8.4 تأمّلت جويل القرية من علٍ. كثرة التدريب مع الأب ألغت كثيراً من تحليقها تحت وطأة حزامها وأحجارها المغناطيسية. وجدَت سلام محاولة الطيران وحدها ما استطاعت تحت الثقل مريحاً للغاية الآن. لم يغب عبء الخبز المخبيز عن الهواء مذ حلّ الربيع. دأبت كلّ مفرمة في الإقطاعية فصولاً على إعداد أقراص الخبز التموينيّ الكثيف للحملة القادمة. وهناك تغييرات أخرى أيضاً. كان الفلاحون ينتقلون بين بيوتهم والحقول كالمعتاد.
يعمل الرجال بالمحاريث. لكنّ بعضهم صار يستعين دائماً بخيول الأب الجارّة ودوابّ الأخرى. استعداداً للحرب المقبلة، أسقط الأب كلّ الالتزامات المستحقة نظير استخدام الدوابّ الجارّة. وترك لمختار القرية تقدير من يركب الخيول والثيران بدوره. أصدر الأب عدة مراسيم من هذا القبيل منذ بداية دورة البوار. كانت قاعات قلعة روشفورد ومخازنها الخاوية تفتح أبوابها لعائلات القرية لتخزين غلالها وعلفها وما تكنزه الأسر من نفائس قليلة.
وخُصص الخيط والقماش من مخازنه الخاصة لنساء القرية لتوفير مؤونة غزلها ونسجها بأنفسهنّ. وجرت استعدادات عديدة أخرى. رسائل ووعود لقرى روشفورد ومزارعها تمنحها الصوف والقماش نفسهما اللذين يوزعهما الأب محلياً، إن استطاعت قطع رحلة الوصول. وكلّ ذلك لسدّ الفجوة التي ستنفتح حين يحشد الجنود. بضع مئات ونيف من أقوى رجال البارونية وأصلبهم. أيدٍ قوية لن تتوفر لحصاد قشّ الصيف الأول، أو قمح الصيف المجدب.
ليس في القرية قرب منزل جويل فحسب، بل في البارونية بأسرها. ورغم أنها لم تدرِ القليل عنهم، فقد سمعت جويل أصداء الحشد المخطط له في كلّ الأراضي التابعة للكونتيسة باتوري مباشرة، أو المرتبطة بروشفورد كأتباع لها. إذنوفيّ بأسرها، التي بالكاد رأت شيئاً منها في جولتها اليتيمة مع الأب، ستحشد قواتها. لم تحدد الكونتيسة بعد مكان تجمع الجيوش، لكنّ الاستعدادات كانت تجري على قدم وساق في أراضيها كافة.
تطير الحمام ذهاباً وإياباً في سماء روشفورد، حاملة الخطط والمداولات مع الأب حول المكان الأنسب. وبصفته سيد الغريفون الأول، كان صوته الموثوق وقائده المفضّل بينهم في فنون القتال والصيد من الجو. أمكن جويل استنشاق مدى توتره وهو يقرأ رسائل المراسلات الموجهة إلى كاكيتيه ويكتبها. لوّن كلّ ذلك أفعال القرويين في عين جويل. كان حراثة الربيع قد أُنجزت في نصف الحقول تقريباً. وبدا أن القش والقمح المزروعين مسبقاً ينموان بشكل جيد بناءً على أعوام أخرى حلّقت فوقها.
غير أن نساءً كنّ في الحقول أكثر المعتاد في مثل هذا الوقت من العام. عربات محملة بنفائس البيت وحزم ملابس وأواني حبوب تقوم برحلات متقطعة صعوداً نحو الحصن. وقد بدا حصناً حقاً الآن، أكثر مما كان طوال حياتها. اختفت الحدائق عن جدرانه. المشاة يسيرون على أحجاره، بل ثمة بضع بنائين يتفقدون المواقع التي طالما اعتادت رؤية ملاطها المترهل والمتفتت أو يدعمونها. رأت جويل الرماح والقوس بين رجال القرية وغيرهم أيضاً.
بانت دلائل متفرقة لنساء وفتيات يشددن الأقواس. سواعد ترتجف عند الشّد لكنّ اليقين والألفة باديان في ظهورهن رغم أن العضلات بدت مشدودة ومهملة طويلاً. وأخريات أطفال يصنعون من خرق الجلد البسيطة أو القماش مقاليع. تعجّ القرية وسط أعمال الموسم المعتادة بأسلحة تُصنع أو تُخرج من المخازن. مقذوفات تُطلق، حجارة كانت أم سهاماً، وغالباً ما كانت تخطئ الأهداف المرسومة لها. لكنّ جويل رأت وسط هذا كله تغيّر طباع بيتها.
الأطفال يشجعون على الرقض في الحقول. أو يلعبون لعبة الاختباء في الغابات. العائلات تلتف متخاطفة الأحاديث. بيت جويل يتغير من حولها، ولم يبقَ شيء بمنأى تامّ عن خطر الحرب الزاحف باطراد. حين استدارت عائدة نحو الساحة لتستقر هبوطاً وربما لتدريب آخر من نوع ما، لمحت شيئاً غريباً. شخصية ترتدي راية رسل المملكة وألوانهم على ظهرها وعتادها. الحصان مسجّى بقماش فضفاض على جنبيه. وقد ابتلّ عرقاً رغم برودة الجو الموسمية المستمرة.
كان يتحرك بخطوة خبب سريعة تذوي المسافات وتنهك جواده لو واصل تلك الوتيرة. متهجهاً مباشرة نحو قلعة روشفورد. غاصت جويل بسرعة ما إن تميزت الشعار!رؤيتها له تقاطع هبوطها، وصوتها ينطلق حاداً صافياً نباحاً.
"أفسحوا الطريق!"لم يكن الوقت يكفي أبداً المشاة وغيرهم من طاقم التدريب في الساحة للفرار من هبوطها الوشيك.
أبطأ أحدهم قليلاً فصدمته قوة هبوطها المتعثر. نشرت جويل جناحيها متأخرة ولوحت بهما بقوة، فدفع هواء نار التنين الرجل المسكين بعيداً عن قدميه، لكن لم يكن لديها وقت. لقد غاصت لكن الرسول لم يكن بطيئاً وسيعبر القرية بأسرها في أوانها.
"آسفة! يجب أن أخبر أبي!"تزلجت جويل عبر الساحة ثم في ممرات بيتها، شاقة طريقها إلى دراسة الأب.
كادت تخلع الباب عن مفاصله بطريقة لم تفعلها منذ كانت في السابعة.
"أبي!"مع دخولها نهض الأب واقفاً، وبدا على وجهه قلق طفيف لكن جويل استنشقت ذلك الخوف القديم العالق به حتى الآن.
أوقفت نفسها فجأة، مجعدة سجاد مكتبه في عجلة كبح كتلة ملفاتها الملتفة.
"رسول!"لم تشأ أن تثقل كاهله هكذا، وألمت بها كشرة حاول كتمانها أشد إيلاماً من سهام تدريباته كلها.
"رسول يا بنيتي؟"أومأت برأسها، مدركة أخيراً كبح زخمها تماماً قبل أن ترتطم بمكتبه حقاً.حفرت مخالبها عدة آثار ضحلة في الأحجار تحتها، توقظها جزئياً من خمولها عند الجروح الطازجة المفاجئة ووجودها المألوف.
"رسول قادم من الشمال، يمرّ للتو بالجدول القديم. راكب يحمل شعار المملكة."
تمنت جويل لو استطاعت فعل شيء للمساعدة سوى هذا. لتمنع أباها من أخذ نفس عميق وزفيره في تنهيدة طويلة.
"شكراً لك يا بنيتي. سألقاه في قاعة الطعام حين يصل، اذهبي وأخبري أمك لتكون حاضرة هي الأخرى."
أومأت جويل لأمره والتفتت حول نفسها لتخرج من الباب مجدداً دون الحاجة لملء دراسته جزئياً في هذه الأثناء. تخطو وثباً في الممرات لتجد المكان الذي سمعت آخر مرة أن أمها فيه. كلمات الكونتيسة عما قد يرغب الملك الأعلى ماتياس من المملكة في فعله بها تتردد صعداً وهبوطاً بين أذني جويل.
"بدون حمايتي سيأخذها ولن تروا بعضكم أبداً مجدداً."