لم ينقطع طابور البشر أبداً. استمر بلا توقف طوال معظم اليوم. تكتفاً إلى كتف، زحفت الأرواح المشتتة والميتة ظاهرياً بعمق أكبر بلا انقطاع داخل فم النّفق اللانهائي. كانت عيونهم فارغة، وخطواتهم كليلة ومتثاقلة، وأيديهم تعتصم بما تبقى لهم من ممتلكات شحيحة سُمح لهم بالاحتفاظ بها. هؤلاء هم السكان الأصليون أصحاب الأرض الفعليون قبل أن تتحول أقدامهم إلى هنا. صاروا عبيداً اليوم ولا يفرقهم عنهم سوى الاسم.
لم تدرِ ميليسا أي مصير ينتظرهم عند وصولهم إلى الإمبراطورية، ولم تكن ترغب في معرفة ذلك أيضاً. هكذا كان الوضع أفضل بكثير. أقلعت منذ زمن طويل عن الاكتراث بمثل هذه الأمور. كانت هذه الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة بكامل قواها العقلية في عالم مشؤوم كهذا. كان غيرها أشد عناداً منها. وأعظم فضولاً. ولم يصمد أولئك طويلاً. مر قرنان منذ أن شرعت في حماية الإمبراطورية من خلف الكواليس، محافظة على شرف عائلتها.
غير أن هذا الكبرياء عجز اليوم عن تثبيت جنباتها. لاحقتها أحداث الأيام الماضية كطيف لا يمنحها حتى لحظة واحدة من الراحة. مقتل مرؤوسيها، وانسحابها المخزي، وهزيمة القوة الأساسية للفيالق، والوضع الحالي لابنة أخيها الكبرى فيولا. بدا الأمر ككابوس أبت نهايته أن تلوح. بيد أنها ما عادت قادرة على الإنكار. سيل البشر العابر كان دليلاً كافياً على حقيقة ما جرى. كانوا يرحلون حقاً.
ولم يكن انسحاباً منظماً، بل تصفية فورية وشاملة لجميع أصولهم. تخبّوا عمّا كدحوا لأجله طيلة حياتهم في ليلة وضحاها تقريباً. عجزت عن إدراك ما دفع القيادة العليا لاتخاذ قرار مماثل، لكنها أحجمت عن النبش مجدداً. ففرط المعرفة لا يورث صاحبه سوى الأثقال. كانت تمتلك أوامرها. وذلك يكفيها. من أجل هذا كله وجدَت نفسها في هذا المكان. ترمق من جديد سواد الهوة اللانهائية، وتنتظر الإذن بالانطلاق في رحلة العودة إلى الديار.
ستستغرقهم أسابيع داخل الأنفاق الضيقة، محرومين من رؤية السماء أو ملامسة النسيم لجلودهم. عدَّت الأمر أشبه بتعذيب حقيقي لكونها ساحرة رياح. تاقت إلى الفضاء المفتوح أكثر من توق البشر إلى الطعام. لم تكن الريح رفيقة فحسب، بل جزءاً من كيانها ذاته. شرع عقلها القلق يحاك تدابير لتجنب مصير كهذا. لو أسرعت واستخدمت كامل طاقتها، لأمكنها قطع الرحلة في أيام معدودات. راودتها الفكرة بغواية بالغة، لكنها وأدتها في مهدها بنفس السرعة.
فهي لم تكن وحدها بالنهاية، وحالة فيولا الحالية لا تسمح لها بالسفر مفردة. رغم تأكدها من وصول الفتاة بأمان على متن تلك القطارات الآلية التي شُقَّت قضبانها بعناية فائقة، إلا أن فكرة تركها وحدها هناك فاقت قدرة ميليسا على الاحتمال. على الرغم من ولائها للإمبراطورية وثقتها بقيادتها، أثار مجرد التفكير في ترك الفتاة فاقدة الوعي خلفها قشعريرة سرت في عمودها الفقري. هكذا كان تأثير سحرة العقل في الناس.
طبيعة قوتهم وحدها جعلتهم مكروهين عموماً. شبيهين بالمنبوذين بمعزل عن المعنى الحرفي. يفسد حضورهم مزاج المحيطين، ويشبه النوم جوارهم الاستلقاء على سرير من المسامير. ألا إن الإنسان أعرض ما يكون للتأثير العقلي حين يغفو. فكم يبلغ السوء إذاً حين تُترك فيولا أسبوعاً تلو الآخر بين أيدي هؤلاء؟ لو عقدوا العزم، فلربما لا تعود الفتاة التي تستيقظ هي نفسها التي أخلدت إلى النوم. رأت هذا يحدث أكثر مما تطيق إحصاءه.
دمى من لحم، سلبت كل ما منحها فرادتها يوماً. ما جعلها بشراً في الأصل. كان العبث العقلي من هذا النوع محصوراً بقرار إمبراطوري صارم بأعتى الأعداء، لكن ميليسا لم تكن بلهاء لتصدق دعاية مماثلة. لقد خبرت تماماً طريقة عمل من يمتلكون هذه القدرات. لن تسمح أبداً بوقوع فيولا في أيديهم. التفتت نظرتها مجدداً نحو العربة المجاورة، وتألق وميض من القلق في عينيها. سمعت تنفس فيولا المنتظم من الداخل، بصحبة حركات خافتة للشخصية الملثمة القادمة من القيادة.
لم يمضِ سوى ساعة منذ دخول الغريب، ومع ذلك بدأت ميليسا تشعر بالتململ. ارتعشت أصابعها، وتحركت مانا الخاصة بها للحظة. غير أنها عجزت عن التدخل هذه المرة. ساق رؤساؤها سبباً للتفتيش عجزت حتى هي عن معارضته. تواصل فيولا مع إزيكييل. لم تكن تلك الموهبة أبرز ما عُرف به، لكن إزيكييل كان بدوره ساحراً للعقل لا بأس بقدراته. وبالنظر إلى عدم إفاقة فيولا حتى الآن بعد نزالهما، حام الشك حول احتمالية لجوئه إلى وسائل خفية للتأثير عليها.
ولم يكن الأمر مستحيلاً. صحيح أنه افتقر إلى مهارة تحويل فيولا إلى دمية بالطريقة التي يتقنها سحرة الإمبراطورية، إلا أن اقتراحاً نائماً -إن اشتد بأسه- يكفي لإلحاق الضذى بفيولا ومن حولها على حد سواء. لذا صار عليها تقبل هذا التفتيش، ليكون آخر تواصل تسمح به. أخيراً، وبعد انقضاء عشرين دقيقة أخرى ومرور مئات السجناء، خرجت الشخصية الملثمة من العربة. تسمرت عينا ميليسا عليها فوراً.
قالت: "إذن؟"
عوضاً عن الرد اللفظي، أرسلت الشخصية صوتها مباشرة إلى داخل عقلها.
قالت: "لم تكن هناك أثار لسحر العقل عليها".
قطبت ميليسا حاجبيها. أمل جزء منها بأن تؤول الأمور إلى هذا، لكن الجزء الآخر وجد الأمر أشد إزعاجاً لجهلهم بما تسبب في حالة فيولا الراهنة. لقد اندملت جراحها منذ زمن، واستعاد جسدها كماله الأمثل. منطقياً، انتفت أي أسباب تمنع الفتاة من الاستيقاظ. أيمكن أن شيئاً جسيماً قد حدث لها حقاً...؟ أخمدت هذه الأفكار على الفور. فلا خير يجري من البوح بمثل هذه الأمور، بل أو التفكير فيها أمام كلاب الإمبراطور.
ردت ميليسا: "شكراً لوقتك".
أومأت الشخصية. رغم بقاء عينيها الزرقاوين الصافيتين مسمرتين على العربة. على الموضع الذي ترقد فيه فيولا بالداخل. خطت ميليسا خطوة إلى الأمام، حائلةً بينهما. ومع تفاجئها بحجب الرؤية، فاقت الشخصية من سرحانها أخيراً لتركز على ميليسا. كانت المرة الأولى التي تقفان فيها وجهاً لوجه، والمرة الأولى التي تتبادلان النظرات. حجب القناع هوية الشخصيتين، وبقيت العيون واضحة. تميزت تلك العيون بزرقة صافية معتادة عند الغايسترايش.
ولم يكن ذلك بمستغرب. فقد غدت دماء الإمبراطور شائعة طوال قرون حكمه، وتناسل المئات من ذريته في الأرجاء. لكن العيون تفصح عن أكثر من مجرد لونها. من عاش طويلاً أمثالها، كفته نظرة خاطفة لتبين الكثير من الأمور. وحين تقاطعت عيناها مع عيني هذه الشخصية الملثمة الآن، برز أمر واحد فوق كل اعتبار. الشباب. كانت هذه الشخصية يافعة يقيناً. ربما لم تكبر فيولا كثيراً. وحدها هذه الحقيقة استرعت الانتباه.
فأن تنتمي للقيادة العليا، وتكلف بالسفر إلى روكيا، يؤكد أن هذه الشخصية ليست عادية. وهذا مبرر إضافي لإبقائها بعيدة.
سالت ميليسا بصوت بارد ونافذ: "أهناك شيء آخر؟"
توقفت الشخصية مطولاً، كأنها تبغي البوح بشيء تخشاه. لكن هذا الصراع الداخلي تلاشى سريعاً عن نظراتها.
قالت: "القائدة ميليسا فينتينتسر، أنقل إليك أوامرك الجديدة هنا".
وصل الصوت إلى عقلها مجدداً بلا نطق حرف واحد. اتخذت ميليسا وضعية الاستعداد. عادة متأصلة عجزت عن مقاومتها تقريباً.
قالت: "أنتِ معينة هنا كطليعة، لحراسة هذا الموقع حتى تمام إجلاء الجميع".
قطبت ميليسا حاجبيها. طليعة؟ بدا الاسم أقرب إلى طريقة مهذبة للقول إنها متروكة للخلف.
"هل أؤمن الممر وحدي؟"
إن وُجد، فسيكون هذا حكماً بالإعدام، حتى بالنسبة لها.
ردت الشخصية الملثمة فوراً: "ليس الأمر كذلك. في الواقع، لن تشتبكي مع العدو قط".
"إذاً ما غاية البقاء هنا؟"
عوضاً عن الإجابة المباشرة، أدخلت الشخصية الملثمة يدها في رداءها واستلت بلورة غريبة. كانت شفافة في الغالب، يتأرجح ضباب أرجواني وهمي في أعماقها. مدت يدها بها، وبعد تردد لحظة، تقبلتها ميليسا. بدت البلورة دافئة بغرابة في كفها. دفئاً مستحباً يشبه كوب شاي فتر لتوه وبقي منه أثر حرارة.
قالت: "اسحقيها فور بلوغ قوات العدو هذه النقطة".
سألت ميليسا بفضول وعيناها أسرتهما الطاقة الغريبة بالداخل: "ما عملها؟"
نوع من المانا، رغم اتخاذها حالة غريبة قريبة من المادية.
ردت الشخصية ذهنياً: "لا حاجة لمعرفتك. بيد أني أنصحك بالمغادرة فور تنفيذ أمرك. لا تترددي. لا تلفتي ورائك. طيري بأقصى سرعتك".
"ماذا تعني...؟"
رفعت ميليسا بصرها، لتجد الشخصية قد استدارت بالفعل. كالمعتاد. لكن قبل اختفائها عن الأنظار، بلغ عقل ميليسا آخر رسالة.
"رتبت مع رفيقة فيولا السابقة لترعاها حتى عودتك. يكفي هذا لراحة بالك".
تصلبت ميليسا. ليس خوفاً من عقاب يلحقها جراء أفكارها السابقة. فلم يوجد في الإمبراطورية جمعاء من يبعث التوتر في نفسها سوى نفر قليل. لا، بل لأن أفكارها انكشفت بكل بساطة. يعني هذا أن الشخصية، رغم حداثة سنها، امتلكت من المهارة ما يكفي لقراءة أفكارها السطحية رغم يقظتها الدائمة. ولم تشعر ميليسا بشيء البتة. لم ترتخِ عضلاتها المتوترة حتى اختفت الشخصية الملثمة عن البصر، وتطلبت دقائق لتخلص من ذلك الشعور المريب.
لعنت متمتمة: "اللعنة على سحرة العقل".
رغم علمها التام بأن الأمر لا ينبع من غضب حقيقي، بل لدفع الضيق الملازم لها دائماً عند التعامل الشخصي مع هؤلاء. ومع هذا، انعدمت نيتها في رفض الأوامر. رغم كونها مهمة غير لامعة، وربما اعتبرها البعض دون مستواها، رأت ميليسا في الأمر فألاً حسناً. فقد شقّت صفوفهم خلال معركتهم الأخيرة. وتسبب قرارها ذاك في مذبحة كتيبتها وفقدان سفنهم الهوائية كافة. إن أمكنها تكفير تلك الهفوة بمهام عقابية، فستقبل الصفقة طائعة.
على الأقل، يعني الأمر رؤية الإمبراطور لجدواها المستمرة. لذا، انتظرت ميليسا. غادرت القطارات أولاً، تلتها وقت قصير. وخلفها سار موكب السكان الأصليين بلا نهاية، تتخلله حراسات متفرقة. يرجح التقاطهم في الطريق عند إياب القطارات. وإلا استغرق وصولهم للإمبراطورية أشهراً. انتهى بها المطاف وحدها، الحضور الحي الوحيد في ذلك الامتداد المظلم المهجور. وقفت ميليسا كالمسمار في الأرض.
انقضت الساعات بلا حراك. غابت عنها السآمة. استرجعت في عقلها وقائع ذلك اليوم الملعون. القلعة الطائرة الحارسة لمرماها. نزال إزيكييل وفيولا. تلك الأشباح الغريبة النابتة للأجنحة بغتة. استعرضت كل شيء مراراً وتكراراً. خياراتها، خيارات غيرها، اللحظات الحاسمة، النتائج، الاحتمالات. عادتها الدائمة. فبعد كل معركة كبرى، تعيد شريطها حتى تقتنع. يساعدها الأمر عادة على تحديد المسار الأمثل لقرارات المستقبل.
لكن هذه الطريقة المجربة خذلتها اليوم. أعادت تكرار اللحظة الحاسمة، حيث أرغمها إزيكييل على الانسحاب، متخذاً حياة فيولا ورقة مساومة. آل الأمر كله إلى تلك اللحظة. أكان جاداً؟ أكان ليقتلها حقاً؟ أخبرتها غرائزها المكتسبة عبر قرنين أنه كان ليفعل. كل شيء فيه، من وقفته إلى صوته، صاح بدموية صارخة. غير أن صوتاً ضئيلاً في عقلها همس بكونها خدعة. قاطع الصوت صدى فجائي. لا يزال بعيداً، لكنه تردد كالرعد في هذا السكون التام.
صوت خطوات منتظمة ترتطم بالحجر. صوت زحف جنود. أحكمت ميليسا قبضتها على البلورة. ما حمله الريح إلى أذنيها من أصوات بقي بعيداً. سيستغرقهم بضع دقائق إضافية لبلوغ هذا الموقع. تذكرت تحذير الشخصية الملثمة في أثناء انتظارها. لا تترددي. لا تلفتي ورائك. يا لها من كلمات مشؤومة. أخيراً، ظهر طلائع المطاردين. لم تتعرف ميليسا على الشعار. ولم تكن لتهتم. ما إن وقعت عيناها عليهم حتى هشمت البلورة في كفها.
سقط السقف بلا إبطاء. كأن عموداً خفياً حمله طوال هذا الوقت، قبل انتزاعه فجأة من تحته. لم تبدُ الصخور والكتل متحركة كالمعتاد، بل كشلال من الانتقام. ولم تقتصر الظاهرة على ما خلفها وحدها. عمت المكان. انهار النفاق بأسره دفعة واحدة، كأن الأرض استعجلت استعادة ما فقَدت. لم تتردد ميليسا. قبل وصول شظايا البلورة المنكسرة للأرض، كانت قد ولت. أتاح لها [فينتينتسر] بلوغ سرعات تعجز العين المجردة عن تتبعها.
ومع اندفاعها في الممر المتبقي نحو الإمبراطورية، عجزت عن إيجاد نهاية للحجارة المتساقطة.
صرخت: "تباً لك!"
انزلق الشتم سهواً، ليزيدها دفعاً. أسرع. أسرع. أسرع. تشوه جسدها تحت ضغط الطيران. لم تبلغ هذه السرعة من قبل. ورغم هذا، اقتربت الحجارة المتساقطة بلا هوادة، على بعد خطوات من هامتها. اندمجت ميليسا بالرياح، مندفعَة في النفاق كالممسوسة. لم تتوقف. استحال العالم من حولها ضوضاء وموتاً. الحجارة تصطدم بالحجارة. الأرض تتقلب تحت أقدامها. والهواء يثقل بالغبار والصخور المسحوقة. وسقف السقوط يقترب.
صكت ميليسا أسنانها حتى كادت تتكسر. أسرع. عليها الإسراع. تخطى جسدها حدوده منذ زمن. كل ألياف عضلية تحترق. عروقها على وشك الانفجار. وحتى مانا المعتادة بالطاعة انفتلت عبر قنواتها كزجاج مكسور. ورغم ذلك لم تهدأ. أصرت على رؤية حافة الانهيار الآن. أمامها مباشرة. امتداد من النفاق المستقر. جيب مظلم نجا من الخراب الآكل لكل ما خلفها. تكاد تبلغها. لم تكمل الفكرة حتى ضرب شيوع كتفها. شظاية صخرية متساقطة، بحجم قبضة، حاملة لثقل جبل.
حطمت العظام، أخلت بالتوازن، وأنزلتها من الرياح. حتى هذا الارتطام دفعها للأمام. هبطت بعنف، تدحرجت على التراب، ولم تقف إلا بعد نفاد الزخم. عجزت للحظة عن فعل سوى الاستلقاء. أطلق النفق هجيراً أخيراً. وصمت. كانت تتنفس بصعوبة. بقيت عيناها مسمرتين تجاه وجهة قدومها، يغشاها خوف عالق. ألوف الخطوات من النفاق توارت في لحظة. قطع طريق روكيا من جانب واحد. ولو أبطأت للحظة لشاركتهم المصير نفسه.