6.3 أيقن جينتر في عظامه العجوز أنّه لن يألف أبداً عواء غريفون الحرب، ذلك النداء العميق المرعب والجارح بحدّة. ولا حتى لو عاش خمسين شتاءً أخرى. اعتادت الحكايات والملاحدي تشبيهه بأصوات الذئاب وصيحات النسور. هكذا غنى المنشدون جميعاً. لكنّ أحداً ممّن سمع أياً منهما لم يكن ليخطئ ذلك النداء ويحسبه شيئاً آخر. زعم بعض أهل الشمال أن صوته يشبه صوت الأيل العملاق، غير أنّه أعمق وأقسى وأكثر نذير شؤم.
كان الصمّ يشعرون بصوت غريفون الحرب يجلجل من داخل صدورهم إذا اقترب بما يكفي. بل كان صراخه الحاد يبلغ الآفاق. اعتادت أحدث عناصر الحامية في ساحة المعركة الفرار مذعورة إن باغتتها تلك البجعة العميقة الهادرة. وحين يقترن ذلك بالموت المنحدر من السماء حين تكون غريفونات العدو في الأجواء؟ لم يكن يتطلب الأمر سوى رؤية قائد على جواده الفاره وقد اخترق الرمح حنجرته وخرج من أسفل ظهره، من تلك الرماح المرعبة المسماة سهاماً، ليجد المرء خوفاً عملياً أشدّ لتهذيب الشجاعة والشباب.
قضى جينتر فتره خدمته في جند جيش الكونتيسة صبياً أحمق. استدعي للحرب حين زحف الملكوت ضد مملكة ماغارسكا في الجنوب. وفي غمار الزحف جنوباً، شهد جينتر ذلك الرعب المتمثل في أسياد الغريفونات الأعداء وهم يعيثون في الجو بلا ممانعة. لم يكن رعب شحنة فرسان، رغم أنك إن وقعت في متناول مخالبهم فلن ينقذك سوى القليل من الدروع. لا أهمية لسمك المعدن إن تمكن الكائن من ضربك بقوة تطير برأسك بعيداً، درعاً كان أو لم يكن.
قد تنقضّ الغريفونات الأصغر من الهواء في غطسات مميتة، ويمكن للغريفونات الأكبر حجماً فعل ذلك أيضاً إن نفدت تلك السهام من فرسانها. لكنّه فعل نادر، لا يحدث إلا حين ترتكب حماقة الانفصال عن بقية الجيش بينما فرسان غريفونات العدو يسيطرون على الأجواء بلا منازع. كلا، لم يكن رعب غريفونات الحرب في مخالبها أو مناقيرها أو سرعتها المرعبة التي تجتاح بها السماء لتقطع رؤوس الرجال عن أكتافهم أثناء المرور.
ولم يكن في قدرتها على إنهاء غطساتها المرعبة بغرس نفسها بغتة وبصوت هادر من السماء لدرجة أن صدر الرجل المضروب يتطاير إرباً حولها. كان الخوف الحقيقي من فرسان الغريفونات، ولا سيما أولئك الذين كانوا أسياداً أيضاً، كامناً في السهام. كانت تضرب من السماء، غالباً بلا إنذار سوى صرخة التجمع الصادرة عن غريفونات المرء نفسه. إن حالفك الحظ أتيح لك الوقت للتحصّن والانحناء بعيداً عن الأنظار قبل أن يضرب أحدها من حيث لا تدري.
أطول من قامة فرس أو جذع فارس. تقتلك قبل أن تدرك حقاً أنّه قادم. تلاشت أي أحلام شبابية بأن تصبح جندياً مشاة وترتقي إلى القيادة كقائد أو حتى ملازم في اليوم الذي رأيت فيه ما يحدث لأولئك الذين بلا دعم من فرسان الغريفونات الحلفاء. كان لا يزال يسمع صوت الخشب الثقيل والمعدن وهو يهشم العظم واللحم والدروع. كان القضاة يترنحون كالكلأ تحت الأقدام. أحياناً كانت الضربات تخترق القائد وتردي الحصان الذي يمتطيه قتيلاً!
لن يألف جينتر عواء غريفون الحرب في الصيد ولن يرتاح إليه. موت طائر في السماوات. لكنّ ذلك لا يعني أنه لم يكن في الشارع ليشهد استعراض وصول أحد فرسان الغريفونات التابعين للكونتيسة. يبحر بوقار في درعه اللامع. لم يكن جينتر يدري أيهم هذا، فعيناه لم تكونا صلبتين بالقدر الكافي لتبين الشعار المرسوم على صدر البارون المحتمل وهو يهبط ببطء فوق الشارع الرئيسي الواسع في كاكيتيه.
لكن صرخة النصر المرعبة الصادرة عن الغريفون التفتت لها رقبته. ومن ثم تردّد صدا ما لم يتخيل جينتر قطّ أنه سيسمعه بعدها. كان الصوت معدنياً، أزيزاً، قاسياً وواسعاً بلا حدود. بدا كמשط حديدي يمر على نصل. كان صياح ديك. بدا كصرخة نصر. بدا ككل هذه الأشياء. بالشكل ذاته الذي تشابهت فيه ترنيمة طائر رقيق مع عواء غريفون الحرب. غمر العالم بالصوت والسلطان. بدا كزئير نار مرّ عليه خاطفاً ولفت نظره إلى الهيئة المبحرة خلف سيد الغريفون.
أسكت زئيره المدينة ورأى شمس الأصيل تلتقط قشوراً متلألئة، تلمع كالذهب، أفعى أطول بأربع مرات بسهولة، أو ربما خمس، من الغريفون الذي يقودها. أشكال ضبابية قد تكون أجنحة ممتدة للانزلاق. لكنّ ذلك كان أقرب بكثير ممّا يمكن لأي فارس غريفون آخر اتخاذه خلف قائد. كان يعلم مدى قسوة أعقاب غريفون، حتى وهو ينزلق، عندما يعبر. جدار من الرياح العواء القادرة على تسوية الرجال غير الثابتين والضعفاء أو المرضى.
وتلك الهيئة الأفعوانية المتلألئة التي مرّت بها عيناه الهرمتان كانت تسبح في ذلك الإعصار غير آبهة تقريباً بالجهد. خفت الصوت وعبرا، وما زالا في علوّ سحيق. مضيا قدماً متجاوزين أسطح منازل كاكيتيه الوسطى ومتابعين إلى مكانهما المقدر في الفناء الأخير عند الحصن نفسه. بارون وسيد إذاً بكل تأكيد. كان الفرسان ليهبطوا في قلعة السور التي تفصل الحصن عن البذخ الأقل للمنازل الثرية في كاكيتيه العليا.
أصدر الغريفون صرخة أخيرة تهز العظام في البعيد. بادياً أصغر لأسباب تتعدى مجرد المسافة وهو يعلو قبل هبوطه الأخير. تماماً كما حدث سابقاً، تردّد صدى ذلك الجدار الهائل المغرق للصوت. خانقاً لكل ضجيج آخر. والتفت شكل الأفعى المتلألئة ذات الأجنحة ربما صعوداً ودوراناً حول سيد الغريفون بينما كان يتخلص من سرعة الغطسة المنزلقة. ثم غطس برشاقة وسلاسة تعادل تتبعه في الأعقاب العاتية حتى تلك اللحظة بينما استقر وحش الطير برفرفة علم جينتر أنها قادرة على تسوية هجوم مارشلينغ.
لم يسمع المنادين أو بقية المراسم من هنا. لم ير الكونتيسة. لكنّه رأى بوضوح ما يعنيه هذا. لن تقتصر الأجواء على غريفونات الحرب وحدها عندما تحشد لمعركة قادمة. بدت المدينة بأسرها كمن يستوعب تلك الحقيقة معه في صمت مشترك. لم تجسر حتى نباح الكلاب أو صيحات طيور النهر على مخاطرة اتباع الهمنة التي جلبها ذانك الزئير. لم يبكِ حتى الرضع. وببطء فقط بدأت أمواج النهر على المرسى واحتكاك القوارب على الأرصفة تعيد المدينة إلى الحياة والحركة والصوت.
شق جينتر طريقه نحو الحانة، فقد كان بحاجة لسماع ما رآه أصحاب العيون الأوضح والأصغر سنّاً، وما قاله أولئك الذين يستمعون في الأماكن الثرية أو يسمعون همس البلاط. ليكتشف ما باتت تأمر به الكونتيسة.