"أظنّني كسرتُها." أخرجها صوتُ روهيلدي من شرودها. كانت القزمة ترفع رأسها وتحدّق إليها بملامح حائرة. قالت ساسكيا: "أوه، لا تقلقي بشأني، لقد مررتُ للتوّ بـ... هه، لا أعرف الكلمة." إشراق. عادتَا إلى الكهف في صمت، بينما كانت ساسكيا تستوعب فهمها الجديد لنفسها وللعالم. ما كان يجب أن ترتسخ هذه الثقة في طبيعتها الحقيقية بوصفها عرافة. فالأدلة واهية في أحسن الأحوال. لكنّها شعرت بيقين تامّ حيال ذلك. لعلّ هذا أيضاً جزءٌ من كون المرء عرافة. فقد راودتها الكثير من الحدوس المبهمة منذ مجيئها إلى هذا العالم. في الواقع، حظيت بنصيبها منها طوال العامين الماضيين على الأرض أيضاً، إن فكّرت في الأمر. لطالما تمتّعت بحسّ حدسيّ متطوّر. وكان ذلك جزءاً ممّا جعلها رسّامة بارعة. بيد أنّ الأحلام المبهمة والمشاعر الغريبة جعلتها تتساءل أحياناً عما إذا كان عقلها يتلاشى، وذلك منذ وقوع الحادثة. بينما كانتا تستعدّان للنوم تلك الليلة، داهمتها فكرة عشوائية أخرى فبوحت بها لروهيلدي. "قولي لي، أينزل بشريّ على هذا الفرع؟ أعني في سينديل." صمتت روهيلدي برهة. ثم قالت: "لا أعهد كلمة بشريّ هذه." تنهّدت ساسكيا بيأس. "لا أعرف كيف أقولها بلغة الحجر." "إن أخبرتني بماهية البشر، فلعلّني أدلّك على اسمهم." قالت ساسكيا بتردّد: "أوه، هه... أظنّنا... أعني أنّهم يشبهون مزيجاً بين قزم وقرمدي؟ بآذان مستديرة مثلك، ويمكن لرجالهم إنبات اللحى، لكنّهم أقرَب إلى القرمديين في القامة، في المتوسط." نظرت إليها روهيلدي مذهولة. "هجين؟ كفّي عن الهراء، ياشاشكي! تقطع القزمة حنجرتها أسرع من أن تضطجع مع قرمديّ!" "لا!" لوحت ساسكيا بيدَيها نافية. "أعني أنّنا... لست أعني أنهم هجين بين قزم وقرمديّ أو ما شابه. كنتُ أصف شكلهم فحسب. إنهم عرق مستقلّ بذاته. على الرغم من وجود أقزام بشريّين، لكن... لا بأس بذلك." أمالت روهيلدي رأسها وقالت: "آه، إن قلتِ ذلك." "إذن ليس لديك اسم لهم؟" سألت ساسكيا. بدت روهيلدي مفكّرة. وقالت أخيرًا: "لا، لم أسمع بقطّ عن قوم كهؤلاء." قالت ساسكيا محبطة: "أوه." قرمديون وأقزام وتصانيف، ولا بشر؟ البشر هم العرق الافتراضيّ في معظم عوالم الخيال القصصي، ويشكّلون غالبية سكانها. لكن ليس على أربور موندي، على ما يبدو. لعلّ هذا هو سبب ظهورها على هذا العالم على هيئة تصانيفيّ. فمهما كان الكيان الذي نقلها إلى هنا، فقد وضعها في جسد يليق بهذا العالم. لكن ألم يكن من الأجدر أن تتحوّل إلى قرمديّة، بما أنها ظهرت في قلب قرية قرمديّة؟ فالقرمديون أشبه بالبشر بكثير من التصانيف. من ناحية أخرى... كانت هناك جلسة تسجيل الصوت مع فيرغوس، في يومها الأخير على الأرض. كانت التصانيف تملأ رأسها. تصانيف وعفاريت وأقزام. لعلّ ذكرياتها أو عقدها الباطن قد أثّر بطريقة ما في اختيار العرق. ولعلّه أثّر في العالم الذي انتهت إليه... قالت روهيلدي: "لا أشكّك في كلامك. إن زعمتِ أنك التقيتِ بمثل أولئك القوم، فمن أنا لأكذّبك؟ هذا عالم فسيح، يسع أناساً وأماكن لم أكن أتمناها في حلم." شعرت ساسكيا بخفّة في رأسها. وأخيرًا، بعد كلّ هذا الوقت، ومع كلّ هذه الفوضى العارمة المحيطة بها، بدأت تلمس بصيص نظام يلوح خلف الفوضى. نامت كالأطفال تلك الليلة، واستيقظت بوضوح وغاية جديدتين. بعد الإجابة عن بعض الأسئلة التي تخصّ نفسها، كانت الخطوة التالية على جدول أعمالها هي معرفة غاية رفيقتها الجديدة في السكن، بمعزل عن الهدف الواضح المتمثل في إيجاد طريق العودة إلى موطنها وأهلها. وبعد أن رأت ما فعلته روهيلدي في نومها الليلة الماضية، كانت ساسكيا متأكدة تماماً من موطن مواهب القزمة، لكنها أرادت كشف الأمر جهاراً قبل وقوع حادثة أخرى. أرجأت الحديث لوقت أطول ممّا ينبغي. لقد حان الوقت للمواجهة والبوح. "أستطيع مساعدتك في العثور على طريق العودة إلى بيتك يا روهيلدي. أودّ مساعدتك. لم أخبرك بكلّ شيء عن نفسي، وقد لا تصدقين ما أخبرتك به، لكنّه الحقيقة، ولست مجنونة. أعلم أن لديك أموراً غريبة تحدث معك أنتِ أيضاً. الليلة الماضية، بدوتِ كأنك نائمة وأنت واقفة. ثم زحف هذا الكيان من خلفك..." حكّت روهيلدي سوالفها. "كنت أرجو أن تنسي أمر ذلك، أو تعدّيه حلماً." قالت ساسكيا بجفاف: "كان هناك كائن ميّت يجرّ نفسه عبر كهفي. من الصعب نسيان ذلك." "آه، الأمر أسوأ ممّا تظنين يا شاشكي. الحق يقال، لستِ آمنة بقربي. لعلّ الأفضل لي أن أرحل." "لا! أعني... لا تعجلي،" قالت ساسكيا، محاولة منع اليأس من التسرب إلى صوتها. لم ترد البقاء وحدها مرة أخرى قريباً. "أخبريني فقط بما يجري. لعلّني أستطيع المساعدة في هذا أيضاً." قالت روهيلدي: "حسناً إذن... يجدر بي إرايك. إن شئتِ بقائي حتّى بعد أن تشهدي هذا، فسأبقى لوهلة، وأقبل أيّ عون تقدمينه، وأفعل كلّ ما بوسعي لمجاراتك." تبعتها ساسكيا إلى الموضع الذي دفنت فيه العظام. كانت تعرف إلى أين يفضى هذا الأمر... ركعت روهيلدي، تحفر الثلج بيديها، حتّى بلغت التراب تحته. جثثت هناك بلا حراك، مغمضة العينين وشاربة الجبين تركيزاً. تجمّعت همسات أصوات في الهواء، محذّرة ساسكيا من استدعاء سحر ما. تعاظم هدير الهمسات. ثم انقطع فجأة. لم يحدث شيء. مضت عدة دقائق، ولم يحدث أيّ شيء على الإطلاق. قالت ساسكيا: "مذهل." قالت روهيلدي: "اصمتي!" مجدداً ملأ صوت الهمس الهواء، وتصاعد حتّى بلغ ذروته. أخيراً، أطلقت روهيلدي أنّة مرتعشة. صمتت الأصوات. واهتزت الأرض قليلاً. ثم لم يحدث شيء. وثبت روهيلدي واقفة، حاضنة يدها التي اكتست لوناً أزرق مريضاً. "آه، لا أستطيع فعلها وأنت ترقبينني!" على الرغم من اشمئزازها مما كانت القزمة تحاول فعله، كابحت ساسكيا مرحها بصعوبة. فهي لم تكن غريبة عن رهبة المسرح. "لا بأس يا روهيلدي، فهمت. أنتِ مشعوذة مـ..." توقفت. "في الواقع، ما هي كلمة مستخدم السحر الذي يتحكّم بالأموات بلغة الحجر؟" قالت روهيلدي: "نكرورجيست." كانت الكلمة التي نطقت بها قريبة بما يكفي من تلك التي تعرفها ساسكيا —مشعوذة— ممّا جعل الترجمة بلا مبرر. "أنت... ألا تمانعين ذلك؟" كانت ساسكيا تمانع ذلك بعض الشيء. فقد كان مقشعرّ الأبدان. لم تكن تمانع المشعوذين في الألعاب، لكنّ فكرة الوقوف وجهاً لوجه أمام جثث متعفّنة حقيقة لم تروق لها. وهناك أيضاً الاعتبارات الأخلاقية. فقد رُبّيت على احترام الموتى. ويبدو استخدام الجثث عبيداً شخصيين، حتى لو كانت تلك الجثث مجرد قشور خاوية من الأرواح، قلة احترام لأصحابها الأصليين قدر الإمكان. من ناحية أخرى، تحمّلت الكثير لتتجنب البقاء وحدها مجدداً بهذه السرعة. من الأفضل ألا تكشف عن مدى استيائها من هذا الأمر... قالت ساسكيا: "حسناً، أعترف أنه أرعبني حتى النخاع تلك الليلة. لكنك صرتِ صادقة بشأنه الآن، فلم يعد بمثل ذلك... آآه!" أمسك شيء ما كاحلها. شيء أبيض وعظمي. يد هيكليّة. وبطبيعة الحال كانت يداً هيكلية. هزّت قدمها بعنف. وبصوت فرقعة، انفصلت اليد عند الساعد. ثم شرعت تزحف صعوداً على ساقها كعنكبوت عظمي ذي خمسة أرجل. توسّلت إليه: "روهيلدي! أوقفيه!" قالت روهيلدي: "أنا... آه تباً!" مدت يدها نحو ساسكيا التي كانت تُمزّق ساقها بحثاً عن طريقة لانتزاع الكائن العظمي. "كفي عن المقاومة، اللعنة عليك!" ما إن لمست روهيلدي اليد الشاردة حتى تركت ساق ساسكيا وسقطت، وأصابعها العظمية مفرودة، في الثلج. نظرت روهيلدي إلى ساسكيا الجالسة في الثلج وساقها تنزف. رفعت حاجبيها الكثيفين. "ما زلتِ تقبلين بكوني نكرورجيست؟" لم تكن ساسكيا تثق بقدرتها على الكلام في تلك اللحظة، فاكتفت بالهزّ ببلاهة. "إلى أن أتقن هذه الآفة، قد تظهر... مشكلات ناشئة، كتلك التي اختبرتها." مشكلات ناشئة، بمعنى أسنان فعلية تنهش لحمي، فكرت ساسكيا. قالت ساسكيا: "آفة تسمّينها. أليست مجرد موهبة سحرية أخرى؟ كأن تكوني درويدية أو عرافة؟" "درويدية؟" "مستخدمة سحر الطبيعة القرمديّ." قالت روهيلدي: "آه، يُدعون ذوي الأيدي الخضراء. أما أنا، فقد وُلِدت صانعة حجر. بين قومي، يُعدّ أصحاب موهبة تشكيل الحجر في مرتبة تعلو الجميع. والنكرورجيا مسخ لتلك الموهبة. لم تكن شيئاً... هو من فعل ذلك. فحين فعل ذلك اللعين... ما فعله غيّرني؛ وأيقظ الوحش الكامن في داخلي. والآن لا أستطيع التخلّص منه." قالت ساسكيا: "أنا آسفة." ظلت تتساءل عمّا حدث بالضبط، لكنّ التحوّل إلى وحش... كان أمراً تفهمه تماماً بالتأكيد. سألت القزمة حائرة: "لماذا؟" قالت ساسكيا: "آسفة لما مررتِ به." قالت روهيلدي: "لا داعي للاعتذار. سيّدي هو الملوم، وكلّ أهله، لستِ أنتِ. ولم تريني منك إلا خيراً." قالت ساسكيا: "لم أكن أعتذر. كان ذلك تعبيراً عن..." توقفت، عاجزة عن إيجاد ترجمة لكلمة تعاطف. "لا بأس. إذن أفهم أن كون المرء نكرورجيست لا يعني العيش في نعيم ورغد، لكن أينبغي أن يكون سيئاً إلى هذا الحد؟ متى تعلّمتِ التحكم بقوّتك الجديدة، ستصبح مجرد أداة أخرى، أليس كذلك؟ أداة يمكنك إبقاؤها محبوسة، ولا تخرجينها إلا عند الحاجة؟" قالت روهيلدي: "لستِ مخطئة تماماً. لكن لا تعتقدي أن إتقانها سيكون أمراً هينًا. هذا الوحش الذي في داخلي لا يستجيب بسهولة لإرادتي. وإن لم أخرجه عبر التعاويذ، فسيتطاير حراً كسحر برّي جامح. لست ناوية العودة إلى الأعماق حتى أروّضه، خشية أن أعرض أهلي للخطر." "حسناً، يمكنك ممارسة تعاويذك كما شئتِ في الوادي. في الواقع..." توقفت ساسكيا، مستسغية ما كانت توشك على اقتراحه. "أودّ أن أكون هناك، لكي... هه، أساعد في تنظيف الفوضى إن فقدتِ السيطرة على حيواناتك الأليفة. أحتاج إلى التدرب على قتال الخصوم على هيئة بشر... أعني القرمديين. لقد صنعتُ أعداءً كما تعلمين، وأظن أن أحدهم يعاني هوساً مرضياً بي..." أخذت نفساً عميقاً، وروت لروهيلدي قصة الدرويدي (أو ذي اليد الخضراء، كما تسمّيه القزمة). اتسعت عيناها مع تواصل حكاية ساسكيا. "لم تقضي على أيّ ذي يد خضراء، بل حارس. لم يكن الأمر هيناً، حتى لمن هم بحجمك. لكن تلك... الرؤى، كما تسمّينها، حين تلمسين عصا الحارس... لم أسمع بمثل هذا من قبل. إنه لأمر غريب حقاً." طوال ما تبقّى من الصباح، صارعت روهيلدي للسيطرة على الهياكل العظمية الجامحة التي نبشتها. ومتى هرب أحدها وفقد السيطرة، كانت مهمة ساسكيا تعقّبه وإعادته إلى الأرض. وكان هذا أصعب مما توقعت، لأن الموتى لم يكونوا ليموتوا! نعم، كان يجدر بها توقع صعوبة قتل شيء لا جلد له. المشكلة، كالعادة، أن الأفلام والألعاب قد أضلّتها. حطّموا الدماغ، هكذا قالوا. اقطعوا رأسه. هكذا تقتلون الموتى الأحياء. أي هراء هذا. فقد تحولت أدمغتهم منذ زمن بعيد إلى عصيدة والتهمتها الديدان. اقطع رؤوسهم، وسيستمرون في التقدم. وما فائدة رأس لهيكل عظمي بلا دماغ ولا عينين؟ كلا، لوقف أحد هؤلاء الأغبياء، كان عليها تفكيكهم تماماً، وتمزيق عظامهم حتى لا تبقي مفاصل تنثني ولا أسنان تصطكّ. ثم الدوس على تلك العظام حتى تكف عن الارتعاش. لقد كان... ممتعاً. على الرغم من ورعها السابق، بدا شعور قتال عدوّ أخرق تماماً رائعاً. شيء يمكنها قتله دون إيذاء أحد حقاً. فكون المرء قرمدياً يأتي برغبات عدوانية... معينة، وهذا سمح لها بإطلاق العنان لها دون عواقب. وبعد برهة، توقفت روهيلدي عن محاولة لجم أتباعها، واكتفت بمراقبة ساسكيا وهي تفرغ طاقتها بملامحها الحائرة المألوفة الآن. بعد غطسة في النهر المثلج لتغسل العرق وغبار الجثث، انضمت إلى روهيلدي لتناول العشاء. قالت ساسكيا بعد أن بلعت لقمة من الكبد: "إذن أنتِ صانعة حجر. أظن أن ذلك من شيم الأقزام، مثلما للقرمديين أصحاب الأيدي الخضراء والعرافون؟" قالت روهيلدي: "نعم. لدينا بذور عالمنا. وللقرمديين بذورهم. صانعو الحجر يأتون من بذرة الحجر، الراسخة في عمق الأعماق." "انتظري، ماذا؟ أنتِ أتيتِ من... بذرة حجر...؟" "بذرة الحجر هي بذرة عالم. وسحري وحدم هو ما أتى من تلك البذرة، لا جسدي. نحن الأقزام نولَد بالطريقة نفسها التي يولد بها الجميع، بغض النظر عمّا تقوله الآذان الورقية عنّا." "حسناً، إذن كيف يعمل ذلك؟ ما هي بذرة العالم؟" ابتسمت روهيلدي. "أسئلة كثيرة يا شاشكي. تذكرينني بـ..." ذبلت ابتسامتها، ووقفت جامدة لعدة ثوانٍ طويلة قبل أن تجيب: "بذور العالم هي مصدر السحر كلّه. على الأقل، كلّ ما يمكننا نحن البشر... الفانين نيله." قطّبت ساسكيا جبينها، وهي ترى النوار يزول فجأة من عيني روهيلدي. "إذن، ماذا، تمشين نحو بذرة عالم قزمية، تلمسينها، وبام، تصبحين صانعة حجر؟" "لا أعهد كلمة بام هذه، ولكن لا، ليست الأمور هكذا البتة. السبيل الوحيد لنيل بركة بذرة عالم هو أن تُخلق في حضورها." "تُخلق بمعنى تُولد؟" "لا تُولد. فعل الخلق يحدث قبل الولادة بفترة، إن كنتِ تعين ما أعنيه..." "أوه!" شعرت ساسكيا بوجنتيها تسخنان. "إذن والداك..." قالت روهيلدي: "نعم. وقفا على أعلى ركن في حجرة التزاوج لتوليدي في أقرب نقطة ممكنة من توهج بذرة الحجر البلوريّ. أو هكذا أحب أبي إخباري." أطلقت ساسكيا بصاقاً عفوياً، وانفجرت ضاحكة. "حجرة التزاوج؟" "الاسم الرسمي هو قداسة الحجر، لكنّ أحداً لا يسمّيها كذلك. لا أدري لم يرغب أحد في أن يكون مقدساً بشأن ما يدور هناك." خمّرت ساسكيا: "ولكي أكون عرافة، لزاماً عليّ أيضاً أن أكون قد... هه، خُلقت قرب بذرة عالم." "نعم، يدعو القرمديون تلك ببذرة الإدراك، أو نحو ذلك. لذا يمكنك تقدير مدى استبعاد أن يكون فرد من جنسك عرافة حقيقية. يحتفظ أصحاب الآذان الورقية ببذور عالمهم تحت حراسة مشددة، حتى عن أقربائهم. لن يدعوا زوجاً من التصانيف يقتربون بما يكفي لـ..." قالت ساسكيا، مستذكرة زوج القرمديين الذي صادفته في وضع مريب حين استيقظت لأول مرة في هذا العالم: "لتزاوج." ظعت أنها أبليت بلاءً حسناً في قمع تلك الذكرى، لكنها عادت الآن، واضحة في ذهنها كأنها حدثت بالأمس. ذلك الشيء في الشجرة الذي بدا لها كشاشة حاسوب قديمة، لكنّه لم يكن كذلك بطريقة ما... أيمكن أن يكون ذلك بذرة عالم؟ نعم، لا بد أنه كذلك! رغم أن... الأطفال وحدهم من يُحبل بهم بحضور ذلك الشيء يمكنهم أن يصبحوا عرافين، لذا فإن ساسكيا، التي وُلِدت وترعرعت على الأرض، لا تستوفي الشروط. لكن من ناحية أخرى، لعلّها فعلت. لقد دخلت هذا العالم بحضوره، أليس كذلك؟ ماذا لو أن جسدها التصانيفي قد خُلق لها في تلك اللحظة ذاتها؟ الخلق لا يعني بالضرورة الحمل، في حالتها. بدا هذا تمام الثغرة التي سمحت لسحر الجسم بالتسلل إليها؛ ليحولها إلى عرافة... كلّما فكرت في الأمر، بدا أكثر ملاءمة. ومع ذلك، كان يراودها مجدداً أحد تلك الحدوس، وكان يخبرها بأنها لم تستوعب الأمر بأسره بعد. أيا يكن. لقد اقتربت! هذا ما عرفته على الأقل. بعد أن تناولا طعامهما، حفرت ساسكيا لتستخرج عصا الدرويدي من تحت كومة صخور في زاوية الكهف. قبل أيام قليلة، دفنتها لتتجنب إغواء ندائها السحري بينما كانت تعتني بروهيلدي. لم يعد ذلك ضرورياً، وكانت روهيلدي متحمسة لرؤية غنيمة ساسكيا بنفسها. لحظة أن كشفت عن الحجر المتوهج في نهاية قطعة الخشب المعوجّة، تدفّق همس خافت حولها. شيء ساحر كان يحدث؛ فقد استطاعت استشعاره. وقبل أن تدرك، انحنت وأمسكت بالعصا بين أصابعها المرتجفة. تلاشت روهيلدي والكهف من حولها، ليحل محلّهما مشهد مختلف كلياً. كانت تسير على ممر مرتفع على منحدر شديد. ينسج الطريق مساره بين غابة من المباني الحجرية المنحنية التي تطال السماء كقبعات مدببة. أدركت قائلة: "لقد كنت هنا من قبل." كان يسير إلى جانب الدرويدي قرمديّ آخر على وجنته ندبة. لقد رأت هذا الرجل من قبل، لكن الأمر استغرق لحظة لتتعرّف عليه. إنه ذاته الذي طعنها بالرمح في ليلتها الأولى في هذا العالم. وتلك الندبة كانت من مخالبها. آخر مرة رأته فيها، كان ملقى بلا حراك عند قدميها. وشعرت ببعض الارتياح لأنها لم تقتل الرجل. وتساءلت عن طبيعة علاقته بالدرويدي. فكرت قائلة: "وجدا بعضهما في جمعية كارهي التصانيف المجهولين ربما." "تهاب الأصداء وتخاف، إكساثي هناك تواف؛ أتت لتجمعكم جميعاً. لا أصداء تحلق، ولا بلاء رابط، سيهزم النداء الأخير." كدست ساسكيا تسقط العصا هلعاً على وقع الصوت المتردد الخافت. ومن تحدث كان صبياً قرمدياً يترنّح بشكل محرج خلف الدرويدي ورفيقه. بدا في منتصف مراهقته، مفترضة أن القرمديين ينضجون بمثل معدل البشر، وهو أمر غير مؤكد البتة. ومن طريقة حركته، شكت في إصابته بنوع من الاعاقة. هذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها شيئاً عبر العصا. ولحسن الحظّ، كان كل شيء صامتاً سوى صوت صوته. في الواقع، لم تكن تلك أغرب الأشياء. الأغرب حقاً هو أنه نطق بتلك الكلمات بالإنجليزية. راقبت ساسكيا الصبي وهو يقفز فوق حفرة موحلة، متمحكاً بضحكة خافتة. "هذه خطوة صغيرة للإنسان. قفزة عملاقة لـ... اللعنة!" تعثر، ناثراً ماء الوحل على سرواله. "حسناً يا هيوستن، لقد واجهتنا مشكلة هنا." عادت ساسكيا بذاكرتها للوراء مذهولة. لم يكن ذلك ممّا تتوقع سماعه في هذا العالم. دار عقلها محاولاً استيعاب كيف يمكن لقرمدي أن يردد مقولات شهيرة لرواد فضاء أمريكيين. طالبت بإلحاح: "من أين لك هذا؟ ومن تكون؟" وحتى وهي تنطق بالكلمات، تذكرت أنها لم تكن هناك حقاً. وسمعت من بعيد صوت روهيلدي. "مع من تتحدثين يا شاشكي؟" وفجأة، حدق الصبي القرمدي مباشرة فيها. ليس في مضيفها. وليس في الدرويدي الذي تنظر عبر عينيه. بل فيها هي. استطاعت الشعور بنظراته تخترقها. قال الولد بلغة مختلفة تماماً –قرمدية ربما؟–: "أه، لم أكن أراك هناك. أنا داليم." سألت ساسكيا مفعمة بالحماسة وفجأة: "تستطيع سماعي؟" ظنت أن الاتصال كان باتجاه واحد، لكن بطريقة ما... "أمن الأرض أنت؟" قال داليم: "الأرض؟ لست من الأرض. أظنني... رأيتها ذات مرة؟ أو حلمت بها، أو اختلقتها. يصعب تبيّن الفارق. أأنت حلم؟" قالت ساسكيا: "لا! أنا حقيقية! فقط... بعيدة." قال داليم: "أه، أنت حقيقية بحق! أنا سعيد من أجلك! ليتني كنت حقيقياً." "أنت أحيى ممن قابلت في هذا العالم! لقد اقتبست للتو نيل أرمسترونغ، لعنة الكلاب! كيف لا تكون حقيقياً؟" قطب داليم جبينه. "لطيف منك قول ذلك، أيتها الفتاة ذات الأذنين المضحكتين، لكننا نعلم كلاّ أن هذا مستحيل." عاندت ساسكيا: "بل حقيقي! انتظر... أذنان مضحكتان؟ أتراني؟ ألا أبدوتصانيفية؟" ضحك الصبي القرمدي. "لست تصانيفية. أنت أصغر منّي! أنت بشرية. طالما رأيت أمثالك من قبل، في عوالم عديدة. أحلام كثيرة. أأنت حلم؟" حدقت إليه ساسكيا لبضع ثوان، وشعرت بحيرة متزايدة. "ألم نتحدث في هذا لتوّ...؟" لكن القرمدي حامل الرمح اختار تلك اللحظة ليركض نحو داليم، قابضاً بخشونة على كتفيه. بدا أن الصبي فقد القدرة على رؤيتها، وعاد ليهيم في الشعر المبهم. "نصل ثقيل وخفيف؛ حريق ورذاذ. شاحب ومشرق، هو يضيء الدرب. لعنة أو حقاً، أنت هنا وماثل، كلاكما، سيخونه." تحدث بالإنجليزية مجدداً، لكنها لم تدرِ من أين استلهم تلك الأبيات الصغيرة، أو تلك التي سمعتها قبل قليل، في الواقع. وقبل أن تسأله عنها، ابتعد داليم هائماً. والتفت الكبار عنه، وعاد عالمها ليغرق مرة أخرى في صمت مطبق، لم يخرقه سوى نبضات قلبها.
أندرمايند الفصل 10 — موقظ الموتى
اقرأ أندرمايند الفصل 10 — موقظ الموتى باللغة العربية على مانجا تايم.