طبق زيك فكيه. بدا ضحك الحشد كأنه احتكاك مسامير بلوح كتابة. لم يكن مهمّاً إن وراء ذلك سوىّ نية سيئة أم لا. ذكّرته الحال كثيراً بطلبة السنة الأولى في الإليديوم. لكان يفضّل مغادرة هذا المكان على السماح لمايا باختبار الشيء نفسه اليوم. ضاق عيناه وهو يتفرس في موردريد، الفتى الذي تكلّم. كان صغيراً، أكبر من زيك بسنة أو سنتين ربما. بدا حجم نواته متقدماً قليلاً عما تذكره لنواة فيولا.
يعني هذا أنه في السادسة عشرة أو السابعة عشرة غالباً. لم يتعرّف زيك على التعويذة المنقوشة لديه. بما أن الفتى يمتلك تقارب الدم وحدَه، فلا بد أنها نوع من سحر الدم.
قال زيك ببطء: "تجرؤ على شيء كبير، مخاطبة ضيوفك هكذا".
قال موردريد مازحاً رافعاً يديه استسلاماً: "مجرد مرح بريء. من كان يدري أنك حساس إلى هذا الحد؟ يبدو أن تقارب عقلك انتصر على الدم".
علت ضحكات خافتة من كل جانب وتضخم الحشد مع اللحظة. توقف الجميع عن القتال لمشاهدة الشجار على ما يبدو. تكوّن الحشد من أناس بكل الأعمار. وُجد بين المتفرجين كل شيء من مبتدئين جدد إلى سادة كبار في القمة. حسب ما استطاع تقديره، لم يوجد ساحر واحد غير حاضر بين صفوفهم. استعداداً لليوم، قرأ زيك عن عرافز فالور. صعّبت التقارير المتضاربة فصل الحقيقة عن الخيال. وُصف فرسان فالور كأبطال أطهار في بعض القصص وقتلة متعطشين للدماء في غيرها.
لم يكن واضحاً البتة عما سيلاقيه. لكن بدا الآن أن جزئية تقديسهم للقوة قبل أي شيء آخر صحيحة على الأقل. وجب عليه مراعاة هذه الواقعية. لن يكسب أي نقاش بالمنطق والحجج في هذا المكان. ليس حين يفتقر لقبضة كبيرة بما يكفي لدعمها. لا فائدة من التمنّع وقرّر زيك المضيّ في الهجوم.
صرح زيك: "ليس تقارب عقلي ما انتصر، بل تربيتي. يبدو أن من رباك تجاوز دروس الآداب".
لم يرد موردريد بل أخته. تقدّمت المرأة نحو زيك بخطى حثيثة، وبدت ملامح وجهها قناعاً من الجدية.
قالت بنبرة منخفضة خطرة: "لم يتجاوز أبي دروس الآداب قط....إنه ببساطة لا يمتلك أيّاً منها لنفسه!"
ساد المكان صمت مميت. لم يُسمع حتى صوت التنفس. فجأة، جذب شخير مكتوم انتباه الجميع. تحركت كل الرؤوس كأنها رأس واحد تبحث عن المصدر. لم يكن زيك استثناءً. غير أنّه لم يكن مستعداً لمواجهة أمه وجهاً لوجه. غطت ميا فمها بكلتا يديها محاولة باستماتة كبح صوتها. حين رأت الجميع ينظرون إليها، عجزت عن التمادي. انفجعت ميا بضحك جموح عجزت معه حتى عن الثبات على قدميها. أُصيب زيك بالذهول والتفت مسرعاً إلى المرأة أمامه باحثاً باستماتة عن عذر.
لكنه حين التفت إلى الوراء، رأى ما لم يتوقعه. بدلاً من الاستشاطة، وجد ابتسامة عريضة على وجهها. نكزت أخاها وأشارت إلى ميا.
"أترون؟ بعض الناس يشاركونني حسّ الفكاهة".
أدار موردريد عينيه.
وقال رامياً ميا بنظرة شفقة: "من الواضح أن في تلك المسكينة خطباً ما".
أراد زيك التدخل. غير أنه علم أنه لا يملك أساساً يقف عليه بينما تواصل أمه العويل ضحكاً في الخلفية. الآن وقد انكسر التوتر، بدأ بعض الناس يشاركون أيضاً. لم يكونوا يضحكون على النقطة الفظيعة بالطبع، بل انجرفوا ببساطة مع إيقاع أمه. لم يلتق قط زيك بأحد يمتلك ضحكة أعدى من ضحكة أمه. وُجد شيء ساحر في الطريقة الجامحة التي أظهرت بها سرورها. الآن وقد رأى زيك الوجوه المبتسمة في كل مكان، أُجبر على إعادة تقييم مقاربته.
أكان موردريد على حق؟ أكان حقاً رهيف الجلد أكثر من اللازم؟ لم يستطع زيك التمييز، لكن بدا جلياً أنه بالغ في رد الفعل. احتمل تماماً أنه حمّل أفعال الفرسان أكثر مما تحتمل. بدل مؤامرة خبيثة لتشويه سمعته وإهانته، ترجح كثيراً أن الناس هنا كانوا... بليدين فحسب؟ تخلّح زيك حنجرته.
"أظننا بدأنا من القدم الخاطئة. ما رأيك أن نبدأ من جديد؟"
تبادل موردريد وأخته نظرة.
"ماذا تقصد؟"
أُذهل زيك بالدهشة الحقيقية التي رماها في وجهيهما. بدا أنهما لم يلتقطا أصلاً أياً من التوتر الذي نسبه للموقف. أكد هذا أنهما بالفعل بليدان — بليدان ومأزومان اجتماعياً.
قال زيك: "أقصد فقط أننا لم نقدم أنفسنا بعد. اسمي إزيكييل فون هوهنهايم".
عرّف الفتى نفسه: "موردريد بلودسورد".
أومأ زيك برأسه. لم يكن هذا مفاجئاً؛ فمعظم الناس هنا يحملون ذلك الاسم على الأرجح. فهذه عقبة عائلة بلودسورد في النهاية.
"من أي فرع من العائلة تنحدر؟"
ارتسمت على وجه موردريد تعابير غريبة. أشار إلى زيك والتفت نحو أخته.
"ألم يُفترض به أن يكون ذكياً؟"
قطب زيك حاجبيه. سيحتاج هذا إلى بعض الاعتياد. اكتفَت المرأة بهز كتفيها.
"مهما بلغ ذكاء أحدهم، فهو يجهل ما لا يعلمه".
وقالت لزيك: "أبونا هو تريستان بلودسورد. اسمي فانيسا بالمناسبة — فانيسا بلودسورد".
سقط فك زيك. أهذان الاثنان هما ابنا البطريرك؟ كيف نجت فالور حتى الآن مع أمثال هؤلاء على رأس السلطة؟ بالكاد استطاع تخيلهما في محيط دبلوماسي. ظن لارا سيئة، لكن مقارنة بهذين الاثنين، مثّلت سيّدة في اللباقة والدقة. مقارنة بناس مثل فيولا وصوفيا، انتميا جوهرياً إلى فصيلة أخرى.
سأل زيك قبل أن يمنع نفسه: "هل... هل أسقطكم أبوكم وأنتم أطفال بالمناسبة؟"
ضحكت فانيسا وكمشته بلعب. أو هكذا افترضت على الأرجح أنه لعب. سينتهي الحال بشخص عادي بكتف مكسورة، وحتى زيك تلقى كدمة غاضبة من ضربة الحب تلك. رغم ذلك، وببنيته، سيشفى شيء كهذا خلال ثوان معدودات. مع ذلك، دوّن في ذهنه ألا يتركها تقترب كثيراً من عائلته. بينما تحدث الثلاثة، بدأ الحشد يتفرق. ومما أثار دهشة زيك، انقسمت مجموعته أيضاً. كان ديفيد يحرس ميا وجيرالت. وتحدث والداه إلى رجل عبوس الملامح على مسافة قصيرة.
بدا نقاشهما محتدماً لكن غير عدائي. استطاع زيك الوثوق بديفيد لحراستهم. بدأت مايا وليو تتجولان، تراقبان المبارزات الجارية. استطاع القراءة من تعبير وجه ليو أنه لا يريد سوى الانضمام إلى المتعة. شعر زيك بسوء متزايد تجاه حكمه القاصر. في حماسته لترك انطباع جيد، أغفل أمراً حاسماً. لم تُبهرهم سفينته الباهظة ولا ملابسه الفاخرة على الإطلاق. بدا أن الشيء الوحيد الذي يحترمه الفالوريون حقاً هو القوة.
حكّ زيك رأسه. قضى حقاً وقتاً أطول من اللازم حول نبلاء يخططون وتجار محتالين. حاول تلقائياً هندسة موقف يبرز ثروته ومكانته. ستفخر صوفيا، فهذه هي طريقة غايسترايش بعد كل شيء. تشكّل عبوس على وجهه عند الفكرة.
سألت فانيسا: "أكل شيء على ما يرام؟ لم أضربك بقوة أليس كذلك؟"
أجاب بلا مبالاة: "بالمطلق".
"ظننت فقط أنه لمخزٍ أن تكون عائلتكم فقيرة إلى هذا الحد".
"فقيرة؟ أظننا في حال ميسورة تماماً".
سأل زيك بدهشة: "حقا؟ إذاً لا أستطيع تخيل لمَ لا يُطعمونكم جيداً. بالكاد وُجدت قوة وراء تلك اللكمة".
بدأ موردريد بالضحك وبعد لحظة انضم إليه زيك وفانيسا أيضاً. ذكرته هذه المناوشة والمداعبة بكيفية تصرف هو وماركو سابقاً. خطر له للتو كم أمضى من الوقت حقاً حول أشخاص في عمره. بصرف النظر عن مبارزاته مع ليو، تألفت بقية يومه من أبحاث، وتخطيط استراتيجي، وعمل. بل كان يسهر ليلاً ليقرأ في مكتبة عقله. لم تكن هذه طريقة للعيش على المدى الطويل. الآن وقد تعارفوا قليلاً، شع زيك بالارتياح الكافي لطرح السؤال الذي شغل بملك.
"لمَ لم يذكر أبوكم أنه فُرض علينا ارتداء ملابس عادية؟"
أجاب موردريد بسلاسة: "افترض على الأرجح أنك على دراية بعرافزنا".
"ما زلت أجد من الغريب أنك لا تفعل، بالنظر إلى أبيك..."
قبل أن يتمكن من إنهاء كلامه، استدار في منتصف الطريق وسقط بوحشية على الأرض. لكمته فانيسا — بقوة. لم تشبه هذه بأي صلة اللكمة التي تلقاها زيك مسبقاً. من مقعده على الأرض، نظر موردريد إلى أخته بنظرة خيانة على وجهه.
أنذرت: "ليس دورنا التدخل يا موردريد".
فرك موردريد رأسه بخنوع.
"حسناً، حسناً، انسا أنني قلت شيئاً أصلاً".
نظر زيك بين الاثنين. شيء ما كان يحدث متورط فيه أبوه بطريقة ما. والآن بعد أن فكر في الأمر، ألم يكن والداه يتصرفان بغرابة منذ قليل؟ استطاع زيك شمّ رائحة شيء يحاك عملياً — شيء يُخفى عنه عمداً. تحدثت فانيسا...
متصاهرة كأن مشهد تعنيفها لأخيها لم يحدث: "على أي حال... من المؤسف حقاً أنك لن تنضم إلى المباريات. لقد تطلع بعض الشبان حقاً للقتال معك".
"أنا؟ لمَ؟"
قال موردريد وهو يثب من مكانه على الأرض: "لا فائدة من التواضع".
"أم تظننا لم نسمع كيف نجحت في تأمين لقب الموهبة الأولى للإمبراطورية؟ بالطبع سيرغب الجميع في اختبار أنفسهم ضدك. بحق الجحيم، حتى أنا أريد خوضها!"
لم يعتبر زيك أن الخبر انتشر إلى هذا الحد. بدا أن المسابقة كانت صفقة أكبر مما درك. شعر بنشوة معينة لمعرفته أنه سلب العيلات العبقرية الأربع هذا الشرف. بينما غرق في أفكاره، قاده موردريد وفانيسا إلى مجموعة من الفرسان الشباب. لم يكن هناك قتال جارٍ في الوقت الحالي، والتفتت كل الرؤوس نحوهما عند اقترابهما.
قال فتى في عمر زيك تقريباً: "حسن انظروا من هنا".
"أليس هو فتى الإمبراطورية المعجزة... مرتدياً زي طاووس لعين".
وبخت فانيسا: "اكفف عن ذلك يا فيليب. لم يكن إزيكييل على دراية بعرافزنا. ليس من العدل مؤاخذته على ذلك".
أطبق فيليب فمه. لكن السخرية على وجهه أوضحت أنه فعل ذلك لا موافقة بل احتراماً للمرأة. رأى زيك تعابير مماثلة على وجوه الآخرين أيضاً. لا يمكن أن يستمر هذا. ستتضرر سمعته أكثر فحسب إن اعتمد على ورثة بلودسورد لحمايته. وجب عليه لعب ورقته صح إن أراد كسب بعض الاحترام. تشكّلت خطة بسرعة في ذهنه. تحرك زيك. برفرفة ردائه القرمزي، ظهر فجأة أمام فيليب. لما انتقل آنياً، لم يوجد من يستطيع رد الفعل.
الآن، أصبح وجهه على مسافة شعرة من الفتى الأقصر قليلاً. لم يستخدم زيك هذه الفرصة للضرب أو إطلاق تعويذة؛ بل اكتفى بتأمله صعوداً ونزولاً. ازدادت تعابير ازدراء مع الثانية.
قال زيك بنبرة ساخرة: "أنت؟ تتحداي؟"
"ما الذي يمنحك الحق، أيها الفتى؟ ما الذي يمنح أيّاً منكم الحق لتحدّيي؟ التنين لا يبارز النمل".
بعد لحظة متوترة، أدار فيليب بصره، عاجزاً عن احتمال النظرة الحادة. كان الأمر مخزياً. الآن وقد بدأ زيك، عادت الغريزية القديمة إليه. أراد أن يُتحدّى، أرادهم أن يعانوا، أراد إظهار مكانتهم لهم. للأسف، انهار الفتى بسهولة بالغة. لحسن الحظ، امتلكت الفتاة بجانبه عموداً فقرياً أمتن.
"قد تتحدث بكبرياء، لكن ألا تحاول التهرب من القتال فحسب؟"
التفت زيك نحوها، مقترباً أكثر مما قصد. ومع ذلك، تعذر عليه السماح بارتباكه بل تصرّف كأنه خطط لفعل ذلك. بل انحنى قليلاً أكثر إلى الأمام.
"ما اسمك؟"
قالت الفتاة ويعلو وجهها احمرار خفيف: "ا-اسمي مينا— مينا بلودسورد".
تراجع زيك للوراء مانحاً إياها مساحة.
"حسناً يا مينا، لم أقل إنني لن أقاتل، أليس كذلك؟ كل ما قلته هو أنك لست جديرة. بالطبع توجد طريقة لتثبتي جدارتك".
سأل فيليب من جانبي رامياً إياه نظرة قاتلة: "وما عساها تكون؟".
ابتسم زيك بخبث، فقد لاحظ توتر الفتى حين اقترب من مينا، ولم يكن صعباً تخمين سبب تفاعله ذاك. تجاهله زيك وركّز على الفتاة أمامه عوضاً عنه.
قال: "أخبريني يا مينا، ماذا عليك فعلُه لتتحدّي بطلاً؟".
فكرت مينا للحظة.
سألت بصيغة أقرب للتساؤل لا التقرير: "أهزم الوصيف؟".
بدا جلياً أنها تعدُّ ذلك اقتراحاً أبلهاً.
ابتسم زيك بدفء وأثنى عليها: "يا لك من فطة حقاً، ونعم، هذه هي الإجابة التي كنت أبتغيها، بل إنها في الحقيقة ما يلزمك فعله تماماً لتتمكني من تحدي أي بطل".
بادلته مينا الابتسامة، مما أثار غضب فيليب أكثر.
"إذن ماذا؟ علينا أولاً غزو الإمبراطورية وهزيمة فتى مسكين لنيل شرف تحديك العظيم هذا والقوس قزح، أهذا ما تقترحه؟".
رمقه زيك بنظرة جانبية: "لا حاجة لذلك. لحسن الحظ، أرفقتُ ذلك الفتى المسكين معي اليوم".
قبل أن يتسنى لأحد قول شيء آخر، استدار زيك وعيناه تمسحان الحشد بالفعل. لم يستغرق طويلاً ليلحظ خصلات شقراء وسط بحر من الشعر الأحمر.
"أهيو! يا ليو! أأنت مستعد للقتال؟!".