لم تكن دلتا متأكدة ممّا فعلته تحديداً، لكنّها شعرت أنّه ليس الخيار الأسوأ بين كلّ ما عداه.
قالت ماريا وهي تُكشر وتلتوي مساحة روحها حيث استقرت بذرتها، وترتجف من اقتلاع بذرتين مظلمتين من كتلتها الرئيسة: «الجهل أو "كوننا أطفالاً" لا يعذرهما. لقد صنعا وحوشاً، واستدعيا ملوك خارجيّة، وبنيا زنزانات... لقد تسبّب الأخ والأخت بكمّ هائل لا يُحصى من الخدمات للجميع!».
أومأت دلتا وهي تتأمّل الضرر. كانت أقسى بقليل ممّا قصدت، لكن ماريا كانت فتاة مستحضرة أرواح عملاقة وليتش، ويمكنها تحمّل القليل من الألم.
قالت دلتا وهي تنحني: «حسناً، لكن ما تنسبينه إلى الخبث ليس سوى حماقة في الواقع. الناس الذين يحاولفون إصلاح الأمور ليسوا الأعداء. يجب أن أسالك، ما الذي تتوقعين حدوثه إذا عاد شقيقهما الأصغر؟».
نهضت ماريا ببطء على ركبتيها، ومسحت فستانها بتعبير متيبّس يشبه الأميرات. حسناً... لقد كانت أميرة، لكن دلتا لم تأتِ بشيء مبهر. كان لديها السيد فطر بين جدرانها وكان ينضح بالأناقة وحدها.
قالت ماريا بابتسامة خفيفة وانتقال مفاجئ في النبرة أربك دلتا لحظة: «دلتا... أنتِ لا تفهمين حقاً، أليس كذلك؟».
تلاشَت ابتسامة ماريا وتملّك دلتا شعور بأن شيئاً ما ليس على ما يرام... ليس خطراً عليها، بل شيء يحدث داخل ماريا.
قالت ماريا تنهد: «عذراً، أيتها الأخت الكبرى، لكنني أريد أن أنام مع صن... صديقي المفضل. إنه أنقى أشكال المستقبل وقد وفى بكلمته. لعلّك تلقيتِ إخباراً عما كان عليه الشقيق الأصغر حقاً؟ أأُخبرتِ بأنه خرج بأنابب ومخالب محاولاً التهام الجميع؟ يا للأسف... أنكِ استمعتِ إلى السطر الأول من الدعاية ولم تسألي أكثر».
شبكت دلتا ذراعيها وعبست.
فاتّهمت قائلة: «نعم، لكن إن طرحت السؤال الذي تريدين مني طرحه، فستقولين ببساطة "أوه يا له من تصريح مخيف ومرعب" وتختفين».
فتح فم ماريا ثم احمرّ وجنتاه.
فقالت وهي تلوح بيدها بضجر: «هـ-هذا جانب الموضوع!».
عرضت دلتا مفكرة في حلّ محتمل: «سأعقد معك صفقة».
فكّرت ماريا في الأمر.
فسألت بمكر: «صفقة مع المسخ الذي اختطف أصدقاءك ولديه حشد من العمّال بأجور زهيدة يطورون علوماً مظلمة؟».
أمالت دلتا رأسها بينما عادتا ببطء إلى العالم الحقيقي، وجلستا في غرفة عرش ماريا.
فسألت باستغراب: «لا زلتِ قادرة على دفع أجور عمّالك بعد بقائك هنا طوال كل هذا الوقت؟».
رفعت ماريا حاجبها وقالت ببساطة: «الأمر سهل حين تدفعين بالإطراء وأيام الإجازة».
عرضت دلتا بفظاظة: «ما رأيك أن ترسلي اثنين من أشقائك المجانين إلى زعيمكم وأبقي عليك محامية للشيطان؟ يمكنك محاولة إفسادي ويمكنني انتزاع الأسرار منك ككرة شعر من حلق تمساح».
كان العرش هادئاً سوى عن وقع خطوات كومة دلتا العملاقة من المخلوقات اللطيفة. طُرح السؤال بلا أي عداء أو خبث. بصراحة، احتجت دلتا حقاً إلى شخص غير مربوط بالنظام أو مولود منه لكي يقدم لها بعض الاجابات. إن وضع النظام ماريا قيد الإغلاق... أو محا ذكرياتها، فلدى دلتا فكرة واضحة بأن شيئاً ما يدبّر. أيضاً، كان الفعل الأول لإسقاط عدو مجهول هو جعله معلوماً. كانت ماريا في مرتبة عالية على عمود الطوطم لمجموعتهم.
تمتمت ماريا ثم هزت كتفيها بعجز: «خططت مسبقاً لجعلي تمتَصّيني، لكن لا فائدة تُذكر إن كانت بذرتي وحدها».
ثم قالت وهي تنظر بعيداً: «أوافق، فقط لأنني واثقة من أنك ستدركين الحقيقة قريباً بما يكفي من دون أي تحريض من طرفي».
وطالبت قائلة: «دعيني أودّع إخوتي فحسب»
وأغمضت عينها. خمّنت دلتا أنها قد تفعل تفعل فخاً أو ترسل رسالة أخيرة لزعيمها، لكن في النهاية، لم يكن الأمر يهمّ. ستقضي دلتا عليهم فرداً فرداً. الوحيد الذي لن ينال أي رحمة هو من ارتكب الأفعال الشنيعة بحق عائلة ريني. بعد لحظات، خرج نوران متوهجان داكنان من صدر ماريا، ورؤيتهما وحدها جعلتها تكاد تخرج من الزنزانة. تطلّب الأمر كل ذرة تحكم من دلتا لكي لا تمد يدها نحو البدرتين وتطهرهما.
لكنّها نجحت في ذلك متخيلة أن لهما أذني جرو وعينين واسعتين... وكذلك تلك الذيلين الرفيعين اللذين تمتلكهما الجراء والقطط الصغيرة. ماذا لو كان مزيجاً من جرو وقطّة؟ جبّقط!
عبست ماريا بينما انطلقت البذرتان: «وتحية قلبية "اذهبي إلى الجحيم أنتِ أيضاً"».
سألت دلتا ببراءة بينما أحاط المانا الغرفة وتفحص بحثاً عن أي فخاخ أو خطر قادم: «مشاكل عائلية؟».
دافعت ماريا قائلة: «تخيلي مشار
تم غزو الطابق الثالث. جاري استيعاب كل الغرف الزائدة. يُرجى الانتظار...
لم تملك دلتا إلا أن تراقب بينما كان كل ما يتجاوز حديقة الأبواب الكثيرة يُمحى بكل بساطة. أُزيلت المزيد والمزيد من الغرف لتغذية نقاط زنزانتها وطاقتها السحرية في المقابل.
لم تكن تنوي الاحتفاظ بأي من "لمسات"
ماريا الجمالية لذا كان هذا مناسباً لها. فرزت إشعاراتها المتزايدة حتى وجدت الإرشاد الذي تبحث عنه.
رائع، لدينا فتاة ليتش صغيرة مضطربة نفسياً في الفريق. اعذروني ريثما أحضر القصاصات الملونة.
كان نو يتذمر، لكنه بدا حريصاً بشكل مخيف على البقاء بجانبها.
قالت دلتا وهي تقرأ بشتات: "من الأفضل إبقاؤها حيث أستطيع رؤيتها".
تحول نص نو إلى خط دقيق للغاية للإشارة إلى أنه كان يهمهمس تحت أنفاسه.
هُزمت ماريا! استُوعبت ماريا! وجود مشروط خاص بسبب رغبة الزنزانة. جاري إعادة التشكيل...
حدث وميض من الضوء وببطء في الهواء أمام دلتا، أعادت ماريا تشكيل نفسها لتصبح كفناً من كائنات الزنزانة.
لفت ماريا وهي تلهث في مكانها: "ماذا... فعلت؟".
حدقت دلتا مطولاً.
أعلنت: "حسناً... أعتقد أنني زنزانة حقيقية الآن".
كان جسدها الصغير في فستان أبيض بسيط مع أربعة أجنحة ليعسوب بلوري على ظهرها. أصبحت ماريا الآن أكبر بقليل من فطر قزم. تحولت ماريا إلى جنية زنزانة. رفعت الفتاة رأسها وتلاشى وجهها ليكشف عن ملامح ليتش عظمية شيطانية مخيفة في فستان جميل.
قالت دلتا ببهجة بينما استوعبت ماريا كل هذا وأطلقت صرخة حادة لدرجة أن دلتا كادت تستحضر زجاجاً لترى إن كان سينكسر: "أمر رائع... جنية تفردت بتخصص ثانوي في شعوذة الموت".
فرقت دلتا أصابعيها أمام الجنية الغاضبة.
حثت ببطء: "هيا... استمعي"، وعم الصمت في زنزانتها.
قالت: "أسميتك، ماريا الجنية الدليلة فائقة المساعدة واللطف"، وانتقلت الشاشة فوق رأس ماريا لتعكس اللقب.
ماريا: الجنية الدليلة فائقة المساعدة واللطف! أداة النظام: قادرة على التصرف والتواصل لتلبية احتياجات الزنزانة. يجب أن تعمل دليلاً لأولئك الذين يدخلون الزنزانة. أميرة تحولت إلى ليتش تحولت إلى زعيمة طائفة تحولت إلى جنية صغيرة لطيفة. تحتقر الجميع وكل شيء، وتتمنى طعن النظام في رأسه بملعقة صدئة. مسحوقها لا يجعلك تطير، لكنه ربما يفعل في ترقية مستقبلية.
قالت ماريا بنبرة جوفاء وهي تجلس على أرضية الحديقة في الطابق الثالث: "أنا أتراجع عن كلامي. أفضل الموت فحسب".
بدأت دلتا تقول: "تلك هي الخطوة الأولى فقط من الحزن. الإنكار. قريباً، ستنتقلين إلى—"، وحاولت الجنية الانقضاض على وجهها وهي تصرخ بشأن الأنساب والأسلاف البقرية.
أكملت دلتا بهدوء: "—الغضب".
كان هناك إشعار يبرز بلون أصفر وركزت عليه دلتا متجاهلة ثرثرة ماريا.
"أعتقد أننا بحاجة للتحدث. أيمكنني لقاؤك عندما تكونين متفرغة؟"
كان الأمر مؤدباً، لكن الشقيقة لم تطلب اللقاءات حقاً أبداً، لذا لا بد أنه مهم.
قالت ببساطة وهي تلتفت إلى الفتى الذي لا يزال نائماً وحوله تماثيل حراستها بناءً على أمرها: "دعينا أتحقق من ألفا وأخرجه إلى الخارج".
تركت دلتا ماريا لتستمتع بوجودها الجديد، وانحنت هامسة بهدوء وقالت ونو يومض مرة واحدة: "نو... كل حركة تقوم بها؟ وكل كلمة تنطق بها؟".
لن تستطيع التفكير في فكرة سيئة دون أن أسجلها.
طمأنت هذه الكلمات دلتا. بقدر ما كانت متأكدة من أن حرب الملوك هذه مجرد خلاف عائلي طفولي بلغ مداه الأقصى، ظلت ماريا خطرة. لا تحتاج إلى سحر أو تنانين أموات لتشكل مشكلة. يكفي إغضاب المغامر المناسب أو جعل دلتا تظهر بمظهر... المشكلة، ليحدث الأثر ذاته أو أشد. اهتمت دلتا بصورتها إلى حد ما. عملت بجد لترسيخ فكرة إمكانية التفاهم معها. كان هدفها الازدهار مع دورينس لا رغم عنه. كانت مجازفة بكل صراحة.
لكن دلتا احتجت إلى معرفة ما يدور في عقل الطرف الآخر. وكيف يعمل. ومدى التواء أي عضو آخر في هذه المجموعة. رمش ألفا ببطء.
"آه."
توجعت دلتا ونقلت روحها صامتة بوصوتين نحو اليمين لتبدو أكثر استقامة. ميزة امتلاك أخت كبرى مثل دلتا؟ تسطيع فعل أمور كهذه.
"أنت بخير؟"
سالت دلتا. جلس ألفا ببطء ممرنا إصبعه.
"امتلك الكثير من مهارات مقاومة الأرواح، لكن لا أظنها ستفيد إن ضربت ماريا مجدداً."
قال بجدية وحزم، كأن فقدان روحه كان حرجاً مروعاً لا حادثة صادمة.
"عن هذا الموضوع..."
قالت دلتا رافعة إصبعاً تحاول تبين أفضل طريقة لفتح الحديث.
"—كيف لا زلت حية؟!"
صرخت ماريا بينما هزها جاك مثل طفل صغير يمسك سمكة في كيس.
"بالحقد والبغض!"
صرخت ماريا المقابلة. حدق ألفا قبل أن يلتفت إلى دلتا وبدت على وجهه ملامح إنكار حقيقي.
"ماريا ليست مشكلة فعلياً فيما يتعلق بالأمور الجارية."
قالت دلتا بحماس. عبس قبل أن يومئ كأنه تقبل الأمر.
"فشلت."
قال فجأة تقريباً.
"في ماذا... اللعبة؟"
سالت دلتا مائلة رأسها. ضم ألفا شفتيه.
"ذلك أيضاً... لكن لا، أعني التعامل مع ماريا. كنت غير مستعد بالمرة."
أوضح وهو ينهض متلفتاً.
"أين البطل؟"
سال قلقاً وهو يبحث عن الحشرة الذهبية.
"يستريح، لكنك لم تفشل يا أل."
قالت دلتا بإخلاص وهي تربت على رأسه. لم تدر لم، لكنه بدا قابلًا للربت تماماً.
"لم أربح إلا لأن ماريا قربتني بالقدر الذي تحتاجه لتجنني وتحولني إلى شيطان زنزانة يعيث فساداً في العالم!"
شرحت بنبرة هادئة.
"لكنت نجوت لولا تدخلاتكم الملعونة."
تمتمت ماريا بينما جلبها جاك... محشورة في زجاجة.
"أظن أن علينا طبخها."
قال جاك بشر. هزت دلتا رأسها لكنها ضيقت عينيها.
"وكيف تستمر في إلقاء إشارات لا يفترض أن تعرفها؟"
سالت فتاة الجنيات المخيفة. ابتسمت وحدها رداً على ذلك، لكن دلتا كانت تلتفت بالفعل.
"صحيح، لا وقت لدي لتلميحاتك الدرامية. لدي موعد غداء. ألفا؟"
التفتت إلى الشقق الشاب الذي حدق بها مستعداً لتلقي الأوامر.
"اخرج واسترخ. الشمس الحقيقية تفيدك."
أصرت وهي تؤدي حركات تطريد.
"دلتا!"
قالت ماريا قبل أن تغادر. بالالتفتوراء، منحتها دلتا نظرة ملل.
"لا أطيق الانتظار لأرى وجهك حين تعودين."
قهقهة ماريا فغمسها جاك في قدر قريب. وفي الداخل، حجبت صرخاتها طبخة حساء المتصيد، الجريمة المفخخة ضد الحياة. رفع جاك الزجاجة وكانت ماريا تتخبط وتبدو مريضة رغم خلوها من الأعضاء. ستنقذها دلتا حين تعود... لترى ماريا وجهها. هذا ما أرادته الجنية الصغيرة بعد كل شيء...---تطلب الذهاب إلى حيث توجد الأخت الكثير من مهارات العقل. يشبه الأمر القدرة على التظاهر بأن الفراغ خلف جسدها مباشرة غير موجود، بينما يتسق عالمها مع بنية قوى مرتبة بعناية.
انزلقت دلتا إلى وضع زنزانتها، فرأت الجدران والوحوش شفافة، بينما تسري قوتها ومغزاها في داخلها، مستمدة المانا اللازمة للبقاء من الهواء ذاته. ثم تعلقت المسألة بالسقوط إلى الوراء، لتجد نفسها في مكان آخر. جلست الأخت محاطة بشاشاتها، وبدت مختلفة عن لقائهما الأخير... عجزت دلتا عن تحديد السبب بدقة، لكنها بدت أسن.
"دلتا."
قالت الأخت بحنان بالغ دفع دلتا للاستلتفات والابتسام. الأخت نقية على تلك النريقة. لكن النقاوة ذاتها سمحت لها بارتكاب أفعال كريهة بالموقف الجاد ذاته. مثل ما فعلته مع ألفا في البداية ومع هذه الحرب.
"علينا التحدث."
قالت دلتا باختصار. أومات الأخت وأغمضت عينيها.
"أعتقد أن الأفضل هو اشراك من نستطيع."
أعلنت. بدا ذلك مثقلاً بالغموض والإثارة.
"إن كنت أنا الشمس والأخ الأرض، فلا يمكننا اللقاء عفوياً دون إحداث مشكلة. لكن قبل زمن بعيد... ابتكرت أنا والأخ ساحة لقاء يمكننا استخدامها أحياناً."
شرحت الأخت وهي تنهض عن كرسيها.
"مثل ستاربكس أو ستونهنج رائعة أو..."
شرعت دلتا في التعداد، فابتسمت الأخت بينما بدأت الغرفة تتوهج.---فتح وادلز عينيه. اهتزت الأرض عبر النفق المائي. كان يتحرك قبل أن يصحو تماماً. وحين خرج إلى الخارج، رأى البحيرة جافة تماماً. تعلقت المياه في الهواء طافية كأن الجاذبية فقدت معناها. أدى ذلك إلى كشف خطوط محفورة بعمق على طول قاع البحيرة وتلتف في انحناءات واسعة. تتدفق الطاقة الخام ببطء من الأرض عبر الخطوط متجهة إلى جزيرة الضريح في المنتصف حيث تتجمع.
ثم أظلمت الأرض. وحين رفع وادلز رأسه، انطفأت الشمس بالتزامن مع انفجار الضريح بعمود ضخم من المانا، طاقة خام انطلقت نحو السماء. كان اللون أهسج داكناً. تبعها وادلز ليرى سبب اظلام الشمس. انفجر عمود من المانا من الشمس باتجاه الأرض أيضاً، لكن كلا الشعاعين... تقاطعا في المنتصف تقريباً... ليصطلما بالهدف ذاته في الوقت عينه. بدأ القمر يتوهج بالأخضر الداكن المشوب بالبرتقالي. ومن الأراضي والغابات والأرض ذاتها، راحت الوحوش تثور وتستيقظ كأن الكسوف في هذا الجزء من الأرض إشارة لإثارة الجحيم.
لن يدع وادلز فرصة لفرد واحد كي يعبر نحو نطاقه أو الغرف الجانبية لوصيفته.---"—أو مثل مقهى لطيف أو ربما..."
توقفت دلتا عن الكلام حين بدت كأن الأخت نقلتها أآنياً إلى سطح مسطح غريب تنثر فيه فوهات غريبة أحياناً.
"سيكون المقهى لطيفاً، لكن الأخ لن يدعني أزين... بغض النظر، أهلاً بك يا دلتا على القمر."
قدمت الأخت الترحيب. حدقت دلتا بينما ظهر شكل الأخ الشيطاني في الطرف الآخر من الحقل البعيد. بدا وكأنهم يمشون على الحد الفاصل بين الجانبين المضيء والمظلم من القمر.
نظرت دلتا ببطء نحو "الجانب المظلم".
كان مسطحاً وعادياً تماماً، كأن أحدهم توقف عن صنعه في المنتصف.
"لماذا... القمر مسطح من الخلف؟"
سألت دلتا بضعف.
"حسنًا، لا أحد يرى الجانب الآخر، فلماذا نجعه مميزاً إلى هذا الحد؟"
قالت الأخت ببساطة.
"أردت وضع تنين قمري هنا، لكن الأخت قالت إنه سيخرب المنظر."
تذمر الأخ مقترباً، وكانت عيناه الصفراوان مشقوقتين كالسابق.
"أردت محاولة صنع سلالة من كلاب القمر."
قالت الأخت فحدق بها الأخ.
"أنت أطول."
اتهمها فابتسمت الأخت بطمأنينة.
"أأنا كذلك؟ لم ألاحظ."
قالت وهي تبعد شعرها بوضوح ينم عن الفخر. سعلت دلتا لتذكرهما بوجودها. حملهما النظرات إليها.
"صحيح... لحظة واحدة."
قال الأخ ونقر بإصبعه. ظهر ألفا شبحياً ومتفاجئاً بجانبهما. ألقى نظرة واحدة على الأخ والأخت وأخذ يتنفس بسرعة مفرطة.
"ألا يزال مصدوماً؟ يا دلتا، لقد احتفظت به يوماً كاملاً! ألم تصلحيه بعد؟"
سأل الأخ بتفاجئ.
"فقد روحه وكان لعبة بيدي ليتش قبل أن أنقذه. سيأخذ الأمر وقتاً. البشر يحتاجون وقتاً."
أكدت دلتا. رمش الأخ ببطء.
"مثل ثلاثة أيام أو نحو ذلك؟"
سأل وعرفت دلتا يقيناً أنه جاد تماماً.
"سيتحسن حين يتحسن."
قالت دلتا أخيراً، محاولة قمع رغبتها في الانكماش أمام هذا الكيان. صعب نسيان ملامحه حين أخذ اسمها.
"لماذا نحن هنا؟"
سأل ألفا أخيراً. اقتربت منه الأخت وعانقته.
"لنصلح الأخطاء."
اعترفت. تبادل الأخ والأخت نظرة قبل أن ينظرا أسفل المستطيل الهائل غريب الشكل. كان في الغالب مسطحاً وخشناً، لكن أراضٍ جديدة أو بحاراً بدت وكأنها تنمو أحياناً عند الأطراف وتنحني ببطء وثبات على نفسها.
"والبقرة؟ بيتا وجاما؟ وأيضاً من يكون هذا 'الخامس' الذي ذكرته ماريا؟"
سألت دلتا بهدوء.
"بيتا ترفضنا تماماً وتعمل مع الشجرة اللقيطة."
رد الأخ بفظاظة.
"جاما هي... كيف تقول..."
تمتمت الأخت.
"مضحكة، لكنها خطرة عليكما بطرق مختلفة."
قال الأخ عرضاً.
"الخامس الذي ذكرته ماريا من تورطوغ ليس جزءاً مما أنتم عليه حقاً. كان الخامس هو الأول في الواقع. الصغير كان الأول. لقد شكلته ومنحه الأخ رووحاً. لا يمكننا خلق ما نجهله."
قالت الأخت بحزن وهي تنظر للنجوم فوقها وهي ترمش.
"لقد أخطأنا تماماً. روح كهذه... مثل روحك... لم يكن مقدراً لها أن تكون في مثل تلك الحالة أو الجسد. لقد جنوا، أو ربما جنوا منا ببساطة."
واصلت حديثها.
"السبب في أن الناس يصبحون... عارفين أو ربما منسجمين مع عالمكم القديم هو أن في كل بذرة ذكرى... جوهر تلك الروح الأولى. يحمل كل بشر وпів-بشر في الأسفل ذكريات عالمكم، محبوسة في أعماقهم."
أعلن الأخ باسطاً يديه كأنه يلتقط صورة العالم بينهما.
"روح مثلنا..."
همس ألفا واضعاً يده على صدره.
"حين تسقط بذرة لأخرى، تنتقل البذرة أو تحمل عبر النسل. اندمجت البذور، بشكل أكمل بكثير مما فعلته فتاة الموتى الأحياء مع عائلتها. بذرة واحدة، شخص واحد. تكرر ذلك كل جيل، وكل مرة تصبح البذرة أكثر اكتمالاً."
استطرد الأخ ملتفتاً إلى دلتا.
"لكن ماذا يحدث حين تصبح بذرة شخص ما قوية جداً؟ ماذا لو استعادة الذكريات؟"
سألت دلتا وشعرت بالرعب يجتاحها. نظرت إليها الأخت.
"يحدث دورينس."
قالت ببساطة.
"اقترب الطائفة كثيراً، لكن بصراحة لا يمكنهم فعل ما يحتاجونه بأنفسهم. يحتاجون أشخاصاً، أشخاصاً أقوياء. لذا أحدثوا فوضى صغيرة وبوم، ظهر الأبطال والأبطال المضادون لخوض حرب ملحمية! لكن المشخدعة هي... الغنيمة؟ ليست جيدة جداً. تذكر الناس، وبدأ تجمع البذور في الارتفاع. جعلتهم ذكريات ذلك الاسم... الاسم الحقيقي للفتى الصغير، يفهمون أنهم سواء ربحوا أو خسروا ضد الصمت؟ سيصبحون هم الصمت."
شرح الأخ وهو يجلس على الأرض مريحاً نفسه.
"لا... أنا لا أفهم."
اعترض ألفا.
"كيف يمكن للذكريات أن تحولك إلى طائفة أو تغيرك؟"
تساءل بانزعاج. أغمض الأخ عينيه مستعداً على ما يبدو لنزهة قصيرة.
"أتريد أن تعرف؟ اسأل دلتا... كل وحش من وحوشها يمتلك ذات الأمر... أو لم تلاحظ ذلك؟"
سألها مستهزئاً.
"ليس الجزء المجنون أو المريب، لكن... بمشاركة ذكرياتك معهم... يفهمونك. مشاعرك مرتبطة بذكرى معينة أو مرجع أو نكبة... تسري عبر ذلك وبوعي أو بغير وعي... يشعرون باقترابهم منك. وايين، رئيسة طابقك الثاني، تقاوم ذلك جيداً بل وتراه تهديداً لست متأكدة من قدرتها على مقاومته..."
شرحت الأخت ولم تستطع دلتا النطق.
"سلالة البشر؟ إنها جنس زنزانة واحد ضخم تطلب تكوينه موت شقيقنا."
أضاف الأخ بنبرة أخفض بكثير. شعرت دلتا بالغثيان... شعرت... ولأول مرة منذ زمن طويل... بالخوف مما كانت عليه.
"ألفا، من يبني روابط مع البشر. بيتا، من يجمع الوحوش التي صنعها سحرهم. دلتا، من يعيد توظيف هداياهم، وجاما التي ستأخذها بالغزو. في البداية كانت هذه هي الخطة. ستساعدون بعضكم في التدريب لقتال الصمت مع أخذ بذورهم لإبطاء التذكر العظيم."
تنهد الأخ ثم رمش لدلتا بابتسامة عريضة.
"لكي نكون منصفين، لا يمكنك القول إن لديك طائفة حين تجادل نصف وحوشك وتشكك البقية بك. إنها أشبه بعائلة مترابطة قد تصاب بالجنون. قد تنشر ذكرياتك كالفطر في حقول صالحة تماماً، لكنك تنقل المزيد أيضاً."
أشار.
"في الواقع، أنت تنقل أهم شيء على الإطلاق."
قالت له الأخت مبتسمة. نظرت دلتا إليهما ببطء، وثقل الوزن في صدرها.
"لقد علمتهم أن التشكيك في الحياة أمر مقبول. والخط الأخطاء أمر مقبول... والأهم من ذلك؟"
اقتربت الأخت محيطة دلتا بذراعيها.
"لقد علمتهم أن السخرية من أنفسهم أمر مقبول. وأن امتلاك مشاعرهم الخاصة أمر مقبول."
أنهت الأخت كلامها، وكانت دلتا على وشك الرد بلطف حين لاحظت أمراً ما. كان الأخ قد قرب الهواء أمامه للتركيز على قرية قرب بحيرة جافة. بدت العشرات من النقاط بحجم النمل تتجمع على القرية في ظل القمر الدائري.
"أين هذا المكان التعيس؟"
سألت دلتا وهي تجذب ألفا إلى العناق.
"دورينس."
قال الأخ ببساطة. أومات دلتا للحظات قبل أن تتوقف.
"انظري! جسد ألفا على الأرض."
أعلن الأخ مقرباً الصورة أكثر لتظهر هيئة ألفا المادية مغشياً عليها أمام زنزانتها. ركضت الوحوش متجاوزة إياه دون اكتراث.
"إلى أين ذاهبون؟!"
صرخت دلتا فرمشت الأخت.
"للحصول على البذور. دورينس ليست نشطة جداً لذا لا ينبغي للوحوش استشعار الكثير."
وعدت الأخت ببساطة.
"يوجد فارسان ملكيان في البلدة."
قال ألفا مخنوقاً في عناق دلتا المحكم. تبادل الشقيقان نظرة.
"حسنًا، قد يكون هذا محرجا، لكن... أعتقد أنه سيكون على ما يرام."
قال الأخ ملوحاً بيده. كانت دلتا ستسأل كيف حين حدث شيء غريب. بعيداً، لفت انتباهها بلدة كبيرة تحيط بها هالة ذهبية. بالقرب من الحقل، حول كائن غير ملحوظ قرب المدينة انتباهه نحو البلدة لتتوقف الوحوش فجأة... تماماً. غياب تام للحركة. نمت القوة لدرجة جعلتها مرئية من القمر للحظة وجيزة ثم تلاشت مع دوي... بوي؟
"ماذا كان ذلك؟"
سألت دلتا مذهولة.
"دانموليكوس أو 'مولي' كما يحب أن يُنادى. إنه معجب كبير."
قال الأخ ببساطة. لم ترغب دلتا بأي معجبين يفعلون ذلك! أرادت دلتا فقط أن تكون زنزانة هادئة تفعل أشياء الزنزانات... لماذا كانت على اللعين القمر في موعد غداء مع إلهين بينما أرعب شيء يشبه التنين وحوشاً تخرج من كسوف! لم تحتاج إلى مزيد من المفاجآت...---في الهاوية، بعد بحر الظلمات للأرواح المضطربة والعدم، يمكن العثور على عالم الشياطين. في الأراضي البرية، بعيداً عن أنظار الدوقات أو ملكهم، تشكل فطر برتقالي مشرق في غابة.
ثم تشكل آخر... ثم آخر. وفي النهاية، شكل 7 فطور مرحة حلقة كاملة في لا مكان. وبعد لحظة، حين لم يحدث شيء... بدأ الفطر يتحرك ببطء ذهاباً وإيابا متناغماً ببطء. تسارعت وتيرة الحركة أسرع فأسرع حتى أصبح الفطر وميضاً من اللون الأحمر والضوضاء. ثم انطلقت نغمة واحدة ليبدأ الفضاء وسط الدائرة في التمزق. انفجرت المانا البرتقالية للأعلى مثل نافورة من الرغوة المتصاعدة. ثم استقرت ببطء حتى أصبحت الدائرة سائلة برتقالية متموجة تبدو وكأنها تتغير أحياناً.
تأمل الفطر ذلك ثم بدأ يرقص بأنماط مختلفة، مما جعل السائل يتغير ببطء كما لو كانوا يضبطون محطة تلفزيونية. ثم عثر أخيرًا على ما كان يبحث عنه. ظهر وادلز بعد لحظة، وكان جسده يدور كأنه يدور تحت الماء. كان العودة للمنزل مفاجئة، لكن كان عليه إبلاغ والده وهو هنا. ثم يمكنه العودة للنوم. رفرف بجناحيه وانطلق متهجاً نحو بحيرة الغضب. سيجد دوق الغضب هناك، يترأس جميع الداريكات المظلمة.
ربما يمتلك وادلز الآن حلاً للمشاكل التي يمر بها عالم الشياطين. حسنًا... ليس هو، بل دلتا. كانت مفيدة هكذا. افترض وادلز لو أنه كان مع دلتا الآن؟ لكانت اتصلت بوالده... دوق الغضب. لن يقولها وادلز، لكنه سيفكر بها ملياً تجاه والده إكراماً لها. كان وادلز جيداً في ذلك.