعد وموصولات بأنابيب تمتص دمهن إلى زجاجات زجاجية عملاقة. ارتجفت. رفعت ساسكيا حاجبيها وقالت: "انتظري... المير؟ مثل... أناس سمك؟" ضحكت روهيلدي. "لا أود قول ذلك في مرمى سمع إحداهن يا ساشكي. إنهن مجرد آلفار يعشن قرب البحر — أو عليه." فكرت ساسكيا بسخرية: أجل، من الأفضل أن أمسك لساني إن وجدت نفسي يوماً أسهم في بنك الدم الخاص بهم. بينما بدأ تأثير دمها في التلاشي، تفقدت ساسكيا يدي روهيلدي وقدميها. باتتا الآن تبدوان محمرّتين ومؤلمتين بقليل. فقالت، في ترجمة أخرى مشوهة قليلاً لتعبير إنجليزي: "يومان آخران وستكونين بخير كشابة." في اليوم التالي، أصرت روهيلدي على الخروج لنزهة في الخارج، "لئلا تضمر ساقاي من قلة الاستخدام." لم تكن ساسكيا لتفوت فرصة إرضائها. لم تكن محبوسة داخل الكهف طوال اليوم، لكنها كانت تشعر ببعض الذنب كلما تركت القزمة وحدها هناك. لذا توجهتا إلى مدخل الكهف، حيث ساعدت ساسكيا المرأة قصيرة القامة على النزول من المنحدر الذي يبلغ ارتفاعه عدة أمتار. قالت روهيلدي: "كم كنا سنحتاج إليك أيام ’نيث‘. من يحتاج إلى السلالم طالما لديه متصولة؟" مشتا في محاذاة النهر، عابرتين سلسلة من الأقواس الحجرية المنهارة. قالت روهيلدي: "إنها من بناء الدوار." سألت ساسكيا: "هل هناك الكثير من الدوار في هذه الأرجاء؟" أصدرت روهيلدي خواراً. "ليس في هذا الجانب من سينديل. في وقت من الأمسيات، تقاسمنا هذه الأراضي مع آذان الورق. لكن مسيرة أَبيلِيُون دفعت بني جنسي للوراء نحو ’نيث‘ منذ أمد بعيد. الآن، أصبحت هذه الجبال عالقة في أعقاب الآلفار بعمق لدرجة أن الدوار الوحيدين الذين قد تجدينهم هنا هم العبيد." "أهذا ما أنتِ عليه — أو كنتِ عليه؟ أأنتِ عبدة؟" رمقتها روهيلدي بنظرة حادة. "أنا لم أتسكع متجولة في عاصفة ثلجية مروعة من أجل المتعة، أتعلمين. لقد اخترت الحرية، مهما كان الثمن." قالت ساسكيا: "أدركت ذلك. إذن فقد قررتِ أن تموتي هنا بدلاً من العيش كعبدة." قالت روهيلدي: "حسناً، ليس تماماً. لم يكن الطقس بهذه الشراسة حين غادرت. لكن أجل، أنا أعلم المخاطر وألقي بالنرد بحرية." قالت ساسكيا: "حسناً لقد أتيت إلى المكان الصحيح يا روهيلدي. أنا أيضاً صعدت إلى هنا لأبتعد عن هؤلاء الأوغاد." التوت شفتا روهيلدي عند سماع الكلمة غير المألوفة. "عليك في يوم ما أن تعلميني بعض شتائم المتصولات خاصتك." اختلجت شفتا ساسكيا. كيف لها أن تشرح للقزمة أنها لا تشتم فعلياً؟ حسناً، ربما الفكرة وراء الكلمة هي ذاتها، لكن فمها كان نظيفاً كالصابون الذي طالما هددت والدتها بغسل فمها به. سألت ساسكيا: "إذن أتظنين أن الجان — الآلفار — سيلحقون بنا، حتى هنا في الجبال؟" قالت روهيلدي: "أوه أجل. وإن حالفنا الحظ، فسوف ينتظرون حتى منتصف الربيع." "متى يكون ذلك؟" قالت روهيلدي: "يبدأ الذوبان بعد بضعة خماسيات من الأيام." ترجمت ساسكيا في سرها: بضع أسابيع. "هذا لا يمنحنا وقتاً طويلاً. ألا يوجد مكان آمن يمكننا الذهاب إليه؟ بالطبع، فور أن تتعافي بما يكفي للترحال." قطبت روهيلدي جبينها. "أنا أبحث عن طريق للنزول إلى تحت الأرض. يسيطر الآلفار الآن على فم الممر الرئيسي في الشمال، لكن هناك مسارات أخرى، إن عرفت أين تبحثين. عندما كنت أعيش في الأسفل، سمعت همسات عن نفق مخفي في عمق هذه الجبال. أنا ناوية إيجاده. "أنت... يمكنك القدومة معي، أظن ذلك، رغم أنك على الأرجح ستكونين أكثر أماناً بالبقاء هنا. لا حب لبني جنسي تجاه جنسك، ولم تُبنَ أنفاقنا لأمثالك من حيث الحجم. أخشى ألا تجدي ملاذاً آمناً في أي مكان على سينديل." سألت ساسكيا: "سينديل؟ أهذا مثل... اسم هذا العالم؟" رمقتها روهيلدي بنظرة مشككة. "الآن أنتِ تمزحين معي وحسب." قالت ساسكيا: "أرجوكِ، فقط... سايريني." "هاه؟" تنهدت ساسكيا. كانت تعني "سايريني في مزاحي" لكن التعبير لم يُترجم بشكل صحيح. "أقصد... فقط أخبريني." رمقتها روهيلدي باهتمام. "أنت عجيبة حقاً. تمتلكين من الفطنة ما يفوقت الغالبية، وإلا لما كنا نخوض هذا الحوار الآن، لكنك في الوقت ذاته جاهلة كالرضيع الذي يرتضع من ثدي أمه." "أجيبي عن سؤالي فحسب!" قالت روهيلدي: "حسناً إذن. لا تدعي الحصى يعلق بمؤخرتك. سينديل هو اسم هذا الغصن من أربور موندي. وليس العالم نفسه." أربور موندي؟ أكان ذلك... لاتينياً؟ كانت متأكدة تماماً أن "أربور" تعني شجرة باللاتينية. إذن... شجرة العالم؟ "حسناً، ماذا عن الأغصان الأخرى؟ أيمكنني الانتقال إلى أحدها؟" ضحكت روهيلدي. "تجعلين الأمر يبدو سهلاً للغاية. كأنكِ تنتقلين إلى غصن آخر بمجرد تخطي صخرة!" سألت ساسكيا: "أليس كذلك؟ ألا توجد... بوابات وما شابه، يمكنني سلوكها للوصول إليها؟" كررت روهيلدي الكلمة غير المألوفة: "بُو-بات؟" "نعم، مثل الأبواب السحرية التي تنقلك من مكان إلى آخر فوراً." فكرت ساسكيا: هيا، لابد أن هذا العالم يملك بوابات. كل عالم خيالي يملك بوابات! قالت روهيلدي: "تملكين خيالاً غريباً يا ساشكي. لم أسمع بشيء كهذا قط." قالت ساسكيا محبطة: "أوه. حسناً، سأساعدك في العثور على طريقك للوطن، على الأقل." قالت روهيلدي: "هذا لُطف بالغ منكِ. فقط... لا أود الإساءة، لكنني لا أعرف كيف يمكن لمتصولة أن تساعدني." قالت ساسكيا: "أوه، ستتفاجئين. أتعرفين أن هناك نفقاً آخر مختوماً خلف الجدار الصخري في مؤخرة كَهفي؟" قالت روهيلدي: "أجل، أعرف ذلك، وأنا متفاجئة بعض الشيء لأنك عرفتِ به دون إحساس بالحجر." "الدوار يمكنهم... الإحساس بالحجر؟" قالت روهيلدي: "بعض الدوار. أما أنا، فأستطيع استشعار شكل الأرض والحجر حتى مسافة ثلاثين خطوة." سألت ساسكيا: "خطوات دوارية؟" "أجل." "تلك مسافة ليست ببعيدة." حدقت روهيلدي بغضب. "أود أن أراكِ تفعلين ما هو أفضل!" "حسناً، إذن... ماذا لو أخبرتك أن... أممم... حسي..." فكرت ساسكيا في خريطتها. "...يتمتع بمدى يبلغ، هه، ثلاثين ألف خطوة؟ على الأقل على السطح، نعم. أقل تحت الأرض، ولكنه يبقى أكثر من ثلاثين خطوة." قالت روهيلدي: "لكنت قلت إنك مجنونة، أو كاذبة، أو عرافة. ربما الثلاثة معاً. وهو ما لا يمكن حدوثه بطبيعة الحال، لأنك متصولة." "ماذا، لا يمكن للمتصولات أن يجننّ أو يقلن كذبة؟" "لا أيها البليدة! لا يمكن للمتصولات أن كن عرافات!" صاحت ساسكيا: "هيه، انتبهي لما تصفينني به يا حفرة الحمير! انتظري... عرافات؟ تقصدين ساحرات... أممم... اللاتي يملكن رؤية سحرية؟" قالت روهيلدي: "أجل، متصوفات الآلفار. لم تكن لدي سوى سوء الحظ بمقابلة واحدة منهن، شكراً للأسلاف، لكنني سمعت الحكايات. يقال إن جيين اللغزية استطاعت رصد دب مقلم يتبرز في الغابة على بعد خمسة مهماز." فكرت ساسكيا: شكراً لكِ على تلك الصورة الذهنية. جعل شيء من كلمات القزمة عقلها يدور في دوامة. لم تترك روهيلدي مجالاً للشك في أن سحر العرافة أو التصوف يخص الجان. ومع ذلك، شعرت كلمة "عرافة" بأنها... صحيحة بطريقة لم تستطع تفسيرها. انحنت ورسمت بسرعة على صخرة تحت قدميها رسومات لساعتها وخريطتها المصغرة. "فقط لكي نكون على بينة، ليس من... الطبيعي أن تمتلكي أشياء كهذه في عينيك، أليس كذلك؟" نقرت روهيلدي على الرسم الدائري. "هذه خريطة." قالت ساسكيا: "نعم! هذا بالضبط ما هي عليه! أيمكنك رؤيتها أنتِ أيضاً؟ أعني، ليس التي رسمتها للتو، بل خريطتك الخاصة... أممم، العائمة أمامك؟" رمشت روهيلدي بوجهها نحوها. "يخيل لي أنك تعاطيت الكثير من عصارة المتصولات اليوم يا ساشكي." "أيمكنك رؤيتها أم لا؟" "لا. لا أستطيع. ولا، هذا ليس طبيعياً!" حسناً، لقد حُسم الأمر. إما أن روهيلدي كانت شخصية غير لاعبة لا تدرك طبيعة العالم الشببيهة بالألعاب، أو أن الواجهة كانت شيئاً فريداً يخصها وحدها. أو ربما... شيئاً فريداً بالعرافات. وهناك تبلورت الفكرة في ذهنها. عناصر الواجهة الطيفية التي بدأت تظهر لها ببطء منذ وصولها إلى هذا العالم — الخريطة، تلغراف القتال، الرؤية المظلمة وما إلى ذلك — لم تكن سوى، لاستخدام مصطلحات الألعاب، مهارات فئتها. وكانت العرافة هي فئتها. إلا أن مصطلحات الألعاب لم تكن تنطبق حقاً هنا، لأن هذه لم تكن لعبة. لم تظهر هذه الأشياء لأنها كانت عالقة في لعبة، أو في عالم يسير بمنطق الألعاب. لقد كانت قدرات عرافة تتجلى بطريقة يمكن لعقلها كمطور ألعاب أن يفهمها ويستخدمها. لو كانت، مثلاً، درويداً بدلاً من عرافة، فلما كانت لترسَم أمامها كل هذه الأشياء التي تصيب بالجنون. لم يكن هذا ملكاً أو ملوك يسخرون منها. لقد جاء كل ذلك من الداخل. فكرت: لقد كنت أقوم بالتصيد لنفسي. يا له من أمر. والآن أنا مدينة لنفسي باعتذار صادق. بل باعتذارين. أحدهما لإقناعي نفسي تقريباً بأن هذا كله مجرد لعبة، والآخر لهذا التلاعب اللفظي البغيض.