مسحت حبة رمل عن عينها ورمشت وهي تنظر إلى ذلك الجسد العضلي الذي يشق طريقه على وجه الجرف فوقها بدقة. وجدت نفسها من جديد أسيرةً لذلك الشعر الكثيف المجعد الذي يتطاير من تحت خوذته البرتقالية. رغبت في مد يدها وملامسة تلك الخصلات. أترى كان ليخرخر لها؟ "حبل!" أفاقها صوت إيفان على الواقع الحالي. لم يكن ينعتها بالكسول بل كان يطلب منها تخفيف الشد عن الحبل. استجابت ووبخت نفسها على هذا السهو العابر. كانت هذه المرة الأولى لصديقها التي يقود فيها صعوداً متعدد الحبال. لقد أبلى بلاءً حسناً حتى الآن لكن السقطات تحدث في لمح البصر ومن دون أي إنذار. لن يفيدها التغزل بشعره لو وقع أمر كهذا. أطلقت نفساً خفيفاً بينما ربط إيفان حزامه في محطة التثبيت الثالثة. أطلق صيحة حماس وابتسم لها مبتغياً تثبيت الحبل من الأعلى. جاء دورها لتتسلق. كان هذا الحبل الثالث الأصعب غير أنها قادت هذا المسرب من قبل. يزيل الوقوف في المرتبة الثانية قدراً كبيراً من الخطر والتحدي. شعرت رغم ذلك برعشة عند إلقاء نظرة من حافة الرف على السقطة المدوية نحو الصخور المسننة التي تبعد ثمانين متراً إلى الأسفل. لا شيء يضاهي الخوف البدائي لتحريك الدورة الدموية. عادت إلى وجه الصخر فهدأ روعها وتحولت أفكارها إلى الجوانب التقنية. غرزت أصابع قدميها وأيديها في شقوق الصخر متسللة عبر القسم الأكثر صعوبة ومفككة ومشتبكة الحلقات المعدنية تدريجياً. ومن هناك كان العبور سهلاً فوق بلاطة مائلة بزاوية ستين درجة نحو الصدع أو المدخنة التي ستوصلها إلى معظم المسافة نحو الرف الذي يقف عليه إيفان. وفي منتصف البلاطة حدث جذب حاد ومفاجئ لظهرها وكادت تفقد توازنها. كان ذلك غريباً. ركبت حبالها في مقدمة حزامها لا في ظهرها قطعاً. أكدت نظرة سريعة عدم تعلقها بشيء. لابد أنه خيالها. "أنت بخير هناك؟" صاح إيفان الذي أصبح على بعد عشرين متراً فوقها. "ظننت أنني شعرت بـ... لا بأس." هزت رأسها لتطرد ذلك الشعور الغريب وتابعت عبورها. وها قد عاد مجدداً شعور الجذب وبحدة أكبر من ذي قبل. العجيب أنها لم تستطع تحديد اتجاه سحبه. اشتد الإحساس واجتاحتها موجة دوار مصحوبة برتعشة سرعان ما غمرت جسدها بأسره. وما هي إلا لحظات حتى وجدت نفسها تهوي للخلف وتدور في نهاية حبل شد بغتة. وبصوت مكتوم مقبض اصطدم مؤخر رأسها بشيء بارد وصلب وخشن. علت صيحة من الأعلى. ثم وجدت نفسها في مكان آخر. اختفت ملابسها. كان المكان دافئاً ومظلكاً ورطباً وهناك... شيء عالق بظهرها. ليس حبلاً بالضبط بل أشبه بلمسة رفيعة أو كرمة تنبت أوراق دقيقة على طولها. وفي الطرف الآخر من ذلك الزوائد اللحمية كائن مائي صغير بحجم رأسها يجر خيوطاً دقيقة وهو يسبح بكسل حولها كقنديل بحر معلق في سنارة. لم يكن الكائن قنديل بحر على الرغم من أن لحمه اللامع الشفاف وشكله المتموج أثنى على تلك الفكرة. كانت هناك أجنحة تشبه سمكة الشفنين وذيل قصير ومختلف الأطراف والزوائد التي عجزت عن تخيل وظائفها. بدا هذا المكان... وهذا الكائن بكل غرابته مألوفاً لها بطريقة ما. لم تكن خائفة. شعور الكائن المجنح الصغير... جزء منها بطريقة مبهمة. وكانت... في بيتها. وفي اللحظة التالية عادت إلى العالم الذي تركته للتو. لكن ليس بالحال التي غادرته عليها. أصبحت الآن بعيدة عن وجه الصخر وتشعر بصدمة الهواء البارد على بشرة مكشوفة أكثر من اللازم. أين حزامها؟ والحبال؟ وملابسها...؟ كانت شجرة صنوبر مرشوشة بالثلج غير الذائب تنهض لتحيتها. "أهلاً أيتها الشجرة" قالت بينما فر العقل من فكرها المحموم. "آمل أن تكوني لينة." لم تكن كذلك. تمددت وسط الثلج الموحل تحت الشجرة ملتوية وممزقة تحاول تبين أي من الأشياء الكتلوية التي تشعر بها تحت جسدها المنهك هي فروع مكسورة وأيها عظامها المهشمة. خيم ضباب رمادي مبدداً بعض الألم. وتوقفت عن الارتجاف. تكسرت الأغصان والثلج تحت خطى ثقيلة تقترب. أفلتت من شفتيها أنة مبهمة خشنة. واستمرت الخطى بطيئة ومنهجية. كان أحدهم قريباً جداً. ألم يروها؟ لماذا لا يهرعان لنجدتها؟ حاولت لفت انتباههم مجدداً لكن الصوت الوحيد الذي أصدرته هذه المرة كان حشرجة لهاث. ثم ظهر للعيان وتجمد ما تبقى من دمائها في عروقها. رفعت بصرها نحو وميض عينين رماديتين باهتتين لدرجة يكاد يختفي معها قزحتاهما. كان وجهه المحايد الجنس أبيض وبارداً كالثلج وجامداً كقناع مرتسماً في عبوس دائم. وخارج إطار الوجه لم تدرك سوى إحساس غامض بالشكل واللون نظراً لأن جسد الكائن كان مغطى بضباب أبيض متموج. اقترب أكثر وشعرت بقلبها يتحجر في صدرها. رأت موتها الوشيك منعكساً في تلك العينين الشاحبتين. "ليس هذا ما حدث حقاً" همس صوت في الرياح. "لم يكن هنا قط. جاءت مجموعة تسلق أخرى لإنقاذك وطلبت مروحية. تذكري!" أفاقتها الكلمات دافعة بأفكارها لتتخبط على السطح. لم تتذكر عملية الإنقاذ نفسها لكنها تذكرت ما تلاها الاستيقاظ في المستشفى وفترة التعافي الطويلة... كانت الآن مستلقية على نقالة على متن مروحية إنقاذ رغم أنها لم تستطع تذكّر كيفية وصولها إلى هناك.حدقت في المسعف الرمادي الجالس بجانبها بذهول. أو هكذا بدا مرتدياً زي مسعف على الأقل. لكن ذلك الوجه... لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً. "آه هذا تحسن" قال كالبرت بيتربي ملتفتاً حول مقصورة مروحية الإنقاذ. كان صوتاً واضحاً وسط ضجيج المحرك الذي بدا مكتوماً بشكل غريب وكأنها تسمعه من قاع البحر. "أبي...؟" تمتمت مندهشة من بقاء الكلمات قادرة على الخروج من حلقها المهشم. نظر إليها بعينين تشبهان ظلالاً سائلة. "نعم... ولا. أنا لست هنا حقاً أترين. ولست أنتِ كذلك بالطبع لكنكِ حاضرة هنا أكثر مني. أنا مجرد صدى طيف إن شئت." كان صوته هو الصوت الذي سمعته في الرياح. وجذبتها كلماته مجدداً. لست هنا حقاً... كانت داخل ذكرياتها؛ ذكريات ظنت أنها ضاعت لكنها عادت بطريقة ما في صورة هذا... الحلم الجلي. ومع هذا الإدراك زال الألم. فكت ساشكا الأشرطة التي تثبتها وجلست على النقالة وعظامها سليمة ولحمها مكتمل مجدداً. "إذن الأمر حقيقي إذن؟" سألت طيف أبيها. "أنت... مت؟" "نعم... ولا" كرر. "الموت يعني شيئاً مختلفاً لأهل السهول عما يعنيه لأمثالك أو أمثالي." "ما المفترض أن يعنيه هذا؟" "أنا مندهش لأنكِ لا تعلمين بالفعل. أنتِ ابنتي. أنسيتِ الدروس التي علمتكِ إياها؟" "أي دروس؟" احتجت. "لم أتقابلك في الواقع الحقيقي. لقد هربت قبل أن أُولَد حتى!" "هاه" قال. "أنتِ محقة. أتساؤل لمَ فعلت ذلك." "تقصد أنك لا تذكر؟" هز رأسه. "لا تمتد ذكرياتي إلا حتى تدمير فمويته المحلية. لا شك أن أباك الحقيقي تطور على مدى القرون منذ ذلك الحين. ظننت فحسب أنه كان ليعلمك لأن هذا ما كنت لأفعله." "حسن أنت لم تفعل. وهو لم يفعل. لذا أرجوك أنير بصيرتي." "للأسف لا وقت لذلك الآن" قال ناظراً من النافذة إلى جبال الألب المتضائلة. "لن يستسلم بهذه السهولة." تسللت شظية من الرعب إلى معدتها. هرعت صامتة نحو النافذة لترى ما ينظر إليه. سار تمثال ضخم فوق قمة بعيدة محاطاً بغيوم عاصفة لكنه قابل للتمييز فوراً. الكائن نفسه الذي جاء لأجله على سفح الجبل لكنه متضخم إلى أبعاد هائلة. "ما اللعنة التي تجري هنا؟" سألت ساشكا بصوت مرتعش. "هذا" قال "هو أبيليون." "الملك؟" أطلق كالبرت شخير ازدراء. "الملوك مبالغ في تقديرها. لكن هذا خطير. عليكِ الرحيل. ابحثي عن مكان قوتك الخاص." "هاه؟" تنهد الرجل الذي يشبه أباها. "كما استنتجتِ بلا شك فهذا حلم من نوع ما. تملكين السيطرة في النهاية حتى وإن سعى أبيليون لتحريف الحلم لمصلحته. جلبكِ إلى هذا الزمان والمكان حيث كنتِ ضعيفة وهشة. لا تدعيه يبقيكِ هنا." راقبت ساشكا العملاق وهو يخطو فوق سفح تل وكأنه صخرة صغيرة. كان يلحق بها. "إن كان حلماً فلماذا لا أستطيع الاستيقاظ ببساطة؟" "لأنه لن يدعكِ تفعلين ذلك. لا يمكنك مقاتلته حتى تعثري على مكان قوتك. ولا تخدعي نفسك: قد يكون هذا حلماً لكنه يستطيع إيذاءك هنا. وربما تدمير فمويتك التي ستكون كارثية بالنسبة لكِ وأنتِ يافعة هكذا الآن." "ما بحق الجحيم هي الفموية؟" "لا وقت" كرر طيف أبيها مشيراً نحو النافذة. "حسناً" قالت متنفسة بعمق. "ماذا أفعل؟ أتمنى لو أنني بعيدة... لا أعرف... في جزيرة بكر ساحرة شواطئ رملية ومظلات شمسية وذلك الـ... oh." كانت تسترخي على رمال دافئة لما بدا أنه منتجع عطلات ساحلي في فانواتو. أو ما تخيلت أن مكاناً كهذا قد يبدو عليه. لم تذهب قط لأمر سياحة الجزر في حياتها الواقعية. وبالقرب من الماء نحتت فتاة صغيرة بعناية أسوار قلعة رملية معقدة باستخدام سكين زبدة. بدت تشبه كثيراً تلك القلاع التي نحتتها هي بنفسها بعناية عندما كانت طفلة. لقد بكت دمعات حزنى وهي ترى مساعيها المحبوبة تجرفها الأمواج لكن ذلك لم يمنعها من البدء من جديد مراراً وتكراراً... دوى صوت مدو واهتزت الأرض. انطلقت صرخات من الشاطئ حيث هبطت قدم ضبابية عملاقة مسوية أشجار النخيل والمباني بالأرض. ركض سياح مذعورون نحوها بأذرع تتخبط مثل أفلام الوحوش الرخيصة التي أحبت مشاهدتها سراً. "هذا لا يساعد!" صرخت واثبة على قدميها. استلقى كالبرت على كرسي استرخاء شاطئي بجانبها يبدو كأحد أولئك المفتولين العضلات عريي الصدر والمدهونين بالزيت في الملصقات التي اعتادت تعليقها على جدار غرفتها كمراهقة. تبّاً هذه صورة لأبيها لا تستطيع محوها من رأسها. أمال كأساً من التيكيلا باتجاهها. "قلت مكان قوة لا مكان سكينة. مع أنه ليس أياً منهما في حالتك. أنتِ حتى لا تحبين الشواطئ." كان ذلك صحيحاً؛ وبغض النظر عن القلاع الرملية لم تكن قط فتاة مهتمة بالشمس والشواطئ الرملية كثيراً. "كيف تعرف أصلاً ما لا أحبه؟" صرخت بينما كانا يركضان على الشاطئ بعيداً عن ستومبي مكستومبفيس. "أنا أنتِ بقدر ما أنا هو" قال جاداً بجانبها. "لكن هذا ليس مهمّاً الآن. عليكِ الرحيل." "صحيح" قالت ملتفتة إلى مطاردها. لقد تقلص مجدداً ليصبح بحجم بشري ويطير الآن في الهواء مخلفاً وراءه هالة من السحب البيضاء. "مكان القوة... مكان القوة... أين أنتِ؟" ثم وقفا على جانب الطريق فوق منحنى خرساني واسع وسط مناظر طبيعية جبلية قاحلة. وفي أحد جانبي الطريق كانت هناك بحيرة. وفي الجانب الآخر انحدار شديد نحو نهر والكثير من الآلات في الأسفل. أجفلت ساشكا. كان هذا سد هوفر. "دوغراميت! ليست هذه النوعية من القوة..." دون انتظار مطاردها لإظهار نفسه مرة أخرى أغمضت عينيها محاولة التفكير فيما قد يبدو عليه مكان قوتها الحقيقي. كان يحتاج لأن يكون مكاناً تستطيع فيه التحكم بتدفق الحلم. مكاناً تكون فيه هي الملك لا أبيليون. فكرت في قلاع الطفولة الرملية؛ وتذكرت بهجة الخلق الجامحة حتى وإن كانت تلك الإبداعات عابرة مثل هذا الحلم. ثم تحولت أفكارها إلى ألعاب الملوك بدءاً من الكلاسيكيات القديمة مثل بولوبوس ودنجن كيبر. وأثناء فترة تعافيها بعد السقطة لعبت إحدى تلك الألعاب بهوس لأشهر: محاكاة معقل خيالي تُدعى جدران أثير. وكانت إحدى نقاط الضوء القليلة في فترة مظلمة للغاية من حياتها. وعندما فتحت عينيها مرة أخرى كانت تقف فوق أسوار قلعة تطفو في الغيوم. طافت سفن هوائية حول الأسوار الخارجية مزودة بالمدافع. "بارع" قال كالبرت. "لكن كم من القوة تملكين حقاً في هذا المكان؟" أرسل دوي بطيء ومفرقع قشعريرة في عمودها الفقري. ثم رأت خصمها يمتطي تنفناً أبيض ويهبط من الغيوم فوقها. انطلقت البروق من أطراف أجنحة الكائن وهما يجلدان الهواء معلنة كل رفرفة جناح عن اشتباك رعش. دوت المدافع بينما ناورت سرب من السفن الهوائية حول التنين الاقتراب موجهة جوانبها نحوه. وتفتحت الانفجارات على طول أجنحة الكائن وبطنه السفلي. وأطلق زئيراً هديراً هز جدران القلعة. أدار التنين رأسه جانبًا واندفع تيار من النار الزرقاء مبتلعاً إحدى السفن الهوائية. وفي وميض سقط الحطام المشتعل من السماء واختفى. ولاقت سفنان أخريان نفس المصير تتابعاً بسرعة. نظرت ساشكا إلى التنين الذي يلوح أكبر فأكبر في السماء وهزت رأسها. لم يكن هذا مجدياً. فكرت في إعداد اللعبة، جدران أثير. لكن ما احتاجت إليه أن تكون لعبة حقيقية وهي في الخارج تنظر إلى الداخل. وطالما بقيت عالقة في الداخل مع أداء أبيليون فبإمكانه الوصول إليها عبر أي دفاعات قد تستحضرها. لكن ربما استطاعت فعل ما هو أفضل من ذلك. إعادة خلق نسخة حلم للعبة ملك كانت أمراً جيداً وحسناً لكنها لم تكن مجرد لاعبة ألعاب. كانت مطورة ألعاب وفنانة. وعلى الأرض صنعت عوالم كاملة على الورق وداخل عقول الحواسيب المتاهية. "أدركتها!" صرخت. "مكان قوتي هو... تماماً!" تغير المشهد. "...هنا!" جلست ساشكا على مكتبها في استديو صغير تحت نادٍ ليلي مشبوه. وحولها جلس زملاؤها الملوك فيرغَس وراجي وديف ترمش أعينهم بين شاشاتهم بينما تطقطق لوحات المفاتيح أثناء نسجهم لسطور الشفرة. "يا شباب" قالت "أحتاج مساعدتكم في بناء زنزانتي." "سنعرض التجريبي في... سالب ثلاثة أشهر" قال ديف عابساً للتناقض في تصريحه. "لا ينبغي لنا إضافة ميزات جديدة—" "اخرس يا ديف" قالت ثلاثة أصوات بتناغم. "أي نوع من الزنزانات؟" سأل راجي. "النوع الذي يجعل لاعبينا يرغبون في تعقبنا وإطلاق النار علينا" قالت. "ممتاز!" قال فهيرغَس. "هذا هو النوع الأفضل." أثناء عملهما ركزت إرادتها على القواعد التي تخيلتها لهذا السيناريو الحلمي. وكانت القاعدة الأساسية أن أبيليون داخل اللعبة ولا يمكنه الوصول إلى حقيقتها. وكل ما استطاع بلوغه هو مجسمها الافتراضي داخل اللعبة. نظرت إلى ذلك المجسم في محرر المستويات مبتسمة. كان متصيداً. متصيداً يتمتع بصحة لا نهائية فعلياً ومناعة ضد جميع السحر والتأثيرات الضارة؛ ويمكنه إلقاء كل تعويذة واستخدام كل مهارة تذكرتها من خيوط نوتيلوم. ولزيادة الاطمئنان ابتكر راجي أيضاً بضعة تعويذات جديدة فائقة القوة لها أسماء مثل تحجر أبيليون وتحول أبيليون وتفكيك أبيليون. ومثل تلميذات المدارس بضحكات متقطعة ملأ أصدقاؤها الزنزانة بمسوخ لا تموت يمكنها قتل أي شيء بضربة واحدة ولا يمكن توجيهها ضدها. ووضعوا فخاخاً حتمية تنقل ضحاياها إلى بداية الزنزانة. وأضاف فيرغَس اللمسة الأخيرة؛ مجال خفض يلغي تعويذات المتسللين وقدراتهم الخاصة ويفرض عقوبات ثقيلة على قوتهم وسرعتهم. "ما الذي تفعلينه بالضبط؟" سأل كالبرت بتعبير حائر مرسوم على وجهه. يبدو أن هناك حدوداً لما يمكنه استخلاصه من ذكرياتها. "أغش بالطبع" قالت. "لنباشر هذه الحفلة أليس كذلك؟" بتحميل اللعبة مع المستوى المخصص الذي صمموه أعادت ساشكا تآلفها مع عناصر التحكم (مر وقت طويل) ثم استندت إلى الوراء بانتظار دخول خصمها. وفجأة ظهرت عذراء جنية سمينة بجانب مجسمها مما جعلها تكاد تقفز من مقعدها. "من بحق الجحيم ليلو؟" طلبت معرفة ذلك. "ذلك أنا" قال فيرغَس ضاحكاً. "لا يمكنني ترك كل المرح لكِ وحدك." انفجرت أبواب الزنزانة للداخل وها هو يقف هناك: ملك دمار مكره. جعلت أصدقاءها يصممون الزنزانة ليكون لديه خط رؤية واضح لمجسمها. عليه فقط الوصول إليها. لكن بينهما وقفت أعمدة لكل مسخ خيالي في اللعبة من المينوتور إلى المانتيكور. تقدم أربوريوس. ثم طار للخلف واصطدم بالجدار لتوه متلقياً ضربة خطاف لحم عملاق في وجهه. ومع ومضة حركة عاد على قدميه مواجهاً بولغور الدموي وهو عادة زعيم زنزانة عرين الجزار في نوتيلوم الحقيقية. وبطريقة ما صمد أبيليون أمام ضربة كان مفترضاً أن تقتل أي شيء فوراً. ولم تحرك ضربة بولغور التالية لتربيعة مليمتر واحد. تقدم دافعاً الزعيم الضخم جانباً. "أظن أنني لست الوحيدة التي تستطيع الغش" قالت مرتعشة قليلاً. وإذا كان يستطيع ثني تلك القاعدة فماذا يمكنه أن يفعل أيضاً؟ تكدست المسوخ الأخرى على أبيليون ممطرة الملك المتقدم بالضربات والسهام والتعويذات. وتجاهلهم. ثم داس على أحد فخاخ النقل الفضائي فاختفى وظهر مجدداً عند المدخل بالمقلوب وعلى بعد متر فوق الأرض. ووقع في كومة غير لائقة. "لمسة لطيفة" قالت لراجي. ناهضاً عن الأرض خطى أبيليون نحو مجسمها. وترشح تعبيره بالحقد لكن حقاً لم يكن ذلك جديداً. وفي المرة الثانية وصل إلى مسافة أبعد قليلاً قبل أن ينتقل فضائياً وأدركت بغباء أنهم نسوا جعل الفخاخ تعيد تعيين نفسها. واستمر هذا لبعض الوقت. كانت المسوخ عديمة الفائدة إلى حد كبير. وكانت هناك الكثير من فخاخ يجب اجتيازها لكن بدا وكأن مواجهة ستقع بعد كل شيء. كانت تمني النفس بتجنب ذلك. وعندما اقترب بدرجة كافية بدأت هي ومجسم فيرغَس ليلو في قصفه بالتعويذات والسهام. وأقصى ما استطاعا فعله هو إبطاء تقدمه بالطاقة الحركية الأساسية. وبدت هجماتهم عاجزة عن إحداث أي ضرر وتجاهل كل تعويذات الشلل التي رمتها نحوه. وحتى الأسلحة الكبيرة متغيرات التحجر والتحول لم تستمر سوى ثانية معدودة بالرغم من أنها ضحكت لرؤيته يركض كخنزير صغير. وكان التفكيك هراءً تاماً مجرد هجوم عالي الضرر آخر ضد مخزون صحة لا نهائي. "لقد نفدت حيلى" قال فيرغَس عابساً وهو يكافح لمناورة مجسمه الرشيق بعيداً عن الملك فائق السرعة. "وأنا أيضاً" قالت. "أمم... ماذا عن غش المطورين؟" "جاري التنفيذ" قال راجي. وحدق في شاشته. "مهلا، لماذا وضع الملك ممكناً على هذه الشخصية غير القابلة للعب؟" أدارت عينيها. "لأنه ملك يا راجي." ثم لمعت في ذهلها فكرة. "أيمكنك محاولة تعطيله فقط؟" "بالتأكيد." كتب راجي أمر الغش. ثم بعد لحظة قال: "تبّاً! لن يتم إيقافه. ما الذي يدور في الجحيم هنا؟" "احذف الكيان داخل اللعبة فقط" اقترح ديف. "لا شيء يتفوق على سحر الحذف المقدس." "فكرة جيدة" قال راجي. "هستا لا فيستا يا حبيبي..." "...وقد مت" قال فيرغَس رافعاً يديه عند رؤية جثة ليلو المشوهة تتمزق نصفين بواسطة ملك. "وما زال هذا اللعين حياً!" تنفست ساشكا وهي تهرب بسرعة في الممر بعيداً عن أبيليون. "ابن اللعنة" قال ديف. "هكذا تقولها. ابن اللعنة. لماذا لا تستطيعين الشتم كبقية البشر؟" "اغرب يا ديف الحلم" قالت. "أنت أكثر إزعاجاً من ديف الحقيقي. حسناً يا شباب لقد اكتفيت من هذا. سأحاول... الدبلوماسية." "مثلما استخدمتها مع ديف للتو؟" قال فيرغَس. "نوعاً ما." كان بإمكانها الاستمرار في الركض وربما تفادت أبيليون لفترة أطول. لكن الأمر أصبح سخيفاً. وجب إنهاء هذا. لذا جعلت مجسمها يقف بثبات بينما أمسك بحلقها وعصر. وعصر. وعصر. "نعم أنت لست الكائن الألوهي الوحيد الذي لا يموت في هذه الزنزانة" قالت في سماعة الرأس متمنية انتقال صوتها لمهاجمها بطريقة ما رغم عدم وجود دردشة صوتية في لعبتهم. "يمكنني إعادة تعيين اللعبة في أي وقت وستعود إلى نقطة البداية." لم تكن تعلم حقاً إن كان ذلك سيعمل لكنها لم تكن على وشك إخباره بذلك. "أو قد تكون فكرة غريبة بالنسبة لك بما أنك ملك وما شابه... يمكنك ببساطة المغادرة واعتبارها تعادلاً." أفلت أبيليون مجسمها بغتة وحدق في الكاميرا. قفز في الهواء وبدا وكأنه يمسك بالشاشة مما انتزع صرخة فزع منها. كان ينبغي أن يكون هذا مستحيلاً. رُسمت خيوط نوتيلوم بمنظور متساوي القياس وكانت الكاميرا إن وجدت ككائن مادي داخل اللعبة -ولم تكن كذلك- لتكون في مكان ما فوق سقف الزنزانة بكثير. لكن أربوريوس بدا وكأنه أدرك طبيعة هذا السيناريو الحلمي. اصطدمت قبضة مغطاة بالضباب بالكاميرا وفي تلك اللحظة ظهر صدع صغير في منتصف الشاشة. "تبّاً" قالت شارعة في نزع سلك الطاقة. ومضت الشاشة لكن الصورة بقيت بينما راح يوجه الضربات تلو الأخرى وانقسم الشصد الصغير إلى عدة شدوق زاحفة نحو حواف الشاشة. لم يتبق لها سوى لحظات حتى يخترق أبيليون مكان قوتها. وبيأس قامت بشيء أخبرها الجزء العقلاني من عقلها أن فرص نجاحه قد تكون واحدة في المليون. لكن هذا كان حلماً وكان بإمكان عقلها العقلاني أن يذهب للجحيم. أمسكت ساشكا بأدوات التحكم وجعلت مجسمها يلقي تعويذة شفاء زائد على ملك. ولبرهة لم يحدث شيء. ثم انفجر أبيليون إلى نافورة من الدماء. أخذت نفساً مفاجئاً مندهشة لنجاح الأمر بالفعل. لكن تأثير الموت الزائد كان مبالغاً فيه بعض الشيء. وأحصت ثلاث عيون على الأقل وسط كومة اللحم. ضحك راجي. "رائع! لقد استغلت خطأ فائض الأعداد الصحيحة." ولا بأس بحقيقة أنهم ربما أصلحوا ذلك الخطأ قبل أشهر. حلمها؛ وقواعدها. كان بإمكانها تقرير الأخطاء التي أصلحوها وتلك التي لم يصلحوها بشكل أحادي وسيكون الأمر كذلك. ولم تكن متأكدة تماماً من تفاصيل خطأ فائض الأعداد الصحيحة لكنها سمعتهم يناقشونه. وخلاصة الأمر أنه لو أضاف أحدهم رقماً صغيراً -كمقدار الصحة المؤقتة التي تمنحها تعويذة شفاء زائد- إلى رقم كبير جداً -كمخزون صحة لا نهائي- فإن هذا الرقم الكبير جداً سيتحول إلى رقم سالب كبير جداً. وبعبارة أخرى تحول أبيليون من كونه خالداً إلى ميت جداً حقاً. "هل دمرت ملكاً للتو؟" سألت بصوت مرتعش. "في أحلامك" قال كالبرت. أجفلت ساشكا. "الآن عرفت من أين ورثت جينات النكات السخيفة." "على خطى الجد حسناً أحسنتم صنعاً يا طفلتي" قال أبوها. "لقد طردته من عقلك. لن يزعجك بتلك الطريقة مرة أخرى. لكن في العالم الحقيقي -أو أحد العوالم الحقيقية إن كان أي عالم يعتبر حقيقياً حقاً وهو موضوع فلسفي ثقيل جداً لهذا الحلم- ما زال أبيليون حياً جداً وغاضباً. ولم يكن يقاتل ذاتك النائمة طوال هذه الأيام الماضية فحسب بل أرسل مختاره نحوك أيضاً. لذا من الأفضل أن تستيقظي الآن." "مهلاً ماذا تقصد بأيام؟" "سترين. Oh وشيء آخر. لا تدعي الأقزام يكملون مشروعهم التحويلي الصغير. إنه ليس الخلاص الذي يظنونه بل هلاكهم."
كان السقف يتحرك. لا، هذا غير معقول. كانت هي التي تتحرك. نظرت ساسكيا إلى الأسفل، فرأت جيشاً صغيراً من العمال الموتى الأحياء يحملون المنصة الحجرية الهائلة التي ترقد فوقها. راحت تئن تحت ثقلها وهم يجرونها عبر مجموعة من الأبواب الحديدية الكبيرة إلى نفق طويل يتلوى هابطاً عبر درج شديد الانحدار. تبعهم رتل كبير من الحراس الهياكل العظمية إلى النفق، ثم أحكم إغلاق الباب ووقفوا قبالته، وقد أشهروا أسلحتهم. فكرت ساسكيا: «لقد عرفوا كيف يفتحون الأبواب ويغلقونها؟ أم أن ذلك من صنع روهيلدي؟» وكما توقعت، اندفعت روهيلدي، مرتدية درعها، من بين الحراس. قالت: «لحسن حظ الأسلاف! ظننت أنك لن تستيقظي أبداً.» كانت كلمات كالبيرت لا تزال حاضرة في ذهنها. كان عليها أن تستوعب أشياء كثيرة، لكن أمراً واحداً احتل الصدارة الآن. قالت: «يسعدني أن أراك أيضاً يا روهيلدي. لكن لدينا مشكلة كبيرة. لقد أرسل أبليون... مختاره لمواجهتنا؟ لا أعرف ما يكون، لكن الاسم لا يبشر بخير.» قطبت روهيلدي وجهها. وقالت: «تأخرت كثيراً في إخباري بذلك يا ساشكي. لقد اجتاح آذان الورق الحصن. إنهم على وشك الوصول إلينا!» قفزت ساسكيا عن المنصة، ولعل ذلك كان من نسج خيالها، لكنها كادت تقسم بأنها سمعت تنهيدة ارتياح تصدر عن العمال الموتى الأحياء. ألقت نظرة إلى الصفائح الفولاذية السميكة المثبتة إلى جسدها. بدا واضحاً أنهم طرقوها على عجل. سألت: «أنت من فعل هذا؟» أجابت روهيلدي: «أجل. ليست أفضل أعمالي، لكنني كنت على عجلة.» مدت ساسكيا ذراعيها وساقيها اللتين تيبستا من قلة الاستعمال. لم تعقها الصفائح المدرعة إلا قليلاً، رغم ضخامة حجمها. كيف تمكنت تلك القزمة الصغيرة من إلباسها إياها؟ قالت: «لا، إنها... جيدة. شكراً لأنك اعتنيت بي.» قالت روهيلدي: «اشكريني لاحقاً، إن بقينا أحياء حتى نحكي عنه. علينا أن نخرج من...» شق ضوء ساطع منتصف الباب. ارتج الباب وانفجر إلى الداخل، ودخل عبر المدخل جمع من الإلف الرثين، وقد لطختهم الحمرة من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم. كان أحدهم يحمل نصلاً طويلاً يتوهج بسطوع يؤلم عينيها حين تنظر إليه. خيل إليها أنها تعرف هيئته. حاولت ساسكيا في ذعر أن تفكر في وسيلة لتهدئة الموقف. صاحت بالإلفية: «تمهلوا، يا ألفاري! اخفضوا أسلحتكم لحظة ودعونا...» اندفع الحراس الهياكل العظمية إلى الأمام. وفي اللحظة نفسها، لوح الإلف بنصله الضوئي، فتحول ثلاثة من الحراس إلى شظايا من عظام مسودة وقطع من الفولاذ راحت تطرق جدران الحجر. «...نتحدث.»