6.5 ظنّت «جول»
أنها اعتادت دور الترحيب في قواعد الضيافة والولائم. لقد كانا ضيفين في أربعة منازل بالفعل طوال رحلتهما.
ومن المفارقات أن أولها لدى الأب «هيربورت»
كان الأكبر.
الشبه بغرفة جماعات معبد كان ملاحظة دقيقة من «جول»
إذ علمت لاحقاً أن ذلك هو غرضه الأساسي بحسب «تسولوغوثولان».
لكن قاعة ولائم الكونتيسة «باتوري»
كانت أكبر حتى من قاعة الأب! ولو بفارق بسيط.
هيمنت على القاعات أعلى نوافذ زجاجية رأتها «جول»
قط. لتسمح بدخول آخر بريق من الضوء الأحمر الذهبي.
لكن لتعويض ذلك الضوء كان هناك ما لم تره «جول»
من قبل. أربع تحف فنية لامعة. منحوتة من معدن أصفر متوهج عملياً وزجاج متداخل مع شمع أبيض ناصع يحترق بغزارة. رائحة شمع العسل انجرفت بضعف نحو الطاولات في الأسفل. معظمها تصاعد إلى مركز السقف لينضم إلى عمود من الحرارة.
علقت بسلاسل متلألئة وملأت الغرفة بإضاءة بارعة للحد الذي جعل «جول»
تشك في وجود تعويذة ما فاعلة في صنعها. ومما زاد في إضاءة قاعة الكونتيسة موقد صلب في المنتصف، مصنوع من مزيد من ذلك الحجر الشاحب. لكنه منقوش بنقوش بارزة تظهر مسير الجيوش والغرابين ضد ثعبان الطاغية التنين الواسع بصورة لا تُقهر. تألقت الفحمات المشتعلة المرحة الساطعة بألوان حمراء وبرتقالية وأبت أن تهدأ لتصصدر أزيزاً مع دهن عشر خنازير كاملة تدور على سفود. إن لم تخدعها أنفاسها فقد حشيت باللفت والتفاح، وغُلّفت بنوع من الصلصة المصنوعة من العسل والقشطة وألذ التوابل التي شمّتها قط.
كانت الرائحة حلوة وغنية وتصدر أزيزاً كالnar تقريباً، زهرية لكنها عصية على التصنيف في جدتها. مهما يكن ما صُبغت به فقد منح كل خنزير برّي أنثى كاملاً لوناً برتقالياً زاهياً وغنياً أعاد إلى ذهنها غروب الشمس. وحول الموقد ووفرته المشوية بلذة وُضعت الطاولات.
كانت هناك ثلاث، وكل منها أكبر من أكبر طاولة في «روشفرد»
وأكثر صلابة إلى جانب ذلك، مع أرفقها التي وُضعت على منصة خاصة بها مع جانب واحد فقط من المقاعد يواجه الممر.
هذه الطاولة العليا هي حيث جلست الكونتيسة «باتوري»
والأب والرجل الغريب ذي الرداء الأسود المطرز بالاحمر.
وانضم إليهم أربعة أشخاص آخرين لم تعرفهم «جول»
برائحة أو بصر، مرتدين مستوى مشابهاً من الأناقة لأفضل ملابس الولائم الخاصة بالأب. بطبيعة الحال، كانت الكونتيسة في المنتصف في أرقى مقعد منقوش. على يمين الكونتيسة كان هناك كرسي مساوٍ لكرسيهما في الارتفاع والفن لكنه فارغ بوضوح تامّ. جلس الأب على يمين الكرسى الفارغ الميمون. ثم على يسار الكونتيسة كان الرجل ذو الرداء الأسود والشعر المستقيم بشكل مزعج. شُغلت بقية الأماكن بغرباء يرتدون أزياء ذات بذخ مقارن، لكن بالنظر إلى مواضعهم فمن المؤكد تقريباً أنهم مواقع مفضلة في بلاط الكونتيسة أو أتباع مباشرون مثل الأب.
على الطاولة الواقعة على يمين الكونتيسة حيث مُنحت «جول»
جانباً كاملاً من الطاولة لنفسها. شأن مترف وواسع يوفر حرية الاسترخاء ببراعة متزنة وكرامة ملكية مطلقة تماماً كما علّمتها الأم. بدلاً من المقعد، سُمح لها الاستلقاء على أرضية حجرية منحوتة جيداً مع متعة رائعة تتمثل في سجاد منسوج ببراعة يعود تاريخه إلى تسعين شتاءً على الأقل لتليينها!
مقابل المكان الذي امتلكت فيه «جول»
طبقاً وإبريق نبيذ ممتلئ كان «تسولوغوثولان».
وهو موضع قد يكون محاولة لجعل الأمر محرجاً لساحر المستنقع ليلتفت ويراقب الطاولة العليا ولكنه في الممارسة العملية كان يعني فقط أن كل حاضر تلقى عرضاً توضيحياً مباشرة لحقيقة أن «تسولوغوثولان»
يعتبر وضعية الهيكل العظمي الصلبة مجرد اقتراح مهذب سيتم تجاهله إن كان مزعجاً بأي شكل.
لم تكن «جول»
متأكدة تماماً إن كان لغريب المستنقع عظام وإن وجدت فهي لينة وطرية كبراعم جديدة.
تبعاً ليسار «تسولوغوثولان»
كان «كراوك»
ثم الرجل الذي شكّت «جول»
في أنه أحد فارسي راكبي الغرابين اللذين يخدمان مباشرة تحت إمرة الكونتيسة، إذ طابق لباسه للولائم لباس رجل آخر بالنظر إلى بنيته المماثلة فمن المرجح جداً أنه الآخر. وانحداراً إلى الأسفل كان هناك أربعة أشخاص آخرين يتضح جلياً انحدار أهميتهم وأنهم لا يستحقون الملاحظة.
لم ينجح «برومثيل»
في تأمين شرف تناول الطعام مباشرة مع الكونتيسة. ولكن بالنظر إلى عدم امتلاكه لقباً يذكر جنباً إلى جنب مع من يملكونه، فربما كان ذلك للأفضل.
بعد كل شيء، ليس الأمر وكأن «جول»
كانت لتصر على حضور المسكين «سميثسون»
لكونه تابعها. رغم أن... هل كان مفترضاً بها فعل ذلك؟ كان مفترضاً أن يكون برتبة منتسبة ومعاوناً لها بعد كل شيء. لكن صبي الإسطبل لم يكن مستعداً قط للحفاظ على هندامه بالسلوك الصحيح لوليمة كهذه. ومع ذلك بدا خاطئاً الحكم عليه بتبعية أبدية، فالموضع يفترض أن يكون واحداً يأتي مع احتمال الفروسية في المستقبل!
تمنت «جول»
لو أن الكونتيسة تعلن بدء الوليمة. استطاعت شم النبيذ وهو يدفأ ببطء في إبريقها. وأزيز دهن الخنزير الشهي كان يتطاير في الهواء من المواقد. لقد مرّ وقت طويل منذ وجبة منتصف النهار وقادت طيرانًا طويلاً يقارب حد سرعتها. جعل ذلك التنين يشعر ببعض الجوع ويسعى لإلهاء نفسه بأفكاره.
ربما كان على «جول»
أن ترى إن كان هناك ما يمكنها فعله لـ«سميثسون».
ستسأل الأب عندما تتاح لها الفرصة التالية.
أين كان الشخص المفترض أن يجس بجانب الكونتيسة «باتوري»
تحديداً؟ كان من وقاحة شديدة تأخرهما. مع رنين سكين طعامها على كأس زجاجي صاف تماماً نصف مملوء بنبيذ أحمر عميق لفتت الكونتيسة انتباه الجميع ثم انتصبت لتتحدث. كان المقعد بجانبها لا يزال فارغاً بشكل مزعج في بروزه.
"أيها الضيوف، أتباعي الموثوقون. أنتم هنا في قاعتي الليلة لأنكم بشكل أو بآخر قلب عظام جيوش فيزنوف. ومع وصول البارون «روشفرد» ها نحن هنا مجتمعون معاً أخيراً."
رفعت كأسها الصافي بشكل لا يصدق في الهواء وانضمت «جول»
مع كل الحاضرين في رفع أوعية شربهم الأقل صفاءً.
أخذت «جول»
رشفة تقديرية من إبريقها بعد أن خفضت الكونتيسة كأسها. كانت حلوة بضعف لكنها مُرة أيضاً! غنية جداً بالفعل! هذا النوع عُتّق في برميل عتيق قُطع من شجرة بلوط رائعة، كانت متأكدة من ذلك.
تذوقَت «جول»
أن الخشب قد شعر بلمسة عصير العنب حين نضج قبل ثلاثة شتاءات على الأقل من أن يرتبك النبيذ بنقله إلى زجاجات طينية وُلدت حديثاً عملياً. لمحة همس من عمره وحياته رقصت مع العنب وأرواحها بينما كانت تنساب على لسانها.
واصلت الكونتيسة «باتوري»
خطبتها كما يليق بسيدة بمكانتها.
"والآن هنا في مأمني أستطيع أخيراً أن أکشف عما لم يمكن إرساله جناحاً أو راكباً، قبل أن نتولم ونملأ بطوننا بطعام فاخر ولهب ونشعل قلوبنا بنبيذ فاخر، هناك أمور بالغة الأهمية لكل فيزنوف."
لم تكن «جول»
وحدها في خفض نبيذها إلى الطاولة لتتأمل الكونتيسة باهتمام. كان الأب يتأملها أيضاً من عبر الكرسي الفارغ بطريقة ميمونة.
"لقد وصل إلى مسامعي أن خونة بلا شرف بين جيراننا في المملكة وحتى الملك «ماتياس» نفسه قد تآمروا لرؤيتي أحاكم ظلماً وأُعزل من ألقابي ككونتيسة لفيزنوف وكمتبوعة لكم متعهدة بحق."
كان هناك هدوء مفاجئ في كل من كان هناك.
"هذا الإهانة لم تُرتكب فقط رغم الخدمة التي قدمتها أنا وزوجي الراحل منذ وقت قريب الكونت «ناداشدي» للمملكة. بل يجري التخطيط لفعلها باسمه!"
أخذت ما قد يبدو في البداية رشفة مقوية من نبيذها. لكن كان هناك نظرة غضب حادة في عينيها.
"أنتم جميعا تعرفونني، بعضكم طار تحت راية كونت الراحل عندما حاولت «ماغارسكا» المطالبة بفيزنوف غلباً."
التفتت لتنظر مباشرة في عيني «جول».
"لن أقف مكتوفة الأيدي وأدع «ماتياس» و«ثورزو» يخلعاني لجرائم مختلقة."
التفتت لتثبت الأب بنظرة تلمح إلى المزيد مما سيُقال لاحقاً. ثم التفتت لتكتسح قاعة الوليمة بأسرها. بصوت صاف وقوي.
"كل ما بنيناه معاً في خطر، «ثورزو» دمية الملك، جبان بلا شرف يلعق حذاء «ماتياس» إن أُمر بذلك. إن عُزلت بناءً على هذه التهم فسيُلغي كل الوعود والضمانات التي منحتها لكم. سيقطع فيزنوف وباروناتها أجزاءً. ويوزع أراضيكم على مقربيه."
رفعت الكأس عالياً.
"لكنني لن أقف صامتة أمام هذه الإهانة لشرفي، ولا استباحة ثقتكم بي ومواثيق ولائنا الممتدة عبر الأجيال! ليأتِ العام القادم عند دفء ضوء الصيف الأول حشد كامل لجيوش فيزنوف. إنني أعلن الاستقلال قبل أن يتمكن الملك الخائن من التحرك ضدي. إن كان جيراننا شرفاء فعليهم الانضمام إلينا في حربنا ضد طغيان المملكة!"
أفرغت كأس النبيذ ثم استقرت بنظرتها على «جول»
بابتسامة تظهر أسنانها.
"لكن لا تخافوا، حتى بدونهم سنكون منتصرين. قد تكون المملكة واسعة، لكننا كنا درعها ضد «ماغارسكا» لمئتي عام. وقبل ذلك كان الدم نفسه في عروقنا هو ما حطم التنين الطاغية."
كان الجميع في قاعة الوليمة ينظرون إلى «جول»
الآن أيضاً. واستطاعت تخمين الكلمات الآتية من ذلك وحده.
"والآن لدينا تنين خاص بنا: «جول» التنين اللامع لفيزنوف!"
كانت هناك هتافات ولم تستطع «جول»
فعل شيء سوى الانحناء والاعتراف بالشرف الذي جلبتْه الكونتيسة. لكن رائحة الوليمة الرائعة عندما شرع الموظفون في تقطيع الحصص من الخنازير أو حمل صواني الفطائر والخضروات والكاك المكومة لم تستطع إغراء شهيتها. شعر معدتها وكأنها ملأتها بحجر مغناطيسي. فقط عندما كان الجميع يخوضون في حصصهم ويشربون بعمق من كؤوسهم التقطت نظرة أسف مؤلمة في عيني الأب.