من كان يظن أن يوماً قد يكون بهذه التعقيدات؟ لم تكن الأفعال التي قامت بها خلال النهار كذلك. كانت بسيطة. مشت ساسكيا. ثم مشت بعض الشيء الإضافي. وتوقفت أحياناً لتلبي نداء الطبيعة، أو لتشرب من جدول، أو لتتذوق مختلف المأكولات التي صادفتها في طريقها - أو التي صادفتها هي. وتبين أن العمالقة يستطيعون أكل أي شيء تقريباً. لكن من الأفضل تجنب الفطر البنيّ منذ الآن فصاعداً. فعلى مدى نحو ساعة بعد ابتلاع أحد تلك اللعينات، رأت مخالب. مخالب في كل مكان. وما كان معقداً هو اليوم ذاته في الواقع. دورة النهار والليل، إن كان يمكن تسميتها كذلك. هنا، لم تكن دورة بقدر ما كانت التواءً. عندما يكون العالم في الواقع شجرة بحجم كوكب، يفقد مفهوم بسيط مثل كواكب تدور حول الشمس كل معناه. لأن هذا لم يكن كوكباً. وبقدر ما استطاعت ساسكيا تقدير، كانت شمس هذا العالم ثملة وعرجاء، تترنح بكسل عبر السماء، وتتوقف أحياناً لتبول على الفسيفساء السماوية. وكلما تاقت الشمس وراء جذع شجرة العالم (كما بدأت تسميتها)، أو فرع، كان الأمر شبيهآ بوقت الليل. لكنها لم تكن مظلمة كليل حقيقي؛ بل أقرب إلى كسوف في كوكب الأرض. وبعض كسوفات الفروع هذه لم تستغرق سوى دقائق معدودة. وبعضها استمر لنحو ساعة كاملة. وفقط عندما مرت الشمس تحت الفرع بحجم القارة الواقع تحت قدميها، تسنى لساسكيا اختبار شيء يشبه ليالي الأرض. وقد حدث ذلك ثلاث مرات منذ وصولها إلى هذا العالم. وداوم طول تلك الأيام والليالي، حتى بغض النظر عن كل حالات الكسوف، على التباين الشديد، لكنها بدت عموماً أطول بقليل من يوم على الأرض. وأخبرها حدسها أن نحو ثلاثة أيام ونصف اليوم قد مضت على الأرض. لكنها كانت متأكدة تقريباً أن حدسها قد أخرج هذا الرقم من مؤخرتها، لأن جدول نومها كان مضطرباً تماماً. ثلاثة أيام ونصف اليوم ستعني صباح السبت في الديار. ستكون أم ساسكيا تمارس اليوغا. وسيكون راجي وفيرغ وديف يتسللون إلى الاستوديو، مستعدين لبدء كدح عطلة نهاية الأسبوع. ويكون رفيقا تسلقها القديمان إيفان وريكو في منتصف طريق صعود سيلبرهورن. هذا افتراضاً أن الجميع لم يكونوا في الخارج يبحثون بيأس عن ساسكيا، أو يحضرون جنازتها. وفي هذه الأثناء كدحت هي عبر امتدادات لا تنتهي من الغابات الكثيفة الموبوءة بالمستنقعات، ولم تظفر سوى بلمحات عرضية للسماء من خلال الفجوات في المظلة، أو عندما تتسلق تلّة أو شجرة لتتبين موقعها. لذا لم تكن متأكدة تماماً مما كانت تفعله الشمس هناك طوال الوقت تقريباً. كل ما عرفته هو أنها لم تكن تتبع القوس العاقل والمتوقع الذي تتبعه الشمس في عالم عاقل ومتوقع. قررت في وقت مبكر التوجه نحو جذع شجرة العالم. وكان في هذا الاتجاه قمم غطتها الثلوج وبحيرة. وعلى الأرض، كانت مثل هذه البحيرات تضم دائماً بلدات أو مدناً حولها. لكن الوصول إلى هذه المعالم استغرق وقتاً أطول بكثير مما ظنته في البداية. وكانت المسافات مخادعة، لا سيما عند النظر بطول الفرع، حيث لم يكن هناك أفق محدد جيداً. وكانت التضاريس وعرة. وكلما ذهبت للتنزه أو التسلق على الأرض، كانت تتبع مسارات مرسومة جيداً، أو تتسلق قمم صخرية أو مغطاة بالثلوج في العراء، حيث يمكنها الرؤية لأميال. وهنا، لم تجد سوى ممرات حيوانات. ولم تستطيع رؤية اللعنة، ولم تستطع أن تخطو خمس خطوط دون أن تعلق ساقاها أو ذراعاها في الوحل أو تتعثرا بالجذور أو الفروع. وكانت هذه الغابات أثخن من عصير الفراولة المثلج. وكركرت معدتها. دوغراميت! فكرت. التفكير في الطعام مجدداً! توفقت بجانب نهر لتمضغ - حسناً، لم تكن تعرف ما هو بالضبط - شيئاً مغطى بالفراء بحجم القط ذو ثمانية أقدام ولم يكن عنكبوتاً على الإطلاق. وبينما كانت تفعل ذلك، برز شيء طويل ولزج من الماء لتمضغها هي. نظرت ساسكيا إلى الشكل الملتوي الذي ينزلق عبر الحجارة الملساء، وأطلقت تنهيدة. وأمسكت الوحش حول عنقه الأملس، وراقبته وهو يتخبط في يدها، مجاهداً لتحرير نفسه. عصرته. ليس بالقدر الذي يقتله. بل بالقدر الذي يجعله يعيد التفكير مرتين في اتخاذها وجبة طعام. ثم تنهدت مجدداً وقذفت به إلى الماء. أحد الأمور التي تعلمتها طوال الأيام القليلة الماضية هو أن المخلوقات الأصغر حجماً في هذا العالم تتمتع بطموح انتحاري. لقد هاجموها بتهور تشيواوا يعض عجلة شاحنة مسرعة. ولعلها لم تقابل عملاقاً من قبل. وليس أن ساسكيا كانت تتذمر. لقد كان بوفيه مفتوحاً، حيث يقدم الطعام نفسه إليها. ولكن في أوقات كهذه، عندما كانت تمتلك وجبة أخرى بالفعل، كانت تدع تلك المخلوقات المضللة تعيش. ولم تكن وحشـ... لم تكن مبذرة. أما بالنسبة للمفترسات الأكبر، فلم يكن هناك سوى القليل جداً مما يمكنه تهديد عملاق. ولوحت لها أحياناً مخلوقات ضخمة عبر الأشجار وتتخبط بكسل في برك مستنقعية، لكنها تركتها وشأنها حتى الآن. وكانت هناك تلك التي أطلقت عليها اسم القطط المقلوبة - وحوش بنية مغطاة بالفراء ذات ذيول طويلة بدت دائماً وكأنها تتدلى تحت الفروع. وكان حجمها بحجم كلب سان برنارد، لكنها بدت أقرب إلى القطط المنزلية بجانب ساسكيا. وفي الأراضي الرطبة تربصت مخلوقات تمساحية قشرية ذات مناقير طويلة مسننة. وكان هناك شيء يبدو كخرتيت ذي أطراف أمامية ضخمة بشكل مبالغ فيه. خرتيت-عملاق؟ ذات مرة، كادت تصطدم بدب كبير ذي خطوط نمر، لكنه استدار وابتعد هرولة. ثم كان هناك الرعب العملاق ذو المخالب الذي لمحتها تخوض في المستنقع. وتراجعت عن ذلك الواحد بسرعة فائقة. أنهت ساسكيا وجبتها، وشربت بعمق، ثم غطست في بركة صافية. لم تكن أي أنهار نظيفة هكذا في الديار. لم يُبنَ هذا الجسد للسباحة، لكنها تدبرت أمرها جيداً بما يكفي. وراحت تطفو على ظهرها، وترمش ناظرة إلى السماء الصافية التي بدأت للتو تظلم بينما مرت الشمس خلف فرع آخر. وكان النهر أحد الأماكن القليلة حيث توجد فجوة في المظلة، مما سمح لها بتوجيه نفسها بسهولة. وشكل الجذع العظيم لشجرة العالم معلماً موثوقاً للغاية. أفضل بكثير من التنقل باستخدام الشمس. وخاصة هذه الشمس. وكل ما أرادت رؤيته كان باتجاه الجذع، أو نحوه. لذا احتجت للذهاب في ذلك الاتجاه. وها هو ذا مجدد. ما كان ذلك الشيء؟ كان شبيهآ... بدائرة صغيرة من الضوء في زاوية عينيها. واستطاعت تحويل نظرتها نحوه. ولكن كلما أدارت رأسها، تحرك الضوء معها، وبقي على حافة مجال رؤيتها. وظهرت هذه الشذوذ عدة مرات اليوم. ولم يبدو أن هناك أي منطق أو سبب لها. لقد ظهرت... فحسب. وإذا تجاهلتها لفترة طويلة بما فيه الكفاية، كانت تبهت وتتلاشى. على الأرض، كان هذا النوع من الشذوذ البصري ليشكل مصدر قلق بالغ. قد يعني وجود خطب ما في عينيها، أو دماغها. أو قد يكون تمهيداً لنوبة أخرى. وهنا، لم يكن سوى غرابة أخرى تضاف إلى كومة الغرائب. أجل، قد تكون ترى أشياء، لكنها كانت على شجرة بحجم كوكب، في جسد عملاق. وكانت رؤية الأشياء أقل همومها. وربما كان مجرد مخلوق سحري يعشش في مقلتها. لا شيء لـ... حسناً، هذا مرعب نوعاً ما في الواقع. الآن كان عليها بلوغ حقيقة الأمر، وإلا فلن تغمض لها عين الليلة. خاضت ساسكيا نحو الشاطئ وارتدت ملابسها بسرعة، مراقبة دائرة الضوء وهي تتأرجح بينما تتحرك. وكانت متأكدة تماماً أنها عرفت الإجابة مسبقاً، لكن ماذا سيحدث عندما تغمض عينيها؟ أجل. ما زالت هناك. أكد ذلك إذن. أياً ما كان، فقد كان داخلها. تعربد على مقلتي الرقيقتين والعصيريتين، فكرت بقشعريرة. وعند تفقد الضوء عن قرب، أدركت أنه لم يكن مجرد دائرة. بل كانت هناك تفاصيل أدق لم تلاحظها في السابق. وعلى جانب واحد كان هناك بروز طفيف، وكانت هناك مناطق داكنة وأكثر إشراقاً عبر سطحه. وحينها حظيت بإشراقتها الأولى. وعندما أدارت جسدها، استدارت الدائرة معها! كيف فاتها ذلك من قبل؟ لقد كان واضحاً جداً، الآن بعد أن التفتت إلى التفاصيل. دارت دورة كاملة بثلاثمائة وستين درجة، وراحت تراقبت النتوء الصغير وهو يدور طوال محيط دائرة الضوء، ليعود إلى مكانه الأصلي في نفس الوقت الذي عادت فيه هي. وقفت بجانب حجر على الضفة العشبية، ثم استدارت مجدداً، عدة مرات، بينما كانت تنظر إلى قدميها. وبقي النتوء يشير إلى الحجر. هذه بوصلة، أدركت. بوصلة في عيني. ما أغرب ذلك! غريبة ومفيدة. مفيدة للغاية. على الأرض، تشير بوصلة إلى الشمال. لكن هذه لم تكن الأرض، فأين كانت هذه تشير إذن؟ وبنظرة إلى السماء، تلقت إجابتها على الفور. ما هو المحور المركزي للشجرة؟ جذعها، بالطبع! تشير هذه البوصلة باتجاه الجذع. وكلما ركزت أكثر على الطيف، بدا أكثر وضوحاً وملموسية. وباتت المزيد من التفاصيل تظهر على سطحه. والألوان. حاز معظم سطح البوصلة على مسحة خضراء، ولكن كانت هناك بقع من القشطة وأحمر السلمون وبني الخشب. وكان هناك شق أزرق محمر يتعرج نحو المنتصف. أو لعلة لم يكن شقاً. عادة ما تسلك الشقوق طريق المقاومة الأقل، لكن هذا الخط التوى هنا وهناك، دون عجلة للذهاب إلى أي مكان. وبدا أشبه بـ... أشبه بنهر. مثل ذلك النهر. مثل الذي كانت تقف بجانبه مباشرة. ليس بوصلة فحسب، أدركت. بل خريطة أيضاً. بدأت هذه الخريطة الدائرية الصغيرة تبدو مألوفة بشكل غريب لساسكيا. وبدت أقل شبهاً بنوع الخريطة التي تراها على هاتف ذكي أو لوحة تحضيرية لسيارة، وأقرب إلى خريطة مصغرة في... في لعبة فيديو. وليست أي لعبة فحسب. بل خريطة محددة جداً للعبة معينة؛ خريطة كانت مألوفة لها حميمياً، لأنها من قامت بتصميمها. ومع حلول الإدراك، بدا الكائن - الخريطة المصغرة - وكأنه يندمج ليتحول إلى نسخة شبحية لتلك التي صممقتها لثردز أوف نوتيلوم. وشعرت ساسكيا بأن عقلها يتمزق عند الحواف. فبعد كل ما اختبرته طوال الأيام القليلة الماضية، أصبحت متأكدة من أن هذا كله حقيقي. وأنها كانت هنا حقاً. وأن هذا العالم، مهما بدا غريباً، كان مكاناً حقيقياً. لقد أكلت، ونامت، وتنفست هواءً غريباً، وشعرت بالوحل يلتصق بين أصابع قدميها. بل ونزفت حتى. وشعرت بالألم. أي نوع من الألعاب يجعل لاعبيها يشعرون بالألم الجسدي؟ لا يمكن أن تكون هذه لعبة، أليس كذلك؟ ببساطة، لم تكن هناك طريقة... تنهدت ونظرت مجدداً إلى الخريطة. نظرت إليها حقاً، الآن بعد أن بدت ملموسة تقريباً كالعالم من حولها. وعند الفحص الدقيق، لم تكن مطابقة تماماً لتصميمها لنوتيلوم. لكن الاختلافات نبعت من حقيقة أن هذه بدت ككائن ثلاثي الأبعاد يطفو في الهواء أمامها، بدلاً من صورة على شاشة مسطحة. وشبهت بوصلة عتيقة أو ساعة ذات واجهة زجاجية، تحوي خريطة حيث تدور العقارب عادة. وظهر اتجاه البوصلة بسهم صغير على الخارج. وهناك نقطة في مركز الخريطة حددت موقعها. ولكن لم يكن هناك ما يذكر لرؤيته على الخريطة نفسها سوى النهر والغابة. ويبدو أن المعالم الكبيرة كانت بعيدة جداً. وكان من الصعب تقدير مقياس هذه الخريطة. لقد أضافت ساسكيا في البداية علامات مسافة إلى الخريطة المصغرة لنوتيلوم، لكنها تخلصت منها لاحقاً، مقررة أنها تبدو «تقنية» أكثر من اللازم بالنسبة لبوصلة خيالية عالية. والآن أردت لكمع نفسها لارتكابها ذلك الاختيار. لكنها كانت لتكون مفيدة في الوقت الحالي تماماً. ثم هربت الشمس خلف كسوف فرع، وبهت ضوء الغابة وظلها ليتحولا إلى كآبة مألوفة مسطحة وخالية من الملامح. واعتادت إطلاق اسم رؤية الظلام على هذا التأثير. وما إن دخلت رؤية الظلام حيز التنفيذ، حتى أصبحت الخريطة المصغرة ضبابية وغير واضحة. وأدى هذا الاكتشاف إلى إشراقة أخرى. كانت رؤية الظلام غطاءً، تماماً مثل الخريطة! ومع خفوت الضوء، تولت هذه الرؤية الثانية الزمام، مستبدلة الظلام الحالك تقريباً الذي رصدته عيناها. وكان الانتقال سلساً تقريباً، لذا لم تفكر فيه مرتين حتى الآن. وكأنها كانت تشاهد في نفس الوقت نسختين مختفلتين للمشهد نفسه فوق بعضهما البعض. والآن، سيطرت رؤيتها للظلام، لكن مع القليل من الجهد الواعي، استطاعت التمييز بين الاثنتين... لعدم وجود كلمة أفضل، كانت لتسميهما طبقتين. وكانت خريطتها طبقة ثالثة، تبدو وكأنها تتنافس مع رؤية الظلام، وتخسر... وعندما بدأ الضوء الحقيقي يتسلل إلى الأسفل عبر المظلة بعد دقائق قليلة، عادت الخريطة معه. وبدأت تتبع النهر، محتفظة بنظرة فاحصة على الخريطة وهي تمشي. وكان السير بطيئاً، كالمعتاد. وفي الأماكن التي كان النهر فيها هادئاً، وجدات أن الخوض في الماء أسهل من محاولة شق طريقها عبر الكروم الزاحفة والفروع الملتوية على ضفة النهر. وسرعان ما كونت شعوراً جيداً جداً بحجم الخريطة. لقد بلغ قطرها نحو كيلومتر واحد؛ وهي مساحة صغيرة جداً، لكنها أفضل بكثير من التحسس بعمى عبر الأشجار، دون معرفة ما قد تتعثر به بعد ذلك. وبدت الخريطة الطيفية تستجيب مباشرة لأفكارها. استطاعت جعلها تبهت وتظهر مجرد رغبتها في حدوث ذلك. وكلما ركزت انتباهها عليها لفترة أطول، أصبحت أكثر حدة. وبعد دقائق طويلة من التركيز الشديد، استطاعت تغيير لون حدودها من الفضة إلى... ظل أزرق قليلاً من الفضة. تقدم! ويا للأسف، بدا ذلك الحد الأقصى لتحكمها بها. في العديد من الألعاب، بما فيها نوتيلوم، استطاع اللاعب التقريب والابعاد، لضبط مقياس الخريطة المصغرة. وستكون هناك أيضاً خريطة بملء الشاشة يمكن إحضارها بضغطة زر. وهنا، لم تكن هناك أزرار واضحة، ولم تكن تمتلك فأرة أو وحدة تحكم أو شاشة تعمل باللمس لتضغط بها على أي حال. وحاولت تركيز نظرتها، والرمش، والأوامر الصوتية، بل وحتى المد والضغط على الكائن الطافي بأصابعها (أو على الأقل البقعة التي بدا وكأنه يظهر فيها). وبالطبع حاولت أمره بعقلها. وبعد نحو ساعة من هذا، تخلت عن الأمر بإحباط. محبط، لكنه ليس غير متوقع. ربما ستأتي تلك «الميزات المتقدمة» بمرور الوقت، بمجرد أن تدرب عضلاتها العقلية بشكل أكبر. لقد استغرق الأمر أكثر من يومين حتى يظهر شبح الكائن أمامها. حل الليل باكراً اليوم. أو ربما كان مجرد ارتباكها وحماسها حيال هذه الواجهة الجديدة مما جعل الوقت يمر بسرعة. وأياً كان السبب، فقد ظلت مستيقظة لساعات، مفكرة في تداعيات ما حدث. كان هذا كله غريبآ جداً، وغير متوقع لدرجة أنها لم تعرف كيف تستوعبه. أكانت داخل لعبة؟ لقد استبعدت الفكرة بسرعة كبيرة في تلك الليلة الأولى. نعم، كان ذلك قبل ظهور خريطة مصغرة أمامها، ومع ذلك، لم تبدو أكثر معقولية الآن عما كانت عليه حينها. ولم تقترب أي لعبة واقع افتراضي حديثة من هذا المستوى من الواقعية. ولم يحاولوا حتى محاكاة اللمس أو الحرارة أو التذوق أو الشم. وجعلت الأفلام الشهيرة يبدو أن هذا النوع من الأشياء وشيك، لكنه لم يكن كذلك حقاً. عرفت ساسكيا مقدار العمل الذي يتطلبه صنع حتى أبسط الألعاب برسومات وصوت خامين. شيء بهذا الانغماس... لم يكن ممكناً. ليس الآن. وربما ليس حتى بعد مئة عام من الآن. أجل أجل، كانت متغطرسة بعض الشيء بادعاء معرفة ما هو ممكناً، حين لا يفترض أن يكون أي من هذا ممكناً. كما لم يكن السفر إلى عالم بديل والاستيقاظ في جسد جديد ممكناً أيضاً. لكن الفارق كان أن ساسكيا عرفت التكنولوجيا الحديثة والفن وتصميم الألعاب. ولم تعرف السحر. كان السحر غير قابل للإدراك. جعل السحر أي شيء ممكناً. لكن التكنولوجيا المتقدمة سحرياً، ما لم تكن من المستقبل البعيد، أو من اختراع كائنات فضائية، كانت مجرد... خيال علمي سيء. والآن، فضلت الإيمان بالسحر. وعموماً، كان الأمر كما هو، بغض النظر عن كيف أتى. وما كان عليه... كان مفيداً حقاً. لن تضطر للقلق بشأن الضياع مجدداً! لا مزيد من الاضطرار لتسلق الأشجار لمجرد معرفة إلى أين تتجه. لا مزيد من العودة العرضية بالخطوات، والتي تكلفها ساعات من التقدم. والآن امتلكت خريطة وبوصلة في رأسها! وكأنها استعادت هاتفها الذكي مجدداً. حسناً ربما، ليس جيداً إلى هذا الحد. امتلكت الهواتف الذكية خرائط قابلة للتدرج وتخطيط مسارات وكاميرات وبريداً إلكترونياً وفيديوهات وموسيقى وألعاباً صغيرة سخيفة. وحتى شيئاً بسيطاً مثل ساعة. كانت لتمنح ثديها الأيسر مقابل ساعة الآن، في هذا العالم الجديد الغريب، حيث لم تستطع حتى الاعتماد على الشمس لتتحرك في نفس الاتجاه وبنفس السرعة، من يوم لآخر. اللعنة، لقد افتقدت هاتفها الذكي... وعندما داعب ضوء الفجر الأول وجهها المجهد، انضم إليه ضوء أكثر سطوعاً طفا في الهواء أمامها بينما كانت ترمش وتتثاؤب. واحدة أخرى؟ فكرت ببلادة. ما الأمر هذه المرة؟ هذه... المرة. وفي غضون ساعات قليلة، تحول الكائن الشبحي الجديد إلى شيء يشبه كثيراً وجه ساعة ميكانيكية قديمة الطراز، ولكن دون أي أرقام، وبساعات كثيرة جداً معليمن على محيطها. وخلف العقارب بطيئة الدوران كان هناك تصوير منمّق للشمس وهي تقوم بحلقات بطيئة في السماء فوق صورة ظلية شفافة لشجرة العالم. وكان هناك مسار مشرق يشير إلى المكان الذي ستذهب إليه الشمس على مدار اليوم. وتطابقت حركات الشمس الصغيرة خلف فروع الشجرة بدقة مع حالات الكسوف التي شهدتها في العالم الحقيقي. أو أياً كان هذا العالم، إن لم يكن حقيقياً. وعندما تفقدت ساسكيا طبقة الواجهة الجديدة، تساءلت كيف ستتعامل ساعة مع أيام هذا العالم ذات الأطوال المتغيرة. أستتم إعادة ضبط عدد الساعات كل صباح، أم أن هذا الرقم مجرد متوسط؟ ولم تكن متأكدة حتى من أن العلامات الموجودة حول الخارج كانت متباعدة حقاً بفواصل زمنية مدتها ساعة. وأخبرها حدسها أنها تمتد بالقرب من طول ساعة على الأرض، لكن كان من الصعب الجزم بذلك، إذ لم تمتلك ساعة أرضية تقيسها مقابلها. استطاعت جعل هذه الساعة تأتي وتذهب حسب الرغبة، تماماً مثل الخريطة المصغرة. وتماشياً مع الخريطة المصغرة، بدت وكأنها تم تكييفها من شيء صنعته لواجهة مستخدم ثردز أوف نوتيلوم. وتم قفل كاميرا نوتيلوم بمنظور أيزومتري علوي، لذا لم يستطع اللاعبون ببساطة النظر إلى الأعلى نحو السماء لمعرفة الوقت. وبدلاً من ذلك، وضعت رسماً توضيحياً للوقت على لوحة صغيرة باستخدام شمس وقمر يدوران عبر السماء (فوق طبقة من غيوم كرتونية إذا كان الطقس سيئاً). وتم إعداد نوتيلوم على كوكب يشبه الأرض كثيراً، لذا لم تقلق بشأن كسوف الفروع أو شمس منحرفة. ومع ذلك، امتلك هذا الشيء نفس النمط البصري. ومعدلاً فقط ليناسب عالماً مختلفاً. ودون قراءة رقمية للوقت، لسوء الحظ. وتنقبت جيئة وذهاباً بين الخريطة والساعة طوال الصباح، إذ واجهت صعوبة في إبقائهما معاً في نفس الوقت على الرغم من أنهما لم تشغلا نفس المساحة. وبدأت الخريطة تعرض معلومات لم تكن موجودة بالتأكيد بالأمس. والآن، كانت هناك نقاط خضراء وصفراء لم تكن بوضوح جزءاً من الغابة المحيطة. وبقيت بعضها في مكان واحد، بينما تحركت أخرى عشوائياً عبر سطحها. أيمكن أن تكون...؟ مشت ساسكيا حتى تم وضع إحدى العلامات الخضراء في مركز الخريطة، فوق النقطة التي تظهر موقعها مباشرة. ولم ترَ شيئاً في البداية، ولكن بعد لحظة، صدر صوت فحيح من الأعلى. والتفتت عيناها فجأة للأعلى، ورأت قطاً مقلوباً يتدلى من فرع عالٍ في المظلة، يرمقها بحذر. رائعة، فكرت، متراجعة عن الحيوان اليقظ. هذا الشيء يمكنه تعقب المخلوقات! لابد من وجود بعض الحد الأدنى للحجم أو الوزن أو الخطر لما تم عرضه، وإلا لكانت الخريطة بأكملها تعج بعلامات للملايين من الأشياء الضارة الصغيرة التي عاشت في الأشجار وتلفت أو تتلوى تحت القدمين. وإذا كان الأمر يشبه اللعبة (وكان كذلك بوضوح)، فإن اللون إما مثل موقف المخلوق تجاهها، أو التهديد الذي تشكله لها في مواجهة. قد يكون اللون الأخضر شيئاً لن يهاجمها ما لم يُستَفز، أو يمكنها هزيمته بسهولة إذا فعل. والأصفر... تلك التي ربما كان عليها الحذر منها. والأحمر... يعني الأحمر الموت. واصلت ساسكيا رحلتها باتجاه الجذع، محتفظة دائماً بنظرة فاحصة على الخريطة. وعندما كادت تسقط في حفرة، خطر لها أنه ربما كان عليها الانتباه أيضاً إلى المكان الذي تمشي فيه. لم تكن الخريطة بديلاً عن العيون. فلم تظهر تفاصيل صغيرة مثل تلك الكروم المزعجة المصيدة للفخوخ أو الثقوب اللقيطة العظيمة في الأرض. لقد كانت تحولت إلى أحد أولئك الأشخاص. أولئك الذين يمشون دائماً ووجوههم غارقة في هواتفهم، ولا ينتبهون إلى المكان الذي يذهبون إليه. أه، هلا، ما هذا؟ كان هناك شيء جديد على حافة خريطتها. أيقونة صغيرة على شكل منزل. وظهرت منازل أخرى في المنظر كلما اقتربت. واقتربت بحذر، ملاحظة العلامات الصفراء والبرتقالية التي تتحرك حولها. ومن خلال التلصص عبر أوراق الشجر، رأت ساسكيا أن المنازل الفعلية لا تشبه أيقوناتها على الإطلاق. كما كانت مختلفة تماماً عن أبراج الحجر الأنيقة والممرات الملتوية للبلدة التي هربت منها في تلك الليلة الأولى. وبدا أن غالبية المباني قد نمت بدلاً من تشييدها، بجدران غير منتظمة مغطاة باللحاء في كل أنواع الزوايا الغريبة، وتبرز منها فروع مورقة. ما أبسطهم... كأقزام. لكنه ليس عملياً جداً. ماذا سيحدث عندما يكون هناك حريق غابات؟ أو ربما كانت لديهم طرق أخرى للتعامل مع ذلك. طرق سحرية. وانزلقت شخصيات نحيلة بأثواب رقيقة وعباءات متموجة بين المنازل والأشجار. ولفترة وجيزة، فكرت في فكرة المشي ببساطة حتى الأقزام وتقديم نفسها. ثم تذكرت أنها لا تستطيع التحدث بلغتهم، وفي المرة الأخيرة التي رآها الأقزام فيها، حولوه إلى وسادة دبابيس. ولم تكن في عجلة لتكرار هذه التجربة. من الأفضل عدم البقاء. وبينما كانت تتراجع عبر الشجيرات، سمعت صوتاً خافتاً. والآن أصبح هناك سهم في كتفها! وكان اثنان من الأقزام قد دارا حول المكان ويتعقبانها. ولم تكن تراقبهما عبر الأشجار، لكنهما كانا يراقبانها بوضوح. وقت وسادة الدبابيس، فكرت بأسف وهي تهرول مبتعدة، شاغرة بضربة سهم آخر يغوص في ظهرها. كان يجب أن أعرف أنهما سيكونان قادرين على رصدي في هذا المدى. فأنا خفية كخرتيت يهاجم. وراقبت ساسكيا العلامات البرتقالية وهي تبتعد أكثر فأكثر خلفها. وعندما غيرت مسارها، استمرتا في التقدم بخط مستقيم، فاقتفاء أثرهما ضاع على ما يبدو. وفقط عندئذ تنفست الصعداء، وأمضت لحظة لنزع الأسهم. ومحبطة، تابعت رحلتها. وكل من قابلتهم حتى الآن امتلكوا سياسة القتل الفوري تجاه العملاق. أكان هذا قدرها منذ الآن فصاعداً؟ أن تطرد من كل قرية، وأن يُطارَد كل تحرك لها، حتى ينفد حظها في النهاية وينتهي الأمر برأسها كتذكار يزين جدار أي صياد؟ وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، أدركت ساسكيا شعوراً بالوخز يتسلل إليها. ومتسائلة عما قد يكون، تفحصت محيطها وراحت تفحص خريطتها. وحينها لاحظت شيئاً غريباً. وكلما حاولت النظر إلى أجزاء معينة من الخريطة، شعرت بأن عينيها تنزلقان بعيداً عنها دون رؤية حقيقية لما كان هناك. وبدت كتصوّرات عمياء سحرية، إلا أنه بعد بعض التجريب، وجدت أنه كان أقرب إلى خط متعرج مفرد بدلاً من مجموعة نقاط. ورسم الخط مساراً قطرياً تقريبياً لأسفل عبر الخريطة من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي. وأدركت أنه كان يصرف أكثر من مجرد عينيها. فقد كانت تتجنب تلك المنطقة دون وعي لبعض الوقت، منجرفة ببطء نحو الشمال الغربي، بدلاً من التوجه شمالاً مباشرة كما نوَت. تباً لذلك! لم تكن ساسكيا على وشك السماح لبعض الخزعبلات الغامضة بالعبث برأسها! غيرت مسارها، دافعة مباشرة نحو معلم على الجانب الآخر من الخط الطارد؛ تشكيل صخري كبير يظهر في الشمال الشرقي لخريطتها. ومع المضي قدماً، أبقت عينيها ملتصقتين بالصخور للتأكد من عدم ابتعادها. وبدا وكأن وزناً عظيماً يضغط عليها، مخنقاً إياها. وازداد الشعور باطراد، حتى أصبح من الصعب التفكير بوضوح. وكانت أذناها ترنان، وعرفت أنها لو كانت في جسدها القديم، لتعرضت لنوبة أخرى الآن. وبدت الشجيرات أكثر كثافة أيضاً، وأكثر غדراً. وكادت تقسم أنها رأت كرمة تمتد لتعرقلها. ومع ذلك استمرت في المشي، ببطء وبشكل منهجي، نحو وجهتها. وبعد ذلك، ويا للبركة، زال الضغط. وفي الواقع، بدا الآن تقريباً وكأن هناك ريحاً خلفية. لقد عبرت... أياً كان ذلك، وخرجت إلى الجانب الآخر. وأطلقت ساسكيا صيحة فرح. "خذي ذلك، يا قوة صد العملاق! لا يمكنك إبقائيـ..." وتجمدت، مدركة فجأة صوت حفيف عبر الأشجار. كان هناك ما يقترب منها، وبسرعة؛ مطلقاً صوتاً متدفقاً ومطقطقاً جعل أسنانها تصك. وبالنظر إلى خريطتها، شتمت في سرها. وكان مصدر الضوضاء يتحرك أسفل الخط الذي رفضت عيناها النظر إليه. لذا لم تستطع رؤيته أيضاً. لم يكن هناك وقت للابتعاد. وبيأس، فعلت الشيء الوحيد الذي خطر بالبال. فتسلقت شجرة مجاورة، متوسلة أن تملك فروعها النحيلة القدرة على تحمل وزنها. لم تكن شجرة كبيرة بشكل خاص، لكن لم تكن هناك خيارات أفضل. وعانقت ساسكيا الشجرة بقوة، آملة ألا يفكر ما يقترب في النظر للأعلى. وكان أرجوحة يائسة، وعرفت ذلك. وارتفع الصوت الرهيب بصوت عالٍ وعالٍ، ووضعت الأشجار من حولها تهتز وتتأرجح بشكل ينذر بالخطر. وارتفع همس عدد لا يحصى من الأصوات في الهواء. واستطاعت الإحساس بوخز على جلدها، كعاصفة تتجمع. وفي الأسفل، انفتحت الشجيرات، متحركة ومسطحة وممتدة لإخلاء مسار لمن كان يطاردها أو أياً كان. وقفز عبر الفجوة المفتوحة تحت الأشجار مخلوق كبير بفراء داكن وأسنان كبيرة. وقفز للأمام، بأنف قريب من الأرض. ولم يكن الوحش ضخماً بالقدر الذي اقترحته الأصوات والأشجار المتأرجحة، لكنه تمتع بحجم مخيف بالمثل؛ بطول قامة تقريباً، وعضلات قوية. وبدا كابن عم أكبر وأكثر أسناناً للقطط المقلوبة، باستثناء أن هذا بالطبع، لم يكن مقلوباً. لذا... قط فحسب. وربما لم يكن هذا الوحش مسؤولاً عن سحر انحناء النباتات، رغم أنها لم تستطع التأكد من ذلك. وعلى الأرجح، كان المسؤول أو المسؤولان هما زوج الشخصيات النحيلة المرتدية العباءات والمرافقة للوحش. وجلس أحدهما ممتطياً ظهره، تماماً مثلما حاولت فعل ذلك مع قط جارها عندما كانت في الثانية من عمرها. وقد جلب لها ذلك صفعة عبر الأذن من القط، تلتها صفعة لفظية عبر الأذن من والدتها. وعبر المظلة المورقة، لمحت بشرة ذهبية وخضراء، وآذاناً مدببة، ووجوهاً شاحبة وشعر أصفر طويلاً. رائعة، فكرت. هذا ما أحتاجه تماماً. المزيد من الأقزام. وبدا هؤلاء وكأنهم خرجوا مباشرة من فيلم سيد الخواتم أو دليل الأبراج والحصون. وحازوا على ذلك المظهر الرشيق الكلاسيكي لكن المخنث قليلاً؛ على عكس الأقزام الخشنين والشعثين الذين صنعتهم ساسكيا لثردز أوف نوتيلوم. حسناً إذن، فكرت. ربما توجد الكليشيهات لسبب... وعندما اقتربوا، بدأ القط يشم الهواء. وتحدث الراكب بحماس. وزمجر الوحش وأدار رأسه من جانب لآخر، قبل أن يلتقي أخيراً بعيني ساسكيا. وأطلق فحيحاً قصيراً وحاداً. تباً. وفوراً، تبع الأقزام نظرة القط نحو هيئة ساسكيا الكبيرة وغير المموهة بشكل خاص. وكان هناك هبوب من الحركة وتبادل سريع للأصوات وإشارات اليد و... ضحك؟ أوه لم يعجبها هذا البتة. ورسم الراكب قوساً. وتشاتم ساسكيا متخبطة في الجانب الآخر من الشجرة. لكن ليس بالسرعة الكافية تماماً. وشعرت بضربة سهم يضرب ذراعها العلوية. لأجل الفستان، ليس هذا مجددآ! احتدمت. لماذا لا أواجه أبداً الغوغاء المعتادين من التلفزيون والأفلام، والذين لا يستطيعون إصابة جانب الحظيرة العريض؟ وبالطبع، كانت بحجم جانب الحظيرة العريض تقريباً. وربما كان لذلك علاقة بالأمر. وتسابق عقل ساسكيا، محاولة التفكير في بعض الحلول لمعضلتها. ولم تكن هناك خلية نحل سهلة لإسقاطها على رؤوسهم، لذا لم تستطع التصرف ككاتنيس للهروب من هذا. وحازت على رمحها، لكنها افتقرت إلى الإرادة والمهارة لقذفه كرمح قصير. وشكت في قدرتها على الهرب من هؤلاء الرجال ببساطة. وسينتهي هذا بالدم، وعرفت ذلك جيداً. دوغراميت! لم ترغب في قتال الأقزام. واعتبر الأقزام الأخيار المفترضين. ومجدداً، ملأ صوت منخفض الهواء، بادياً وكأنه قادم من كل مكان حولها، كهمس ألف صوت. وبالتلصص من خلف الشجرة، رأت قزماً يقف بساقين متباعدتين، رافعاً بيمناه فرعاً متعرجاً وعليه حجر كهرماني اللون يتوهج بخفوت. ليس فرعاً فحسب إذن. بل عصا سحرية. وتموج شعره وعباءته حوله، على الرغم من أن الهواء في كل مكان آخر كان ساكناً تماماً. وكأن هناك شخصاً يقف خارج الإطار يوجه نحوه منفاخ هواء عملاقاً. ما عدا عدم وجود شاشة. وظهرت قطرة من سائل كهرماني متدفق في الهواء فوق رأسه، تكبر وتكبر مع كل لحظة تمر. وبدا كساحر تماماً يوجّه تعويذة. في الواقع، هذا تماماً ما كان عليه، أدركت. هذا الرجل ساحر! وتوقف الهمس الغريب، وفي تلك اللحظة، أطلق الساحر تعويذته، وانطلقت قطرة السائل باتجاهها. ورمت نفسها من الشجرة. وبصياحة، هوت إلى الأرض، هابطة بقوة على يديها وقدميها، واصطدمت عصاها بأرضية الغابة المغطاة بالأوراق. واخترق الألم ذراعها بينما وسعت الصدمة الجرح الذي تسببت فيه السهم. وبعد لحظة، أمطرت عليها الأوراق والفروع والخشب المحترم ورذاذ قطرات دقيقة. وأينما ضربت القطرات الجلد المكشوف من رأسها وأطرافها وظهرها، شعرت بوخز حاد، وسمعت فحيح اللحم المحترق. وبإلقاء نظرة لأعلى، رأت أن قمة الشجرة قد... اختفت. وما بقي من جذعها كان مخططاً بطلاء لزج أزال حتى الآن اللحاء والخشب، وأطلق دخاناً كثيفاً إلى السماء. كان ليكون أنا، فكرت بذهول. واستدارت ساسكيا لتواجه مهاجميها.
أندرمايند الفصل 3 — وسادة الدبابيس
اقرأ أندرمايند الفصل 3 — وسادة الدبابيس باللغة العربية على مانجا تايم.