إذا وجدتم أخطاء فأخبروني، شكراً. أنا لا أطيق الأخطاء. ###############################################################
***أمة الضباب، جزيرة ليروين - العاصمة***
قال: "ارفع رأسك أيها الجنرال السماوي. من كان في مثابة إنجازاتك لا يحتاج إلى الانحناء أمام هذا المجلس".
أرفع نظري لأستقر في عيون الشيوخ الثلاثة، وهم أعضاء المجلس. إنهم حكام أمة الضباب، وقد أنقذتنا توجيهاتهم الحكيمة من أي تأثير أجنبي طوال سنوات عديدة.
يرتدي الثلاثة أقنعة ترمز إلى تخليهم عن هوياتهم الخاصة لخدمة أمة الضباب بكل طاقاتهم. توجد امرأة ورجلان أمامي. تبدو أصوات الثلاثة عجوزاً جداً، وهو أمر لافت لمن ينتمي إلى أمة الضباب.
راودتني الرغبة أكثر من مرة في نزع أقنعم, فقط لنرى إن كانت وجوههم تحمل تجاعيد. معظم أهل القارة تظهر في وجوههم التجاعيد حين يتقدم بهم العمر. هل سيحصل مثلي على مثلها أيضاً؟
تحدث الشيخ الثاني علانية: "وصفك للوضع مقلق. قد يتوجب علينا حقاً التحرك لوقف أي تطورات سيئة أخرى".
يومئ الشيخ الثالث.
"هذه القطع الأثرية الجديدة القادمة من نورفولك لا تقوض تجارتنا عبر تجنب سفننا التجارية فحسب. إنها تولد أفكاراً جديدة داخل سكان القارة الرئيسية. إن لم نحرص، فقد يتغير العالم بأسره لغير صالحنا".
تهز الأولى رأسها.
"ربما يجدر بنا إعادة التفكير في سياستنا وتغيير موقفنا. لم يتغير العالم منذ زمن طويل. لقد نسينَا أن الناجي الوحيد هو من يستطيع التغير معه".
تشير بيديها إلى كومة مستندات أمامها.
"ناثان لينارت وكين لينارت غارق حتى أذنيه في هذا العمل. لآل لينارت علاقات تجارية ونفوذ في شتى أنحاء القارة الرئيسية. وهم غير مرتبطين ببلد معين. إن أغضبناهم، فقد يكون ذلك نهاية أسطولنا التجاري برمته".
تنظر ببطء من شخص إلى آخر.
"نحن نعتمد على موارد القارة الرئيسية. وليست هناك دول كثيرة لنتجّر معها. لقد زالت جمايان. وقللت ميسلو تجارتها ولا داعي لذكر الأكاديمية. إمارات وممالك نورفولك هي وحدها التي تواصل إمدادنا. إن أغضبنا آل لينارت، فربما يجدر بنا الاستسلام لفينكس".
ينظر الشيخ إليّ: "تبدو وكأنك تعرف هذا أسكاثون. ألم تشترِ بضع اختراعات عسكرية منه بنفسك؟ أيمكننا التحدث إليه وإحضاره إلى رشده؟ وما مدى سرعة تعاملنا معه، في حال لم يتصرف وفق رغباتنا".
"كم من الوقت يلزم لترسيخ بضع سفن تابعة لنا في مينائه؟"
يبدو صوت الشيخ الثاني متحمساً أكثر مما ينبغي في رأي.
"تاجر الأسلحة رجل عقلاني بلا شك. لكنه أيضاً شخص له رأيه المستقل. لا أظن أنه سيوقف أفعاله لمجرد أننا طلبنا بلطف. من ناحية أخرى، يجب ألا نغضبه بالقيام بعمل طائش. أيدينا مثقلة بما يكفي مع إمبراطورية فينكس".
أنظر إلى الأشخاص الثلاثة أمامي، لكن الأقنعة تجعل معرفة تعابيرهم أمراً مستحيلاً.
يبدو صوت الشيخ الثاني غير مصدق: "أتريد القول إن إمارة واحدة ستشكل مشكلة لأسطولنا؟ هذا أمر سخيف! إنه لا يملك حتى أي سفن حربية تُذكر! مجرد أسطول صغير من قوارب الصيد!".
"أود الإشارة إلى أمر ما. كل ما باعنا إياه تاجر الأسلحة كان فائق القوة. لقد قلبت أفكاره ميزان القوى بشكل كبير، مرتين! وبدا لي وكأنه كان يتعامل مع كل ما منحنا إياه بوصفه مجرد ألعاب. فما عساه يحدث إن حاولنا استخدام القوة واستخدم هو شيئاً يعده سلاحاً؟ هل سيبقى لدينا من أسطولنا ما يكفي للتعامل مع فينكس؟"
أهز رأسي لأؤكد وجهة نظري.
"لا أعتقد أنها فكرة سديدة أن نطعنه في ظهره، بعد أن زودنا بالأدوات التي كانت ضرورية لبقائنا. ألا رأي للعائلة المالكة في هذا الأمر؟ فلن يسمحوا أبداً بمثل هذا التصرف على أي حال".
"تلك هي النقطة. لقد قال الملك إنه رأى رؤيا تخص المستقبل. أنبأت بأن الظلام وحده يكمن أمامنا. لذا نحن نزن خياراتنا لمنع حدوث هذا".
يبدو صوت الشيخ الثالث صارماً وقاسياً.
أميل برأسي في حيرة.
"اغفروا لي، كلماتي لم تُقصد إهانة للعائلة المالكة. والملك عراف سماوي شديد البأس. لكن كل سحر العرافة يجب أن يُستخدم بحذر شديد. فهناك احتمالات لا تحصى للمستقبل. وحتى شخص مثلي، لا يملك موهبة الاستشراف، يستطيع رؤية مسارات عديدة قد تفضي إلى الحرب وهلاكنا".
لا ينبغي للشيوخ اتخاذ إجراء قاسٍ بناءً على نبوءة سيئة غامضة. لا سيما إن عجز أحد عن معرفة النتائج.
"أحياناً يكون من الأذكى الانتظار واستكشاف كل مسار عبر الكشافة، قبل اتخاذ قرار بشأن مسار العمل. فلنستغل إذن صلاتنا للتحقيق في حالة الأمور على القارة الرئيسية بمزيد من التعمق، قبل الببت في أي مسار للعمل".
"هذا رأي حكيم أيها الجنرال السماوي".
تبدو الأولى مرتاحة نوعاً ما. أكانت تتوقع مني الدعوة إلى الحرب؟
"لما كنتُ لأصبح الجنرال السماوي لو أنني تصرفت بتهور".
أنحني أمام الشيوخ الثلاثة.
"هذا كل ما في الأمر في الوقت الحالي. يمكنك الانصراف الآن. لا تزال هناك أمور يجب أن نتناقش فيها نحن الشيوخ".
يشير لي الشيخ الثاني بالمغادرة فأستأذن.
بعد أن يُغلق الباب الكبير ورائي، أستنشق عميقاً أخيراً. سياسات هذه الأمة الداخلية تؤلمني في مؤخرتي. والشيوخ عسروا المراس يصعب ضبطهم بين حين وآخر. فهم شديدو التقلب ويمتلكون سلطة مفرطة.
هذه نتيحة اجتماع عدة أشخاص بآراء مختلفة. يجذب كل واحد في اتجاهه لنخرج في النهاية بحلول ناقصة.
أتعجب كيف كانت هذه البلاد تسير قبل أن أصل إلى موقع نفوذ أؤثر فيه على الشيوخ. إنه لأمر لا يُصدق، فقد كان عليّ حقاً تغطية أفعال تاجر الأسلحة الأحمق. لكانوا أصدروا أوامر بمهاجمة نورفولك لو لم أعارض ذلك.
كان لمثل هذا التصرف أن يشعل حرباً شعواء بلا شك. تتمتع أسكاثون بحماية اليارل. قد تكون نورفولك مجرد تجمع مفكك من الإقطاعيات والصيغ الدقيقة والممالك. لكنها جميعا تخضع للعارل وإن تعرض أحدهم لهجوم فسيصطفون معاً بالتأكيد ليقطعوا تجارتهم معنا على أقل تقدير. سيقصم هذا الإجراء وحد ظهرنا، فنورفولك هي الدولة الوحيدة المتبقية التي تمدنا بالحديد شديد الحاجة. أمسح بعض العرق عن جبيني.
كان هذا النقاش يتجه نحو ذلك الاتجاه يقيناً قبل أن أبدي رأيي.
ربما لم تكن رؤية الملك خاطئة تماماً بعد كل شيء. هاه. أبدأ السير ببطء تاركاً قاعة الشيوخ خلفي. هناك قوى متعددة تعمل في هذا البلد. أولاً العائلة المالكة. قد لا تملك أي قوة سياسية حقيقية، لكن تنجيمها معروف لكل الأمة. تُرى مشورة أحد أفراد العائلة المالكة أمراً قطعياً.
ثم أنا. القائد السماوي العظيم فينغولف! أنا أسيطر على البحرية التي تمثل القوة العسكرية.
وأخيراً، لدينا الشيوخ. قد يكونون جيدين فيما يخص الاعتبارات السلمية ومراقبة السكان. لكن فليحمِنا الملاك، حين تراودهم فكرة التصرف بأكثر من ذلك. من الجيد أن القوة العسكرية ليست بأيديهم.
"تبدو قلقاً، أيها القائد السماوي. هل حدث مكروه في الاجتماع؟"
يتحدث مساعدي فجأة من الجانب. لقد كان مساعدي لسنوات عديدة حتى الآن. لم أدرك حتى أنه تسلل نحوي.
أظن أنني مشتت قليلاً.
"سار الأمر على ما يرام. نظراً لوضعنا الحالي، يمكنك أن تكون سعيداً إن لم تقم حرب شاملة. كان أولئك الشيوخ مستعدين لها بالتأكيد. لكني أعتقد أنني أثنيتهم عن ذلك."
يومئ مساعدي برأسه وينظر إلى الوراء نحو قاعة الشيوخ من خلفنا.
"هل أنت متأكد من أن الحفاظ على السلام بأي ثمن أمر صائب؟"
أقوم بحركة رافضة وألوح لعربة تقترب.
"لا فائدة من القتال لأجل لا شيء. ومهاجمة نورفولك ستكون أسوأ حتى من القتال لأجل لا شيء. سنُجبر على غزو نورفولك، أو موانئها على الأقل. لا يمكن لأمتنا أن تعود بدون معادن لسفننا. ولو هاجمونا لتوقفوا عن تجارتنا."
"لا أستطيع فهم سبب تصرف الشيوخ فجأة وكأن فينيكس لم يعد مشكلة. صحيح أن فينيكس لا يفعل الكثير في الوقت الحالي. لكن ذلك سيتغير بمجرد سيطرتهم التامة على جامايان! طريقة تفكيرهم غير مسؤولة للغاية."
أهز رأسي.
يومئ مساعدي بينما يتوقف سائق العربة أمامنا.
"أدرك أخيراً أنك عنصر مفرط في الاستقرار داخل هذا الوطن."
"ماذا؟ أرغ..."
أنظر نحو مساعدي بينما ينتشر ألم حارق عبر خاصرتي. بملامح متوجعة، أنظر إلى الأسفل وأوسع عيني. خنجر غارز بين أضلاعي والدم يسيل على بنطالي.
يبدأ مساعدي بالابتسام.
"نم الآن، أيها القائد. لقد أديت مهمتك."
شعور بارد وحارق يسري في جسدي وأسقط على ركبتي. هل الخنجر مسموم؟
"لماذا؟"
"لأن المَلِك تحدث إلي!"
يبتسام مساعدي بوجهي على مصراعيه. وجهه مشوه ويرتدي تعبيرًا مجنونًا حقًا.
أشعر بالغضب والحزن يتصاعدان بداخلي، وضربة من قبضتي تطلق كل قوتي السحرية على الرجل الذي ظننت أنني أعرفه جيداً.
يرفع مساعدي حاجزاً، لكنه يتطاير كالورق. لست قائداً عبثاً. يُقذف صديقي في الهواء ويستقر على بعد بضعة أمتار. جسده ملتوٍ ومكسور.
أقع على ظكري بينما يتشوش بصري وآخر ما أراه هو وجه السائق القلق الذي قفز من عربته ليتفقدني.
وكنت أظن أنني سأموت في معركة عظيمة...
.