…
بيب بيب بيب بيب
…
أخخ، مؤلم!
"…"
بيييب بيييب بيييب
اخرس!
"…"
ظهري يؤلمني… هل نمت على المكتب مجددًا؟
سأصاب بالشلل على هذا المعدل…
"…"
الساعة ما زالت السادسة، والمكتبة مغلقة حتى الثامنة؛ لماذا وضعت منبهًا بحق الجحيم!؟
…..
صحيح، عليّ تنظيف المكتبة.
"…"
اللعنة…
…………………………………………………….
نهض يوسف من مقعده، يكاد يسحق المنبه تحت كفه، مسندًا يديه على سطح المكتب الخشبي العتيق الذي ترك عليه آثار جبينه خلال نومه.
لف ذراعيه حول ظهره ليمطّ عضلاته المتخشبة، وارتجف جسده لحظة، كأنّ عموده الفقري يئن.
فتح الدرج السفلي، وأخرج منه فرشاة صغيرة ومكنسة قصيرة ذات شعيرات متآكلة، ثم اتجه نحو الرفوف ليبدأ طقسه الصباحي المُعتاد.
كان يوسف شابًا في الثانية والعشرين من عمره، يدير مكتبة صغيرة لا يتردد عليها أحد إلا نادرًا.
ذكرياته عن ماضيه ضبابية، تتخللها ومضات مؤلمة لا يستطيع تفسيرها. لا يعرف كيف وصل إلى هنا، ولا متى بدأ، لكنه تابع العمل لأن البديل كان أسوأ.
المكتبة نفسها كانت غريبة بعض الشيء؛ مدخل ضيق يفضي إلى قاعة تتوزع فيها خمس رفوف ضخمة من الخشب الداكن، تفصل بينها طاولات خشبية طويلة.
الجدران من حجر رمادي، والسقف من ألواح خشب مائلة، تنبعث منها رائحة الرطوبة والورق العتيق.
كان المكان أشبه بكنيسة قديمة منه بمكتبة حديثة، والهدوء الذي يلفّه يُخيم كالكفن.
وقف يوسف أمام أول رف، وبدأ يكنس الغبار بحركات ميكانيكية.
كلما انتهى من رف، استخدم المكنسة لدفع الغبار المتناثر نحو الزوايا، حيث يتجمع كأنه يحاول الهرب من عينيه.
وبينما كان ينحني ليمسح تحت الطاولة، لمح شيئًا لم يكن في مكانه:
كتاب بغلاف جلدي أسود، مرسوم في وسطه شجرة دقيقة التفاصيل، تتفرّع أغصانها بشكل مقلوب، وكأنها تنمو إلى الأسفل، تحيط بها زخارف دقيقة كدوامات لا نهائية.
توقف يوسف.
اتسعت عيناه العسليتان قليلاً. لم يفتح أحد باب المكتبة منذ البارحة… ولم يقرأ هو أي كتاب.
من أين جاء هذا؟
مدّ يده نحوه، وسمع صوت خطواته يتردد داخل القاعة الصامتة.
كل شيء داخله أخبره بأن لا يلمس الكتاب… ومع ذلك، لم يستطع المقاومة.
غلاف الكتاب كان ناعمًا بشكل مزعج، وباردًا كأنه قطعة رخام.
مرر سبابته عليه، فشعر بوخز خفيف، كأن الجلد ينبض تحت يده.
مسح جبينه بساعده، ثم فتح الصفحة الأولى ببطء.
"…"
شعر بدوار مفاجئ.
انهارت ركبتاه على الأرض، وارتطم ركباه بخشونة، حتى تمزق بنطاله عند نقطة الاصطدام، ومع ذلك لم يُصدر أي صوت.
تساقطت دموعه بغزارة على صفحات الكتاب… دموع حارقة، سريعة، كأنّ شيئًا انكسر داخله فجأة.
همس بصوت مبحوح:
— كيف نسيت؟
شهيق
— لا… لا! لماذا تذكرت؟
— كان من الأفضل أن أبقى ناسيًا…
— لمَ ذكرتني!؟ لمَ؟!
— اللعنة عليك… اللعنة! اللعنة!
ارتجف جسده كله، وارتسم على وجهه تعبير مزيج من الرعب والندم.
كانت الكلمات على الصفحة مكتوبة بخط عريض جميل، ومع ذلك كان في جماله رعبٌ غريب.
أحسّ وكأن الكتاب يهمس إليه… كأنه يعيد تشكيل كيانه كلمة كلمة، شعور لا يمكن وصفه، أقرب ما يكون إلى الجنون.
توقفت دموعه، لكن عيناه ظلّتا معلقتين على الصفحة المفتوحة، لا يرمش، لا يتحرك، كأن روحه تجمدت.
كل معاناته، كل ألمه، كل الذكريات التي دفنها تحت ألف طبقة من النسيان، كلها عادت دفعة واحدة.
أخيرًا، ومع نبضة خافتة تسري في قلبه، قرأ الجملة التي كُتبت في منتصف الصفحة، بحروف كأ
نها محفورة في قلبه:
…
…
…
…
…
قوم ذاكر.
الامتحانات على وصول.
————————
كتابة: شين
تدقيق: الخال
ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.