7.9 استثناء عواصف أشدّ من المعتاد، مرّ الشتاء هادئاً كعادته. طافت جول في القرية، واطمأنت إلى العريف الجديد لتعلم أيّ البيوت أشدّ حاجة إلى لهبها أو قدرتها على السير في كل طقس بارد وممطر بلا أذى. كان الهدوء تامّاً لولا تغيير واحد. جعل الأب وبرومثيل المشاة يتدرّبون في كل يوم صافٍ. وتغيّر جدولا ألكسندر وجول ليضمّا إليهما. تدرّب ألكسندر على القوس والتحمل والتقوية والسيف.
وتوزّعت تدريبات جول أصنافاً. تتبادل وتتداخل حسبما تسمح به ظروف الطقس وتوافر وقت البقية. في الصنف الأوّل، يقفت في الساحة لتواجه عشرة رجال أو أكثر دفعةً واحدةً في عراك مختلط. ومُنعت من الطيران أعلى من جدران الحصع. وكما في السابق، كانت القاعدة أن يُحتسب أيّ لمس لها أو من الرجال علامةً ضدّهم. نادراً ما خرجت جول من تلك الجلسات بأقلّ من خمسين علامةً ضدّها، لكنّها كانت تتسلق ببطء لتسجل نصف ذلك العدد تقريباً على المشاة.
كان الصنف الثاني أقلّ أصناف التدريب حبّاً إلى نفس جول، لكنّ الأب أصرّ على فعله. بدأ الأمر بأكبر عدد ممكن من الرماة الأكفياء المتاحين، بما في ذلك الأب وألكسندر. وما إن جُمِعوا حتى شدّ الجميع أقواسهم القصيرة ذات السحب الأسرع، وأطلقوا واباً من السهام الخشبية البسيطة لسهام التدريب نحو جول. في الأيام الخمسة الأولى من التمرين، سُمِح لها أن تصدّها كيفما شاءت وأن تواجه الاتجاه الذي تُطلق منه.
كانت هجمات لهب التنين غريزتها الأولى، لكنّ جول أدركت سريعاً أنّها لا تستطيع مجاراة دفعات النفَس أو التيار المستمرّ بما يكفي للدفاع عن نفسها ملائمةً ضدّ المطر الحرفي من المقذوفات الخشبية المنهارة عليها. بعد ذلك، حاولت استخدام جناحيهالدفعها عن مسارها، لكنّ ذلك أيضاً لم يكن كافياً أمام القصف المستمر. عبرت بعض السهام رغم الاضطراب إما بأمر الأب بتغيير الزاوية أو بمجرد الكثرة المحضة.
في اليوم السادس، أُمِرَت جول بالاستدارة بعيداً عن خطوط الرماة. وهو ما وجدته جول غير عادل أيضاً لكنّ الأب نقض اعتراضها. ولم تنجح إلا بالكاد في خفض العلامات ضدّها إلى ستّ وسبعين ضربةً حُسِبَت بمزيج من عين موريال اليقظة والفحم من رؤوس السهام الخشبية المحترقة التي تركت آثاراً سخاميةً على حرشاتها. لكنّ عدد تلك العلامات تصاعد إلى المئات بعد ذلك. صار تفادي الضربات وصدّها أصعب بكثير حين مُنِعَت من النظر إليها وتوقّعها مسبقاً.
كان الصنفان الثالث والرابع من أيام التدريب أقلّ إحراجاً وإحباطاً من وجوه. لكنّهما كانا أسوأ من وجوه أخرى. فبينما تقيّدت جول في العراك وتمرين الرماية بعدم الصعود عالياً، كان الصنفان الثالث والرابع في الهواء. كان الصنف الثالث تدريب هدف، لكنّ من نوع وجدته جول أدقّ حتى من عمل المغزل! كان الأب يطير معها، ثم يطلق أحد سهامه التدريبية في نقطة بالغة الصعوبة لتهبط جول عليها.
عادةً وسط أغصان الغابة العارية. ثم توقّع منها أن تصيب بلهب تنينها عين ما أصابه السهم لا غير! لم يكن هناك من يشهده أو تخيبه سوى الأب في هذا التدريب، لكنّ أيّ شجيرة أو فرع شجرة أو صخرة لمستها بلهب تنينها كانت تجلب نظرات صارمة وإشارات بلغة الطيران. ذراع التابع. رأس القائد. ساق الأخ. عرفت جول ما يعنيه. إن اضطرت لاستخدام لهبها وأخطأت هكذا فلن تكون الصخور أو الشجيرات أو الأغصان هي ما يتحول إلى رماد لا شيء سواه.
بل سيكونون الأصدقاء المحتملين والمشاة والحلفاء والأقارب. التابع، القائد، الأخ. سميثسون، برومثيل، ألكسندر. التذكيرات في كل مرة بأنّ هذه لو كانت معركة حقيقية لربما شوهت أو قتلت أحداً تهتم له. كان ذلك التدريب أسوأ الأربعة. صار محتملاً لوقت قصير مع الأب لكنّه فظيع أيضاً. جاء صنف التدريب الرابع في المركز الثاني بفارق ضئيل. شابه العراك وتمرين الرماية مجتمعين. لكن لم يكن هناك اثنا عشر أو عشرات من المشاة ضد جول.
كان الأب وزيفيرفام وحدهما. وحيث اقتصر العراك والرماية على الأرض وجنحا جول المقصوصين مجازاً. كان الأمر هنا في السماء المفتوحة. جول ذات الشتاءات العشر الآن ضد أبيها ومهارته في الرماية وفن الطيران. لا تزال سهام تدريب. خشب شاب خفيف ما زال طريّاً بالحياة، غير مُصلّب أو مُتوّج بمعدن أو مُثبّت بريش. مُنحوتة فحسب في هيئة سهم مفرط الطول والغلظ. ورغم كل التسهيلات لجعل أعواد الخشب المدببة أقلّ فتكاً.
كانت لا تزال تُطلق من قوس الغريفين الكامل للأبي. وبالتأكيد تماماً مثلما لن تلحق بجول ضرراً سوى كدمة لاذعة مؤقتة لا تجعل الألم أقلّ. في المدى المتوسط، شكّل بصر الأب الحاد وقوسه تهديداً. صار تفوق الزوجين مستحيلاً على جول لأن الغريفين يستطيع الطيران أسرع. ثم كان هناك زيفيرفام نفسه الذي يجب التعامل معه أيضاً. إن حافظت جول على مسافتها أو محاولة الفرار، كان الأب يجذب الغريفين إلى الارتفاع أسرع مما تستطيع جول رفع نفسها ثم يضرب من أعلى برماح خشبية معاقبة.
لكن إن تقاربا! امتلك زيفيرفام أربعة مخالب ومنقاراً ضخماً لتتعامل معه. لم يكن برشاقة جول لكنّ الكثير منها كان متاحاً ليحاول خطفه أو مخلبه أو عضه أو ركله في تمريرات الغطس. تقاربا وافترقا ومرا ببعضهما بينما حاولت حشد نفسها ولهب تنينها للدفاع. سواء في الضغط والدفع بجسدها عبر الهواء أو الارتفاع بغتةً ولكن بعنف أكبر أيضاً. عوضاً عن نيرانها الكاملة، استخدمت جول دفعةً وميضيةً فجأةً.
ساطعةً بما يكفي لإدماء العيون، ولربما حرق جزء طفيف من الشعر أو الريش لكنّها غير ضارة بخلاف ذلك.
بما يكفي لجعلهم حذرين والعمل «علامةً»
ضدّ أبيها حين نجحت في غمره بالتوهجات البيضاء.
لم يكن هناك من يسجل النقاط سوى الأب وجول، لكنّها استطاعت عدّ المرات التي أوقعته فيها في «نيرانها»
بمخلب أمامي واحد. واستطاعت الشعور بالكدمات التي تراكمت في نزالاتهما حين نال منها هو أو الغريفين. كان التفاوت واضحاً وكان لحمها اللاذع أكثر من كافٍ كتذكير بفشلاتها. كان الأب لطيفاً دائماً معها بعدها. ولم يعضّ زيفيرفام أو يخدش بأقصى ما يستطيع هو الآخر. كان ينظف ريش حراشفها ويهدل ويحتك بها حين يكفّان عن النزال. كان كلاهما يحاولان أن يكونا في غاية اللطف والتكيف مع قلة خبرتها قدر الإمكان.
حاول المشاة في العراك والرماية أيضاً ألا يرهقوها بشكل مفرط. لكنّ الواضح كان تفوق جول الساحق أرضاً وجواً رغم جهودهم. وكما أخبرها أبوها في يوم التدريب الأوّل. احتاجوا إلى أن يكونوا أقسى ما يمكن لتعلم بأسرع ما يمكن. لقد أحبها، وسيفعل كل شيء لحمايتها وتدريبها للحرب القادمة. وكان هذا جزءاً من ذلك. استطاعت رؤية ما وراء شجاعته، ورؤية كم الخوف في عينيه. استطاعت جول تذوقه في عرقه العالق في الهواء.
بالكاد بدا الأب هادئاً أو سعيداً منذ التقيا بالكونتيسة باثوري. عرفت جول أنّه قلق بغض النظر عن شكلها أو صوتها بين المشاة. لم تتذمر جول أو تنكمش أو تعرج إن استطاعتها. كان هاماً أن تبذل كل ما تست