أفتقد الأيام التي كنت فيها وحدي... أكره العالم. وأراقب دلتا وهو يُفجِّر الأشياء.
كان تذمُّر نو مسموعاً وسط أصوات الصفير العالية ونقرات لوحة المفاتيح. لقد استعاد شكله القديم؛ شكل الشاشة.
لم يقتحم أحد المكان. وكل شيء بدا منطقياً. ولم يُحوِّلني أحد إلى بشر.
نقرَت دلتا بأصابعها وهي تنتظر. كانت الحديقة السريّة تكرّس كامل طاقتها لإعانة بطلٍ دخل في نوع من غيبوبة الشحن حين أُوقف وضع زعيم الغارة. قالت دلتا وهي تتابع لورسا تستكشف المكان بهجةً وشيئاً من...
الرعب: "لقد اقتحم الجميع المكان. كفّي عن تحريف التاريخ."
علّقت المرأة قائلةً: "القواعد مرنة للغاية هنا. هذا قريب بشكل مزعج من الزنزانات التي تتحول إلى مسوخ."
لم تستطع دلتا إبعاد نظريّاتها عنها. كانت جوهرةً... على ساقين. بدا الأمر محيراً لعقل دلتا التي لم تحرك ساكناً حقيقةً منذ استيقاظها. بل اكتفت بإعادة ترتيب بعض الأجزاء والنمو لتصبح على حقيقتها. كانت لورسا امرأة نحيلة. صورة مثالية للمرأة الجنيّة. أكثر من أن يُعقل وجودها، ومع ذلك كانت موجودة. شوهت الصورة قليلاً قدرة دلتا الحقيقية على رؤيتها. لم يُكتسب هذا الشكل بأي نظام غذائي أو تمرين أو حتى دم أصيل.
بل «صُنع»
جسدها كاملاً بإتقان يعكس تأثراً إلهياً... أو زنزانة تملّكت الكثير من الوقت. في مركز لورسا، لا حيث القلب ولا المعدة تحديداً... كانت شظايا من جوهرة ماسية براقة تُلملم بعضها بعضاً بواسطة عشرات خيوط المانا الصادرة عن زنزانات أخرى. شبيهة بضمادة تغطي ثقباً في جوف أحدهم. أحمر، أزرق، أخضر، ذهبي... كان الذهبي هو الغالب بين الخيوط، غير أن عشرات الجهود الدقيقة الأخرى وُجدت هنا وهناك.
ألوان أقل، أفكار أكثر. دخان، حمم، غيوم، ظلام، وحش. تواصلت لورسا مع ما بدا أنه كل زنزانة وُجدت يوماً. حسُن نسج كل قطعة بدقة بالغة جعلت أي خطأ طفيف يكرّ لورسا كالحلم.
نادت لورسا بصوت يبدو مستمتعاً: "أنتِ تطيلين النظر."
رفشت دلتا بطرف عينيها، وشعرت بحرارة تسري في عنقها لإمساكها متلبسة.
قالت دلتا مسرعة: "لم يسبق لي... أن التقيت بجوهرة زنزانة غير نفسي."
صمت نو، منصتاً.
قالت لورسا وقد تحول نبرة صوتها إلى الانزعاج: "أتخيل ذلك. لقد بذلت فيرسبلاي قصارى جهدها لتحطيم شبكة الجواهر في مواضع رئيسية."
التقطت فطراً متبوعاً بنظرة حائرة.
سألَت مفاجأةً: "ما وظيفة هذا؟"
رفشت دلتا: "إنه لطيف."
استغرقت لورسا وقتاً طويلاً قبل الإجابة: "...إجابة مقبولة."
ورأت دلتا لورسا تستخدم بعضاً من طاقتها الخاصة... لا، لم يكن ذلك صحيحاً. ركّزت لورسا وتدفق المانا الذهبية، وهو مخزون مستعار من جوهرة أخرى. ظهر في الحديقة كرسي مرصّع بالياقوت ونقوش ذهبية فجة. لم تظن دلتا لورسا... مهتمة بمثل هذا الكرسي البشع.
عند نظرة دلتا المحدقة، سعلك المرأة: "يال، مانا خاصته... متغطرسة،"
تمتمت، محاولةً اتخاذ وضعية مريحة على الكرسي، بلا جدوى.
سألَت دلتا بحماس لمن يشاركها تجربة الزنزانات هذه: "للمانانا طاقة وأمزجة؟"
طفَت نحو الأسفل، وحين أنشأت كرسياً، انبثقت من الأرض فطر بحجم سيارة صغيرة. ابتسمت لورسا بابتسامة غامضة، وبدا عيناها الزرقاوان الشاحبتان أكبر سناً من وجهها اليافع.
"كنتِ لتلاحظين. مانا خاصتك..."
قطعت لورسا كلامها، باحثةً عن الكلمة الأدق.
* * *
في المختبر المُستَرد، انندفعت أمواج برتقالية نحو المعركة، ملوحة بأذرع معدومة وهي تحاول التهام الشجرة البلهاء!
صرخ رأس الهجوم: "من أجل دلتا!"
تموجت الغرفة بترنيمة صدى.
"الفطرات لزنزانة الفطر! الصداقة من أجل دلتا!"
* * *
قالت لورسا أخيراً: "مندفعة."
*أنتِ لطيفة أكثر من اللازم.
الكلمة التي تبحثين عنها هي «غازية ومُعدية».* حوّلت لورسا بصرها نحو شاشة نو، وعقدت حاجبيها محاولةً استيعاب شيء ما.
ركّزت، فتجلّت من كفها شاشة بيضاء في الهواء فوق راحته. بدت شاحبة لدرجة تشبه الثلج حديث النزول. وفرقعت قليلاً كأنها تعاني ضعف الإشارة. مات تعليق نو الساخر التالي حين وجد نفسه وجهاً لوجه أمام نظام قائمة آخر. كان فارغاً... متواضعاً... وحياً تماماً.
قالت لورسا بهدوء وهي تقلب شاشتها الخاصة بين النوافذ والخيارات بأقل قدر من المدخلات: "لا أعلم أأمدحك أم أخشاك لنجاحك في كسر النظام بوحشية جعلته يكتسب وعياً. يبدو الأمر... فاحشاً قليلاً، لكني عجوز. لعل هذا هو المستقبل؟"
تذبذبت شاشة نو مع تصاعد ألم قديم من داخله. فرقعة وتشويش حين تاه في ذكرياته الغابرة.
انطلق صوت دلتا هادئاً: "إنه ليس محطماً. إنه نو."
توقفت لورسا...
ثم أومأت معتذرة: "لا يمكنني اتهام أي شيء بالتحطم. ليس دون أن أكون منافقة من الطراز الأول."
قررت دلتا حاجتها للإجابات قبل أن تلقي لورسا مزيداً من القنابل المبهمة.
سألَت بألطف ما استطاعت: "ما هي شبكة الجواهر... وما الذي جرى لكِ؟"
حركت لورسا قدميها بضع مرات، مهتزة بركبتيها تفكيراً. أتجيب؟ أم ترحل؟ أم تكذب؟ لم تدرِ دلتا حتى تحدثت لورسا بعد ثوانٍ.
"شبكة الجواهر باختصار هي مجموعة هائلة من الخطوط التي تربط كل زنزانة بأخرى. تنقسم الزنزانات إلى مجموعتين. غافلة ويقظة. نحن يقظات، أما اللواتي يفتقرن لقدرة التفكير السامي بما يتجاوز «كل، انمُ، اقتل» فهن غافلات. تمتلك اليقظات سلطة على الغافلات مثل استخدامهن ك«عقد» لتوسيع مدركاتهن. بل والتحكم بهن بطرق ما."
تعدلت لورسا لتشبك ساقيها، وبدت حذاؤها الجلدية نظيفة بشكل مستحيل.
أشارت دلتا: "يبدو الأمر شمولياً بعض الشيء."
بينما أظهرت «جدران»
الحديقة السرية ضوءاً برتقالياً ناعماً.
أجابت لورسا وهي تحتسي خمراً أخرجته من العدم: "لا خيار. لا يمكنك فرض النمو والتطور. قد تحولينهما إلى وحشية أو الأسوأ... تحطيمهما. ولهذا تحتاج البذور إلى وقت، ويحتاج الأطفال إلى النماء... ويحتاج الماس إلى الضغط والوقت."
بدا انتزاع الاختيار أمراً خاطئاً بعض الشيء، حتى من أطفال متوحشين، لكن دلتا كانت طيبة القلب لدرجة مبالغ فيها ربما.
قالت بهدوء: "أما عني؟ حسناً، جاءت فيرسبلاي، وهي نقابة ضخمة تحولت إلى شركة، إلى زنزانتي، وخدعتني باتفاق بعد تغلّبها على زعمائي، وحين التفتّ، استخرجت ما يعادل أعضائي، تاركة إياي هيكلاً أجوف ألقى بنفسه في الشبكة كملاذ أخير للنجاة."
رمقت دلتا نو بنظرة فأدى نسخته من هزّ الكتفين.
سألت دلتا بتردد طفيف لئلا تغضب صديقتها الجوهرة الأولى: "و... لماذا فعلوا ذلك؟"
فكّرت لورسا في الأمر.
اعترفت قائلة: "بصراحة. لدي نظريتان،"
ورفعت إصبعين، ملامسة الأول.
"الأولى، أن فيرسبلاي تدار بواسطة الصمت وحبهم التعصبي للشقيق الساقط. مما يعني أن تدمير الزنزانات اليقظة لن يضعف جسد الأخ نحو الانهيار التام فحسب... بل يستعيد كل البذور التي نقّيتها طوال السنين،"
سردت، مطلقة كلمات مهمة كأن دلتا كان يفترض بها قراءة السيناريو مسبقاً.
لامست إصبعها الآخر، وتحرك شعرها الفضي وكأنما بُرمج ليفعل ذلك إذ انعدم «النسيم»
في الحديقة السرية: "الثانية، أنهم بشر جشعون اكتشفوا قوة المانا الهائلة في جواهر الزنزانات، ويقودهم متعصب فقد شخصاً بسبب زنزانة ويؤمن بضرورة التحكم بكل الزنزانات كحيوانات المزرعة وأنهم وحدهم الأعرف بمصلحة العالم،"
قالت وهي ترفع كتفيها.
استقرت لورسا على رأي وقالت: "كلاهما؟ كلاهما يبدو جيداً،"
وتجرعت جرعة من خمرها قادرة على إذابة الطلاء عن الجدران.
قالت دلتا وعقلها يكاد يُقلى بفكرة وجود عالم كامل خارج زنزانتها كانت تتجاهله عمداً: "...لدي الكثير من الأسئلة."
أصرت دلتا: "ألم يكن تحطيم الزنزانات غير قانوني؟ كجواهرها، أخبرتني صديقتي رولي بذلك."
غمزت المرأة.
"على الرحب والسعة. لقد نشأ ذلك القانون برمته بسبب حادثتي الصغيرة. كانت زنزانتي تتعلق بـ... حسناً، ما لا يبعد كثيراً عن شجرة العالم. في ذلك الوقت، لم تكن الشجرة تمتص كل خط طاقة وكانت تحتفظ بموقفها لنفسها. الآن، لا توجد طاقة حول تلك المنطقة برمتها تدعم زنزانات جديدة. وتلك الشجرة اللعينة تواصل الحفر عمقاً أيضاً."
احمرّت وجنتا لورسا وهي تواصل الشرب. لم يبدو ذلك صحيحاً.
صححت دلتا: "لقد التقيت الشجرة مؤخراً. إنه ذكر."
حدقت لورسا، مهتزة برأسها ببطء.
"لا، إنها أنثى. بقرة عملاقة تتفلسف شعرياً حول إمعانها في تشريحي، والبشر، والوحوش... أي شيء حقاً. لم أعد لتلك المنطقة منذ لا يمكنني المجازفة بالذهاب حيث تموت خطوط الطاقة."
آهٍ... بدا ذلك مألوفاً.
أصرت دلتا: "أيمكنكِ... المجيء معي ثانية واحدة؟"
ورفعت لورسا حاجبها. تيقنت دلتا من أن الأمر لن يستغرق أكثر من ثوانٍ لإقناعها بخطئها...
* * *
أزالت دلتا إصبعاً بعبوس.
صرخت لورسا، ملوحة بزجاجتها نحو وين: "-ثُم تعفنين من الداخل بينما لا يزال التيس محترقاً!"
كان النصف العلوي بأكمله للشجرة قد تحول إلى أحمر خريفي غاضب.
سدت دلتا أذنيها بملامح عبوس: "أيتها العجوز الصغيرة... سأقوم بـ-"
كان صوت وين قوياً، وسمعت دلتا شظايا أسلاك صدئة، تعويذة استدعاء عكسي، وشيئاً متعلقاً بالعقارب.
نادت آملة إنهاء «النقاش»
قبل عودة الأطفال: "إذن... هل كانت وين شجرة العالم؟"
التفت اثنتيهما نحوها.
"نعم/لا!"
انطلقت نبرتهما معاً. لورسا مؤمية، ووين نافثة نفخة سلبية. حدقت دلتا، منتظرة.
قالت وين بانزعاج: "الأمر معقد وذاكرتي... فهمي... معلول."
قالت لورسا مقلبة عينيها وهي تدور حول وين وتتفحصها: "من العجوز الآن؟"
تنهدت وين قائلة: "جُردتُ إلى مجرد بذرة. أقل من شظية، أقل من روح. أنا صدى... لكنني أصبحت نفسي الآن."
هزت لورسا رأسها مندهشة: "أن تنمُوَ بهذا القدر من بداية مختلفة... وموطن مختلف... ومع ذلك تبقي متطابقة هكذا،"
تمتمت.
قالت وين بلا مبالاة تجاه دلتا: "أردت الانتظار حتى أكون... واثقة قبل الحديث عن هذا."
ابتسمت دلتا وهي تربت على جذع وين: "لا أمانع. آسفة لتسرعي."
طرف الزعيم ثم أشاح بوجهه بنظرة غريبة.
توقفت لورسا، وغطاؤها يرفرف وكأن القماش أخف من الهواء: "يثير هذا تساؤلات. من هي شجرة العالم الآن؟ نسخة أخرى منكِ؟"
تمكنت دلتا من استشعار قدرته على صد ضربة من فران بكل سهولة...
أظلم وجه وين بغضب عند السؤال: "ضائع هو الاسم في ضباب «قبل». كل ما أعلمهن أنني أسمحت لتلك الدودة بالاقتراب من قلبي. بوجه قارب وجه شخص أحببته ذات يوم... أحببته هي ذات يوم. لقد حطم قلبي وأظن أنه يعبث بذلك الشيء المتعفن بينما نتحدث."
التفتت وين، مكشرة الوجه، لكن دلتا لم تبتعد. مسكت أحد أغصان وين الشائكة، وعجز الشوك عن إيذاء صورتها الرمزية حقاً.
همست دلتا: "لم تستحقي ذلك."
قالت وين هادفة للسخرية لكن نبرتها جاءت حزينة: "ولم تستحقيوني، لكن علينا جميعاً تقبل لعناتنا يا دلتا."
أصدرت وين صوتاً غريباً. كأنها وطأت مسماراً. صوتاً غريباً، لكن دلتا ظنت أن الناس لا يعانقونها كل يوم. لابد أن الأشواك تنفر الناس.
ابتسمت دلتا بأقصى إشراق: "لستِ لعنة. أنتِ بفتي المحظوظة. أنتِ زعيمة الطابق الثاني وأياً من كنتِ؟ لا أبالي."
قالت لورسا، واضحة الابتسام من خلف ظهر دلتا: "آه..."
تمتمت وين بغضب: "دعيني أكسر عنقها. لن تموت من ذلك."
قالت دلتا ببرود: "أنا أكفل هذا،"
وبضغطة طاقة، نما جوف فاسد داخل خمر لورسا تماماً حين همّت باحتساء جرعة أخرى. صدر صوت اختناق وسقطت لورسا على ركبتيها، ممسكة بحلقها، وجاحظة العينين.
أجفلت واعلنت: "أنا أموت... هذا أسوأ من... التحطم."
التفتت دلتا وصنعت جوفاً فاسداً بطاقة خالصة، قادرة على قضم قطعة منه بصورة رمزية. واجهت عيني لورسا الخائفتين مباشرة بينما انحدرت دُمَيعة واحدة على خدها.
وعدت بإشراق: "ستتعلمين حبّه."
استطاعت شعور وين وهي تحدق قبل سماع قهقهة عميقة حلقية تحولت إلى موجات ضحك مبهج. بدا الأمر جميلاً، كنسيم ربيع لبدايات جديدة.
* * *
كان المنظر خلاباً. ابتلع غريم لعابه مرة حين هبطا من الدرج المؤدي للطابق الثالث. تغمر الغرفة إضاءة برتقالية ناعمة بينما ينبض شيء يعتلي منصة مرتفعة بنبضات منتظمة. نبض قلب من الدفء والصوت. يشبه محيطاً يندفع قادماً ثم ينحسر. تقدم الجماعة، لكن الوافد الجديد، ألفا... تولى الزمام ولم يُعجب غريم به البتة. طريقته الصامتة، حقيقة تعاليه في الإجابة عن أسئلة كيمي... الطريقة التي استقر بها سيفه على ظهره بضبط أو تلك الثقة.
كلا، لم يُعجب غريم بهذا المتعجرف. إنه مجرد فارس من قصة تافهة. بدا ديو بطلاً أفضل بكثير... أ-أعني حين لا يكون غريم متاحاً بالطبع بطبيعة الحال. كان غريم محبوباً بطبيعته. كان حقيقياً. لديه تابع هو ديو. ما جعله أفضل بكثير من ألفا... بدا ألفا شبيه منتجات فيرسبلاي... مصطنعاً جداً. انقطعت تذمراته العقلية المبررة حين تحدثت كيمي، بصوتها الساطع المعتاد واللطيف الذي تحول هذه المرة إلى خشوع.
همست كيمي، محنية رأسها قليلاً كأنها تشهد معجزة: "جوهرة دلتا."
استغرق الأمر لحظة، لكن غريم حدق ببطء نحو الجوهرة البرتقالية الصغيرة بشكل مستحيل فوق المذبح، المحشورة بين عمود حجري يرتفع من الأرض وآخر يهبط من السقف، لتثبّتاها في الهواء معلقة. زينت تماثيل الفطر الزوايا الأربع بينما حرس تمبلن لفران الدرج المؤدي للجوهرة. مراقبان إياهما كأن أي تلميح لقلة الاحترام سيعني نهايتهما. شيء صغير كهذا خلق الزنزانة برمتها. شيء لا يتعدى حجم كرة لعبة طفل.
تقدم ديو، متحركاً بسرعة جعلت حتى محاولة ألفا لإمساكه بطيئة للغاية.
نطق برقة، في منتصف الدرج: "أهلاً دلتا! نلتقي أخيراً!"
أصر ألفا، ووجهه الأبله ينكمش برفض حول عينيه: "ابتعد عنها! لم تمسح حتى حذائك!"
تحدثت أمينستار بصوت عالٍ، بهدوء، وأقل...
مزاحاً مما اعتادت: "أيحس أحدكم... بخفة شديدة في رأسه؟"
وعقد غريم حاجبيَّه.
قال غريم ولسانه يرتجف: "لا، لكنني أتذوق شيئاً شبيهًا بالندم والحلوى."
حذر ألفا: "تسمم مانا. أنتم غير ناضجين بالقدر الكافي للمكوث هنا طويلاً. كانت زنزانة عادية لتقتلكم، مانا دلتا... تكبح نفسها، لكنها لا تستطيع إيقاف هذا طويلاً."
استدار ديو مقطب الجبين: "فلننتقل. لا أريد إيقاع دلتا في المشاكل!"
وأصر ليتسلق هابطاً ويركض حول الجوهرة دافعاً طريقه للأمام عبر بابين ضخمين شبيهين ببوابة انفتحا تلقائياً.
صاح غريم، عالماً يقيناً بعدم قدرة ديو على سماعه: "ألن تكون المانا أعمق هناك؟"
بدا ألفا منصتاً كمن يضع أذنه للريح.
وعد: "هناك... مساحة ضيافة بالأمام. تؤكد لي دلتا أننا سنكون بأمان هناك."
حدقت فيه بوبي ثم مالت نحوه وقالت بفظاظة مخراجة كتاباً من جيبها الضخم: "تفوح منك رائحة الدم والدموع."
قالت للكتاب: "استيقظ،"
فبكى توم المجلد السحري: "أين نحن؟ ذهبت في غفوة ولماذا أغرق في المانا؟ سماوي العزيز، أهي جوهرة؟"
قبل أن تختفي بوبي هي الأخرى.
ربت أمينستار على ألفا مرة بحركة تعني «إنها هكذا دائماً»
قبل أن يختفي هو الآخر. رغب غريم في اللحاق بهم لكن شيئاً أوقفه. خطا خطوة للأمام... ثم أخرى...
هتف منزعجاً: "أوه..."
قبل أن يُجذب لسانه الملعون للأمام مسبباً تقيؤه. تعثر صاعداً الدرج والتصق لسانه بالجوهرة كمن لحق لافته معدنية خارج المدرسة في أبرد أيام الشتاء. حدث هذا كثيراً حين حاول اكتشاف قدراته الموروثة من أبيه وجده. وضع كلتا يديه على الجوهرة محاولاً تحرير نفسه لكن لسانه أصر على البقاء حيث أراد.
هتفت كيمي محاولة جذبه للخور: "غريم! أنت تخالف الكثير من القواعد! وأيضاً تلعق دلتا! توقف!"
وعد ألفا وهو يمد يده نحو سيفه وبدأ غريم يصاب بالذعر حقاً: "يمكنني إصلاح هذا."
توهجت جوهرة دلتا بضوء شؤم. حدث تفريغ ساكن سرى عبر غريم، صعوداً عبر يدي كيمي، قبل أن يقفز إلى ألفا.
* * *
توقف ديو عن تحديقه المبتهج غير المفلتر في «قاعة الشفاء المجاني»
المليئة بكل الأطعمة الممكنة! تمايلت الشعلات على الحائط كأن مصادر طاقتها تعاني مشكلات. تذبذبت مرة أو مرتين قبل أن تعود للاشتعال الكامل.
* * *
تذبذبت شاشة أمامه، رغم توجيه الرسالة مباشرة لألفا. لا بد أن الصدمة شوّهت الرسالة بشدة. كان شعر غريم ينبعث منه الدخان، لكنه عجز عن إيقاف نظراته. ألفا! لقد بلغت جوهرة دلتا وتواصلت معها مباشرة! اثنتان من الأربع تتناغمان. يرجى الانتظار! ٣...٢...١... بدأ ألفا وجوهرة دلتا في التوهج. ملأ الضوء الغرفة. ملأ... كل شيء.
* * *
أنخفض زاين ببطء عن قطعة اللحم الضخمة التي حصل عليها من الجزار. وحدق مطولاً بينما انطلق عمود برتقالي هائل نحو السماء من خلف خط الأشجار البعيد للملعب كنين اسطوري ينهض من سجن قديم. انطلق نحو السماء، متوهجاً كمنارة.
* * *
من الشمال المتجمد، في وادٍ عميق. نظرت بيتا نحو السماء، مطيحة بالجثة الهامدة لعجوز اليتي التي حاولت الوليمة على جذور شجرة العالم، وتوهج الثلج حولها بالبرتقالي واتسعت حدقتا عينيها. من الجذع، منعها العجوز العجوز من مجرد التحليق بمعرفة عميقة حول أعظم معاركها المرتقبة... العجوز وكلمته.
* * *
في بحار الشرق، وسط غابات الأعشاب البحرية التي ارتفعت ميلاً وبدا فيها هيكل ثعبان البحر العظيم بوضوح، شق مخلوق ذو نصف علوي لعوبل-متقشر ونصف سفلي لسمكة طريقه عبر فيلق من الكرابيونات. ومحولت دمائهم الشمس فوق حمراء. تحول السلاح في يده من سيف منحني إلى فأس حرب، مذوباً بين كل شكل بيسر. وتوهج المحيط والسماء عينها... بالبرتقالي وتوقف السلاح، مجبراً صاحبه على تكاد كسر ذراعه للتوقف المفاجئ.
تحدث الفأس باهتزازة علت في الماء: "أوه... حسناً... هذا غريب."
زأر المخلوق: "جاما، أقسمت بحدك لإنهاء هذه الحرب ومنحي تاجي. لقد أعطيتني كلمتك."
قال الفأس ببطء: "قلت إنني سأفعل. لم أقل أبداً إنني سأبذل جهداً كبيراً أو متى أو كيف أو أي تاج بالضبط..."
"وعن تولي القيادة؟ أه، بشأن ذلك الزعيم. اسمع، أنا بحاجة لتأجيل الأمر ولنكون صادقين... لست صالحاً للملك حقاً. علاوة على ذلك، يمكنك التعامل مع هذه المئات القليلة... ربما أكثر... من شعب السرطان، أليس كذلك؟ افعل فقط ما كنت تفعله من قبل! بلا أنا... استمتعوا!"
أعلن السلاح وانطلق مستقيماً للأعلى، مدوراً بما يكفي لشق مساحة في السطح حين اخترقه. حدق المحارب بينما خرج جيش من غابة الأعشاب البحرية... ولم يكن يمتلك سلاحاً.
* * *
هبط جاما على قارب قريب، وقد استنزفت مانا طيرانه. سيستغرق استعادة طاقته الكاملة أسبوعاً... حدق الصياد في السلاح الأسود والذهبي المركون على سفينته. لم يضطر جاما لبذل جهد كبير ليبدو جذاباً.
ناح جاما محاولاً تجنب التثاؤب: "بأمر المحيط... أنت المختار... ملك الجميع... ذو القلب النقي... احملني وارفع قدرك!"
تردد الصياد وتبين له احتمالية اضطراره لتحلية الصفقة: "ارفع قدرك واجد الكنز القديم لملوك زمان... زمان الذين نسيت... أسماؤهم،"
قال بجدية.
أجاب الرجل: "أهي صنارة صيد ملكية؟ لا أظنني بحاجة للمال،"
صمت جاما لفترة طويلة ثم تحول إلى صنارة صيد سوداء وذهبية. لقد كان سلاحاً. تعلم جاما طويلاً أنه متى أقنع نفسه بما يكفي، أصبح أي شيء سلاحاً. عنى ذلك حاجته لأداء بعض العمل كصنارة صيد حقيقية لمجرد نيل رحلة للسطح. أول ما اصطاده كان مروبل-عجوز مشطوراً يبدو غاضباً في مماته. وبدا كأن سلطعوناً كبيراً فتك به.
أصر جاما مسرعاً: "يبدو لحمه مجهداً، أعده."
تذمر الصياد لكنه أطاعه: "يعلو رأسه عشب بحري، هذا شبيه بوجبة مغلفة!"
وافق جاما بإشراق: "إنه يشبه التاج."
حين تخلص جاما من الصياد لاحقاً إبان رسوه بمحاذاة إغرائه غلام مقصورة قريباً بقدره لإنقاذ أميرة، ركز على نفسه. شعر بالألم وتكونت صنارة صيد ذهبية في الهواء خلفه، هابطة بصمت بجوار الصياد النائم الذي كان واثقاً بأكثر مما ينبغي. أمثاله من الحمقى بلا رجاء.
فقدت استمارة "صنارة الصيد ذات الدقة المطلقة".
تذمر غاما بينما حمله الصبي مبتعدا وهو يتحدث عن أخت ودين.
شعر غاما بانعطافه "قاطعة"
نحو منزل أصحاب الدين تلوح في الأفق قبل أن ينطلق حقا على الطريق نحو ذلك الإحساس بـ "الاثنين"
في البعث.
الشيء المقلق حقا كان "مهمته".كانت تنص في السابق على...
ابحث عن البطل وأتمِم غايتك.
الآن؟اختلفت قليلا.
شق طريقك بجهامة نحو الواحد والأربعة. لسان حاد يستحق نضلا حادا يوازيه.
أكان ذلك طبيعيا؟---حدقت بيتا في شاشتها. أكان هذا طبيعيا؟ أكانت المهام تتغير هكذا وحسب؟
ابحث عن الصدق واكشف صورتك الحقيقية. خذ الأمر بهدوء وببطء.
---أستطيع إحساسه على ركبتي! ذرفت دلتا الدموع وهي تتابع غريم وهو ينتزع لسانه بصعوبة. كانت لورسا تملي ناظريها عليها وحدقت دلتا بالمقابل بارتباك.
قالت متبلبلة: "ماذا؟ أفتقدت شيئا؟".كان غريب أطوار يلعق ركبتيها، وتشتت انتباهها قليلا!هزت كتفيها وهي واثقة من أنه ليس بالأمر المهم.
الآن... حان وقت الوليمة، والاحتفال، ودحر جيش الموتى العائدين من أجزاء المليك الظلام وقسوة البشر مستخدمة العظام والمعادن أدوات لضرب كل حياة نزولا عند رغبة الفراغ. كانت دلتا بارعة في كل تلك الأمور.