٣.٥ تابعت جول المصارعة بتأمل. لم تكن ترى المغزى منها من قبل. بإمكانها في نهاية المطاف طرح أي شخص يحاول مصارعتها أرضاً ببساطة. أو هكذا كان الأمر حتى ظهر خنزير الرعب. غير أنه بات بوسعها الآن تقدير الطريقة التي يتحرك بها المتصارعون بصورة أكبر بكثير. كانت تشبه في بعض وجوهها تلك الطريقة التي عاملها بها الخنزير كرضيعة وديعة حين اقترب. يعود الأمر برمته إلى الوزن، والرافعة، والتمركز.
كانت تنوي أن تطلب من أبيها أن يبتكر ومعه موريل نظاماً يتيح لها التدرب على المصارعة بأي شكل، ربما يمكنهما جعلها تحاول مصارعة الثيران؟ تلك الطريقة التي هزمت بها شر هزيمة فور أن اقترب منها خصم بحجم مناسب؟ لقد صدمها ذلك وأخجلها بشدة. قد تكون الليدي جول، لكن بصفتها تنينة كان مفترضاً عليها أن تشارك في الالتزامات العسكرية للبارونية أيضاً. تماماً مثلما سيكون ألكسندر باروناً ذات يوم، وإن كان يتمتع بالموهبة، فحتى سيد الغريفين، وكان عليها أن تتصرف بمعنى ما كفارس بنفسها.
هكذا تحولت المصارعة من تسلية محيرة ظننت أن الجميع مبالغون في الحماس لها بعض الشيء إلى حرفة بالغة الأهمية يجب عليها إتقانها في أقرب وقت. ومع ذلك، بدا أن بعض العاملين الذين شرعت في الحديث معهم لا يفهمون الرياضة بأفضل مما فعلت، رغم حماسهم. وخاصة فتاة الحظيرة، التي لم تكف عن الحديث عن العرق والعضلات وأمور كانت جول متأكدة إلى حد كبير أنها لا صلة لها بالتطبيق البارع للقوة والتوازن الذي تستلزمه المصارعة.
غير أنه كان مزعجاً بعض الشيء كم تذكرها المواجهة الحالية بتجربتها مع خنزير الرعب. كان كراوك يبذل جهداً جباراً ليجارب مهارة لوثلار. لقد تباريا بالطبع، وكان كراوك يتعلم بسرعة. لكن بغض النظر عن موهبته، فإن أسبوعين من العمل وسنوات الخدمة كجندي مشاة لم تكن لتعده حقاً لمجاراة خبرة وتدريب فارس، حتى لو كان أجنبياً مثل لوثلار. مما يعني أنه وفي الوقت الذي كانا يتصارعان فيه بقوة كان كراوك خاسراً لا محالة.
إلى أن رفض في اللحظة الأخيرة، حين عرفت جول أن لوثلار قد أحكم قبضته عليه تماماً ولم يكن يحتاج سوى لتحريك ساق واحدة في حركة كسح لإنهاء تلك الهفوة التي كان كراوك على وشك ارتكابها. يد تعتصر كتف كراوك بقوة، نظرة تتبادل بينهما ثم عبوس من كراوك حتى وهو يستعيد توازنه زاد الأمر حيرة. استعد الجندي السابق ثم قام برفعة جبارة بدا أنها فاجأت كل من كان يشترِك في المشاهدة وأثارت موجة عارمة من الهتافات والشهقات، لكن جول أدركت بوضوح أن هذه كانت ثغرة تركها لوثلار متعمداً للفارس الذي لا يزال قيد التدريب.
اصطدم الفارس الأجنبي بتربة الساحة الصلبة وسط زفير وضحكة. مطلقا هتافات بروح طيبة اعتاد إظهارها دائما.
"نزال جيد من بطل السيد البارون!"
وهو ما قوبل بمزيد من الهتافات. وخاصة من فتاة الحظيرة (أديلين! كان ذلك اسمها!). تدحرج لوثلار عائداً ليقف على قدميه العاريتين وأمسك كل منهما بالآخر، أيدٍ على سواعد بعضهما، من اليمين إلى اليسار ليكون كل منهما حراً في احتضان الآخر بقوة كما ينبغي للأحلاف والإخوة في ساحة المعركة.
تقدمت جول نحو "المقاتلين"
باحثة في نظرات كل منهما بتأمل قبل أن تومئ. بما أن أباها كان لا يزال منشغالاً بتوزيع كرمه على المتخلفين الأخيرين بين الرعايا، كان على بقية أفراد عائلتها تولي الوظائف الرسمية الأخرى للمهرجان. كانت جول اليوم سيدة الساحة، وموزعة الجوائز والمفترض أنها حكمة اللعب النظيف. كظمت العبوس الذي أرادت أن ترسمه على وجهيهما. كان رمي النزال بهذه الطريقة حركة جيدة لتثبيت براعة كراوك، وليس الأمر كأنهما لم يقدما عرضاً جيداً بينهما أمام هؤلاء العمال الزراعيين الذين يملكون عضلات أكثر من عقولهم، وجنود المشاة الآخرين.
لكنها لم تكن ترى أن رمي النزال هكذا يتماشى مع روح المنافسة. ومع ذلك، كان سيلحق الضرر بشرف كليهما لو تم الاعتراف بذلك هنا والآن. وبدا جلياً أن لوثلار فعل ذلك كطريقة للاستسلام دون أن يفقد أي منهما ماء وجهه. كانت جول تفضل أن ترى نزالاً حقيقياً بينهما لكنها خمنت أنه سيطول عليها الاكتفاء بالمشاهدة حين يتباريان حقاً في الصباح أو ما شابه.
"أقدم الجائزة لبطل نزالات اليوم! الثناء لسر كراوك! قاتل الخنازير وبطل روتشفورد!"
ناولتْه حقيبة الجلد المليئة بالعملات الفضية بينما كانت تكبح كشرة بصعوبة. لم تكن سوى مئة وبضعة عملات، لكنها جاءت من خزائن عائلتها الخاصة. لم تحب جول قط التخلي عن عملة العائلة. فواحدة منها فقط تعادل يوم عمل شاقاً في تجفيف الحقل. كان هذا مخصصاً للأحرار فقط وفترات عمالة المتجولين العرضية ممن ليس لهم ولاء حقيقي لإقطاعية وأرض بالطبع. كان ترتيب أبيها مع رعاياهم يقضي بأن يعملوا في جميع حقول البارونية في كل موسم محدد ويمنحون نصيبهم عيناً للتبن، والحبوب، وإذا كانت المحاصيل أو الطقس جيدين، كرماً مثل الحاضر.
لكن مع ذلك ومبدئياً، مُنح كراوك للتو كجائزة عمل ما يزيد على مئة رجل أصحاب ظهور قوية يكدحون طوال ساعات عملهم في قطع التبن تحت الشمس. مقارنة بعمل رمي عشرة رجال على الأرض بينهما وحسب. جعلها ذلك تشعر بعدم ارتياح تجاه هذا التبادل. لكن مجدداً، كان عمل الفارس مكلفاً، وستحتاج عذبته إلى عملات لشراء ما لا يمكن فرضه كالتزام على رعايا الحوزة. وفي هذه الحالة لم تكن تفعل شيئاً سوى نقل كومة العملات الثمينة هذه من رف في الخزائن إلى رف آخر.
أومأت جول وابتسمت ابتسامة أنصع وأصدق قليلاً تشعر بالارتياح لكونها لا تتخلى حقاً عن مثل هذا المبلغ الهائل بعيداً عن عائلتها. ليس كما حدث عندما اضطروا لدفع ثمن الملح والأعشاب والبهارات الأجنبية الأخرى. فتح كراوك من جهته الكيس لتفحصه، مسحباً قرشاً فضياً عليه صورة جانبيّة للكونتيسة من وجه وغريفين واقفا على قوائمه الخلفية من وجه آخر. عضّه في تلك اللحظة بالذات! كأي تاجر عامي غير متأكد من قيمة المعدن!
انتفضت جول، ووقف شعر رقانتها، وأدى التوتر إلى فك بعض الضفائر المرتبة حديثاً من جذورها. كما استشاط عدد غير قليل من الزوار الأكبر سناً، وتوتر لوثلار خجلاً. غير آبه بخطئه سار كراوك بثقة نحو حيث جلس الخاسرون من نزالات المصارعة ليشاهدوا أسيادهم ينهون الأمر. كانت جول مصدومة للغاية من الاهانة التي ارتكبها بحق العملة لدرجة عجزها عن الكلام. لكن ذلك تحول تدريجياً إلى ارتياح وإعجاب بالضربة الموفقة التي اقتحمها عن جهل.
"هنا، كل واحد منكم، خمسة عشر قرشاً! لقد فاض كرم السيد وتكريماته علي بالفعل."
أدت الصدمة حين وزع تقريباً كامل حقيبة أرباحه بينهم إلى إغراق جول والحشد في الصمت.
إما لأنه لا يزال جاهلاً بالمشهد الذي يصنعه أو لمجرد رغبته في كسب سمعة الكرم التي تليق بفارس أبي لقد استمر كراوك قائلًا: "كنتم جميعاً مقاتلين ممتازين. واصلوا العمل على وقفاتكم، وتناولوا وجبات قوية. وحين أستقر في أراضيّ تعالوا وابحثوا عني أي منكم، كلكم. سيكون لدي مكان لكم ضمن طاقم عملي."
آه! بدا ذلك أكثر منطقية. أومأت جول بحزم. بالنسبة للبعض، قد يبدو هذا وكأنه يسرق عمالة وأجساد رعايا أبي المباشرين لصالح إقطاعيته الخاصة. لكن كما لاحظت مع العملات، لم يكن الأمر وكأنهم يغادرون البارونية حقاً. إن القليل من تحريك الناس هنا وهناك لا يختلف عن نقل العملات من برميل إلى آخر. قد يغدو كراوك فارساً جيداً حقاً.