⟦1﹞ "استيقظي. أنت نائمة منذ أسبوعين".
"هاه...؟"
فتحت صوفيس عينيها ببطء، لتصادف الظلام ذاته داخل البناء الذي سبقت نومها فيه. كان البقِيَّة مستغرقين في النوم، يسبحون في أحلامهم. المكان لم يتغير، وكل شيء بدا كما عهدته تماماً. ورغم استحالة تذكر كل تفصيلة في القاعة قبل الخلود إلى النوم، إلا أنها جزمت بأن شيئاً لم يتبدل. باستثناء أمر واحد. عجزت صوفيس عن التعرف على الشخص الماثل أمامها، أو بالأحرى... ما بدا وكأنه شخص. فرغم أن عينيها أقرتا بأن الهيئة بشرية، إلا أن حدسها همس بالعكس تماماً.
كانت ترى بشراً حقاً، أو هذا ما قادها منطقها إلى تصديقه. بيد أن ذلك الحدس غير المنطقي أبى أن يزول، رغم كل الأدلة الماثلة أمامها. في أي شيء كانت تشك إذن؟ كان المفترض أن تكون هذه مجرد ملاحظة عادية. هل غطت في النوم طويلاً إلى الحد الذي بعثر أفكارها؟
"صوفيس، انظري إليّ ملياً".
فركت عينيها. وقف أمامها رجل قصير القامة، أو ربما فتى، مرتدياً ثياباً لا تنتمي إلى صيادي الأسرار. بل إنها ارتدت أزياء فريدة لم تقع عينها عليها قط. ارتدى قميصاً رمادياً بغطاء رأس، والتف القماش بسلاسة حول جسده النحيل. بدا النسيج شبيهاً بالصوف، لكنه خلا من الدفء أو الخشونة. كان مرتباً أكثر من اللازم. وسنتاه بدتا ملائمتين له أيضاً، إذ صُنِعتا من قماش أزرق عجزت عن تخيل أصله حتى.
تلون حذاه بالأسود مع قاعدتين بيضاوين، لكن تصميمه لم يشابه أي حذاء ألفت رؤيته. لم توحِ مظهره العام بثراء فاحش، غير أن أي ذي بصر نافذ للاحظ أنها ثياب فاخرة، ربما يرتديها نبيل في مملكة بعيدة. أما رداؤها الكتاني، الذي خاطته أفضل خياطة محلية تعرفها، فبدا أشبه بالأسمال البالية مقارنة بها.
"تملكين عينيْن جيدتين، تحكمين على الناس من ملابسهم قبل وجوههم"، قال.
انتفضت. ألم تكن تطيل النظر إليه بشكل مزعج؟
"لكن هذا بالضبط ما تفعلينه، بصراحة. لقد فعلتِ الأمر ذاته مع صيادي الأسرار عند لقائك الأول بهم في الأكاديمية. تفقدتِهم من القمة إلى القاع عملياً، مطلقة أحكاماً سريعة على طبائعهم وعاداتهم من ملاحظاتك. ظننتِ أنهم يبدون كالشحاذين مقارنة بالعلماء المحيطين بكِ بكثرة. لقد كان ذلك اللقاء القصير وحده كافياً لتجعلي تعيدي التفكير في هذه الحملة. حسناً، في النهاية، ومن أجل مجرى القصة، ذهبتِ معهم مع ذلك".
هاه؟ استرجع الفتى انطباعها الأول عن صيادي الأسرار وكأنما يقطن عقلها بطريقة ما. لم يكن لدى الفرقة انطباع أول جيد عنها هي الأخرى، لكنها ظلت تفصيلاً تمنت لو أنها تحتفظ بمعرفته وحدها، سيما وأن الجميع تواجدوا في الغرفة ذاتها في هذه اللحظة.
لكن ماذا قصد بـ"القصة"؟
"إذن، ما رأيك في هذه الأطلال حتى الآن؟ أنيقة، أليس كذلك؟"
نفض الغبار عن الأرضية قبل أن يجلس. رمقته بدهشة.
"أنا... لدي سؤال في الواقع".
"تفضلِ. كان مفترضاً بك أن تبدئي الكلام الآن".
"من أنت بالتحديد؟"
"من ترينني؟"
"هذه ليست إجابة".
"لكنها إجابتي. ربما تشعرين بالحيرة، لكنك ستفهمين من أكون مع مرور الوقت".
بالغ الفتى في إحاطة نفسه بالغموض بلا داعٍ. لكل ما فعلته لبرهة هو التحديق في الأرض أو أرجاء القاعة، عاجزة عن صياغة أي رد ملائم. تماماً مثلما قال الفتى. في تلك اللحظة لاحظت أن النباتات في المنطقة بدت خصبة أكثر بقليل من ذي قبل. وقسمت أن أسرع المتسلقات نمواً لم تكن لتتسلق سواعد بعض صيادي الأسرار بهذه السرعة.
"على أي حال"، كسر الفتى الصمت أخيراً.
"أتنظرين إلى النباتات الآن؟ بالنسبة إلى عالمة في أكاديمية التاريخ، تبدو عيناك جائلتين في كل اتجاه. كان التهوِّم والتركيز على أمور عشوائية ديدنك دائماً. منذ اللحظة التي وطئت فيها قدمك هذه الأطلال، رقص عقلك حول الأحجار والتفاصيل وعمارة هذا المكان. وهو أمر، يجب أن أقول، جميل جداً. تفصيلة لطيفة فيك، حتى".
انكمشت قليلاً على نفسها لكلمات. تركزت عيناه الضيقتان عليها تماماً، وانحنى جسده إلى الأمام قليلاً كأنما تخضع هي الأخرى للفحص. إن كان من شخص مزعج هنا، فهو هذا الفتى تحديداً.
"كيف عرفت هذه الأمور عني؟"
تمكنت من قول ذلك رغم كل شيء، محافظة على رباطة جأشها.
"امم، كيف أصيغ الأمر..."
نقر الأرض بإيقاع لتمضية الوقت إذ بدا غارقاً في التفكير.
"أنا فقط أعرف، أظن؟"
أيقنت صوفيس تماماً أنها تحدث مجنوناً في أحلامها.
"أوه، هذا ليس حلماً"، قال، قارئاً فكرها ببراعة مرة أخرى.
"أتذكرين ما قلته بشأن نومك هنا لأسبوعين؟ إنه حقيقي. أو على الأقل، كانت تلك تقريباً المدة التي انتظرتها قبل أن أعود لمراقبتك مجدداً".
حتى لو زعم أن هذا هو الواقع، فلم توجد أي إبرار منطقي سوى كون هذا المشهد حلماً. كان الفتى يعرفها بقدر معرفتها لنفسها عملياً. وكأنها تحدث مرآة. جعلها تخيل الفتى نسخة أخرى منها أقل تواتراً بدرجة طفيفة. كان هذا حلماً فحسب. عليها انتظار انتهائه لا أكثر.
"أحم..."
تنحنحت.
"أفترض أنك تفترض معرفتك بكل شيء عني، بما في ذلك أعمق أفكاري؟ لأنك تعرف وحسب؟"
"نعم. أتريدين أن أستحضر ذكرى تلك المرة التي اختنقت فيها بالحبر لتظنك إياه دواءً؟"
"مهلاً، ماذا—"
لم ترغب في تذكر حالة الإحراج تلك.
"أنا أعرف وفقط".
"مم، على أي حال"، قالت مستعادة توازنها سريعاً.
"بما أنك تعرف كل شيء عني، أفترض أنك تملك القدرة على معرفة كل شيء عن البقية أيضاً؟"
"بطبيعة الحال. لا أستطيع إثبات ذلك الآن حقاً، لكني أعرف".
"أأنت نوع من الكائنات في هذه الأطلال؟... شيء ما يقطن هنا؟"
إن كان الأمر كذلك، فأرادت دراسته.
"ترغبين في دراستي؟"
"أوه، صحيح. بالطبع تستطيع قراءة أفكاري. سأنطق بكل ما يدور في عقلي من الآن فصاعداً، ربما".
ربما— "ستنطقين بكل ما يدور في عقلك، أليس كذلك؟"
"صحيح. مم".
"إذن ترغبين في دراستي؟"
"نعم".
"لا يمكنك معرفة سوى ما أبثه لك. يستحيل عليك التعمق في الدراسة أبعد من ذلك. الأمور التي لا أفصح عنها الآن إما لأنني لم أفكر فيها بعد، أو لأنك لم تكشفيها بنفسك بعد".
"ربما. لكنك ستجيب عن أسئلتي، أليس كذلك؟"
"بالتأكيد، أعتقد ذلك. فأسئلتك ستكون ضمن التوقعات على أي حال".
"امتلاك موضوع دراسة يمكنه الرد على أي من استفساراتي سيكون مثيراً للاهتمام بحق. لا يوجد مصدر أولي أفضل من كائن حي".
"أحسنت القول، أيتها العالمة. والآن، اسألي ما شئت".
"من أنت؟"
"أجبت عن هذا السؤال بالفعل".
"تنهدت... السؤال التالي: لماذا أنت هنا؟"
"لأنني أريد ذلك. يمكنني المجيء إلى هنا متى شئت".
"كيف لك أن تصل إلى هنا أصلاً؟"
"هذا العالم عالمي. لا أحتاج إلى سبب لأكون هنا. حين أرغب في الغوص في هذا العالم، تماماً كما تنغمسين في خيالاتك الخاصة، أكون هنا. في الواقع، الشيء الذي تحدثينه ليس سوى شخصية، نسخة مثالية مني توجد، خيالياً، في هذا العالم".
"أنا لا أفهم. أيعني هذا أنك من بنى هذه الأطلال؟"
"مم... تقنياً، لقد خلقت هذا المعبد. لا يزال غير منتهٍ البغية، مع ذلك. حين ترين كل ما أحتاج إلى رؤيتك إياه، حينها سيصبح كاملاً".
"ما الذي تحتاج إلى أن أراه؟ افتراضاً أن كلامك كله صحيح، أنت من بنى وصنع مجمع... "المعبد" هذا لمجرد اكتشافه. بالنسبة إلى بناء كهذا، لابد وأن ثمة دافعاً أعمق من ترك مهجوراً ليستكشفه اللاحقون. حتى أصغر أثر مكتشف حمل غاية ما في الحياة قبل تحوله إلى أثر".
"لكنني صنعته ليكون هكذا. المكان ليس عتيقاً كما تظنين. بالتأكيد، لقد مر أكثر من ألف عام عليه، ظاهرياً. لكن بالنسبة إلي؟ تلك مجرد ذرة وقت استثمرتها لاستدعاء المكان. لحظة خلق هذا المعبد، كان خراباً بالفعل. لم أتخيله كبناء قائم بذاته، بل مجرد ظل لمجد مزيف في ماضٍ مجهول لم تكلف نفسي حتى عناء خلقه. ببساطة، لا أمتلك صورة له في حال "اكتماله"، إن فهمت مقصدي".
"أنا... لا أفعل. هذا لا يمت للمنطق بصلة. يراودني فكرة، وبما أنك تستطيع قراءتها على أي حال، فها هي، أمام وجهك مباشرة: أعتقد أنك تتفوه بالهراء صراحة".
"آه. لكن لهذا السبب خلقت هذا العالم، هذا المعبد في المقام الأول. لتستكشفيه أنت وصيادي الأسرار. وكما يقتضي تعريف المعبد، فهو بناء مكرس لي. في الواقع، العالم بأكمله معبدي، لأنه البيت الذي أقطنه... أحياناً، حين يحلو لي ذلك. بل إنني أواصل حرفتي بينما نتحدث، ولن يكون لديك أدنى وعي حتى تري النتيجة النهائية".
"وما الذي يُفترض بي رؤيته؟"
"كل ما استحضره لك لتجربيه وتدرسيه. تنانين، كهوف، وحيد قرون، جنيات، أقزام، أبراج محصنة ملتهبة، آلات، جزر ومنصات عائمة... أي شيء يحلو لي خلقه من أجلك".
"لم أسمع بهكذا أشياء قط".
"ها قد سمعتِ الآن".
"أهذه الأشياء حكر على الأطلال وحدها؟"
"أعتقد... ذلك؟ قصدتُها لتراها عيناك وحدك. العالم يدور حولك عملياً، يا صوفيس. ببساطة لأني أردت ذلك. شئت أم أبيت، أنت الشخصية الرئيسية. ستوجد أماكن لا وجود لها في واقعي، ومع ذلك فهي موجودة في واقعك لأنني تخيلتها لتكون كذلك. فقط لمتعتك الخاصة. وفي حين تُعد هذه الأماكن خيالاً بالنسبة لي، ستغدو واقعاً لك، أو على الأقل لوعيك وفهمك. ما ترينه، ما تسمعينه، ما تشعرين به هنا، كله سيكون بأمري. لكنك لن تعي ذلك حتى أجعلك تدركينه".
"مهما قلت. هذا مجرد حلم من نسج خيالي".
"كما قلت مسبقاً، هذا ليس كذلك. ليس هذا خيالك أو أضغاث أحلامك، صوفيس. أنت مستيقظة. لكن لزاماً عليك أن تنامي قريباً أيضاً. لقد جهزت شيئاً جديداً لك ولفرقتك بالفعل".
"وما عساه يكون، إن أردت الإفصاح؟"
"ستريتن. لكن الوقت شبه منتهٍ، صوفيس. عليك النوم".
"وسأصحو قريباً".
"ستفعلين. ربما بحلول المرة القادمة التي أعود فيها لمراقبتك".
"ليلة سعيدة، أياً كنت".
"طابت ليلتك، صوفيس. كعالمة في أكاديمية التاريخ، أنت على وشك شهود التاريخ في أتم جلائه. لقد خلقت كل التاريخ اللازم معرفته في هذا العالم، بعد كل شيء. أه، وبالمناسبة، أنت أكثر ثرثرة بكثير حين تؤمنين بأن المحادثة هنا تخص خيال عقلك فحسب. تماماً مثلي".
ما انتهى حلم بهذه الطبيعة قط. ومع بدأ الفتى في التلاشي من ناظريها، شرعت عيناها في التشوش أيضاً. لقد كان حلماً مريحاً بحق، وإن بدا غارقاً في اللامنطق. مع ذلك، ظل التجاذب أطراف الحديث مع شخص بدا عارفا بها جيداً ممتعاً إلى حد بعيد. أكثر من اللازم، ربما. لكنها ستعود للواقع قريباً. تمنت لو يتكرر مثل هذا الحلم لاحقاً، لكن كعادة الأحلام، فستنسى غالبه بحلول وقت استيقاظها.
لم يكن يجدر بها إطالة التفكير فيه.
"لم أتفقد هذه القصة منذ أسبوعين حقاً، أليس كذلك؟ يا رجل، لا يجدر بي التسويف في الكتابة، من بين كل الأمور".
تفوه الفتى بآخر جملة قبل أن يختفي عن البصر تماماً. كانت الأحلام أحداثاً عبثية دوماً.