شَعَرَتْ جُوِيل بامتنانٍ بالغٍ لتمكّنها من إقناع الصّغار بأنّها لن تأخذ أياً منهم في جولة طيران. لكِنْ عِنْدَما طُرِحَ الموضوعُ، رَأَى مُورِيَل أَنَّها فكرةٌ رائعةٌ لتمنحَ نفسها بعضَ التَّمرينِ لهذا اليومِ. لَمْ يَكُنْ الأَمْرُ مُجْهِداً ألبتّةَ إذْ كانَتْ تُخَفِّفُ حزامَ الأثقالِ. بَلْ انْطَلَقَتْ جُوِيلُ في الجَوِّ لِتَسْتَعْرِضَ أَمَامَ الحُشُودِ. بَلَغَتْ الفكرةُ مسامعَ الأبِ فأعلنَ فوراً عَن رغبتِهِ في إقامةِ عرضٍ مُشْتَرَكٍ مع زِيفِيرفَام.
لَمْ يَكُنْ بإمكانِ جُوِيلَ لومُهُ، فقد كان المهرجانُ بُقعةً زاهيةً مِن الألوانِ مِن علوٍّ شاهقٍ. تُبحِرُ عَالِياً فَوْقَ السَّاحَةِ والحِصْنِ. تَتَسَحَّبُ بَينَ أَلْوانِ العَسَلِيِّ لِغُروبِ الشَّمْسِ، في عُلوٍّ يكفي لاصطيادِ المزيدِ منه بِمَعْزِلٍ عن ظلالِ الوادي المُتَغَلْغِلَةِ. مِن هُنَاكَ في الاعلى، اسْتَطَاعَتْ حَتَّى رُؤْيَةَ الخِيَامِ التي نُصِبَتْ حَوْلَ القَرْيَةِ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا تدبيرَ مساكنَ مَعَ أَهْلِ البَلْدَةِ.
احْتَشَدَ العَمّالُ والموظّفون فوقَ الأسوارِ، مُتَخَلِّصِينَ مِن ضِيقِ الأماكنِ بَينَ تِلكَ الحياضِ المرتفعةِ التي ضَمَّتْ حدائقَ أعشابِ القصرِ. رَسَمَتْ جُوِيلُ حلقةً كَسُولَةً في السماءِ ريثما تنتظرُ الأبَ. تُؤدّي حلقاتِ التفافٍ وتُنَشِّرُ جَناحَيْها بِمَا يكسوهما الشَّمْسُ ويُضيءُ مَنْ في الأسفلِ. كانَتِ الضَّفائِرُ المُتَدَلِّيَةُ طُولَ عُرْفِها تَتَفَكَّكُ.
وتَتَكَسَّرُ سيقانُ الزُّهورِ البَرّيّةِ فِي عَصْفِ الرّيحِ. تَنْثُرُ البَتَلاتِ والأوراقَ والكرومَ في الهواءِ. ظَنَّتْ أَنَّ تِلْكَ البريقةَ حَوْلَها تُشْبِهُ النُّجومَ في نورِ المغيبِ الذَّهبيِّ. أَخِيراً، ارْتَفَعَ فَوْقَ أَجْنِحَةٍ قَوِيَّةٍ، مُخْتَرِقاً الدِّفْءَ الكامِنَ بِخَفَقَاتِهِ الهائلةِ، طَالِعاً بِفروِهِ الأسودِ وريشِهِ زِيفِيرفَام. وفَوْقَ ظهرِهِ، في جِثْمَانِ راكبِ الغريفون المُحَنَّكِ، كَانَ الأبُ.
كَانَ مِن الرَّائِعِ أَنَّهُ انْضَمَّ إِلَيْهَا اليَوْمَ، مع أَنَّ جُوِيلَ اعْتَقَدَتْ أَنَّ نِصْفَ السَّبَبِ هُوَ أَنَّ الأَبَ لَوْ اضْطُرَّ لِتَوْزِيعِ رَحْلَةِ إغاثةٍ أُخْرَى عَلَى الفلاحين لَانْفَجَرَ مِنَ المَلَلِ. سُرَّتْ فَقَطْ لِتَمْنَحَهُ عُذْراً لِلطَّيَرَانِ حَقّاً. وَحْدَهُ الأبُ يَعِي مَا هُوَ مُبْهِجٌ في التَّحْلِيقِ، وحَتَّى في تِلْكَ الحالَةِ لَمْ يَسْتَطِعْ فِعْلَهُ إلّا مَربوطاً عملياً بِزِيفِيرفَام.
أَمْرٌ خَاصٌّ جَمَعَهُمَا. وتَأْمُلُ جُوِيلُ أَنْ تُشَارِكَهُ مَعَ ألكسندر عندما يحصلُ على غريفونِهِ الخاصِّ. لَكِنْ لِلآنَ، وَحْدَهُ الأبُ يَنْضَمُّ إِلَيْهَا في السَّماءِ، ولم تستطعْ جُوِيلُ إنكارَ مدى اندماجِ الغريفونِ والسّيّدِ معاً أثناءَ التحليقِ. صُولَةً وجولَةً مَعَ الجلودِ السَّوْدَاءِ لِدِرْعِ الأبِ المخصوصِ. قِلَّةٌ قليلةٌ رأَتْ زِيَّ سَيِّدِ الغريفونِ عَن قُرْبٍ سِوى حُجّابِهِ وعُمّالِ الإسطبلاتِ.
أَيُّ فريسةٍ أو عدوٍّ سَيَمُوتُونَ قَبْلَ أن يقتربوا لِرُؤيتِهِ أو بَعْدَ ذَلِكَ بِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ جِدّاً. وَمَا عَدَا ذلِكَ؟ أَكْثَرُهُمْ لَنْ يَشْهَدُوا سِوى المراسيمَ الاستعراضيةَ حيثُ يَرتدي طَقْماً كامِلاً مِن الدّروعِ اللامعةِ التي تيقّنتْ جُوِيلُ أنَّها لم تَشْهَدْ مَعْرَكةً واحِدَةً في الأجيالِ الثَّلاثةِ منذُ تكليفِها. كان المعدنُ المصقولُ بإفراطٍ رقيقاً بِشَكْلٍ يبعثُ على الرِّيبةِ.
خَفِيفٌ كفايةً للقفزاتِ القصيرةِ، بالطبعِ، ورُبَّما للانزلاقِ القليلِ، لَكِنَّهُ يَتَطَلَّبُ وِقْفَةً غَيْرَ طَبِيعِيَّةٍ مِن الأبِ ويَقَعُ بِثِقَلِهِ عَلى كَتِفَيْ زِيفِيرفَام المِسكينِ. لَقَدْ تَرَى كَيْفَ يُصارعُ كَلّا يَسْقُطَ حينَ يَضْطَرُّ الأبُ لارتداءِ تِلْكَ الإهانةِ اللّامعةِ الحَمْقَاءِ للاستعراضِ. تَرَكَهُ يَبْدُو أَكْثَرَ خُرْقاً ومُلَائِماً فَقَطْ لِصُنْعِ دُخُولٍ في المناسباتِ الاحتفاليةِ.
لَكِنْ مَتَى مَا رَغِبَ الأبُ فِي التَّحْلِيقِ حَقّاً؟ بِارْتِفَاعٍ حقيقيٍّ أو سُرْعَةٍ؟ عِنْدَمَا يَحْتَاجُ لاسْتِخْدَامِ البَرَاعَةِ التي اكْتَسَبَ بِهَا مَكَانَةً كَسَيِّدِ غريفونٍ؟ عِنْدَ الصّيدِ العَظِيمِ عَلى مَدَى الرّيفِ مع قُرَنَائِهِ؟ أَوْ لِلْخُرُوجِ وإنجازِ التزاماتِهِ العسكريةِ لِلْكُونْتِسَةِ؟ ثُمَّ يَرْتَدِي دِرْعَهُ الخَاصَّ. بَيْنَمَا بَدَا في حُطَامِ العَرْضِ اللّامِعِ رَجُلاً جالِساً فَوقَ وَحْشٍ غَيْرِ مُرِيحٍ، أصبحتْ هندامَتُهُ تليقُ بِسَيِّدِ غريفونٍ حَقّاً.
كُلُّهُ جلودٌ سوداءُ، خَشِنَةٌ للحدِّ الذي تصدرُ صريراً عِنْدَمَا يَثْنِي أَطْرَافَهُ، لَكِنَّها مَشْدُودَةٌ بِإِحْكَامٍ وأمانٍ بِأَحْزِمَةٍ وتُرُبَاتٍ كَثِيرَةٍ، مِمّا يَجْعَلُهَا تلتصقُ بجلدِهِ وَلَا تَتَهادَى إطلاقاً فِي طُوفَانِ الرِّيَاحِ. الخُوذَةُ تَقْلِيدٌ عائلِيٌّ: كُلُّ سَيِّدِ غريفونٍ يُبقي صانعَ دُرُوعٍ بارعاً فَقَطْ لِصُنْعِ، وصيانةِ، وتطويرِ رغباتِهِ الشخصيةِ.
عَمَلٌ مِن الخشبِ والجلدِ المُشَكَّلِ خُصيصاً لِكُلِّ سَيِّدِ غريفونٍ. أَصْبَحَتْ جُوِيلُ تُدْرِكُ أنَّها تُسَاعِدُ في شَقِّ الرِّيحِ فِي التَّحْلِيقِ كَلَا تَنْفُخَ بِقُوَّةٍ في العَيْنَيْنِ. أَمَّا لِنَفْسِهَا، فَهِيَ تَرْمُشُ بِبَسَاطَةٍ بِعَيْنِهَا الدّاخِلِيَّةِ كُلَّمَا دَخَلَ الغبارُ أو الحشراتُ. لَكِنَّ عَيْنَيْهَا كَانَتَا أَكْثَرَ صَلابةً وَأَقَلَّ حَسَاسيّةً بِكَثِيرٍ مِن عَيْنَيْ الأبِ.
لِذَلِكَ كَانَتِ الخوذةُ المُخْفِيَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ. دَاكِنَةٌ مَعَ طوقٍ خَشِنٍ يُثْبِتُ رَأْسَهُ مُسْتَقِيماً وَغَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الِالتِفَاتِ مَخَافَةَ أَنْ يُطَوِّحَ بِهِ الالتواءُ أو يُخْلَعَ تَمَاماً مِن الرّيحِ. الجلودُ الأخرى شُكِّلَتْ خصيصاً أيْضاً. عِنْدَ الكَتِفِ، والذِّراعِ، والظهرِ، والفخذينِ، والوركينِ. تُعَدُّ لِتَخْتَرِقَ الرِّيحَ كالسَّهْمِ وتُبْقِيَ الأَبَ مُلتصقاً بِزِيفِيرفَام.
عِنْدَمَا يَتَحَرَّكُ الاثنانِ بسُرعةٍ أو فِي غَوْصَةٍ يَكَادُ يَخْتَفِي الأبُ كُلّياً في ريشِ الغريفونِ بين الأجنحةِ. كَانَتْ أَكْثَرَ خِفَّةً مِن الغريفونِ في التحليقِ، مَدْعومَةً مِنَ الدَّاخِلِ فِي كُلِّ بوصةٍ ومقياسٍ مِن جَسَدِهَا بِنَارِ الويرمِ التي تَدْفَعُهَا أَيَّ اتِّجَاهٍ تَشَاءُ. لَكِنَّ الغريفونِ كَانَ أَسْرَعَ بِكَثِيرٍ حَتَّى وإنْ لَمْ يَحْمِلْ نَاراً دَاخِلِيَّةً.
كَانَتِ الطَّرِيقَةُ مُتَشَابِهَةً وَمَأْلُوفَةً لَكِنَّها خَارِجِيَّةٌ كُلِّيّاً لِجَسَدِ الغريفونِ، مُسْتَخْدِمَةً التَّيّارَاتِ الطَّبِيعيَّةَ دَاخِلَ الهواءِ التي تُحَاكِي نَارَ الويرمِ خاصّتِها بِدَلِيلِ إيجادِهَا بِنَفْسِهِ. كَانَ طَيَرَانُهُ يَتَكَوَّنُ مِنْ خَفَقَاتٍ هَائِلَةٍ، وَانْزِلَاقَاتٍ مُحَلِّقَةٍ، وَهَيْكَلٍ خَفِيفٍ. اسْتَطَاعَتْ جُوِيلُ شُعورَ تِلْكَ الأجنحةِ، مُمْتَدَّةً أَبْعَدَ مِن طُولِ الوَحْشِ فِي ريشٍ أَسْوَدَ لَامِعٍ نَحْوَ الخارِجِ وتَقْبِضُ الهَوَاءَ فِي جَرّافَاتٍ طَمّاعَةٍ.
وَالطَّرِيقَةُ التي يَلْتَقِطُ بِهَا صَدَى نَارِ الهواءِ نَفْسِهِ وَيَحْمِلُهُ بَلَغَتْ نَحْوَ اثْنَيْ عَشَرَ ضِعْفاً أَبْعَدَ فَقَطْ بَعِيداً عَنْ مَدَى كُلِّ جَنَاحٍ. مُتَمَدِّدَةً إِلَى هَبَّاتٍ لاهِثَةٍ قَارِضَةٍ تَدْفَعُ الغريفونِ عَالِياً. كَانَ الهواءُ حَوْلَ الأبِ وَزِيفِيرفَام فِي التَّحْلِيقِ يَُعَوِّلُ بِقَسْوَةٍ أَعْظَمَ مِن أَعْنَفِ العواصفِ مِنْ خِلَالِ بَرَاعَةِ الغريفونِ بِالرّيحِ.
أَوْ يَسْكُنُ تَمَاماً لِصَالِحِ انْدِفَاعِ السَّرْعَةِ المحضِ عِنْدَما يَنْزَلِقُ فِي التَّيَّارَاتِ الصّاعدَةِ الحارَّةِ لِلسُّهُولِ.
سَحَبَ الأبُ نَفْسَهُ «بِجَانِبِهَا».
وَالَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ مَسَافَةً مُعْتَبَرَةً. كَانَ مِنْ المُعْتَادِ أَلَّا يَقْتَرِبَ سَادَةُ الغريفونِ أَقْرَبَ مِنْ تَلامُسِ ‘الْجَنَاحِ’ المُمتدِّ فَوقَ الرِّيشِ بِخِفَّةٍ. الحَدُّ المُطْلَقُ قَبْلَ أَنْ تُخَاطِرَ المَطَايَا بِالتَّدَاخُلِ فِي رَفْعِ بَعْضِهَا البَعْضِ. وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ حادَّ البَصَرِ وَمُتَدَرِّباً جَيِّداً، كَانَ هَذَا قُرْباً كَافِياً لِرُؤيَةِ وَضْعِيَّةِ وإيماءاتِ الآخَرِ.
رَفَعَ قَبْضَتَهُ مُسَلِّماً. مُتَمَايِلاً إِلَى الوَرَاءِ قَلِيلاً عَنْ زِيفِيرفَام. مَشْدُوداً بِأَمَانٍ إِلَى مَطِيَّتِهِ. لَمْ يَكُنْ سَرْجاً بَلْ امتداداتٍ لِدِرْعِ الرُّكُوبِ نَفْسِهِ. فِي التَّحْلِيقِ كُلُّ أُوقِيَّةٍ تَكُونُ خَطِرَةً لِلرَّاِكِبِ وَالمَطِيَّةِ. وَبَدَلاً مِن عُدَّةٍ ضَخْمَةٍ رَكِبَ مَشْدُوداً لِمَطِيَّتِهِ أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهِ رَاكِباً لَهَا.
الأَسْلِحَةُ الَّتِي يُفَضِّلُهَا سَادَةُ الغريفونِ كَانَتْ بِالمِثْلِ أَخَفَّ بِكَثِيرٍ مِمَّا عَرَضَتْهُ بَعْضُ المَنَاسِجِ. لَا وُجُودَ هُنَا لِسُيُوفِ قَطْعِ خيولٍ ضَخْمَةٍ، أَوْ هَرَاوَاتٍ كُبْرَى، أَوْ حُرَابٍ. غَالِبُهَا سَيُتْدَاخَلُ مَعَ أَجْنِحَةِ مَطِيَّاتِهِمْ عَلى أَيِّ حالٍ. وَإِنْ كُنْتَ قَرِيباً لِلْغَايَةِ هَلْ كَانَ السَّيْفُ أَوِ الرُّمْحُ لِيُسَاعِدَ حَتَّى؟
كَانَتْ أَجْنِحَةُ، ومخاليبُ، ومِنقارُ الغريفونِ أَعْنَفَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يُمْكِنُ لِلْأَبِ حَمْلُهُ. لَا، حَارَبَ سَادَةُ الغريفونِ بِقَوْسٍ عَظِيمٍ وَمُرْعِبٍ وَسَهْمٍ. قَوْسُ الأبِ نَفْسَهُ كَانَ قِطْعَةَ أَثَرٍ عَائِلِيَّةً! بَرْقُ الأَيِّلِ! أَطْوَلُ مِنْ ألكسندر وثلاثةِ أضعافِ عُمْرِ الأبِ الأكبرِ. مَصْنُوعٌ مِنْ قَرْنِ وَحْشٍ مَيِّتٍ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.
عَمودُ فَقَرِيٌّ لِإِنْسَانٍ أَقَلَّ كَانَ لِيَنْكَسِرْ عِنْدَ شَدِّ قَوْسِهِ وَيُطْلِقُ سِهَاماً أَطْوَلَ مِنْ أَرْجُلِ أَغْلَبِ الرِّجَالِ وَبِحَجْمِ إِبْهَامِ الأبِ. لَمْ تَرَ جُوِيلُ الأَبَ يُطْلِقُهُ إلّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَكَانَ ذَلِكَ مَوْتاً مُفاجِئاً يَضْرِبُ دُبّاً مَيْتاً مِنْ سَمَاءٍ بَدَتْ خَالِيَةً. دُفِعَ الحَيَوَانُ إِلَى الأَرْضِ وَانْغَمَسَ نِصْفُ السَّهْمِ فِي التُّرْبَةِ.
لَكِنَّ الأَبَ سُلِّحَ بِقَوْسِهِ تَبَعاً لِلتَّقْلِيدِ فَقَطْ اليَوْمَ. لَمْ يَكُنْ يَنْوِي اسْتِخْدَامَهُ. لَا، هَلْ كَانَ عَرْضُ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ لِأَجْلِهَا اليَوْمَ؟ هَكَذَا كَانَ يَقُولُ بِإِيمَائِاتِهِ الوَاسِعَةِ. اِلْتِوَاءٌ دَائِرِيٌّ بِالسَّاعِدِ، وَاسِعٌ وَمَفْتُوحٌ، سَهْلُ القِرَاءَةِ لِرَاكِبِ بَشَرِيٍّ آخَرَ فِي زِيٍّ مُحْجِبٍ لِلرُّؤْيَةِ عَلَى هَذِهِ المَسَافَةِ تَقْرِيباً.
لَكِنَّهُ كَانَ وَاضِحاً جِدّاً لِجُوِيلَ. حَقّاً، لَقَدْ اسْتَطَاعَتْ قِرَاءَةَ إيماءاتِ الأبِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَضْعَافِ هَذِهِ المَسَافَةِ، لَكِنَّهُ كَانَ لِيَعْجِزَ عَنْ تَمْيِيزِ رَدِّهَا مِنْ مَسَافَةٍ أَبْعَدَ. الأيدي تضربُ في صليبٍ ثلاثَ مَرّاتٍ عَلَى الجانِبِ البَعِيدِ عَنْهَا عَنْهُ. ثُمَّ مَرَّتَيْنِ عَلَى الجَانِبِ الأَقْرَبِ مَعَ قَطْعٍ وَاسِعٍ لِتَحديدِ وَإشَارَةِ تَعْدِيلٍ.
كُلُّ ذَلِكَ بِتَرَانِيمِ إقاعِ خَفَقَاتِ أَجْنِحَةِ زِيفِيرفَام. هَاجَتْ وَتَأَرْجَحَتْ، ثُمَّ انْقَلَبَتْ عَلَى ظَهْرِهَا لِيَسْتَطِيعَ قِرَاءَةَ الإيماءاتِ الأَدَقِّ الَّتِي أَعْطَتْهَا بِذِرَاعَيْهَا. طَلَبَ الأَمْرُ عَمَلاً عَلَى بَعْضِ الِاخْتِلَافَاتِ فِي لُغَةِ سَيِّدِ الغريفونِ لِاسْتِيعَابِ وَضْعِيَّتِهَا وَحَرَكَتِهَا في التحليقِ.
"نَحْنُ نَنْقَضُّ بِهِمَا مِنْخَفِضَيْنِ! مَرَّتَيْنِ مِن اتجاهِ الشّروقِ! مَعاً؟"
رَدَّتْ.
"مَعاً! جَنَاحاً لِجَنَاحٍ؟"
قِلَّةٌ مِنَ الإيماءاتِ الوَاسِعَةِ وَالسَّهْلَةِ القِرَاءَةِ بَيْنَمَا هُمَا يَتَقَدَّمَانِ بِكَسَلٍ فِي دَوَارَاتٍ حَوْلَ الضّيْعَةِ لِلْجُمْهُورِ.
"جَنَاحاً لِجَنَاحٍ! ثُمَّ تَمُرُّ وَيْرِمْدُوم، فِي ضَيِّقٍ، الحَقْلَ البَائِرَ."
أَغْلَبُ هَذِهِ الإيماءاتِ لَمْ تَكُنْ لُغَةَ سَيِّدِ الغريفونِ الصَّحِيحَةَ بَلْ إيماءاتِ خَاصَّةً لَهَا، حُدِّدَتْ بَيْنَهُمَا مُسْبَقاً، وتعديلاتٌ وتوليفاتٌ لِلإيماءاتِ الأُخْرَى. تَسَاءَلَتْ جُوِيلُ عَمَّا إِذَا كَانَ أَقْرَانُهَا في البَيْضِ سَيُعَلَّمُونَ أَيْضاً تِلْكَ اللُّغَةَ المُحَدَّدَةَ لِلتَّنْسِيقِ مَعَهَا وَمَعَ سَادَةِ الغريفونِ. وَافَقَتْ بِزَخْرَفَةِ تَأْكِيدٍ وَثُمَّ كَسِرْبٍ وَاحِدٍ مِن اثْنَيْنِ انْفَصَلَا صَاعِدَيْنِ.
زِيفِيرفَام يَتَخَلَّفُ بِالطَّبْعِ، وَجُوِيلُ لَا تَزَالُ غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى مُجَارَاتِهِ فِي السُّرْعَةِ. رَغْمَ أَنَّ الغريفونِ اسْتَمْتَعَ بِتَدْلِيلِهَا بِقَدْرِ مَا فَعَلَ رَاكِبُهُ. ارْتَفَعَا بِأَقْصَى سُرْعَةٍ اسْتَطَاعَتْ إدْرَاكَهَا. ثُمَّ الْتِوَاءٌ مُقَوَّسٌ فِي الهَوَاءِ وَكَلاَهُمَا هَبَطَا، اخْتَفَى الأبُ فِي مَأْوَى ريشِ زِيفِيرفَام وَجُوِيلُ تَضْحَكُ بِدُونِ صَوْتٍ فِي زَئِيرِ الهَوَاءِ.
صَرَخَتِ الرِّيحُ وَعَوَتْ حَوْلَهُمَا عِنْدَمَا انْقَضَّا فَوْقَ رُؤُوسِ الفلاحين. أَغْصَانُ الغَابَةِ البَعِيدَةِ جامِحَةً وَمُتَخَبِّطَةً، طُوِّحَتْ فِي أَعْقَابِهِمَا وَعَدَدٌ غَيْرُ قَلِيلٍ مِنَ القُبَّعَاتِ وَالمَلَابِسِ الأَقَلِّ تَأْمِيناً طَارَتْ تَعْصِفُ خَلْفَهَا أَوْ خَارِجاً تَمَاماً بَعِيداً عَنْ أَصْحَابِهِمَا فِي عُبُورِهَا هِيَ وَالأَبِ. وَبِالطَّبْعِ كَمَا اتُّفِقَ رَكِبَتْ هِيَ وَأَبُوهَا الاندفاعَ عَائِدَيْنِ إِلَى قَوْسٍ صَاعِدٍ قَبْلَ المَيْلِ خَلْفَ نَفْسَيْهِمَا وَالِانْفِصَالِ قَلِيلاً، لَا تَزَالُ ‘جَنَاحاً لِجَنَاحٍ’ لَكِنَّ الغريفونِ الآنَ تَبَاعَدَ بِقَدْرٍ كَافٍ لِلأَمَانِ عِنْدَمَا بَدَأَتْ جُوِيلُ جَوْلَتَهَا.
كَانَتْ نَارُ الويرمِ قَدْ مَلَأَتْ كُلَّ جَسَدِهَا مِنْ طَرِيقَةِ جَرْفِهَا لَهَا أثْناءَ الغَوْصِ. انْفَرَجَتْ شَفَتَا جُوِيلَ وَرَشَّتْ وَيْرِمْدُوم فِي نَارٍ بَيْضَاءَ مُعْمِيَةٍ أَمَامَهَا. كَانَتِ الإيماءةُ خَلِيطاً مِنْ إِشَارَةِ القَطْعِ السَّرِيعِ لِوَحْشٍ أَبْطَأَ مِنْ مُوَاجَهَةٍ، وَضَرْبَةٍ يَئِسَةٍ لِلْفَنَاءِ النِّهَائِيِّ المَشْهُودِ. لَمْ تَحْتَرِقْ الحُقُولُ البَائِرَةُ كَمَا يَفْعَلُ الوَقُودُ وَالمَشْعَلُ.
لَقَدْ بُيدَتْ. كَانَ الأَمْرُ شَبِيهًا بوجودِ ذَرُورِ الرَّمَادِ الرَّمَادِيِّ المُوجُودِ في مِقْدَحَةٍ بَعْدَ لَيْلَةِ حَرْقٍ طَوِيلَةٍ، لَكِنَّهُ كَانَ مِن الأَفْضَلِ القَوْلُ إنَّ الحُقُولَ البَائِرَةَ مِنَ الشُّجَيْرَاتِ، والأَعْشَابِ، والحَشَائِشِ لَمْ تَحْتَرِقْ، بَلْ أُعِيدَتْ لِلعَدَمِ تَمَاماً فِي وَهَجِ عُبُورِهَا، بِسُرْعَةٍ لَا تُصَدَّقُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ بِسَلَامَةٍ كَافِيَةٍ لِيَلْتَقِطَ شُعْلَةً بَعْدَهَا.
شَرَرٌ قَلِيلٌ وَضَئِيلٌ تَشَرَارَ لِلَحْظَاتٍ فِي الخَرَابِ الرَّمَادِيِّ المُخَلَّفِ وَرَاءَهُ. لَكِنْ لِلْأَغْلَبِ اختُزِلَ الكُلُّ إلَى غُبَارٍ فِيمَا كَانَ يَوْماً خَدّينِ لِحَرَاثَةٍ يَمْتَدّانِ عَلَى طُولِ الفَدَّانِ كَامِلاً لِلْحُقُولِ البَائِرَةِ. الطَّقْطَقَةُ لِلْأَحْجَارِ المُتَصَدِّعَةِ مِنَ الحَرَارَةِ دَاعَبَتْ أُذُنَيْهَا بَيْنَمَا سَحَبَتْ جُوِيلُ نَفْسَهَا لِإِسْقَاطِ السُّرْعَةِ ثُمَّ انْضَمَّتْ إِلَى الأَبِ وَزِيفِيرفَام عَلَى الحُقُولِ غَيْرِ المَمْسُوسَةِ بَعْدُ فِي رُؤْيَةٍ كَامِلَةٍ لِلْجُمْهُورِ عَلَى السُّورِ.
عَجُوزُ الغريفونِ يَتَرَبَّعُ وَيُطْلِقُ صَرْخَةً ثَاقِبَةً مِنَ الظَّفَرِ والتَّهْنِئَةِ لَمْ تَمْلِكْ جُوِيلُ إلَّا أَنْ تَرُدَّ صَدَاهَا بِزَئِيرِهَا. بِالطَّبْعِ، هَتَفَ النَّاسُ، طَبْعاً.