لم يكن في البداية سوى القليل. تناثرت الأعشاب البرية والنباتات وسط القاعات الشاهقة والتمثال الضخمة وما بدا أنه ساحات وحدائق داخلية، وراحت بقع الخضرة والبني تملأ الأرجاء الخاوية المقفرة. لكن المكان بدا، عدا عن هذا الغطاء النباتي الكثيف، شبه بكر؛ إذ ما زالت الخزف مخبأة داخل غرف التخزين والأدوات الصدئة مستقرة في سقائفها. كان الهواء عليلاً لكنه رطب بعض الشيء. طنّت الحشرات وزقزقت في الظلال...
حسناً، ظلال مشاعل الفرقة. عدا عن شقوق النور هنا وهناك، كانت المنطقة مظلمة تماماً، ولم يقدم توهج المشاعل الدافئ سوى المصدر الوحيد للنور اللازم لمواصلة الرحلة. عكس الكثير من البقع ضوء المشاعل، لكن أغلبها سرعان ما تبين أنها مجرد حلي رخيصة أو قطع من أدوات حديدية لم تأكلها الصدأ تماماً. كان باحثو الكنوز ليسلبوها عادة من التماثيل أو الهياكل على أي حال، لكن ليس في هذه الحملة.
أمر جينّاي: "دوّن الموقع، لكن لا تلتقطوها الآن. هناك كنوز أفضل بانتظارنا. يمكننا جمعها في طريق العودة إن كانت صناديقنا تملك متسعاً. أتحفظ مسارنا يا رويا؟"
أجاب رجل يقف خلف صوفيس: "الأمور جيدة حتى الآن".
حمل بين يديه لفافة ضخمة سميكة تبدو من جلد حيوان وسكيناً صغيرة دقيقة تنقش برفق علامات على الجلد. وحين أبطأت صوفيس خطاها لتتطلع على عمل رويا، لمحت خطوط مسار إلى جانب نقوش خشنة لغرف شتى: المسار الذي يسلكونه والقاعات التي مروا بها.
تمتمت لنفسها: "مم..."
سأل رويا: "أمهتمة بالخرائط أنت أيته الباحثة؟"
"أوه، أم، قليلاً".
أدركت أن الرجل ليس صانع خرائط. فعلى عكس من صادرتهم في الأكاديمية، لم تكن نقوش الرجل تبدو أفضل من الخربشات، وكانت مقاييس الغرف خاطئة تماماً وتفتقر إلى عدة تفاصيل أساسية. مع ذلك، كان يتعقب رحلتهم، والوحيد الذي يفعل ذلك في المجموعة بأسرها. ومما يبعث على الاطمئنان إلى حد ما أن احتمالات الضياع ستبقى منخفضة مع وجود شخص يتعقب طريقهم.
"أعلم أنني لست أفضل رسام، لكن ما رأيك في عملي؟"
كذبت قائلة: "أراه جيباً. قد يكون هذا بالغ الفائدة في بحثي، على الأقل إلى أن تنشئ الأكاديمية خريطة أكثر دقة للآثار. من المفيد دائماً امتلاك مخطوطات للمستكشفين الأوائل لهذه الأثار".
تدخلت المرأة ذات الطابع الصبياني: "تشه، كوني صادقة أيتها الباحثة. لم تكن رسوم رويا جيدة قط. لا مجال لاستخدامها في بحثك".
تأوه رويا: "أرجوك يا تيميا، لم يكن عليك قول ذلك. أنت تجعليننا نشعر بالسوء كلاّنا".
أجابت: "لا أحب المظهر المزيف، هذا كل ما في الأمر".
قال رويا: "وظننتك ستسعدين أخيراً بعدم كونك المرأة الوحيدة في الفرقة".
"رجل أم امرأة، لا أهتم. ما يعنيني هو طباعهم فحسب".
لم تردّ صوفيس، بل عمدت بهدوء إلى تسريع خطاها قليلاً لتبتعد عن المرأة البغيضة. تواصلت الرحلة دون تفاعلات تُذكر بين صوفيس والآخرين. ومهما بلغت رغبتها في اقتطاع عينات كبيرة لتخزينها داخل صناديقها الكثيرة، ظلت حقيبتها الثقيلة مخزنة للأسف داخل صندوق، ومع وتيرة الفرقة السريعة نسبياً ككل، لم تملك الوقت حتى لتتوقف وتلقي نظرة أطول على الأعمدة والنصب القديمة. ويا للعجب، كلما توغلوا في الداخل، زادت الكثافة النباتية رغم شح ضوء الشمس.
بل إن بعض النباتات والزهور كانت تشع بنور خاص بها، لتنير باهتاً الجدران الواسعة الخالية مثل النجوم في السماء. وحياناً، راحت بتلات مضيئة تطفو في الهواء، تلامس برفق ملابسهم وجلودهم قبل أن تنجرف عائدة إلى الظلام. لم تكن صوفيس قد رأت بمثل هذه النباتات قط، ودون كثير أصدقاء لها في أكاديمية الأحياء، لم تكن هناك جدوى حتى من التقاط عينة ما دام لا علم لها بكيفية إبقائها حية في رحلة العودة.
رغم هيمنة الطبيعة على المكان، حافظت الهندسة المعمارية على سلامتها وبقائها بحالة جيدة بشكل مدهش، وما زالت التماثيل التي تزين القاعات شامخة ومنتصبة، ولو وجّه المرء مشعله أقرب، لأمكنه حتى تبين التفاصيل الصغيرة على شعر التماثيل. أما الأعمدة الاسطوانية فكادت تخلو من الشظايا أو التشققات، إذ التفّت حولها الكروم بدلاً من ذلك وأضفت مسحات من الخضرة على الحجر الرمادي. وبدا الأمر شبه مصطنع، كحدائق بعض النبلاء حيث يتعمدون دمج نباتاتهم الغريبة مع الأعمال الحجرية.
بالنسبة لآثار تبدو وكأن الطبيعة استعادتها بالكامل، كان الفن والبناء محفوظين بدرجة مبالغ فيها.
سأل أحدهم بصوت يتردد صداه على الجدران: "إلى أي مدى يغور هذا المكان؟ لم تبد الآثار بهذا الكبر من الخارج".
وأضاف آخر: "لم نره حتى أي سلالم بعد".
وتدخل ثالث: "كم مرّ من الوقت ونحن نمشي؟ ينبغي أن نأخذ استراحة قريباً، أليس كذلك؟"
أجاب جينّاي: "يمكننا الاستراحة فور بلوغنا نهاية هذه القاعات. بالكاد انعطفنا منعطفاً واحداً. ما زال هناك الكثير لنستكشفه".
قاطع صوت رابع: "انتظروا".
وحين التفتت صوفيس، وجدت الرجل المتعرّق الذي تعامل بخرق مع حقيبتها قبل قليل يشير إلى شيء في الأفق. كان هناك صندوق خشبي منفرد، يخلو من أي نباتات أو تعفن، موضوعاً على جانب واحد بين تمثالين، قريباً من الجدار لكنه لا يستند إليه...
فاغراً فاه، هتف أحدهم: "كيف— ما الذي يفعله هنا؟"
سارت الفرقة بأسرها بحذر نحوه، وخبت الحوارات السابقة لتتركز أنظارهم الآن على الصندوق المريب. استحيل ذلك. رأى أفراد الفرقة مئات صناديق الكنوز من قبل في حياتهم، ولم يبدُ هذا مختلفاً كثيراً عما صادفوه، لكنه بدا... مثالياً للغاية. ظهر جديداً تماماً رغم وضعه في هذه الآثار العتيقة، كأن أحدهم تركه هناك للتو لسبب مجهول.
خلص جينّاي إلى قول: "لعن أحدهم هنا من قبل".
لا يتطلب الأمر عبقرية للوصول إلى هذا الاستنتاج. كانت الفرقة بأسرها على أهبة الاستعداد، وعيناهما تمسحان المنطقة بحذر يفوق بكثير ما فعلتاه من قبل. تراجعت صوفيس ببطء خلف بعضهم، ووضعت نفسها في موضع آمن نسبياً.
أمر جينّاي: "تفقدوا المحيط. لا بد من وجود آثار أخرى".
انتشرت الفرقة ببطء، منحنين بمشاعلهم لتفحص الأرض، ومسح طبقات التراب والوحل. حتى صوفيس انحنت معهم، تبحث عن أي أثر للنشاط البشري السابق. لاحظت بلاطات خزفية محفوظة عناية فائقة قرب التماثيل، ومزينة بنقش رقعة الشطرنج، لكن عدا ذلك لم يكن هناك شيء. ولم تستطع احتمال تلويث يديها طويلاً. لم يوجد أي دليل على نشاط بشري إضافي. تجمعت الفرقة محيطة بالصندوق بتعابير حائرة. دفع جينّاي الصندوق، فتحرك بالفعل قليلاً مبتعداً ليكشف عن الحجر النظيف تحته.
"هذا غير منطقي".
سأل رويا وقد تمكن أخيراً من أخذ استراحة من خربشاته: "أثقيل الصندوق يا رئيس؟"
أجاب جينّاي: "جداً. أنا فقط لا أفهم كيف... ظهر هنا فحسب".
"دعوني أظن نظرة".
للمرة الأولى في الرحلة، بادرت صوفيس متحدثة من تلقاء نفسها، واقتربت لفحص الصندوق. حين نظرت إلى القاعدة، لاحظت أن الصندوق لم يكن مثبتاً بالأرض حتى، بل وُضع هناك ببساطة، في شذوذ غريب داخل مساحة خاوية غالباً. لم تحمل التماثيل المعدنية للصندوق سوى آثار ضئيلة من الصدأ، لكنها لم تتطابق البتة مع العمر المقدر للآثار ورطوبة المكان. لم تكن خبيرة أثاث، لكن تصميم الصندوق بدا حديثاً بلا شك.
وكأن أحدهم قرر مزاحمتهم بمزحة.
"ماذا لديك أيتها الباحثة؟"
"لولا الآثار التي نحتفل بوسطها، لجزمت بثقة أن هذا الصندوق صُنع حديثاً عند النجار المحلي".
اقترح أحدهم: "ألنفتحه وحسب يا رئيس؟"
قال جينّاي: "في هذه المرحلة... حسناً. أشعر حقاً بوجود كنز جيد هنا. لنركز على ما في داخله".
مدّ يده نحو الغطاء ورفعه بثقة. ووجدوا في الداخل، كما توقعوا، حمولة من الكنوز، إذ امتلأ الصندوق لنصفه بالذهب واللؤلؤ وغيرها من الأحجار الكريمة والحلي. وكانت جميعها عالية الجودة بوضوح. لم يخوضوا سوى نصف يوم تقريباً. ووجود كنز ملقى هكذا يتجاوز حد الدهشة.
قال جينّاي: "لن يصدقنا أحد إن أعدنا صندوقاً حديث المظهر من آثار قديمة. خصوصاً عندما تكون هذه الحمولة الوفيرة من... المجوهرات المتوسطة".
لم يكن مخطئاً. فلم تحمل أي من الحلي تصميماً فريداً. صحيح أنها احتفظت بقيمة هائل، لكن أياً منها لم يمثل حقاً الآثار التي تقبع داخلها الآن. يمكن بيعها بمال وفير، وحتى الأحمق ليعلم ذلك، لكن الأمر لم يكن كافياً.
"حسناً، تظل بضاعة جيدة. ضعوها في أحد صناديقنا—"
قرر. توقف الجميع. تحركت ساق أحد التماثيل إلى الأمام قليلاً. وبدأ الحجر يتساقط كاشفاً عن الطبقة التي تحته. ظل حجراً، بالطبع، لكنه بدا في عيني صوفيس... أكثر ليونة. كأنه لحم. رفعت وجهها. واستقبلها وجه التمثال بنظرة. وهنا فقط لاحظت أن التمثال يحمل رمحاً حجرياً طويلاً... وهو موجه نحوهم.
"اخرجوا جميعاً—"
اخترق الرمح الصندوق مباشرة مهشماً الخشب... أو هكذا افترض أن يحدث. لكن الصندوق اختفى وسط الضباب والغيوم، كاشفاً بدلاً من ذلك عن أرضية حجرية متشققة وقد غرز الرمح فيها. التفت التمثال برأسه الصلب الجاسئ نحو الفرقة.
"ار... ركضوا!"
لم يحتاج جينّاي لقول ذلك حتى. تفرقت الفرقة على الفور، مسقطين أمتعتهم الثقيلة حين سيطرت غرائزهم. صحيح أنهم ملكوا أدوات، لكنها كانت للتعامل مع الفخاخ والعقبات المحتملة، لا أسلحة حرب تستخدم لقتل البشر أمثالهم. بين القتال أو الفرار، لم يوجد سوى جواب محتمل واحد. عدوا، واملأت الأنفاس اللاهثة القاعات فيما سمعوا تشققات حجرية إضافية. لم يجرؤ أحد على الالتفات للوراء. ولم تهتم صوفيس بما إذا كانت ثيابها الفضفاضة تتمزق على الفروع في طريقها، بينما خدشت الكروم بشرتها المعتنى بها ووخزتها.
لم دروا إلى أين يذهبون. لعلهم توجهوا نحو المخرج، لكن أحداً لم يدري يقيناً. ما هذا بحق الجحيم؟ لعل هذا دار في عقول الجميع. حسناً، هذا ما حدث مع صوفيس على الأقل. التماثيل الحجرية لا تتحرك. هذه حقيقة بديهية... على الأقل حتى هذا اليوم. النباتات، القاعات، الصندوق، التمثال... لم يبد أي شيء منطقياً البتة. لا مكان في هذا العالم يصبح فيه الجماد حياً.
سمعت عن أوهام تدعى "السراب"
في الصحاري، لكن أن يختفي صندوق كامل أمام عينيها؟ كان الأحرى بها الادعاء بأنها عمياء. هزت رأسها بعنف وهي تلاحق باقي باحثي الكنوز. لم يكن هذا فخاً غبياً. فقد عبرت ردود أفعال باحثي الكنوز عن كل شيء. كان هذا شيئاً يتجاوز نطاق المنطق. طخ. سقط شخص ما. لم تلتفت حتى، لكن أحدهم فعل. التفت جينّاي عائداً، وعدا متجاوزاً إياها باتجاه التمثال. وبعد لحظات قليلة، عاد حاملاً جسد رويا المترهل فاقد الوعي على كتفه.
بدا الرجل كدمية، تتأرجح ذراعاه وساقاه بينما اندفع جينّاي إلى الأمام. أأصابه التمثال؟ لم ترغب صوفيس في معرفة ذلك. بعد فترة من الركض العشوائي، خبت أزِيز الحجارة المدوية أخيراً ولوح المخرج في الأفق. ومع عناق ضوء الشمس الدافئ، توقفت الفرقة أخيراً لالتقاط أنفاسها، عاجزة عن استيعاب ما حدث مع الصندوق والتمثال. بطريقة ما، ما زالت صوفيس تتنفس. وتصبب العرق بغزارة من شعرها، قطرات كالمطر نحو الأرض.
ولم تستطع حتى تكبد عناء إصلاحه الآن. وما زال قلبها يخفق بجنون. وظلت حقيبتها داخل الصندوق، ومعظم المعدات الثقيلة، متروكة قرب التمثال. لكنها لم تحفل بتلك الأشياء المادية في هذه اللحظة أبداً. نظرت إلى رويا، وقد شحب وجهه بفزع حين وضعه جينّاي على الأرض. لم تكن هناك إصابات واضحة. ومرر باحث عن الكنوز يده قرب أنف رويا. وانكمشت اليد بسرعة حين بدأ الرجل يشحب هو الآخر.
اهتز الرجل: "ماذا... حل به؟"
قال جينّاي ببطء: "لا أعلم. إنه ببساطة... ميت".
ميت؟ هكذا فحسب. سقوط على الأرض. ميت. أأزمة قلبية، أم مرض كامن، أم ربما إرهاق محض؟ لا علم لها. لم يهم السبب. الرجل الذي كانت تحدثه قبل لحظات بات الآن ميتاً. لكن لا بد أنه لم يكن مفاجئاً إلى هذا الحد... أليس كذلك؟ حبت صوفيس نحو رويا، ووضعت يدها لفترة وجيزة فوق صدره قبل أن تتراجع إلى مكانها الأصلي. لا نبض. رويا ميت حقاً. لم تمر سوى لحظات عندما تبادلا حواراً قصيراً بشأن خربشاته ورسمه للخرائط.
صحيح أن الرجل بدا بغير مهارة تذكر، لكنه ظل بشراً حياً. ولم تظهر عليه أي مؤشرات لشيء، وفجأة، تحول الآن إلى جثة تبرد لتتعفن في هذه الآثار. والموت هكذا فجأة يعد، أقل ما يقال، خطأً منطقياً. نظرت إلى الرجل المتعرّق الذي أرشد الفرقة من قبل إلى ذلك الصندوق الغامض. صحيح أنه لم يتحمل وزر موت رويا، لكنه كان يرتتج حزناً بالغاً. وشعرت ببعض الشفقة عليه، ناظرة إلى جسده الضخم المنكمش والمكلوم.
تمتم: "ماذا... الآن؟ ألا نفعل شيئاً، أنا لا أدري... أنا آسف".
احتضن جينّاي الرجل: "يا جورن، ما الذي تعتذر لأجله؟ أنت رجل خرق، لكن لا علاقة لهذا بك يا أخي".
آه، صحيح. نسيت صوفيس اسم الرجل. جورن. ولا أهمية تذكر لذلك في هذا الوقت. جلست الفرقة متقاربة حول جسد رويا، وتبدات على وجوههم ملامح الهزيمة والكآبة. ففي نهاية المطاف، غالباً ما قضوا وقتاً طويلاً معاً. ولعله تعبير عن الحزن بشكل ما. وحدها صوفيس والمرأة الصبيانية جلستا بعيداً عن المجموعة، بل ودارت الأخيرة بظهرها عن الجميع. كان جورن يبكي بالفعل، وفرك يداه الخشنات دموعه بين شهقاته.
فلكونه رجلاً عملاقاً، اتسم بحساسية مفرطة. ولم تدر صوفيس حقاً كيف تتعامل مع هذا. يمكن لنفس التعابير والمشاعر أن تظهر على وجه أميرة دون أن تبدو في غير محلها ولو قليلاً. أما غشيم مثله يُظهر مثل هذا الضعف، فبدا بدلاً من ذلك غير طبيعي تقريباً، رغم أنها لم تنجر لتظن أنه مزيف بأي شكل. مقارنة به، اقتصرت أفعالها على الجلوس بعيداً، ناظرة ببرود إلى جسد رجل لم تتبادل معه سوى كلمات معدودات.
ولعلهم بحاجة للإعداد لدفن ما، ويوارون رويا الثرى في أبهى الأماكن وأكثرها دماراً. وستكون الآثار، المكان الذي لقي فيه حتفه، مثواه الأبدي.
قال جينّاي وهو يفرك ظهر الرجل برفق: "انظر يا جورن. هذا يحدث. علمنا جميعاً احتمال حدوث هذا يوم اخترنا أن نكون باحثي كنوز. رويا أخ لنا جميعاً، لكن حتى هو سيضطر للرحيل في نقطة ما. أنت رجل كبير. البكاء لن يعيده—"
قاطع أحد باحثي الكنوز: "هيكل يا رئيس؟ رويا، هو..."
سعال. من رويا. حول صوفيس عينيها فوراً نحو الجثة. لم تكن تتخيل. الجسد، الصندوق... كان يتحرك.
"هاه...؟"
استيقظ الميت فجأة بفضاضة. وكانت عيناه محقونتين بالدم، وفمه مفتوحاً قليلاً، وأنفه يشهق الهواء بعنف. وتوترت عضلاته، لكنها تحركت بوضوح. وتراجع الشحوب تدريجياً، وعادت حمرة الجلد إلى جسده. وكأنه أخذ غفوة فحسب. استحال حدوث هذا من الأساس. لكنه حي. من جديد. وما هي إلا لحظات قلائل على إعلان وفاته حتى عاد رويا. نهض الجميع على الفور وابتعدوا عنه، وكأنه مسخ عثر فجأة على مجتمع وديع.
وظلوا في حالة صدمة. وبصراحة، تعذر قياس مشاعرهم بدقة. وساد جو كئيب من عدم التصديق والصدمة والغضب والذهول مجتمعة. نظرت صوفيس إلى يدها. وظنت أنها لم تشعر بأي نبض منه سابقاً. وتأكدت تماماً. استحال ذلك. ولم يشك أحد في وفاة رويا. ومع ذلك، كان الرجل حياً.
تلعثم جورن: "ر-رويا؟"
حدقت عينا الرجل الفارغتان في الفراغ، مذهولين من قيامته الخاصة. وبدا كمن رأى كابوساً مرعباً، وتدثرت يداه وفمه بالرجفة. وسادت الفرقة صمت مطبق، تحدق إليه كعينة نادرة. وكان كذلك بالفعل. حدثت حالات دفن أشخاص أحياء بالخطأ، لكن لم يسبق لأحد أن رأى شخصاً يعود من الموت. حتى الأطباء لكانوا ارتعبوا تماماً من هكذا ظاهرة، وهم أكثر شهود العيان شيوعاً للانتقال بين الحياة والموت.
الأمر لا يمت للوضوح بصلة. وبينما جلست الفرقة متسمرة في أماكنها، عاجزة عن التفاعل مع ما وقع أمامها للتو، فتح رويا فاه ليتكلم.
نطق بصوت متحشرج واتسعت عيناه بينما بذل جهداً لإخراج الكلمات من فمه الجاف: "أنا..."
وبدا مهووساً بعض الشيء، فحركة ذراعيه المحمومة تشبه أعمى فقد عصاه. واهتزت أذناه بلا توقف، وتدقت كاحلاه الأرض بسرعة. وحتى لو بدا جسده حياً، فقد غاب عقله منذ زمن بعيد. لكن لا محيد عن نطق الكلمات الملتوية والبطيئة والهادئة، كهمسات رجل فقد ذكرياته وصوته وعقله.
"رأيت... ذلك".