التنين اللامع الفصل 471

اقرأ التنين اللامع الفصل 471 باللغة العربية على مانجا تايم.

بدا لي هيبورن إلى فرخ التنين الذي يشبه تماماً الطفلة التي خدعته تماماً من قبل والتي علّمها، وكان الأمر مقلقاً. كانت بطولها يوم التقيا، بالطول الذي اعتاد رؤيتها عليه، وبدت مطابقة تماماً لنفسها. لكنها لم تكن كذلك. حتى بعد ثلاث سنوات من فقسها، بدا الأمر غريباً للغاية. لقد طالت لتبدو تماماً مثل جيم.

لكن ذاكرتها هي ما بارز، إذ لم تذكر الدروس ذاتها التي حفظتها من قبل، أو بالأحرى لم تستحضرها إلا حين يذكّرها هو فتُسرع إلى «أُمّها»

لتذكيرها. كان المنظر عجيباً، تنتقل من طفلة حائرة ومحبطة لعجزها عمّا ترجوه، ثم لا يمرّ سوى ساعة لترتجل وتتكلم وتناقش بطلاقة عهدها بها من سلفها. كان الأمر مزعجاً، سيّما بالنظر للمهمة التي كلّفته بها الكونتيسة، البحث عن مرقد الأرواح الراحلة. أخذ يخشى ألا يجدها، برغم رغبة الكونتيسة العارمة في العثور على والده وكابتنه السابق والاطمئنان على سلامة روحيهما؟ خلص ليو إلى أن مثل هذا الإنجاز ليس ممكناً في عمر إنسان واحد.

ربّما ليس في عمر مئة حياة. ربّما كان مستحيلاً بالكامل، ربّما لم تكن هناك أرواح أصلاً لتعثر عليها؟ مجرد ذكريات، كصديقة سيدته الراحلة منذ أمد، قصص منقوشة على جلد بقرة. أو كالنقش المشابه الذي بدأ على إهاب الثور.

مثلما تستطيع «جيم الثانية»

أن تبدو شقيقتها الكبرى ذات يوم ثم تجد نفسها في ارتباك مرعب فجأة حين يذكّرها بما لا تعقله بعد. أهكذا تكون الحياة بعد الموت؟ طفلة تُحشَى بالذكريات الناقصة للأموات، كصفحة يُصحَّح فيها خطأ. ولكن أن يرى ذلك يقع في فرخ التنين؟ وفي ابنة الكونتيسة بالذات؟

«أتذكرين ما قاله جالين في شأن معالجته للطاعون العظيم؟»

رقب الأمر، التأمل المألوف يعقبه اتساع عين ذعر، والتوشد في منكبي طالبته الجديدة وعنقها، والطريقة التي بدأت تتراجع بها قليلاً إلى الوراء بينما علت حمرة وردية تحت حرّاشفها.

«أ-أنا ف-فقط لحظ...»

وضع ليو يداً على منكبها، ممسكاً بها برفق، ليس بما يكفي لردعها حقاً، فهي أشدّ صلابة ممّا تبدو وبراعة مرعبة في الإفلات من الاحتضانات في حلبة النزال، بيد أن يد ليو كفت لتثبيتها على أي حال.

«لا بأس يا جيم، لا أمانع إعادة الأمر من أجلك، حسن للإنسان تجديد ذاكرته في مثل هذه الأمور، وسيفيدني أنا أيضاً. فهلا نراجعها معاً من فضلك؟»

عقدة الحاجبين الحائرة يعقبها التأمل الواضح الذي ألفه وتفرّدت به هذه الجيم الجديدة، وما كان ليستطيع الجزم بطبيعة فراخ التنين وكيفية عملها، ولكن بدا له تغيّر في طبعها على الأقل.

أكان ذلك لأنها والكونتيسة تؤكدان تغيّرهما بتجربة الموت والاحتضار، أم لأن هذه حياة جديدة تطمرها الذكريات؟ما كان ليو ليجري جواباً.«لمَ لا تخبريني بما تذكرينه يا صغيرة، ثم نتجاوز الفجوات معاً هه؟»

رقب الشك يعلو ذلك الوجه المُحرشف، ودوران العينين حين يبتّ أي لغز من حكمة الشباب والشيخوخة وراءهما في ما يفعله، وتتكرر صحة استنتاجاتهم مراراً وتكراراً.«حسناً، لكن لذاكرتك لا ذاكرتي يا قسيس هيبورن، وسأتشاور مع ’أمي‘ لاحقاً.»كان غريباً أن تنطق الفراخ كلها بكلمة «أمي»

حين تعنين السيدة جويل على الدوام بتكلف، بخلاف إشارتهما للأرملة روتشفورد جدتهما بحرارة وشعور، ولكن كلما أتين على ذكر السيدة التي ولدتهن حقاً؟ فقستهن؟ كلما تعلق الأمر بالكونتيسة ذاتها ظهرت نبرة سخرية، وتجرّع متوقع. بدا ذلك أجلى في الفتية جيم، لكنه سمعه في المرات النادرة التي تتكلم فيها فراخ المحاربين كذلك. لم يرين الكونتيسة أُمّاً لهن، ليس حقاً.

تكلمت، بصوت حازم، مطابق تماماً لما كان عليه لكنه أطوع وأكثر لحنية ممّا أفلحت فيه جيم في أوجها.«في زمن... خلال... خلال طاعون شديد السوء في أزمان كانتور القديمة كان جالين... مُعالجاً؟ رجلاً يستطيع مخاطبة الملوك وتضميد الجراح، وصنع شيئاً، شيئاً أحمق، طالَب بما لا يصحّ؟»أومأ ليو، محافِظاً على هدوء وجهه، مبتسماً قليلاً بالتشجيع لمساعدة الفتاة في إحباطها، محاولاً حثّها على محاولة استنفار ما تملكه من ذكريات الآن قبل أن ترجع لأمها فتغسل جهلها وتطمس كلماتها.

«آه نعم، هكذا تماماً، استغاث جالين بالملوك، فطالب بأن يقوم الموتى والمرضى بصحة تامة، واستجابت له الملوك، ومنحته تماماً ما سأل، ولكن المرض بقي، ومشي الموتى لكنهم ظلوا يتعفنون، ولم يكونوا أحياءً بالكامل، وهم...»

توقف، كانت ترتجف، وتتفضض، وحنجرتها تنقبض وصدر منها أنين واهن.

قبض على منكبها بإحكام وصاح: «جيم!»ارتجفت، وهزت رأسها، وطردت الدموع من عينيها برموشها، ثم التفتت إلى حمرة أشدّ، جارة رأسها للخلف أكثر ممّا يطيقه أي إنسان.

«أ-أنا آسفة القسيس ليو، أنا...»قاطعها، بصوت رقيق، لين، هادئ كما تدرّب لمخاطبة الثكالى: «لا، بل أعتذر أنا، لقد نسيت، أنك تعلمين أكثر مني أيّ أمر فظيع فعله جالين رغبة في الرأفة، ومحبةً لعمل الخير.»

أحقاً احتاج للقلق؟ برغم إمعانها المتكرر في غرقها بسحر التنانين العجيب، لم تغسل الذكريات تلك الشابة التي صار يعرفها. جيم، الثانية، كان عليه تذكير نفسه أحياناً، ارتجفت وأومأت بقوة.

«حقاً، لو أنه جعل العشرات، المئات، بل الآلاف يشعرون ولو بنصف معنى أن يكون المرء ميتاً وحياً... لم تكن تلك رأفة.»

طنّ صوتها في الكلمات الأخيرة، والنظرة الغاضبة تَعقد حاجبها بحدة أشد لبريق الدموع في عينيها. أخذ ليو نفساً عميقاً، ولكن قبل أن يتدارك بأن السجلات تقول إن معجزة جالين مسّت عشرات الآلاف على الأقل في إمبراطورية كانتور القديمة، ظهر صوت رطب ونتن تفوح منه رائحة البيض الفاسد. تمنّع، وارتدت جيم عنه، خطت خطوة والتفتت تحدق بشيء خلفه، وحطّت يد لزجة فجأة على منكبها برطوبة تسرّبت في نسيج ثياب منصبه.

«مم، جيم، تتعلمين مع القسوس وعبّاد الملوك الآن؟»

كان الصوت مرعباً، نقيقاً رطباً نتناً، تخللته أصوات خخشة وطقطقة. وكلما طال بقاء تلك اليد على منكبه تيقن أن الأصابع أطول ممّا ينبغي، وحين شعر بأطرافها تنقر عظم ترقوته بخمول عبر ثيابه أدرك أن عدد الأصابع أكثر من الحد. ستة، سبعة، ثمانية...

«أعرفك، ومع ذلك لا أستطيع التذكر...»

بدا صوت جيم حائراً، متردداً، لم يجسر ليو على الالتفات خلفه لمعاينة الشيء القابض عليه، فبفضل ردود الفعل المصقولة لحماية المرء من ملك بري يثبته مكانه راح يتوسل طالبته بعينيه.

تكلم الصوت، النقيق الكثيف المتلاطم الموحل مجدداً: «ممم؟ ما هذا! ألا تعرفين؟! آخ... آخ معذرة! عجبي، أنت نسخة مطابقة لجيم، ألديكم فرخة أخرى إذن يا جويل؟ مبارك! سأذهب لتحية الجزء الأكبر منك إذن.»انزلت الأصابع عن منكبها تاركة برودة لزجة بدت راسخة في لحمه، وما وجد في نفسه جرأة لعدّ أصابعها، بل ولم يكن ليو واثقاً حتى إن كان العدد ثابتاً أثناء استقرارها على منكبّه.

صدر صوت رطب ومبتل آخر، كحذاء عملاق يغوص في طين، ثم سدد عينيه في عيني جيم وسأل بأهدأ نبرة استطاع عليها تدريبه: «جيم، ما هذا؟»عقدت الفتاة حاجبيها، وتاهت عيناها عنه إلى الأرضية الحجرية خلفه.

«أظنها صديقة ’أمي‘ لكني لا أستطيع تذكر أكثر من ذلك. أظن أنها ساحرة ربما؟»رفع ليو يده ليتحسس قماشه المبلل على منكبّه، لكنه وجده جافاً تماماً بصورة مزعجة، والبرودة اللزجة المتسربة في جلده من لمسة الكائن تتلاشى وهو ينفض القماش الجافّ بإزعاج.

لقد أيقن أنه مبلل، غارق بالبلل، لكنه كشعور الأصابع المبهمة المرعبة كان يتلاشى سريعاً.

«أظن أن الأفضل أن نذهب للقاء أمك إذن يا جيم.»

أومأت ببطء، لكن نظراتها كانت شاردة، التفت بحذر على عقبه ببطء، محاولاً لمس بادرة لشيء خطر يُرى قبل أن يراه كاملاً. فلم يجد سوى أرضيات حجرية خلفه بلا شائبة، مع أن كل ركن في داخله أصرّ على وجوب وجود طين أسود هناك. أو بركة، وميض رطوبة. أي شيء. لكن الأرضية كانت جافّة تماماً، وأزعجه ذلك أكثر لسبب ما.

كاد يثبت في مكانه حين أطبقت اليد الحرشفية الرقيقة على يده اليسرى، وامتلا كفاها بإصبعيه، بصوت مرتجف لحين متناهٍ كان أطرى ممّا نطقته جيم قط وهي تهمس بكلمات ملطفة: «لا تقلق يا قسيس ليو، أنا متأكدة تقريباً أنهما صديقي، احتاج فقط لتذكر من هما تحديداً.»

كتم ليو الارتجاف الذي سرى فيه، دافعاً الطفلة الفتية والكهلة معاً لقيادته بعيداً.