لم يتأخر كالفين عن موعده مع أريادن. اضطرّ إلى الجري طوال الطريق تقريباً، وما زال يعاني من صداع مزعج، ويحمل في جيبه زجاجة حبوب يفترض ألا يحملها معه هكذا عشوائياً، لكنه لم يتأخر! أوه، وتذكّر أيضاً غسل وجهه من آثار الدم المجفّف بكمية تثير القلق نوعاً ما! على عكس زيارتيه السابقتين، لم يُضطرّ إلى الانتظار خارج البوابات. بل فُتحت له فور اقترابه ولم يقتصر استقباله على السيّدة كلوي، بل رافقها جمع صغير من الخدم.
ولم يُقَد أيضاً إلى الساحة التي التقى فيها بأريادن سابقاً، بل إلى داخل القصر نفسه. كان طراز البناء الداخلي فخماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مع مدخل مزخرف ببذخ كان ليوسع فيلته بكاملها ويفيض. مع ذلك، لم يُمنح فرصةً كبيرةً للتأمل إذ سارعوا في اقتياده صعوداً عبر درج فخم، وعبر ممرّ مرصوف باللوحات والتماثيل، وصولاً إلى غرفة جلوس مرّتبة بعناية حيث كانت أريادن في انتظاره.
كانت تنتظره بالفعل، ولا شك في ذلك. كانت مستلقية بارتخاء على أريكة منخفضة، مدعومة الجسد من أحد الجانبين بوسائد وثيرة ذات أغطية مطرّزة ومصبوغة بألوان زاهية. استقرت أصابعها برفق على الطاولة وانحسر هالتها، غير أن نظرتها ذات الجفون النصف مغمضة التي استدارت نحوه فور اجتيازه الباب أشبه شيء بطعنة نافذة عبر الصدر. توقف على خطوة واحدة داخل الغرفة، وانغلق الباب خلفه بصوت خافت، وأدرك ربما أنه كان عليه ارتداء شيء أكثر…
رسميةً بقليل. أو بذل جهد أكبر قليلاً لتنظيف نفسه بما يتجاوز الحد الأدنى بعد قضاء ليلة مغشياً عليه على الأرض وسط الأتربة والنباتات. لم تكن أريادن ترتدي ملابس عملية كتلك التي ارتدتها في لقاءاتها السابقة بمنزلها، ولا حتى وفقاً للزي الذي تظهر به عادةً في أرجاء الطائفة. بل بدت وكأنها تجسيد حي لشابة نبيلة من صخور قوس قزح الساطعة. ارتدت ثوباً منسدلاً بلون الأخضر الزمردي بطراز لا يعرفه، لكنه بالتأكيد لا يبدو إمبراطورياً، وانتعلت صندلاً بكعب مزخرف بنقوش فضية دقيقة، بينما تشابكت خيوط معدنية من أزهار فضية رقيقة مع خصلات شعرها الأسود المنسدل.
كانت غرفة الجلوس بدورها نقلة نوعية مقارنة بالحديقة. فحتى مع مساعدة اللفافة، طالما واجه كالفين صعوبة في تمييز مستويات الفخامة، لكنه شكّ في أن الغرفة صُممت لتذكير الضيوف بهدوء بثروة عائلة لوك ونفوذها. الأثاث المؤلف من جدار من رفوف الكتب وأريكتين منخفضتين وطاولة منخفضة تتوسطهما، صُنِع بالكامل من خشب داكن شديد اللمعان تتخلله تموجات معدنية ذهبية، بينما تشكل سطح الطاولة من لوح أملس واحد من يشم قوس قزح.
تزيّن السقف فسيفساء معقدة لشعار عشيرة لوك تتوسط خلفية من أشجار قوس قزح لا متناهية، وبدا الأرض، حيث لم تغطها سجادات فاخرة الصنع، أشبه بسطح بحيرة ساكنة. انجذبت عيناه لحظةً نحو رفوف الكتب المليئة بالأسفار واللفائف وشتى القطع الأثرية التي عجز عن تمييزها بنظرة خاطفة. خلت غالبية الكتب وحوامل اللفائف من معلومات واضحة، لكنه تملّكه فجأة فضول جامح لمعرفة طبيعة النصوص والكنوز التي تستحق العرض في غرف كهذه.
لا شيء قيّم حقاً بالتأكيد، لكنه لسوء الحظ استبعد أن يحصل على فرصة لمعرفة اليقين قط. حدث تحول خفيف في الهواء، كزفير صامت، وفجأة وجد كالفين عينيه مشدودتين مغناطيسياً نحو جسد أريادن المستلقي. للحظة، بدا باقي أرجاء الغرفة أقل أهمية بكثير من تقوس عنقها الشاحب المخفي جزئياً تحت شعرها، وشريحة كاحلها البارزة من تحت تنورتها، والطريقة التي احتضن بها ثوبها خصرها النحيل و— رمش كالفين لتنقضي اللحظة.
كانت أريادن تبتسم له برقة، وتتراقص مسحة من التسلية في عينيها المتألقتين. ما زالت جميلة، بدرجة تأسر الألباب تقريبا، لكن بطريقة ما… أقل شأناً مما اعتاد عليه.
قالت مرحبةً به بحرارة ودون أن تنهض من مقعدها: "صباح الخير، أخي كالفين. يبدو أن جهودي في حجب نفسي لم تذهب سبا إن تمكنت من صرف نظرك بهذه السهولة".
ضحكت برقة، وأدرك كالفين أن الصوت لم يعلق في أذنيه كما اعتاد حين تكون مستمتعة.
وأردفت: "أعترف أن الأمر مزعج للغاية، لكنني أردت إجراء حوار صريح بيننا".
وأشارت بسلاسة إلى الأريكة المقابلة لها: "أرجوك، ألا تفضل الجلوس؟"
حدق كالفين صامتاً في أريادن لعدة ثوانٍ. ليس لأنه وقع تحت سحرها، بل العكس تماماً. لم يكن متأكداً تماماً مما ينتظره في هذا الاجتماع، لكن هذا لم يكن هو بالتأكيد. وفوق هذا، بدا غريباً جداً أن يكون قادراً على النظر إلى أريادن ببساطة دون أن يصاب بالفتنة. رفعت أريادن حاجبها المثالي.
"حسناً؟ لقد قلت إن الأمر مزعج بعض الشيء، أليس كذلك؟"
انتفض كالفين. وألقى باللوم على الصداع.
"صحيح، آسف".
سارع إلى الأريكة وجلس بركبتين منثنيتين بزاوية محرجة. كانت منخفضة حقاً عن الأرض.
"صباح الخير، أختي أريادن. أنا، أمم، أقدر هذا الجهد. أتمنى ألا أكون قد جعلك تنتظرين؟"
بعد هنيهة، حاول محاكاة وضعية أريادن شبه المستلقية. وأدرك سريعاً أنه لا يستطيع مجرد عكس وضعيتها بل عليه الالتفاف بالاتجاه المعاكس، بحيث يشير رأسه نحو الباب وقدماه نحو النوافذ. كانت الأريكة المنخفضة بلا مسند ظهر وغير متناظرة، حيث يحتوي جانب واحد فقط على مسند ذراع وتغمرها الوسائد كالمقاعد على الأسرّة. جاء الدور على أريادن لتراقبه لعدة ثوانٍ طويلة ومحرجة بينما يبذل قصارى جهده ليشعر بالراحة.
كانت الوسائد مريحة للغاية، ناعمة كالغيوم وبدرجة المرونة المطلوبة، لكنه لم يقطُ قطّ سوى رؤية رسومات لهذا النوع من الأريكات. من المفترض الاسترخاء على مسند ذراع واحد بينما يبقى الآخر حراً. لقد اندثرت هذه الموضة في صخور قوس قزح الساطعة منذ آلاف السنين، ولا تستخدمها حقاً سوى العائلات العريقة. وربما لهذا بدت أريادن منسجمة تماماً مع وضعيتها. تنهدت أخيراً.
وتمتمت بكلمات بالكاد استطاع كالفين تمييزها: "سنعمل على تحسين الأمر".
وقبل أن يفلح في قول شيء، تابعت بنبرة أكثر طبيعية، مستندة بأصابع يدها الطليقة برفق على الطاولة بينهما: "توخياً للاختصار، سأنتقل إلى صلب الموضوع مباشرة. أترضى بإجراء بعض التحقيقات الأولية بنفسك على الأقل؟"
وعندما أومأ كالفين موافقاً، واصلت حديثها.
"إذن لن أزخرف الكلام. بشكلك الحالي، لا طاقة لك بفعل أي شيء يلحق أدنى إزعاج بعشيرة فين".
تركت كلماتها معلقة في الهواء فكشّر كالفين عن أنفه لكنه لم يعارضها. لم تكن مخطئة.
"إيولوس نفسه هو العقبة الأولى فحسب، لكنه يفوق ما أنت مجهز للتعامل معه بكثير. إنه ممارس في المراحل الوسطى لنطقة النواة، ويحظى بدعم عائلة عراقتها تعود إلى طائفة القمم الثماني نفسها. إنهم بعيدون عن كونهم العشيرة الأقوى داخل الطائفة، لكن أساسهم يفوق استيعابك بأشيال. زعيم العشيرة شيخ في مرتبة الوحدة، وهو واحد فقط من قوتين ضاربتين كهاتين، ناهيك عن حشد من خبراء نطاقي النواة والروح".
واصلت حديثها بنبرة مسطحة وخالية من المشاعر.
"ثم هناك مسألة دعمه الشخصي. حتى بغض النظر عن عشيرته، إيولوس عضو في قاعة الخامات التابعة للقمة الترابية وبالتالي تلميذ فخري للشيخ تنغ فونغ، وهو خبير آخر في مرتبة الوحدة. علاقتهما ليست وثيقة، لكن هناك حد أقصى لما يمكن أن يتحمله المعلم من إهانة موجهة لتلميذه قبل أن يتحول الأمر إلى هجوم على ماء وجهه. ودون دعم كافٍ من طرفك، سيتم تجاهل حتى الأدلة الدامغة على سوء التصرف".
صمتت أريادن وهي ترقب كالفين في انتظار ردّ فعل. لبرهة لم ينطق بكلمة، مستوعباً تدفق المعلومات ببطء. لم يكن أي من ذلك مفاجئاً حقاً، وفي نهاية المطاف، بالنسبة له، لم يكن الفرق بين ممارس واحد لمرتبه الوحدة وثلاثة سوى فرق نظري بحت. في الوقت الحالي، كان بإمكان أي منهم سحقه كحشرة. شكّ في قدرته أصلاً على تمييز الفارق بين أحدهم وبين شخص في نطاق الروح، أو حتى الطبقات العليا من نطاق النواة، لو قرروا تجاهل الآداب المرعية ومجرد إزاحته من طريقهم.
على الأقل بدا وكأن أياً منهم لا يتجاوز كونهم شيوخ طائفة عاديين. هل كان ذلك… شيئاً يذكر ربما؟ أومأ كالفين ببطء.
"حسناً. كان يمكن أن يكون الوضع أسوأ".
أصدرت أريادن صوتاً مختنقاً واقعاً بين الضحك والسعال.
فرددت: "يكون أسوأ؟"
هز كتفه.
"أعني… كان يمكن أن نتعامل مثلاً مع ابن أخ المفضل لزعيم الطائفة أو ما شابه".
صمتت أريادن للحلظة. عضّت على شفتها السفلى وأطبقت عينيها بإحكام بينما تهتز كتفاها، وأدرك كالفين أنها تكبح ضحكة غير لائقة البتة. وبعد لحظة رفعت يدها لتغطي شفتيها والتقت عيناها بعينيه.
"حسناً، نعم، هذه إحدى الطرق للنظر إلى الأمور بالتأكيد".
التفتت بعيداً، ناظرة من النوافذ المطلة على الحدائق المحيطة بقصرها وقاعات القرية الخارجية من خلفها. بدت شاردة الذهن تماماً، ولم يقاطع كالفين استغراقها. استبعد أن تكون أريادن قد بذلت كل هذا الجهد، كاستقباله كضيف مكرم، والتزين، وكبح جسدها، لو أنها خططت لمجرد إلقاء أخبار قاتمة كهذه على عاتقه ثم الانصراف. همهمت أريادن برقة. افتقر الصوت لشدته التنويمية المعتادة لكنه لم يقل عذوبة عنها.
كان صوت أريادن حلواً وسلساً كالعسل، لكنه بدا متعباً في أذني كالفين.
وتأملت بصوت خافت: "هذا يضع الأمور في نصابها حقاً، أليس كذلك. الأوضاع قد تسوء دائماً".
تملّك كالفين شعور بأن أريادن لم تعد تتحدث عن اختطاف غوين. كان ذلك مزعجاً نوعاً ما، لكنه مثّل أيضاً فرصة محتملة. فحتى بعد التعامل معها لسنوات، ظل يفتقر إلى أدنى إدراك لما تريده تلك الفتاة الغامضة متقلبة المزاج حقاً. كان أمراً رائعاً خوض محادثة حقيقية معها دون تخصيص جلّ انتباهه لمنع عقله من الشرود بعيداً.
أعلن بحزم: "يمكن للأمور أن تتحسن أيضاً. طالما كنت على قيد الحياة، سيظل غد أفضل من اليوم دائماً".
لم تتفاعل أريادن فوراً، ومضت مستمرة في التحديق عبر النافذة. ارتفعت يدها لإبعاد خصلة شعر عن وجهها، دافعة إياها خلف أذنها ثم هبطت ببطء لتستقر على ساقها.
"هناك مصائر أسوأ بكثير في هذا العالم من مجرد أمر بسيط كالموت".
هزّ كالفين كتفيه. لم تكن مخطئة. فقد رأى القسوة التي يمكن للبشر العاديين والمزارعين الضعفاء إلحاقها بالآخرين، مصائر تجعل الموت يبدو كملاذ مرحب به. ولا شك في أن هناك ما لا يسع حصرها من أهوال يستطيع صاحب نفوذ صاحب غاية إنزالها بأحدهم. ومن المرجح أنها تعلم بأمر أكثر مما يعلم.
"أنت على حق على الأرجح. لكني أتمسك بموقفي رغم ذلك".
تنهدت أريادن بعمق.
وعلّقت: "أنت متفائل جداً اليوم حقاً، أخي كالفين".
فتحداها قائلاً: "وأنتِ لست كذلك؟ أكنت لأتواجد هنا اليوم لولا ذلك؟"
اعترفت قائلة: "على الأرجح لا، كلا. رغم أني أخشى أن يصفني الكثيرون بالحمق بدلاً من ذلك. كان من المفترض حقاً أن أطلب منك الرحيل فور إدراكي لما حدث".
أمال كالفين رأسه جانباً، مراقباً جانب وجه أريادن عن قرب. وتجاوز شفتيها القانيتين وبشرتها الشبيهة باليشم. ونظر متجاوزاً ملامحها الأنيقة وعينيها الساحرتين. تجسد فراغ بعيد في عيني أريادن لم يلاحظه من قبل. بدت… متمنية تقريباً. أو ربما آملة؟ لا، لم يكن الأمر كذلك. لكنها بدت متعبة في الغالب. عرف هذه النظرة جيداً، رغم غرابتها الشديدة على ملامح أريادن الأنيقة. إنه الإرهاق الذي يربطه كالفين بالهلاك الماحق الوشيك، المحتوم، وغير الشخصي.
لقد رآه على وجوه أكثر من اللازم، ومعظمها شابة ونحيلة. الجوع. البرد. عصابات اللحم والقوادون بلا ضمير. تساءل كالفين عما إذا كان يرى أشباحاً، أو ربما مجرد ما أرادت أريادن منه رؤيته. استبعد صحة ذلك. بل على العكس، مع كبح جسدها، أصبح ممكناً فجأة التطلع إليها ورؤيتها على حقيقتها. وللمرة الأولى، ظفر بفرصة حقيقية لفهم شيء ما عن أريادن الكامنة خلف القصص والبريق. مع ذلك، ومهما بلغ فضوله لكشف ما يؤرق صديقته المؤقتة تحديداً، لم يكن هذا الاجتماع مخصصاً لذلك.
كانت لديه أولوياته.
"ومع ذلك ها نحن هنا".
أومأت أريادن برأسها مرة واحدة.
"ها نحن هنا بالفعل".
بنظرة أخيرة عبر النافذة التفتت لمواجهته، ضابطة تعبيرات وجهها. وسمّرته بنظرة حادة، عيون حادة لم يشهدها بمثل ذلك القدر سوى مرة واحدة من قبل. لم تتوهج هالتها، لكنه استطاع كاد يشعر بقبلتها الجليدية. واجه كالفين تحديها مباشرة، رغم أن وضعيتيهما المستلقيتين جعلتا التطلع في عينيها أمراً محرجا بعض الشيء. بدا الأمر حميمياً أكثر من كونها مواجهة، ولم يساعد في الأمر مدى راحة الأريكة تحته.
فحتى دون أي مؤثرات تعبث بعقله، كانت أريادن شابة فائقة الجمال بصورة تكاد تبدو مستحيلة وكان يسهل جداً تخيلها مرتدية زياً أقل تحفظاً بكثير… وغير معتم. خصوصاً أنه احتفظ بذكريات حية للغاية تتطابق مع مخيلته.
صرحت أريادن ببساطة بعد عدة ثوانٍ: "أنت ممارس موهوب. ربما عبقري حتى".
لم يكن السؤال موجهاً حقاً، لكن كالفين تعامل معه كأنه كذلك. ولوّح بيده بحركة تعني لا بأس.
"فوق المتوسط بقليل، ربما. لست بموهبة تقارب موهبتك بحسب كل الروايات".
بدت أريادن غير منبهرة.
"فوق المتوسط بقليل، هممم؟"
هزّ كالفين كتفيه.
"بالتأكيد لا أمتلك جسداً متطرفاً ولا جذراً روحياً من رتبة السماء. كما قلت، قد أكون فوق المتوسط بقليل من حيث الموهبة، لكن لا شيء مميز".
"حقاً".
لمع تعبير مبهم على وجه أريادن وأمالت رأسها للخلف لفترة قصيرة، متأملة الفسيفساء في السقف. أخذت نفساً عميقاً وألقت نظرة أخرى باتجاهه.
استهلت قائلة وبنبرة مشدودة: "كالفين، أتعرف ما الذي يحدث عادة لممارس ’لا شيء مميز‘ عندما يتعرض لضربة مباشرة من سلاح يفوقه بمرحلة كاملة؟"
ولم تنتظر إجابتهم، متمائلة للأمام ومثبتة يدها منبسطة على الطاولة.
"إنهم يموتون يا كالفين. لا يكتفون بنفض الغبار والمضي. لقد شوهدت وأنت تتناول العشاء مع غوين دون أن تبدو عليك أي آثار للإصابة في اليوم التالي".
أوه صحيح. هذا الأمر. هزّ كالفين كتفيه مجدداً.
"لقد كنت محظوظاً. توافق تناغمي مع هجومه وصدفة معرفتي بتقنية دفاعية ملائمة".
وكان الأمر صحيحاً في معظمه أيضاً. لقد حالفه حظ عظيم للحصول على تقنية دفاعية بهذه المرونة والقوة. قرصت أريادن جسر أنفها وكأنها تحاول منع صداع وشيك.
"كالفين، هذه ليست محاكم تفتيش. أنا أحاول مساعدتك".
جرب حظه قائلاً: "آسف؟ موهبتي ليست مميزة حقاً. لدي جذر روحي أرضي لم أحاول قط صقله بدرجة أكبر وبالتأكيد لم أُولد بأي نوع من الأجساد الخاصة".
توقف للحظة، ثم قرر إظهار بعض الثقة على الأقل. كان متأكداً تماماً من أن أريادن تحاول مساعدته بصدق، رغم عدم خلو الأمر من دوافعها الخاصة بلا شك.
"مع أنني تناولت إكسيراً منحني نخاع يشم ذهبي مكتسب. لقد كان مفيداً للغاية بالتأكيد".
بدت أريادن وكأنها على وشك قول شيء، لكن أسنانها انطبقت بقوة على كلماته. رمشت بعينيها.
فهتفت: "من أين بحق الجحيم حصلت على شيء كهذا؟ ومتى؟"
ابتسم كالفين ببراءة. فهذا لن يخبره إياه بالتأكيد.
"لقد عثرت عليه"، قال ببساطة.
"وقد استغرق الأمر بعض الوقت ليبدأ مفعوله، لذا لم أمتلك النخاع سوى لأقل من شهر الآن حقاً. إنه عملي جداً".
وتقلصت ابتسامته.
"سأكون ممتناً لو لم تقومي بنشر هذا الأمر، أختي".
أومأت أريادن.
"بالتأكيد لا يا كالفين".
وتسللت تلميحة من نبرتها المعتادة إلى صوتها، شيء خفي لامس حواس كالفين كعطر حلو بعيد.
"كيف لي أن أخون ثقة منقذي أصلاً؟"
بدا كالفين غير منبهرة. قلبت أريادن عينيها.
"حسناً، على أي حال، لقد خرجنا عن المسار".
أخذت نفساً عميقاً واستعدت جديتها.
"لا أسأل لمجرد الفضول. بل أسأل لأنه، بشكلك الحالي، ليس هناك أي شيء يمكنك فعله حقاً ضد عائلة فين، لكن—"
قاطعها كالفين.
"لن أكتفي بالجلوس والانتظار حتى أرتقي إلى مرتبة الوحدة!"
صاح منفعلاً. لم تكن هذه خطة! ربما كان بحاجة بالفعل لتصبح أقوى، لكن الاستمرار في خفض رأسه والممارسة بهدوء لن يوصله إلى أي مكان قريباً.
"حتى لو امتلكت الموهبة للوصول إلى هذا الحد، فهذا النوع من الترقي يستغرق سنوات! عقوداً! قروناً حتى! ربما اخترقت غوين نطاق التأسيس، لكن حتى في أفضل الاحتمالات ستكون عجوزاً عندما—"
ضربت القوة الكاملة لجسد أريادن وجهه كدلو من الماء المثلج، مطفئة الغضب المحتدم الذي بدأ يتصاعد داخله دون سبب. اختنق كالفين بلسانه، واستدارت عيناه نحو هيئة أريادن المستلقية برشاقة، ليجد أجمل كائن في الوجود ينظر إليه مجدداً بنظرة استياء في عينيها.
وبأسنان مصطكة بصق قائلاً: "تباً لكِ. يا أريادن. لا. تفعلي. ذلك".
تجعدت يداه في قبضتين، وغاصت أظفاره في راحتيه، لكنه بالكاد استطاع إجبار نفسه على الرمش ناهيك عن صرف بصره. بدت أريادن متفاجئة، ثم متأسفة بشهامة. تلاشت الجذبية القهرية، رغم أنها لم تبذل جهداً دقيقاً بكبح جسدها كما سلف قطعاً.
"معذرة يا أخي كالفين. أردت فقط لفت انتباهك. لم تكن تلك هي نيتي في الواقع".
استغرق الأمر لحظة من كالفين ليطرق في ذكره ما تتحدث عنه أريادن بالتحديد. فقد كان أكثر انشغالاً بالتساؤل عن كيفية شروعه في مقاتلة شخص يمتلك جسداً كجسد أريادن عندما يكون رد فعله الأساسي هو فعل أي شيء وكل شيء لارضائها. هل كان هناك جانب من روحه يمكن تدريبه لمقاومة ذلك؟ أم تقنية أخرى غائبة عن ترسانته؟
"إذن ماذا كنت تقترحين؟"
بناءً على النظرة التي رمته بها أريادن، ربما بدا منفعلاً أكثر بقليل من اللزم، لكنه عجز عن منع ذلك. كان متعباً، محبطاً، ولا يزال رأسه يؤلمه كأن أحدهم يطرقه بمطرقة، والتعامل مع أريادن وأريادنيتها قد يكون محبطاً في أفضل الظروف. ومنذ لقائه بكلب الغزو، بات أكثر وعياً بكثير بمدى تأثير مجرد حضورها القوي عليه، ولم يعجبه ذلك حقاً.
أضاف: "آسف. أرجو غفران مقاطعتي، أختي".
ولحسن الحظ، بدا ذلك كافياً لتهدئتها.
"لكن بالطبع يا كالفين. على أي حال، وكما ذكرت سابقاً، بحالتك الحالية لا شيء يمكنك فعله حقاً ضد عائلة فين".
توقفت، لكن كالفين لم يقاطعها هذه المرة. أغمقت أريادن عينيها وأخذت نفساً عميقاً.
"أجبني بصدق يا كالفين، أرجوك، ولست بحاجة لتبرير إجابتك. أتوؤمن حقاً بقدرتك على بلوغ مرتبة الوحدة يوماً ما؟"
"نجل، أؤمن بذلك".
كانت إجابة متغطرسة للغاية، لدرجة جعلت كالفين يتردد في التلفظ بها. لقد سخر يو غوي من ثقته ببلوغ نطاق النواة فحسب، فما بالك بتجاوزه، لكن كيف لا يثق؟ لم يُولد بموهبة عظيمة، ولا بإرث عائلي يعتمد عليه، لكن ما أهمية ذلك في مواجهة كنز سامٍ مثل اللفافة، مدونة أورين الهائم؟ وحدها طريقة البوابات الدوارة التسع قد تكون كافية لدفع إلى هذا الحد، فنون قتالية توفر التوجيه والتقنيات الملائمة لسلف طائفة عظيمة بل وما بعدها.
عجز حتى عن استيعاب أصغر أجزاء تلك التقنيات، لكنها كانت هناك تنتظره. ولم تكن تلك سوى قمة الجبل الغارق. معرفة متعمقة بالممارسة والترقي، تقنيات، كنوز قوية، وموارد لا تقدر بثمن. وفرت اللفافة كل ذلك وأكثر. وشك كالفين في أنه لن يضطر يوماً للاعتماد على جذره الروحي الأرضي، أو التقيد بالجسد المنشطر وغير النشط الذي وُلد به. وبموارد كهذه، كيف له أن يشك في فرصه؟ طالما لم يُقطع مستقبله بسبب العنف أو العجز، فهو نفسه لا يعرف حدوده.
رغم كلماتها، توقع الشك. الأسئلة. شيئاً ما. فقد كان ادعاءً جنونياً ولا يصدق حقاً. أومأت أريادن فقط.
"كنت آمل ذلك".
فتحت عينيها وتفتحت ابتسامة أمل على شفتيها. لم تكن ابتسامة عريضة، لكنها كانت صادقة على نحو نادراً ما شاهده عليها.
"إذن يا كالفين، أعتقد حقاً أن بوسعنا مساعدة بعضنا البعض".