تحرّك عميل الأعماق لوبستر في هدوء بمحاذاة السفينة المحطّمة، وتخوض رجلاه في الماء المتجمع بالمخزن الغارق. الملح يلتصق بكل شيء. الألواح تحت قدميه ملتوية لكنّها متماسكة، وتتحمل بقدر يكفي للإيحاء بأنّ أحداً حرص على ألا تتداعى. فانوس يترنح على حبل بالأعلى، ناشراً دوائر ضوئية ناعمة على الجدران المنحنية. هيكل السفينة يصدر صريراً، لا بسبب الضغط، بل للإيقاع. كالتنفس. الصوت يتردد ويخفت على فترات طويلة، قريباً من المد، كأن الغرفة بأسرها تتحرك بالقدر الكافي لبثّ القلق في النفوس.
سواء أكان ذلك سحراً أم بناءً ذكياً، فقد توقف جيمز عن التساؤل. لم يكن الأمر اغرب ما رآه مؤخراً. شبكة صيد تُلقى فوق الدرابزين إلى يساره، متشابكة مع مجاديف شبه بالية وزجاجات مغطاة ببرنقيل. بعضها ما زال يحتفظ بسدادات. والبعض الآخر لا. المياه تلمع بضعف حولها، موحية بأن شيئاً قديماً وشبه نائم يرسو بالقرب. انحنى بجانب صندوق شبه غارق، مستنداً بإحدى يديه على مقبض سلاحه الطويل.
المكان ليس معادياً بالمعنى المعتاد. جيمز، أو عميل الأعماق لوبستر كما سخر الآخرون، معتاد على كونِه الصامت في الصف الخلفي. عتاده ممزق الأجزاء، وأغلبه جلد مقاوم للماء ورمح ذو مدى لائق. لقد خيط بضع جروح سابقاً بأصابع ثابتة وشاش رخيص. أصابعه لا تزال تحتفظ برائحة خفيفة من ذلك المسحوق الطبي الذي تبيعه المتاجر في لفافات ورقية. إنه جيد إن لم تكن تمانع الوخز. سلّم حبليّ مُدلّى بالقرب، مُهترئ لكنّه سليم.
رماه بنظرة، غير متأكد أكان طريقاً للصعود أم طُعماً. خط الماء يكاد يلامس الدرجة الأولى، الزلقة بالطحالب. إن أمسك به، فهو غير متأكد من صموده. إلى الجانب، مدفع صدئ يرقد مائلاً في بركة ضحلة. الضوء يلمع على سطحه كأنه يطلب الانتباه. تقدّم بحذر، محاشياً إثارة الماء كثيراً، ومتجنباً السلم الذي يصدر صريراً عالياً يشبه الإنذار. في قمة سطح السفينة، مترنحاً خلف الدفة، هيكل عظمي بانتظار.
ضلوعه بارزة عبر بدلة غوص ممزقة، واليد اليمنى لا تزال ملتفة بإحكام حول سكين ضخم نخرها الملح. أعشاب بحرية متوهجة تلتف حول الجسد، متألقة بضعف بضياء أزرق مخضرّ. بدا الأمر وكأن الغواص القديم قد ابتلعته السفينة ولم يكلف نفسه عناء المقاومة. لكن أحداً وضع وضعيته، فحنِيته تحمل قدراً كافياً من القصد. إمساك بالدفة، والانحناء إلى الأمام، بانتظار. حتى في السكون، كان له ثقل. إن كانت الإشاعات صحيحة، فهذا هو المسمى القبطان كورتلي.
الهيكل العظمي لم يتحرك. لكن جيمز تجمد تماماً.
تمتم: "لا، لا، لا..."
وصوته يكاد يعلو فوق قطرات الماء النازلة من معطفه. لم يرغب في التورط في ذلك الحدث الصغير، مهما كانت المكافأة المرتبطة به. ثم لمس وميض حركة. خلف الدفة، وراء شخصية كورتلي المتهدلة، تحرك شيء ما. عباءة من ريش النورس ترفرف بخفة بين صندوقين، عالقة في التيار الخفيف المتحرك عبر السطح العلوي. ومطوياً بجانبها مئصم خشبي طويل، واضح لا لبس فيه، وكيس جلدي صغير تتدفق منه سهام قصيرة، يحمل كل منها خصلات ريش بيضاء منفوشة.
فصيلة نورس البحر. شخص ما هنا. وهم لا يعلمون حتى أن جيمز يراقب. الفرصة أروع من تفويتها. ألصق نفسه بحافة السطح العلوي، محشوراً بين عارضة ملتوية ودعامة متعفنة، محاولاً التلاشي في البناء ذاته. وظل منخفضاً. أغلب الناس لا يخطون إلى هذا الجزء من السفينة دون تفقد كابتن كورتلي مرتين. هناك قصص. بعضهم يقول إن كورتلي ينتظر قرب الدفة كأثر قديم، منحنياً للأمام وتلك السكين لا تزال محشورة في إحدى يديه.
آخرون أقسموا أنهم وجدوه متهدكاً في المخزن، مدفوناً بنصفه في الحبال، ليسمعوا صوته يتحرك خلفهم لاحقاً. فريق قال إنهم تعثروا في كومة عظام صرخت بمجرد ملامستها سطح المياة الضاحلة. جيمز بلا مصلحة في اكتشاف أية نسخة صحيحة اليوم. أخف وزنَه على ركبة واحدة، والألواح لينة ورطبة تحته. يد أبقت رمحه قريباً. والأخرى حامت بالقرب من كيس طباشير دخاني، الرخيص، وبالكاد يكلك لترعشة الهواء، لكنه يشتري وقتاً إن رماه لأسفل، خالقاً سحابة.
نصف هذه اللعبة معتمد على من يجد الآخر أولاً، وأفهى الأشياء قد تفضح أمرك. لمعان إبزيم الحزام. أنفاس بصوت أعلى من اللازم. سعال في التوقيت الخاطئ. أوقات أخرى؟ الناس يتعثرون به مباشرة. الحظ عشيق الحرب بقدر التكتيك، وأقسم جيمز أنهم جميعاً بحاجة لعلاج نفسي. عباءة النورس تحركت مجدداً. الشخصية وراء جدار الصندوق مباشرة، غافلة أو متظاهرة بذلك. لم يروا جيمز. لم يروا كورتلي. أو إن فعلوا، فهم يستغلون وجود الهيكل العقديم كخّماصة طيور، مراهنين على بقاء الآخرين على مسافة.
إن كان هذا صحيحاً، فليس هذا وافداً جديداً على ساحات المعارك. تحرك مقترباً، وكل صرير للسفينة يغطي اقترابه. الألواح الملتوية تمنحت قليلاً تحت قدميه، ملينة بأثر سنين الملح والضغط. الهيكل نفسه انضم، مؤوهاً على تنفس طويل يجيء ويذهب مع المد. الماء يتحرك معه، بطيء وثابت، وبالكاد يبلغ ركبتيه. يتأرجح بإيقاع خفيف، ملتقطاً ضوء الفانوس بالأعلى ومبعثراً إياه على الجدران في أشرطة طويلة مرتجفة.
ذلك الضوء يمر سطح البرنقيل، والحبال الزلقة، والألواح المتعفنة كأنه متردد في المكوث. كل شكل يصير شيئاً آخر لثانية. وكل لمعان يدعو للشك. جيمز لم يرمش. طابق تارجح الغرفة. وحوّل وزنه تماماً مع ارتياد الموجة التالية للسفينة. إنها حخدعة تعلمها مبكراً، تحرك عكس الحركة، وستبرز كمدف مقطوع. تحرك معها، وتتلاشى. في الأمام، عباءة ريش النورس تحركت مجدداً، مسحوبة بخفة بواسطة الهواء.
بدت حية من هذه الزاوية، كأنها قد تقلع للطيران بأية ثانية. ثم، ودون تغيير توازنه، ودون همسة شك، مد يده نحو سلاحه. رمحه انزلق حراً. غطاء الجلد صلب وثابت، رطب من الماء لكنه غير منفوخ. المقبض من سنديان متين، عادي ومعتق، بلا مباركات منقوشة عليه، وبلا شرارة سحر مخبأة بالداخل. سلاح صلب. عدل قبضته. العباءة رفرفت مرة. ثم انقض. دخول مكان كهذا هو توقيع اتفاق غير مرئي، ألم، وربما كبرياء، لكن لا ديمومة.
حتى لو تلقيت رمحاً في أضلاعك، حتى لو صار بصرك أبيض من الصدمة، فأقصى ما يتبع ذلك هو وميض ضوء برتقالي وسحب مفاجئ عبر الفضاء. تلك كانت رحمة هذه الغرف. لا أحد يموت. يمكنك تفجير رغبتك بالفوز بأية طريقة تقريباً ولن تقتل أحداً. الرمح شق الهواء حيث كانت العباءة تحوم قبل رمشة عين. لم يشعر بمقاومة. ليس فوراً. لكن الغرفة تخبرك دوماً. إما أن يترنح أحدهم. أو يتلاشى. الريش تدفق بطيئاً وهادئاً.
ثم تراجع، كاشفاً عما ارتدى العباءة حقاً، كيساً عفناً من المحار، مُتكّماً ومربوطاً في شكل فج وكتلي. أحشاء السمك لطخت الأرضية تحته، والرائحة ضربته متأخرة نبضة. عباءة نورس بحر نادرة، هُدرت. استُخدمت كطعم لاستدراجه. تلك العباءة لا تُمنح اعتباطاً. تُكسب بانتصارات مُقررة، عشرات متراصة بلا هزيمة، أو بقدر كافٍ من الدم والتنفس المُقدّم لطقوس الفصيلة لتُمنح إياها في اعتراف صامت.
الأخذ يتطلب وقتاً. لا أحد يتخلص من علامة كهذه. إلا إن نوى إثارة اضطراب أحدهم. إلا إن عرف تماماً ما يفعله. شخص واحد سيحرق شيئاً بهذه الثمينة لمجرد إلقاء نفته، أو نصب فخ، أو تذكير العالم بأنها لا تحتاج لتخزين الغنائم. المتوسطة. هي. الصيادة البدائية. رفع رأسه. متأخراً جداً. ظل انفصل من خلف الصندوق. لم تمشِ. انلتفت بحرية من الفضاء بين شريطي ضوء، كأنها كانت محشورة هناك طوال الوقت، بانتظار أن يرمش أحدهم.
بنية الصيادة نحيلة، وكل حركة كقماش شراع مشدود بقوة فوق حبل. ابتسامتها لا تطرح أسئلة. عيناها التقطتا العتمة وأعادتا تشكيلها، محولتين الهواء إلى أخضر زجاج البحر. لم تكن بشرية تماماً. ليست إلفية، ولا قزمية، ولا ذات حراشف أو قرون أو ريش. بدت أشبه بدرع فُصّل بعناية مهووسة على هيئة شابة، لكنه تُرك أجوف، كأن شيئاً مقدساً عاش بالداخل ولم يغادر بعد. تلك العينان الخضراوان تحملان أكثر من الرؤية.
تحملان النمو والتعفن، وميض زنبق الماء وهو يزهر، وسكون العفن وهو يستقر في الجذور. كانت حية بطريقة وحش بري، أأحكم من غراب، وأكثر جوعاً من ذئب، وأكثر مرحاً من قطة. ثم أتت الطبول. ليست حقيقية، وليست معزوفة، بل مُستعادة، شيئاً يتردد صداه عبر العظام. نبضة تنتمي لمكان عميق تحت الأرض حيث تتجول الوحوش. ثم أتى الوميض البرتقالي. الإزالة القسرية. جيمز أصاب الحصيرة خارج منطقة المباراة، أضلاعه منقبضة، والهواء مسحوب من رئتيه كأن شبكة انغلقت.
ضوء الشمس ضغط، ساطعاً جداً بعد جو السفينة الداخلي العميق. رمش.
تمتم، وصوته يكاد يُسمع لنفسه: "لقد أصابتني بريم".
من حوله، علت الأصوات. بعضهم ضحك. وبعضهم تنهد. وقليل لعنوا. المرأة تركت أثرها. مجدداً.
* * *
قالت بريم: "تلك تمتلك إمكانات"، ولم تستطع دلتا التوقف عن التحديق.
شكل قوقعتها يلمع بنحاس أخضر ناعم، تتخلله عروق من برتقالي باهت تنبض بخفة حين تتحرك. بدا مصوغاً، منحوتاً حتى، لكن ليس من أي شيء تستطيع دلتا فهمه.
الأمر برمته تم «تكليفه»
من قِبل حداد الشياطين، رولياك، مستخدماً مانا دلتا وحدها كمادة لخلق وعاء لساحة المعركة. وهو ما لم يكن منطقياً. هي تصنع الأشياء من المانا فقط لأنها لا تتوقف أبداً عن إبقائها مترابطة. عقلها هو الرابط. حضورها هو البناء. إن انزلقت يوماً، ولو لثانية، فإما أن ينهار الزنزانة أو تغدو ساكنة. مختزلة إلى غبار ضعيف حُبيبي مثل زنزانة سيلفر. المانا الميتة ستلتصق بالجدران كالصقيع.
ستبدو كحجر، لكنه باهت جداً، بلا ضوء. هادئة بالطريقة الخاطئة. ومع ذلك، بطريقة ما، فعلها رولياك. حين يأخذ الناس الغنائم، يستخدمون مانا خاصة بهم لجعلها حقيقية لكن رولياك لم يفعل ذلك، فقد جعل المانا تغدو حقيقية دون أن يهب نفسه للعملية. الأمر كان غير طبيعي ودلتا تستطيع رؤية لم لا تختلط الزنزانات بالجان الشيطاني غالباً. بدا غريباً ودلتا كانت رأس حربة الغرابة للزنزانات.
رولياك مد يده داخلها، أخذ شيئاً بلا لمس، وضربه ليأخذ شكلاً بلا نار، بلا أدوات. دلتا لم تشعر بألم. لكنها لاحظت. لحظة مغادرته لها، شعرت بأنها أصغر. والآن وقف أمامها. بريم التفتت ببطء، مختبرة شكلها الجديد. المفاصل تحركت بلا صوت، مصممة للأناقة لا القوة.
قال نو من الخلف، بصوت جاف وحاسم: "أنا محرج لأجلك، إذ تقبلين شكلاً كهذا بدل المستطيل الفائق".
كان يطفو في مكانه المعتاد، شاشته تدور في حلقة مثالية، مشعة بقضاء مخلوق مولد من الفوضى ونظام. بريم لم ترد بكلمات. مدت يدها ونقرت عليه، إصبع نحاسي وحيد ينقر جانبه. رنّت رِنة ناعمة، حادة لكنها ليست قاسية. نو تذبذب مرة. استعاد توازنه ثم انطوى على نفسه، بلا تعبير. خطوطه أُعيدت محاذاتها بإهانة هادئة. عبوس مثالي.
قالت بإيجاز: "الأصابع مفيدة لإمساك أسلحة عديدة".
قاطعت دلتا: "ولمصافحة الأيدي".
"بالطبع. أود أن..."
أصابع بريم النحاسية التفت، وكانت الحركة مائعة ومنضبطة لدرجة تبدو أقل شبهة بالميكانيكا وأكثر بالرقص المُتدرب. كل مفصل التفت بالتتابع، سلساً كالتنفس.
أنهت بابتسامة: "أصافح أيدي عديدة".
لم يبدو ذلك مشؤوماً على الإطلاق. في الواقع، كانت دلتا متأكدة تماماً أنها ستفكر في الأمر لاحقاً. ربما أثناء الاستلقاء مستيقظة. استمر نو في العبوس بالقرب. ظلت خطوطه منوية بحِدة، والحواف نظيفة لا تلين. لقد اختزل حضوره في نوع من المستطيل التكتيكي، خرج انفعالي ضئيل، ومساحة حكم قصوى. أخرجت دلتا نفساً وألقت نظرة نحو الواجهة، مراقبة بريم وهي تفازن نفسها إلى نسخة أخرى من السمكزانة.
تقنياً، يجب ألا يكون هناك سوى واحدة. هذا هو التصميم. مدخل واحد، حلقة واحدة، بيئة متطابقة حيث يمكن للتحدي والفوضى الاصطفاف بأدب مثل كارثة حسنة السلوك. لكن حينها أتى مدمنو المعارك. صاخبون، مبهجون، نصف مدرعين بسيوف لا ينظفونها ورايات نسوا معناها. طوال الأربع وعشرين ساعة الماضية، وصلوا أمواجاً. بالمئات. بعضهم استخدم أسماء مكررة. بعضهم كان بالتأكيد الشخص ذاته بقبعات مختلفة.
السمكزانة الأصلية صمدت لفترة، لكن الضغط نال منها في النهاية. التعاويذ أخطأت هدفها. حالات الغرف خرجت عن التزامن. سلطعون مسكين واحد تكرر أحد عشرة آلاف مرة وانتهى به المطاف بطلب وضع مدني غير مقاتل قانونياً. في النهاية، ضخت دلتا مزيداً من المانا في القلب وسمحت للنظام بشطر الأمر برمته. والآن صار هناك سبع سمكزانات تعمل بالتزامن، كل منها خارج الطور قليلاً. صدى، حقيقةً. هشة، مليئة بالأخطاء، ومترابطة بما يكفي لمنع الناس من ملاحظة خرقهم لقوانين الفضاء المحلي.
مجدداً. تفرست في إحدى سمكزانات المرايا، في الوقت المناسب للقبض على أحدهم مستخدماً غطاءي برميل لا غير كدروع. ليس للدفاع بل للضرب. لم يكن يضرب بقوة حتى، بل أشبه بإزعاج خصمه حتى الهزيمة. لكن الأمر كان ينجح. بطريقة ما. مقاتل آخر استخدم قدميه فقط. جوارب متسخة فحسب وسيجارة لا تغادر فمه. لقد اتخذ من مطبخ حطام السفينة نطاقه ورفض القتال في أي مكان ذي إضاءة جيدة. كانت فوضى صرفة، ودلتا أحبت ذلك.
ليس لأنها استمتعت بالعنف. لم تستطع أبداً الاستمتاع بتلويح بسيف بوجه أحدهم. ذلك النوع من الجهد يجعل مفاصلها تؤلمها بمجرد التفكير فيه. لكن مراقبة محاربين راشدين يضحكان كالأطفال قبيل التلاشي في وميض نظيف من الضوء البرتقالي؟ ذكرها بأنها تستطيع ترك أناس آخرين يستمتعون بأشياء لا تحبها. كالأطفال الركض في الجدران، غريب، لكنه أحياناً يجعلهم سعداء. من تكون لتعترض صغار ملذات الصدمة المتحكم بها؟
رمشت ونظرت للأسفل، لتجد كويس وفران واقفين بجانبها. الفارق الشاسع في الطول جعل اللحظة تبدو كأن أحداً اصطدم بإعدادات المنظور أكثر من اللازم ثم فقد الكتيب.
سأل كويس: "أيمكننا... أيمكننا هزيمة الدخلاء؟"
أو ربما فران. أصواتهما حملت ذلك التذبذب الذي يعني أن الأمر يهم. فم دلتا انفتح. ليس للسؤال، بل للطريقة التي استجاب بها كل شيء آخر في الغرفة فجأة. الأرض تحركت. بيلي خطا للرؤية بلا كلمة. عيناه مظللتان، معطفه أطول من اللازم، طاقته أحادية اللون تماماً. لم يقم بدخول بقدر ما ظهر، كدخان قرر الاندماج ليصير عفريتاً. جهده الوحيد كان تعديل الحزام السميك الملقى على خصره. لا أحد عرف ما تحويه الأكياس.
خلفه، تبع نام، أطول مما ينبغي لعفريت أن يكون، ووجهه ودود وغير مقروء بنسب متساوية. لوح لدلتا تلويحة صغيرة، مرح بحق، وأومأ لكويس فران كأخ أصغر يتوقع تماماً رؤيتهما يتخرجان من تدريب الطعن بمراتب الشرف. هوب وگوب وصلا تاليين، والأكتاف متلامسة. لم يقوال شيئاً أيضاً. فقط فرقعا مفاصلا أصابعهما بتزامن تام ونظرا حولهما كأنهما في منتصف الطريق إلى المعركة بالفعل. ثم أتى جاك، مغطى بعبوات معدنية صغيرة، أنابيب مسحوق، وأسلاك تنبض بخفة بتعويذات.
عيناه واسعتان، متجلستان، ومنغمستان بعمق في فكرة خطو الدخلاء تماماً حيث أرادهم أن يخطوا. رفعت دلتا يداً.
بدأت ونبرتها خفيفة لكنها آملة: "لم يكن هذا اجتماعاً".
أتى صوت آخر، واضح ومستوٍ: "أنا لا أطلب".
شكل وين الأصغر تقمص مكانه بجانبهم، مترجرفاً بنفاد صبر مكبح. ظلت جسدها نائمة بالأعلى، بلا مساس من أي من هذا، لكن ذلك بالكاد كان مهماً بعد الآن.
قالت ونبرتها مسطحة: "سأدخل جحيم الجحيم هذا، وأحفر عرشاً من عظام الضعفاء".
توقفت وين.
"وربما أحتاج عرشاً ثانياً. شيئاً بطابع سمكي. للأجواء".
ساد صمت طويل. كويس وفران أومآ بوقار. جاك همس بشيء في أحد براميل مسحوقه. بيلي طوى ذراعيه. گوب نظر إلى هوب. هوب نظر بالمقابل. دلتا فركت جبهتها. أيمكن لدلتا رعاية فريق وحوش دوري محترفين في بيئة لاعب ضد لاعب؟ أكان ذلك مسموحاً؟ ...سؤال أفضل. أكان أخلاقياً؟ سؤال أفضل بكثير: أسيوقفها أحد؟ زنزانتها بُنيت لتتكيف. وبُنيت لتتطور. وبُنيت لتتحدى.
قالت دلتا بعد ثانية، وهي تُمحّص قطعة صغيرة من نص دقيق: "أه، آسفة. يبدو أنكم جميعا بحاجة للارتباط بالبحر أو المحيط للمشاركة".
نقرت على المتطلب. تلألأ.
وكلمات «يفضل التوامح المائي»
رمشت مرة وغدت ساكنة.
تابعت، وهي تطرقع أصابعها: "هناك، ترون؟ قيد دقيق. صارم جداً. بالتأكيد شيء ينبغي أن نحترمه".
قالت وين، ونبرتها عارضة أكثر من اللازم: "أه، لقد توقعت ذلك بالفعل".
توقفت دلتا.
سألت بضعف: "أه؟"
أجاب صوت بعيد. طبول. ليست موسيقى، بل إيقاع. إيقاع عتيق ومتردد بدا كأنه يتردد صداه صاعداً عبر ألواح أرضية العالم. ثم أتى أزيز واندفاع رذاذ المحيط، يتبعه صرير اقترح أن شخصاً ما يتحدى الجاذبية لتشتكي. من الطابق الرابع، استجاب شيء ما.
قالت دلتا: "نو. شيئاً ما قدّم للتو... تجاوزاً موضوعياً".
شاشة نو رمشت مرة. ثم ظهرت سفينة خلف وين. سفينة كاملة. تفوح برائحة التفاح الدافئ والمعجنات. أشرعتها حِيكت من قماش بدا مثيراً للريبة كصفحات وصفات طهي مخيطة يدوياً. المدافع تدور ببطء. الراية تحمل فطيرة مقرمشة يخترقها سيف. بسطت وين ذراعيها بينما استقرت السفينة خلفها.
"نحن قراصنة الفطيرة".
----تحذير: نمط الفريق مفعلالقواعد مُعدلة: الطابع مُقبل. التوافق المححي مُمحّح عبر بند تفسيري. المكافآت: تذكرة تخطي زعيم واحدة.
* * *